فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
المرأة في الجاهلية والإسلام
تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت
الطبعة: 1426 هـ.
ISBN-13:‏ 978-964-8686-15-X
ISBN-10:‏ 964-8686-15-X
عدد صفحات: 61
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الطلاق في الإسلام

وكما قيد الإسلام قيمومة الرجل على‏ المرأة ، كذلك لم يترك حقّه في طلاقها بلا حدود وقيود ، بل قيده بقيود عديدة تذكّر بالمثل السائر: «الشي‏ءُ كلّما كثر قيوده عزّ وجوده» وللغاية نفسها ، فلم يترك الطلاق لعبة تقع بمجرد التحدث به ، أو بمجرد أن يقول لها : أنت طالق، أو أن يقول لها في سورة غضب : «أنت عليّ ، أو ظهرك علي كظهر اُمي» فتحرم عليه ، كما كان عليه أهل الجاهلية «ولم تكن المرأة في الجاهلية تتبادل هذا الحق مع الرجل ، كما أوهمه الواهم»، فالاسلام لم‏* يكرّس في شرعه للرجل هذا الانطلاق الجاهلي، بل حرّمه وأوجب عليه كفارة الظهار طريقاً من طرق تحرير رقاب الأرقّاء العبيد والإماء حسبةً للَّه تعالى‏ .

هذه نقطة ، ونقطة اُخرى‏ هي أن المرأة هي الاُخرى تملك حق الطلاق أيضاً في صيغة المخالعة ، ويستند هذا الحق فيما يستند إلى قضية زوجة ثابت‏بن قيس التي جاءت إلى رسول اللَّه وقالت له: «يا رسول اللَّه ، ثابت بن قيس ما أعتب عليه في دين ولا خلق ، ولكني اكره الكفر في الإسلام» ، وكان ثابت دميماً وهي حسناء ، فسألها النبي : « أتردّين عليه حديقته ؟ فقالت : نعم » ، فدعاه رسول اللَّه وقال له : «اقبل الحديقة وطلِّقها تطليقة» ، ونصّ القرآن الكريم على‏ ذلك فقال تعالى‏ : (ولا يحلّ لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً إلّا أن يخافا ألّا يقيما حدود اللَّه فإن خفتم ألّا يقيما حدود اللَّه فلا جناح عليهما فيما افتدت به)، وأفادت أن المرأة يمكنها التنازل عن مهرها إذا هي رغبت في طلاقها ، والمستنبط* منها فقهياً جواز التفريق بالخلع لوجود ما ينفّرها منه ، فيمكنها أن تطلب المخالعة بتنازلها عن مهرها ، ويمكنها أن تتحمل وتواصل عيشهامعه.

وهناك حالة أخرى‏ ، وهي أن يكون مضيّقاً عليها ظالماً لها ، فيرى الحاكم أن يرغمه على‏ طلاقها .

وتوجد حالة ثالثة ، وهي شرط الرجل في عقد زواجه بالمرأة لها كل ما ترغب فيه ، وتشترطه لنفسها عليه إلّا شرطاً يخالف الكتاب والسنة ، ومنه أنه اذا تزوّج عليها فهي وكيلة عنه منذ الآن ووكيلة عنه لتوكيل ثالث عنه ليطلّقها عنه ، فتتخيّر بذلك بين الانفصال واستمرار اتصال حبال الزوجية والنكاح والبقاء على‏ عهدته وذمّته . هذا هو التخيير الشرعي الوحيد لها من دون مشروعية أيّ تخيير آخر .

والآن بعد هذه الاطلالة، لنا أن نردّ على‏ الفكرة السائدة حول الطلاق وأنه من حق الرجل وحده ، وقد مرّ بنا سابقاً أن الإسلام أعطى المرأة حق الشكوى إذا قصر الزوج عن واجبه الجنسي ووضع حدّاً أقصى يجوز بعده رفع دعوى قضائية لذلك ، وهو أن يتركها أكثر من أربعة أشهر سفراً أو أكثر من أربعين ليلة حضراً ، ويشمل حق الشكوى حالات العجز والعنّة ، ويجوّز لها طلب التفريق فيها .

أما إذا أراد العزل، زوج لا يريد الإنجاب من علاقة جنسية مع امرأة مالايراها صالحة لأن تكون اُم أولاده - والمقصود بالعزل أن يقذف خارج الرحم لمنع الحمل - وقد أقرّ ذلك جلّ علماء المذاهب الإسلامية ، فالمحقق الحليّ من كبار فقهاء الشيعة في القرن السابع الهجري في بابل العراق ، أقرّه للرجل ، واشترط أن يكون باتفاق الزوجين ورضاهما وأباحه قبله من أهل‏السنة الغزالي ، وردّ* على‏ القائلين بتحريمه في آداب النكاح من إحيائه، وقد رويت أحاديث نبوية فيه ، فليس الفقهاء في هذه المسألة يخالفون نبيّهم، ولا يعدّلون أحكامه بمراعاة الظروف ، كما أوهمه الواهم، نعم ،* يمنع الإجهاض باتفاق الفقهاء بلا خلاف فيما بينهم ، فهو من الاحكام الوفاقية المجمع عليها لديهم ، بل حتى في سابق الأديان الإلهية السماوية .

واشتراط جمع من فقهاء الإسلام أن يكون العزل باتفاق الزوجين ورضاهما كما مرّ ، يرفع من‏* مكانة المرأة إلى مساواة الرجل ومصافّه ، بينما لو تركنا هذا الفقه وصعدنا إلى اليونان - آباء الفكر الاوربي الحالي - وجدنا ارسطو يقول في كتاب السياسة : «إن الطبع (الطبيعة) هو الذي عيّن المركز الخاص للمرأة والعبد»، فالذي نراه في تخريجات ارسطو أن المرأة تُعامل لديه كالعبد، في‏* مجتمع عبودي متداخل مع مجتمع بدائي في مجتمعات غابرة تدفن فيها المرأة حيّة مع زوجها المتوفى . أما الجاهليون من العرب فقد كانوا يمدّدون عدّة الأرملة إلى سنة ، تلزم فيها المرأة باجتناب الزينة ولبس الثياب الخشنة الخلقة ولزوم بيتها ، وكأنها عقوبة معوّضة عن دفنها معه في تلك المجتمعات الغابرة ، وكأن عليها قدراً من المسؤولية عن الزوج المتوفى يتعيّن على‏ المرأة أداؤه ، بالامتناع عن الزواج ولزم البيت سنة مع لبس أخشن الثياب وإهمال الزينة ، فليست العدّة هنا لمجرّد التأكد من عدم وجود حمل منه لديها . أجل ، هكذا أُخضعت المرأة الجاهلية للعدة .

وكذلك أُخضعت المرأة المسلمة للعدّة ، ولكن عدة المطلقة ثلاثة أشهر تقريباً وعدة الأرملة أربعة اشهر ، وليس على‏ المطلقة قيد يزيد على‏ عدم الزواج في هذه المدة ، وهو نفس القيد بخصوص الأرملة . والقصد من هذا القيد التأكد من كون المرأة حاملاً من زوجها المطلّق أو المتوفى‏ عنها ، حتى تتعيّن نسبة المولود إلى أبيه ولا يختلط مع الزوج الجديد . وقد عالج الإسلام عدة الأرملة على‏ غرار المطلقة ، سوى زيادة الشهر على‏ مدة العدة ، وقننها بالتأكد من ظهور علامات الحمل ، فإنها إذا كانت حاملاً وولدت تكون في حل من الزواج بآخر فور انتهاء مدة النفاس إن كان لها نفاس ، ولا يكون اكثر من اقصى فترة الحيض ، عشرة أيام، وما زاد فلا حرج منه عليها ، فهو استحاضة حتى ولو كانت كثيرة ، في مذهب أهل البيت: ، فالأرملة تُعفى‏ من استكمال العدة إن ولدت ، وقد ثبت هذا بنص قرآني في الآية الرابعة من سورة الطلاق في قوله سبحانه : (واُولات الأحمال أجلهنّ أن يضعن حملهن) ، أي إن أجل العدة ينتهي بالولادة ، وليس في القرآن والحديث والسنة* نص آخر فيه قيود زائدة على‏ عدة الأرملة ، فهذا التشريع قد قلّص مدة العدة الجاهلية من سنة إلى أربعة اشهر ، بلا قيود زائدة الزامية ، اللهم إلّا الندب إلى آداب وسنن مستحبة يكره تركها ولا يحرم ؛ ففي جواهر الكلام للشيخ محمد حسن النجفي ، وهو أكبر موسوعات الفقه الشيعية ، يورد المؤلف أحاديث عن الإمام الصادق‏7 تجيز للمعتدة أن تتزيّن لغير ريبة (أي ألّا يكون من نيّتها وقصدها اضهار زينتها لإغراء الرجال) ، وأن تخرج بها من بيتها بل دارها ، غير مشروط بضرورة ، ولكنه مكروه بغير ضرورة ، فلا يجب عليها أن تلزم منزلها حسب العادة الجاهلية ، وإنما* يستحب لها ذلك وتندب إليه بغير الزام ووجوب كما أوهم الواهم. *

وقد أورد المسألة والحكم المحقق الحلي كذلك في كتاب النكاح من شرائع الإسلام ، وهو وإن كان متأخراً عن الشيخ الطوسي بقرنين تقريباً ، فهو عربي هُذلي من بني هُذيل ، وقد نصّ على‏ جوازها ، فلم يتجه قول من اتهم بهذا الحكم الفقهاء من أصل فارسي ومنهم الطوسي ، باعتبار أن الفرس أقرب إلى هذه الاُمور لإباحتهم قديماً نكاح المحارم ، كما أوهمه الواهم. فالفقهاء الشيعة من‏* أصل عربي كذلك لا ينقضون هذا الحكم كما أقرّ به الواهم، وهل يعتبر أئمة أهل البيت من الباقر والصادق والكاظم (عليهم السلام): من الأعاجم ؟! كلّا ، ولكن الشريعة الإسلامية تضمنت أحكاماً للجنس تجعل ممارستها ميسورة وقليلة الكلفة ، وتناولها الفقهاء أحكاماً إلهية حسب الأدلة الفقهية الشرعية ، ذلك أنّ الشريعة كبحت الغريزة الجنسية بمقدار الكفاية ، وأخضعتها للإرادة الشرعية بما يماثل المثل الاجتماعية الصالحة ، والشريعة بعد شريعة توازن وحكمة وليست شريعة الرهبانية والكبت ، نعم ، الى مثل هذا تستند هذه الأحكام الشرعية ، لا إلى افتراض أولية الغريزة الجنسية وعدم اخضاعها وكبحها ، كما أوهمه الواهم. *

أجل ، إنّ الحضارة الاُوربية انطلقت من أوّلية الغريزة الجنسية، وعدم الحاجة إلى كبحها بالمثل الاجتماعية أو اخضاعها للإرادة ، وتوغل الطور الأميركي الراهن من الغربيين إلى مدى أن أدرجوا في قوانينهم أحكاماً تتعلق بالشذوذ الجنسي للرجال والنساء ، أضفيت عليه نفس الشرعية القائمة في الزواج الشرعي ، بينما الشريعة الإسلامية تعاقب على‏ هذا اللون من الممارسة الجنسية ، فإن كنّ نساءً فعليهن حدّ المساحقة ، ثمانون جلدة ، وإن كانوا رجالاً أوقبوا فالإعدام، وإلّا فحدّ التفخيذ مئة جلدة . أما ممارسة الشذوذ مع الزوجة ولو برضاها ، فقد اتفقت الكتب الأربعة للكليني والصدوق والطوسي على‏ حديث نبوي ظاهر في تحريمه، ولو أنّ بعض الشيعة ومعهم بعض المالكية من السنة حملوه على‏ الكراهة الشديدة ، ولم يحرِّموه إذا كان برضاها هي ، ومع ذلك وهم الواهم أنّ جنسانية الغربيين أعدل من جنسانية الإسلام ؛ لأنها تعم الجنسين . هذا وهو يقول : «ولو أنها بهذا المعدل فتحت باباً أوسع للعاهات الجنسية ، وآخرها وباء الإيدز الذي هو مرض غربي في المقام‏الأول». *

وأوهم هذا الواهم أنّ الشيعة خاصة توسعوا في أحكام النكاح ، ويدخل فيه إباحة المتعة المحرمة عند غيرهم لمخالفة عمر بن الخطاب لها ، وأحلّوا جِماع الفَهر للجواري ، وهو محرم في بقية المذاهب، والحقيقة والواقع أنه محرم في كل المذاهب ، بحرمة نظر الجارية الاُخرى‏ إلى عورة* مثلها ، بل حرمة الوطء مع وجود ناظر آخر محرِم . أما إباحة المتعة فتتبع أدلتها الشرعية المشروحة من الكتاب والسنة ، كما شرحت في الكتب المُعدة لذلك. *

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_978-964-8686-15-X_talaq.htm