فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
المرأة في الجاهلية والإسلام
تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت
الطبعة: 1426 هـ.
ISBN-13:‏ 978-964-8686-15-X
ISBN-10:‏ 964-8686-15-X
عدد صفحات: 61
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الحجاب

المعروف في عرف الأديان أنّ الإنسان الأوّل هو آدم أبو البشر ومعه زوجه الاُمّ حواء ، والمعروف في عرف مذهب أهل البيت: أن أولاد آدم تزاوجوا فيما بينهم إخوة وأخوات ، وعليه فأولادهم محارمهم ، جدّ وجدّة وإخوة وأخوات وأعمام وعمّات وأخوال وخالات ، ولعل في هذا المقطع من التاريخ الديني ما يلتقي بالتاريخ المادي الزاعم أنّ الناس كانوا منكشفين للطبيعة بما فيهم المرأة في المعاشر البدائية ، أما ماعدا المعاشر البدائية فالزيّ المشترك المعتاد لنساء الشرق القديم كان طويلاً فضفاضاً لا يتقسم على‏ الجسد، وإنما يظهر منهن بعض السواعد والأقدام ، عاطلة أو محلّاة بالحلي من الذهب والفضة واللؤلؤ والعقيق وغيرها ، على‏ النهج السائد في نساء الشرق من الاحتشام بغطاء الشعر التقليدي ، كالرجال أيضاً ، مع اختلاف أغطية الرأس بين الشعوب نساءً ورجالاً ، ولعلّه بدأ الحجاب مع وجود التناكر بين الأرحام المحارم مع تكاثر البشر من أبناء آدم‏7 ، وتشترك فيه الأديان السماوية الثلاثة .

والعرب خاصة كانوا يتعمّمون ، و «العمائم تيجان العرب» ، فعلى رؤوس رجالهم العمائم ، وعلى‏ رؤوس نسائهم الخُمرُ . وجاء في التاريخ أنّ من السنن الحنيفية التي كانت لعبد المطلب في دار الندوة ، أنّ البنت إذا بلغت مبلغ النساء أتوا بها إليه فيلبسها الخمار . وقالوا : وكان وجهها مكشوفاً ، وأحياناً تُسدل خمارها على‏ كتفيها فيظهر بعض صدرها . واستمرت المرأة على‏ هذا الزيّ بعد الإسلام حتى منتصف ما بعد الهجرة ، ثم فرض الحجاب بغير زيادة كثيرة على‏ ما كان سوى ستر الصدر ، وزيادة الحشمة بعدم اظهار مفاتن الجسد .

وقد فُرض الحجاب بآيتين : الاُولى : الآية التاسعة والخمسين من سورة الأحزاب الخامسة نزولاً في أواخر السنة الخامسة للهجرة، والتسعون في النزول العام، ونصّها : (يا أيها النبيّ قل لأزواجك‏* وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ذلك أدنى‏ أن يُعرفن فلا يؤذَين)، وبناته وأزواجه ونساء* المؤمنين بمعنى أزواجهم حرائر ، والحرائر بفضل انتسابهن إلى العوائل كنّ بطبيعة الحال أكثر خفراً وصوناً وحصانة ، أما الجواري فلعدم انتسابهن إلى العوائل كنّ أكثر انفلاتاً . وجاء في الروايات أنّ شباب المدينة كانوا يلاحقونهن . وتأكيداً لهذا التفريق كانت هناك أعراف وقوانين سابقة -كالقانون الأشوري مثلاً - تلزم الحرائر عند خروجهن من بيوتهن بحجاب لرؤسهن ، بينما تمنع الجواري من ذلك . وإماء العرب في الجاهلية كن يكتفين بالخمار للرأس والدراعة للصدر ، ولكنهن - كما يفهم من الآية - كن يتطوّعن أحياناً للتحجّب تشبّهاً بالحرائر ، فعدم اختلافهن في الزيّ مع الحرائر عرّض الحرائر مع الجواري لتحرش الشباب ، فاشتكت الحرائر - كما في التفاسير - إلى أهليهن ، فنزلت الآية تأمرهن بحجاب إضافي يميّزهن عن إمائهن كما صرحت الآية : (ذلك أدنى‏ أن يُعرفن فلا يؤذَين)، وكانت وسيلة القرآن إلى ذلك هي إدناء الجلابيب .

ولم يتفق اللغويون - ويتبعهم المفسرون - في معنى الجلابيب، ففسروه بالقناع والخمار والملحفة ، وكأنها الثوب أوسع من الخمار ودون الرداء ، أو الثوب الذي تلبسه المرأة فوق ثيابها ، أو الثوب الواسع الذي يستر جميع البدن من أعلاه إلى أسفله ، وعليه شاهد من قول المتنبي ، واختاره القرطبي في تفسيره ، وهو المعنى المعروف حتى اليوم بصيغة الجلابية ، وهي ثوب فضفاض طويل تلبسه المرأة - بل الرجل - في شتى البلدان العربية ، فمع هذا ليس الجلباب عبارة عائمة غائمة ، بل هو شي‏ء واضح محدّد كعلامة تميّز الحرة عن الجارية ، وهو التعليل الذي ذكرته الآية للأمر بالجلابيب ، ليس في الآية أمر بستر الوجه علامة تميّز الحرة عن الجارية ، وإن أخذ به بعض الفقهاء والمفسرين ، أو قل فقهاء المفسّرين ، مع بعض المفسرين الروائيين، إذ رووا أنّ نساء المدينة حجبن وجوههن بعد نزول هذه الآية من سورة النساء، وعليه اعتمد من تشدد في حجاب الوجه فيما سوى الحج في حال الإحرام . والمتفق عليه هو أنّ الجواري غير مشمولات بهذا الحكم في هذه الآية بالحجاب الإضافي للحرائر بالجلابيب .

ويحتمل الاستنباط من حكم هذه الآية من سورة الأحزاب ، أنّ الحجاب الإضافي فرض على‏ الحرائر للتحرز من فتنتهن للرجال ، إذ إنّ مصدر أذيتهن تحرش الشباب بهنّ ، ولا شك في أنّ منشأ ذلك التحرش هو فتنة النساء لهم ، فلولا الفتنة لم يكن الإثارة والتحرش ، ولولاها لم يحصل الأذى منهم لهن كما في الآية : (أن يُعرفن فلا يؤذَين) بتحرش الشباب بهنّ ، فمصدر الفتنة هي الحرائر في المقام الأول ؛ لأنهن في الغالب أجمل من الجواري ، وأقدر منهن على‏ التلاعب بعقول الرجال ، وليس العكس ، فليست الفتنة في الإماء أكثر -خلافاً للمفسر الاندلسي أبي حيان في البحر المحيط - اللَّهم إلّا لانفلاتهن لعدم انتسابهن إلى عوائل ، كما مرّ ، لا لأنهن أجمل للبعول وأقدر على‏ اللعب بالعقول ، كما قال ، ولا نقول، وهو من نوع اجتهاد العقول في موضع النصّ المنقول ، والذي تضمنه التعليل الصريح للحكم بحصره في تمييز الحرائر عن الجواري ، فالغرض هو درء الفتنة الأكثر بالحرائر ، ولذلك تشدد هذا التشريع في حجب الحرائر وتساهل في الجواري ، من دون أن يكون الحكم متوقفاً على‏ وجود الجواري ، فالحكم في الآية غير موقوت بوجود الجواري لتحجّب الحرائر ، فالحكم صدر عن المشرع الإسلامي للتحرز من الإغراء غير مقيد بزمن خاص ، بل بوضع خاص هو الإثارة والإغراء للرجال بالنساء، فالحكم في الآية لا يصطدم باعتبار أبدية الأحكام الشرعية إستناداً إلى الحديث القائل : « حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة»،* والخطاب الإلهي في الآية لم ينطلق من قرار إلهي بوجود الرق أبدياً ، كما اوهمه الواهم. *

والآية الثانية في الحجاب هي الآية الحادية والثلاثون من سورة النور ، الثالثة بعد المئة نزولاً ، والسابعة عشر نزولاً بالمدينة بعد الهجرة، أي بعد أكثر من عشر سور بعد سورة الأحزاب ،* والنازلة بعد سورة النصر النازلة في فتح مكة في الثامنة للهجرة ، أي في أواخر عهد التشريع قبل وفاة المبلغ الأوّل عن المشرع الأعظم ، رسول اللَّه‏9 بعامين تقريباً ، وهي قوله سبحانه : (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهنّ ولا يُبدين زينتهنّ إلّا ما ظهر منها وليضربن بخمُرهن على‏ جيوبهنّ)، فهذه الآية أدت الأمر بستر الصدر بقولها : (وليضربن بخُمرهن على‏ جيوبهنّ) الخُمر :* جمع خمار، والجيب - قديماً - هو الزيق الذي يلى الصدر ، والمقصود اسدال الخمار الذي يغطي الشعر على‏ الصدر ليغطيه كذلك ، فهذه الآية هي الآية الأصلية في الحجاب ، ففيها تتعيّن حدوده غير المقيدة بوضع أو زمن ، فهي صدرت عن المشرع الإسلامي للتحرّز من الإغراء وخوف الفتنة ، وهو الاعتبار الذي راعته الآية في نهيها عن التبرج وإبداء الزينة ، وأمرها بستر الشعر والصدر، ولكنّها بدورها أيضاً لم تضف الكثير على‏ الزيّ الجاهلي سوى ستر الصدر، وزيادة الحشمة بعدم اظهار مفاتن الأجساد المثيرة والمغرية .

ومن الآية الستين في هذه السورة أيضاً يستفاد أنّ هذا الحكم بهذا الحجاب خاص بالشباب من النساء حتى سن معينة هي التي يكنّ فيها قابلات للعلاقة الجنسية ، وهذا نص الآية : (والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحاً فليس عليهنّ جُناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن)،* فالقواعد من النساء هن اللواتي بلغن سن اليأس وما في حكمه مما يوقف حاجة المرأة إلى الرجل ، وكذلك يجعلها من جهة اُخرى غير مثيرة لشهوته إليها ، واتفق الفقهاء والمفسرون على‏ أنّ الآية تنصّ على‏ إعفاء هذه الفئة من النساء من القيود التي فُرضت عليهن في الآية السابقة ، فلا جناح ، أي لا إثم ولا حرج ، في أن تخرج المرأة التي تعدت هذا السن وقد وضعت ثيابها الواسعة الساترة ، بشرط ألّا تكون متبرجة بزينة ، فلو أسفرت عن وجهها وحسرت عن بعض شعرها فلا جناح عليها ، وكذلك لا جناح على‏ الناظر إليها بغير ريبة شهوة وتلذذ ، وقد فُرض انتفاؤه طبيعياً أيضاً .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_978-964-8686-15-X_hejab.htm