فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
المرأة في الجاهلية والإسلام
تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: المجمع العالمي لأهل البيت
الطبعة: 1426 هـ.
ISBN-13:‏ 978-964-8686-15-X
ISBN-10:‏ 964-8686-15-X
عدد صفحات: 61
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

حدود الاختلاط

كانت خديجة بنت خويلد الأسدية القرشية من وجوه مكة و تجارها و أبرز شخصياتها النسوية، و قد عاشت مع النبي (صلي الله عليه و آله) قبل نبوته و رسالته خمسة عشر عاماً، أي منذ كان عمره خمسة و عشرين عاماً، و لم يكن يبدو يومئذٍ منه أي مظهر من مظاهر النبوة و الرسالة، مما يجعل اعتبار -أن عرضها زواجها عليه كان لرغبتها في مشاركته في رسالته لا في تجارتها- مجرد افتراءات على‏ الحقيقة و الواقع التاريخي بل الديني و العقائدي، و قد ظهرت بعد رسالته إلى جانبه أوّل مؤمنة به و برسالته.

و انخرط في الدعوة منذ البدايات نساء غير خديجة أقل أهمية منها كنّ من الإماء و الجواري المستضعفات ، ولكنهنّ سجّلن أمثلة صبر و مقاومة نادرة في تاريخ النساء، منهن أم عمار بن ياسر سميّة، التي قُتلت و هي صابرة في التعذيب ، فكانت اُولى الشهيدات في الإسلام .

هذا في مكة، و بعد الطور المكي ظهرت في حياة السيرة نساء من طراز خديجة و سميّة، و بالوصف المقبول للصحابة يناهز عدد الصحابيات أربعمئة من مجموع عشرة آلاف صحابي، و هو عدد مرموق في قياس الدائرة النسوية ، وكان لهنّ حضور مشهود في المسجد النبوي الشريف . والقرآن الكريم لم يخصص الكلام بالرجال فقال: (إني لا أُضيع عمل عامل منكم من ذكر أو اُنثى‏) ،* بل تعطف الآيات المؤمنات على‏ المؤمنين فيما يقتضي ذلك من المناسبات: (إن المسلمين و المسلمات و المؤمنين و المؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات و الصابرين و الصابرات والخاشعين و الخاشعات و المتصدقين و المتصدقات و الصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات و الذاكرين اللَّه كثيراً و الذاكرات أعدّ اللّه لهم مغفرة و أجراً عظيماً). ومنهنّ من اصطحب رسول اللَّه في حملاته الكبيرة* ، كأم عمارة و أم منيع و أم عامر الأشهلية و أم سليم الرُّميصاء و غيرهن.

و لم تُمنع المرأة في صدر الإسلام من حضور المسجد و المساهمة في أنشطته ، ولم يقيَّد حضورهن بوقت الصلاة ، فقد كنّ يحضرن في أي وقت، و يشاركن في الكلام والمناقشات مع الرجال و مع المتصدرين في المسجد من النبي ومن وليه من الخلفاء بعده ، ولكن ليس من المألوف أن تصلي المرأة و الرجال يروحون و يجيئون من حولها، فوجدت أماكن مخصّصة لهن إذا أردن الصلاة .

و نقل الزركلي في «الأعلام» أنّ ليلى بنت عبد اللَّه القرشية العدوية من بني عدي قوم عمر بن الخطاب، كانت تكتب في الجاهلية، و أسلمت قبل الهجرة فعلّمت الكتابة لحفصة بنت عمر، و أقطعها النبي داراً بالمدينة، فلما توفي (صلي الله عليه و آله) و استخلف عمر قرّبها إليه وجعلها من مستشاريه، وكلّفها الاشراف على‏ بعض شؤون الأسواق بالمدينة، ولعلها كانت من أسواق النساء أو شؤون النساء فيها،* و كذلك كانت الصحابية الاُخرى‏ سمراء بنت نهيك تتولى اُمور السوق ، فكانت تتجول فيها وبيدها السوط لتأديب المخالفات . جاء ذلك فيما كتبه المؤرخ السوري عمر رضا كحالة في «أعلام النساء»، الذي ضمّنه ما أمكنه استقصاؤه من الشخصيات النسوية في العصر الإسلامي وما بعده ، ويقع في عدة مجلدات تعرض صورة واضحة عن دور المرأة المسلمة في حياتها في صدر الإسلام و ما بعده .

وكتاب بلاغات النساء لأحمد بن طيفور الخراساني البغدادي المتوفى في (280 هـ) ببغداد، هو مصدر مهم لقدمه في نشاط النساء في صدر الإسلام، أورد فيه نصوص الخطب النارية التي ألقتها أشهر الخطيبات المحرّضات لمعسكر الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) من النساء، و الإمام علي (عليه السلام) هو الذي استخدمهن لتأجيج حمية مقاتليه في صفين، و كان فيهن من تتفوق على‏ رجاله (عليه السلام) في بلاغة الخطاب و شدة الإلقاء و ابنته زينب بنت فاطمة عليهما السلام رسم لها أخوها الحسين (عليه السلام) في معمعة كربلاء الإباء و الشهداء المقدسة دوراً قامت به خير قيام وأفضله، و لم يبق من ذريته (عليه السلام) سوى ابن وحيد قد تعرّض للقتل، على‏ يد عبيد اللَّه بن زياد والي الكوفة ليزيد بن معاوية الخليفة الاُموي في الشام، و زينب تمكّنت من انقاذه منه، بل بتأثير من خطبها اللاذعة في الكوفة و الشام اضطر الخليفة إلى حسم القضية و الاسراع باعادة الأسرى إلى الحجاز. و بعد عودتها إلى المدينة تصدرت حملة التشهير به و بالاُمويين، و لم يجرؤ الاُمويون على‏ اعتقالها علناً، لكنهم أبعدوها ونفوها إلى الفسطاط القاهرة القديمة ، كما حكاه العبيدلي الأعرجي النسابة المتوفى في (ق 3 هـ) في رسالته الخاصة «أخبار الزينبيات»، في المسميات بزينب من بني هاشم، فمكثت هناك في دار العامل الوالي مريضة مدة تسعة أشهر، و ماتت فدفنت هناك سنة (64 هـ) ، ثم شيد الفاطميون القاهرة ، فبنوا على‏ قبرها مشهداً عامراً لا يزال يزار حتى اليوم، و أقاموا إلى جانبه المسجد الكبير الذي هو الآن من معالم القاهرة، فالضريح صحيح وليس من مخترعات الفاطميين، كما أوهمه‏الواهم. *

و كان لابد للمرأة من موقع مع اتساع وازدهار الحوار الثقافي الفكري العلمي الديني والمذهبي والفقهي في الإسلام، و هنا نقف على‏ مساهمات مهمة لسيدات جليلات في علوم القرآن و التفسير و الحديث و الفقه و التاريخ، فنقرأ عن ابن النجار المؤرّخ البغدادي في القرن السابع الهجري أنه تخرج على‏ ثلاثة آلاف شيخ أربعمئة منهم من المحدثات، و نقرأ أنّ بين شيوخ ابن عساكر الدمشقي ثمانين محدثة، و هو أحد كبار مؤرّخي الإسلام، و كتابه «تاريخ دمشق» من أمّهات المصادر الحديثية و الرجالية و التاريخية.

و من هذه الأمثلة يتبيّن أنّ المرأة المسلمة قد أظهرت قدرتها على‏ مضاهاة الرجال، بل تقدمتهم حين فرضت عليهم التلمذة لها في مجالات جال بأفكار بعض الرجال الأغيار أنها محتكَرة لهم فحسب.

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_978-964-8686-15-X_ekhtelat.htm