فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
المرأة في الجاهلية والإسلام
تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت
الطبعة: 1426 هـ.
ISBN-13:‏ 978-964-8686-15-X
ISBN-10:‏ 964-8686-15-X
عدد صفحات: 61
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الزواج في الإسلام

ودفعاً لما قد يتوهّمه بعض من مجاراة شريعته لما سُمّي فيما بعد ب' «الجنسانية الذكورية» ، أوضح‏* حكمته من عنايته بالزواج بقوله (صلي الله عليه و آله) : «تناكحوا تناسلوا ، فإني اُباهي بكم الاُمم يوم القيامة ولو بالسقط» ، وقوله أيضاً : «سوداء ولود خير من حسناء لا تلد » في روايات الشيخ الصدوق والطبراني وابن عساكر ، حتى إنه جعل الزواج سنة حسنة مؤكّدة شبه الوجوب ، لغاية نشر كلمة الحق « لا إله إلّا اللَّه‏محمد رسول اللَّه» ، فهو لا يرى في الزواج والنكاح إثماً كما في الرهبانية التي ابتدعها المنحرفون من النصارى‏ ، والتي قال عنها اللَّه سبحانه : (ما كتبناها عليهم)، وقال عنها (صلي الله عليه و آله): «لا رهبانية في الإسلام»[الخصال 1: 238، والأمالي للصدوق: 63 و عنهما في بحار الأنوار 70: 113.]،وإنّما * * يرجع أمره باغتسال الطرفين بعد الجِماع إلى توخّيه للنظافة ، وقد قال بشأنها: «النظافة من الإيمان» [بحار الانوار 62: 291، عن طب النبي للمستغفري.]، بالإضافة إلى التعبد به وقصد امتثال الأمر قربة إلى اللَّه تعالى‏ ، وهو معنى‏ التطهّر ، وقد قال اللَّه سبحانه : (ويحبّ المتطهّرين) ، من دون أن يتضمّن معنى التطهّر من الإثم ، وكيف يتضمّن ذلك‏* وقد جعله سنّة حسنة مستحبةً مندوباً إليها مثاباً عليها؟! وهذه الغاية الحكيمة في الشريعة هي التي جعلتها تبيح ما كان سائداً قبلها من التسرّي (اتخّاذ السراري أي الجواري)، من دون أن تحسبها قاذورة من المفترض بها باعتبارها ديناً مُوحىً به من اللَّه سبحانه أن تتنزّه عنها، كما تراها النصرانية المنحرفة بالرهبنة ، ولم يلتزم سلمان الفارسي المحمدي بالعزوبة ، ولم يمتنع عن التسرّي إلّا لكبره ، فلا يمكن أن يُعدّ دليلاً على‏ التزامه بما يُدعى «العائلة الوحدانية الصِرفة». * *

وكما كره الإسلام وكرَّه الرَّهبانية والعزوبة في الذكور ، حرّم العَصرة أو العَضل (منع الإناث من الزواج ظلماً) بل جعل تزويج البنت البالغة من السنّة الحسنة المؤكدة ، معتبراً حاجتها الاُنثوية من الحاجات التي يجب اعطاؤها حقها ، كشفاء المريض واطعام الجائع وإرواء الظمآن ، حتى جعل اتباعه يتحدثون فيما بينهم عن من يعضل اخواته أو بناته أن اللَّه يحاسبه على كل غسلة تغتسلها إحداهنّ وهنّ أيامى‏ (بلا أزواج) .

وأُعطيت المرأة ايضاً حق الشكوى إذا قصّر الزوج عن ارضائها ، إن تركها أكثر من أربعة أشهر مسافراً ، أو أكثر من اربعين ليلة حاضراً ، وكذلك إذا قَصُر عنها بالعُنّة والعجز ، فيجوز لها طلب التفريق عندئذٍ .

وفيما يخص حق حرية المرأة في الزواج جاء في صحيح مسلم عنه‏9 أنه قال : « لا تُنكح البكر حتى تُستأذن ، ولا تُنكح الثيب حتى تُستأمر». *

وهناك حديث أخرجه ابن عساكر الدمشقي عن ابن عباس أن بكراً زوّجها ابوها وهي كارهة ، فأتت النبيّ فذكرت له ذلك ، فخيّرها رسول اللَّه‏9 ، ويُفهم منه أن الأب وافق على‏ زواجها قبل‏* أن يبلّغها به ، ثم بلّغها واستأذنها - كما في الحديث السابق - أي طلب منها الموافقة ، وحسب منطوق الحديث اللاحق يجوز لها النطق بالرفض ، أما إذا سكتت حُسبت موافقة ، ذلك أن العذراء الصغيرة تخجل غالباً من النطق بقبول الزواج ، أما الثّيب وهي من تزوّجت سابقاً ، فقد امتلكت تجربة وعقلاً يخوّلانها تقرير الزواج بارادتها . والذين اشترطوا إذن الولي للعقد إنما نظروا إلى أن المرأة البكر مع اقرار حقها في الاختيار تمنع من انفرادها به مع عدم تجربتها للأمر سابقاً ، وبطبيعة الحال يحتمل غلبة عواطفها على‏ عقلها عندئذٍ ، فيضمّ عقل وليّها إليها دعماً ونظراً لها لا عضلاً وعصراً وضرراً ، أما إذا بلغ ذلك فهنالك القاعدة الفقهية العامة : « لا ضرر ولا ضرار في الإسلام على‏ أحد» ، ثم هم إنما يحصرون الولاية في الأب والجدّ للأب ، ولا يسمحون بها لغيرهما من‏* عمّ أو أخ أو أم ، تضييقاً لدائرة الولاية ، وتوسيعاً لنطاق حق الحرية للمرأة .

بينما كانت القيمومة في الجاهلية للأب بتاتاً ، فهو الذي يقرر مصير الأولاد ويتولى تزويجهم باختياره ، وتبعاً لحساباته الخاصة به ، وكان له حق العضل أي المنع من الزواج ، بل حتى لأخيها ، بل لقريبها إذا أرادها غريب ، فينهى عنها ليتزوّجها هو ، فإذا لم ترض به منعها من الزواج ، ولا تزال هذه النزعة في الأرياف والبوادي العربية ، ويسميها العراقيون النَهْوَة ، وفي نواحي الفرات الشمالية والشام تمسى (الحيار) من الحيرة  -أو من الحجزاي المنع بتبديل الجيم ياءً كما في بعض اللهجات-، وهي محرمة في الشريعة .

على‏ أن الفقهاء فرّقوا بين البكر الصغيرة والبكر البالغة الرشيدة ، فقال المحقق الحلي في شرائع الإسلام : «إن في الولاية عليها روايات ، أظهرها سقوط الولاية عنها وثبوت الولاية لنفسها، فلو زوّجها ابوها لم يُمض عقده إلّا برضاها» ، بل جوز لها أن تُمتّع نفسها ، ولم يجعل لوليّها حق الاعتراض عليها . *

نعم أجاز معظم الفقهاء للوليّ الأب أو الجدّ للأب أن يزوّجا غير البالغين من أولادهما ذكوراً وإناثاً ، واكثرهم على‏ عدم جواز الفسخ لهم بعد بلوغهم ورشدهم ، إلّا أن يكون في غير صالحهم ، وجوزه بعضهم مطلقاً . *

وقد كان من المعتاد في عقد المرأة عند الجاهليين أن يطلّق الرجل زوجته إذا لم يجدها عذراء ، إذ يفترض أنها كانت على‏ علاقة غير شرعية مع رجل آخر ، فالزنى‏ والسفاح كانا خلاف الأعراف محرّماً لديهم أيضاً . أما الإسلام فقد قال ناطقه الإمام علي‏7 لرجل شكى‏ إليه أنه تزوج امرأةً عذراء فوجدها غير عذراء ، قال له الإمام : « إن العُذرة تذهب من الوثبة والقفزة ، والحيض، والوضوء (أي الغسل) وطول التعيس»، أي طول عزوبة المرأة . وهذه التخريجات للامام علي‏(عليه السلام) لدى‏ فقهاء* الخاصة محمولة على‏ الجدّ دون الهزل، بل هي وفق القاعدة العقلائية ، بل العقلية : إذا جاء الاحتمال بطل التقوّل والاستدلال .

أما عن تعدد الزوجات فقد عرفته المجتمعات القديمة ، وكان في الجاهلية بلا قيود ولا حدّ أعلى‏ للزوجات . وقد خطا الإسلام خطوة مهمة بوضع حدّ أعلى‏ لذلك هو أربع زوجات ، وقد اتخذ هذا الحدّ وضعه القانوني في الإسلام بنصّ القرآن الكريم في سورة النساء ، حيث قال تعالى‏ : (فانكحوا ماطاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) ، وكان هذا من الأحداث البارزة في السيرة النبوية* الشريفة في صدر الإسلام ، حيث ترتب عليه تسريح ما زاد على‏ الأربعة منهن ، وامتاز ابن حبيب في كتابه المحبّر بذكر رجال من ثقيف وغيرهم كانت لديهم عشر زوجات فسرحوا منهن ستة ،* وهم مذكورون على‏ سبيل المثال لا الحصر طبعاً ، حيث أن التاريخ إنما يؤرّخ غالباً للنخبَ ذوي المكانة الاجتماعية ، وليس للاستقصاء .

ويفهم من ذلك أن القرآن الكريم في هذه الآية الشريفة لم يُشرّع الضرائرية ، وإنما قيّدها بحدّ أعلى‏ ، فإليه يعود الفضل في هذا الفعل والقول الفصل ، ولا يتجه عليه اعتراض في ذلك . وهذا التحديد كما مر كان من آيات سورة النساء السادسة نزولاً بعد الهجرة في حدود السنة الثالثة للهجرة تقريباً ، وليست من الأواخر نزولاً بعد فتح مكة كما توهّموه ، ولا اقتراباً منه إلى اليهودية وابتعاداً عن المسيحية ، بل لم تشرّع المسيحية إلغاء التعدد نهائياً، وإنما ألغته الكنيسة البولسية* ضمن مبتدعاتها بعد السيد المسيح ، المشترع شرعة التوراة قبله إلّا أنه أحلّ لهم بعض ما حُرّم عليهم من قبل. وإنما كان ابقاء الإسلام على‏ هذا الحدّ من الضرائرية انسجاماً مع حكمته السابقة* في أصل الزواج : « إني مكاثر بكم الاُمم » ، و « سوداء ولود خير من حسناء لا تلد » ، وليس لشدة اهتمام رسول الإسلام بتكثير عدد العرب ، والمسلمين فيما بعد ، لإعداد جنود يكفون لفتح الأرض كلها ، كما توهّموه . أما ما انفرد به الدروز - وهم فرع من الفاطميين الإسماعيليين بل القرامطة- من‏* إلغاء الزواج الضرائري مطلقاً ، فإنما هو على‏ أفضل الحال اجتهاد في مقابل النص القرآني السابق‏* مناقضٌ له ، فهو زخرف يُضرب به عرض الحائط ، فكيف يوصف بأنه تطوّر لاحق للخطوة السابقة في مجرى ثورة الإسلام لاصلاح المجتمع القديم؟ ! . *

وبما أن حكمة شريعة الإسلام من الزواج هي الإنجاب ، وكان الإسلام ديناً متوازناً متلائماً منسجماً في تشريعاته . امتد تشريعه على‏ اساس القيم المبدأية والعقائدية إلى زواجها برجل على‏ غير دينها، حتى لو كان من عنصرها وذوي لغتها : (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) ، فالإيمان قيد للزواج ،* والشرك والكفر كلاهما مانعان من ذلك ، فهو محرّم شرعاً ، كما تمنع المسيحية الزواج بمسلم ، وتكون عقوبته الطرد من الاُسرة المسيحية ، حتى ولو كان كلاهما عربياً ، أما الغربيون منهم فهم متسامحون في دينهم ، إلّا أن عنصريتهم تفعل على‏ أساس طبقي ، إذ يمانعون من زواج نسائهم من أسرة ارستقراطية برجل عامي ، كما تمنع الأميرات من الزواج إلّا بمن يجري في عروقه دم ملكي ، فعنصريتهم تفعل في دائرة أوسع اُفقاً .

وكان العرب في جاهليتهم يتشدّدون في زواج الأكفاء ، ويعني زواج العربية بالعربي وعدم السماح بزواجها من أعجمي ، فالرجل العربي الجاهلي كان يرفض حتى الزواج الشرعي لابنته أو اُخته برجل غير عربي ، بل كان هذا (زواج الأكفاء) يمتد إلى ما بين العرب أنفسهم ، كزواجها في عشيرة أو قبيلة أدنى‏ مكانة ، وواضح ما فيه من تقييد لحق حرية إرادة المرأة واختيارها لمصيرها ، فهذا أيضاً من القيود والأغلال التي وضعها الإسلام عنها في نظامه لحقوق المرأة ، بقوله سبحانه : (إنّ أكرمكم عند اللَّه أتقاكم) ، وقوله‏9 : «تتكافأ دماؤكم » و «إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه ،* * وإلّا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير» ، وتزويجه ابنة عمه ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب من‏* المقداد بن الأسود الكندي حليف بني مخزوم، وقوله : «إنما زوّجت ضُباعة من المقداد لتتضع المناكح». *

وفي الجاهلية كان النعمان بن المنذر ملكاً صغيراً يدير مملكة تابعة لكسرى برويز الساساني ملك الفرس ، وله بنات ، فطلب كسرى برويز منه أن يزوّجه احدى بناته ، فردّه النعمان ملك الحيرة، فنكّل به كسرى برويز كما في الأغاني للإصفهاني الأموي. والأمويون امتداداً لجاهليتهم تمسكوا بذلك فيما يخص زواج العربية بالأعجمي ، وسعوا لجعله حكماً شرعياً ، حتى حملوا بعض الفقهاء الموالين لهم على‏ القول به ، خلافاً لقول اللَّه ورسوله وشريعته ، ورفضته المعارضة من أهل البيت: وشيعتهم وغيرهم ، مما حمل عمر بن عبد العزيز الخليفة الأموي على‏ إبطاله في خلافته ، وإن استمر فتوىً وعملاً حتى اليوم. *

وكأنّ العربي الجاهلي حسب النجاح في الزواج ألّا يكون في الأباعد ،ولذلك كان يسمّي الزواج الأباعدي بالتفشّل - من الفشل - وان كان قد أدرك تجريبياً أن النسل الناتج من الزواج الأقاربي ضعيف ضاوٍ، ولذلك سمّاه بالإضواء ، فيقال لمن تزوّج امرأة من ذوي قرابته وأولد منها : أضوى فلان ، أي ولد له ولد ضاوٍ ضعيف لزواجه من قريبته . قيل : ومنه الحديث النبوي الشريف : « اغتربوا لا تُضووا » .

أما الزواج بذات القربى‏ القريبة، من المحارم ، فإنما يُحكى عن المجوس من الفرس ، أما عند الجاهليين من العرب فإنما كان من النكاح الممقوت عندهم ما أسموه بنكاح المَقت ، وهو استيلاء الابن بعد موت أبيه على‏ زوجة أبيه ، واستيلاؤه عليها يعني وضعها تحت وصايته ، فإن شاء تزوّجها إرثاً بلا إرث ولا مهر ، أو يزوّجها لآخر ويرث مهرها ، ومع ذلك كان شائعاً عندهم . ولم يسمحوا بزواج سائر المحارم كالأم والأخت والبنت ، وحرّموه قطعاً .

أما الإسلام فقد حرّمهما بتاتاً في قوله سبحانه : (حُرّمت عليكم اُمّهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الاُخت واُمهاتكم اللآتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللآتي في حجوركم من نسائكم اللآتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاُختين إلّا ما قد سلف إن اللَّه كان غفوراً رحيماً * والمحصنات من النساء) . *

وكان في الجاهلية نساء من فئات معينة تقع ضمن قبيلة أو عشيرة أو بطن أو فخذ ، يتزوّجن بأكثر من رجل إلى تسعة رجال ، وقد وردت أخبار عن نساء كان لهن في وقت واحد تسعة أزواج وكان لديهم لهذا الزواج اسم هو نكاح الرهط ، والرهط ما بين ثلاثة إلى تسعة رجال ، نعم كان من النوادر، ويقتصر فيه على‏ أوساط معزولة اجتماعياً . ويؤخذ من المدوّنات الرافدينية القديمة عن الملك السومري اوركاجينا المتوفى في عام (2371ق.م) أنه قرر منع هذا الزواج ، مما يكشف عن وجوده في أراضي الرافدين أيضاً، فأنهاه الإسلام نهائياً ، ولم يصلنا عن هذا العهد من يرجع نسبه القريب إلى زواج الرهط إلّا نادراً .

وطبيعي أمر قلة النقود في الجاهلية إلّا في المدن التجارية مثل مكة، وبتبع ذلك؛ أنه قلما كان يُستعمل النقد في مهر المرأة إلّا في مثل مكة ، فهو في الغالب من الإبل خاصة ، وسمي المهر سياقاً أخذاً من قولهم : ساق إليها مَهرَها ، أي ساق إليها الإبل التي اتفقوا على‏ أن تكون مَهرَها ، ويسميه الإسلام الصَّداق ، وكأنه علامة على‏ صدق الزوج في التزامه بلوازم الزواج الشرعي وتعهده به ووفائه له، ولا يسمّيه الإسلام بالأجر إلّا أجراً لها على‏ التزاماتها بمثل ذلك، وليس أجراً على‏ المباضعة ، وإلّا لاستحقته غير الشرعية أيضاً ، ولم يشرّع لها شيئاً .*

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_978-964-8686-15-X_zewaj.htm