فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء الرابع
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1426 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-74-5
عدد صفحات: 784
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

و في حدّ السرقة المكررة:

        روى البيهقي في سننه بسنده عن القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر : أن أبا بكر أراد أن يقطع رجلاً بعد اليد والرجل ، فقال عمر : السنّة اليد .

        وروى تفصيله عن صفيّة بنت أبي عبيد : أن رجلاً سرق على عهد أبي بكر قد قطعت من قبل يده ورجله ، فأراد أبو بكر أن يدع يده الأُخرى يتطهّر بها وينتفع ويقطع رجله الأُخرى ، فقال عمر : لا والذي نفسي بيده لتقطعنّ يده الأُخرى . فقطعت يده(2) .



(1) ذكر الخبر المعتزلي في شرح النهج 12 : 58 ـ 59 فيما ذكره من أخلاق عمر وسيرته بلا ذكر مصدر ! وذكره العسقلاني في ترجمة عيينة من الإصابة . ونقله عنهما في النص والاجتهاد : 44 هامش المورد 5 .

(2) سنن البيهقي 8 : 273 ـ 274 ، واُنظر الغدير 7 : 129 .

(222)

ومن أحاديث المواريث :

 

        مضت السنّة على أن أبا الميت يحجب أخوات الميت واُخوته عن توارثهم من تركته ، ولكنهم لا يحجبون بالجدّ بل يشاركهم في السدس ، ولذا روي عن الحسن البصري : أن الجدّ قد مضت سنته ، ولكنّ أبا بكر جعل الجدّ أبا ، ثم تخيّر الناس(1) أي أن الخليفة خالف السنة في ذلك ، ثم تخيّر الناس فرجعوا إلى السنة وخالفوه في مغالاته لجانب الجد دون الإخوة .

        هذا في الجدّ ، وعكس الأمر في الجدّة ، وكأنهم حرموها الإرث لجانب الرجال ، فجاءت إلى أبي بكر تسأله ميراثها ، فقال لها : ما علمت لك شيئا في كتاب اللّه‏ ولا سنة رسوله ، حتى أسأل الناس . فغار لها المغيرة بن شعبة فشهد أن رسول اللّه‏ أعطاها السدس ، ولعله لم يثق بالثقفيّ أو لم يكتف بشهادة العدل الواحد ! وأرادها بيّنة شرعية فقال : وهل معك غيرك ؟ فصدّقه محمد بن مَسلمة الأنصاري ، فأنفذ لها السدس(2) .

        والجدّة هنا ـ كما ترى ـ مشتركة بين الجدة للأب والجدة للأُم بلا تعيين في الخبر ، ولعلها كانت الجدة للأُم ، فكأن أبا بكر رأى ذلك خاصّا بها : فقد رووا عن القاسم الفقيه ابن محمد بن أبي بكر قال : أتت جدّتان إلى أبي بكر ، فأراد أن يجعل السدس للتي من قبل الأُم ، وفي لفظ آخر : فأعطى الميراث ( السدس ) أُمّ الأُم دون أُمّ الأب ! فقال له عبد الرحمن بن سهل الحارثي : لقد أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها ، وتترك الذي لو ماتت وهو حيّ كان إياها يرث ! فجعل أبو بكر السدس بينهما(3) .

 


(1) سنن الدارمي 2 : 352 ـ 353 ، ومصادر أُخر في الغدير 7 : 129 ـ 131 .

(2) الموطأ لمالك 1 : 335 ، والمسند لأحمد 4 : 224 ، وساير المصادر في الغدير 7 : 120 .

(223)

وفي كتابة ورواية الحديث :

 

        وطبيعيّ أن تناقل مثل هذه الأخبار مما لا يُرغب فيه فضلاً عن تدوينه ، فلعلّ مثل هذا ـ بالإضافة إلى الحفاظ على أساس الشرعية السياسية بل الدينية لخلافتهم ـ هو الذي دفع أبا بكر إلى أن :

        جمع الناس .. فقال لهم : إنكم تحدثون عن رسول اللّه‏ أحاديث تختلفون فيها ، والناس بعدكم أشدّ اختلافا ، فلا تحدثوا عن رسول اللّه‏ شيئا ! فمن سألكم فقولوا : بيننا وبينكم كتاب اللّه‏ فاستحلّوا حلاله وحرّموا حرامه(1) .

        فهل في حلال كتاب اللّه‏ وحرامه الحكم بعد رسول اللّه‏ نصّا صريحا ؟ نعم ذلك في أحاديث رسول اللّه‏ وهي ما إذا حدثوا بها اختلفوا فيها ويشتد الخلاف فيها في الناس ، ولذا فلا يحدثوا عنه شيئا ، ومن سألهم عن ذلك شيئا فليقولوا : بيننا وبينكم كتاب اللّه‏ ! ولو كان نهى عنه رسول اللّه‏(2) .

 

        ويبدو أنه إنما عزم على هذا أخيرا بعد أن : جمع خمس مئة حديث ، وكأنه كان يريد أن يدوّنها ، ولكنه بدا له بعد ذلك فبات ليلة يتقلّب ويفكر في ذلك كثيرا ، حتى قالت عائشة : فغمّني كثيرا فقلت : يتقلّب لشكوى أو لشيء بلغه ، فلما أصبح قال : أي بنيّة ، هلمّي الأحاديث التي عندك . فجئته بها ، فأحرقها(3) .

 

        وعلى أيّ حال ، فهذه هي بداية محاولة التضييق مهما أمكن على حديث الرسول رواية وكتابة .

 


(1) الموطأ لمالك 1 : 335 ، وساير المصادر في الغدير 7 : 120 ـ 121 .

(2) انظر : أبو بكر ورواية الحديث ، في كتاب : من تاريخ الحديث ، للمؤلف .

(3) من تاريخ تدوين الحديث ، للمؤلف .

(4) المصدر الأسبق ، والنص والاجتهاد : 139 المورد 14 ، وتدوين السنة الشريفة : 263 ـ 266 و 424 ـ 428 ، ونصوص الحديث : 51 .

(224)

وفاة أبي بكر وعهده إلى عمر :

        روى الطبري عن الواقدي عن الزهري عن عائشة وعن أخيها عبد الرحمن ابن أبي بكر : أنّ أباه أبا بكر اغتسل في اليوم السابع من جمادى الآخرة ، وكان يوما باردا فأُصيب بالحُمّى خمسة عشر يوما لا يخرج إلى الصلاة فيصلي بهم عمر ، والناس يعودونه وعثمان ملازمه وهو كاتبه(1) .

        فروى عن الواقدي بسنده قال : كان أبو بكر خاليا بعثمان فقال له : اكتب : « بسم اللّه‏ الرحمن الرحيم ، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة إلى المسلمين ، أما بعد .. ثم أُغمي عليه ، فكتب عثمان : فإني قد استخلفت عليكم عمر بن الخطاب ، ولم آلكم خيرا منه » ثم أفاق أبو بكر فقال لعثمان : اقرأ عليّ ، فقرأه عليه ، فقال : أراك خِفت أن يختلف الناس إن افتُلِتَت نفسي في غشيتي ! قال : نعم ، فأقرّها أبو بكر .

 

        وخرج عمر من عنده ومعه مولى أبي بكر : شديد ، ومعه الصحيفة فيها استخلافه عمر ، وبيد عمر جريدة يشير بها إلى الناس ويقول : أيها الناس اسمعوا قول خليفة رسول اللّه‏(2) .

        وقيل : بل خرج هو بالكتاب ، فقال له رجل : ما في الكتاب يا أبا حفص ؟ قال : لا أدري ! فقال الرجل : لكنّي واللّه‏ أدري ما فيه : أمّرته عام أول وأمّرك العام(3) .

 

        وروى ابن شاذان عن البكّائي عن إياس بن قبيصة الأسدي قال : سمعت أبا بكر يقول ( قبل موته ) : ندمت على أن ( لا ) أكون سألت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله


(1) الطبري 3 : 419 ـ 420 .

(2) الطبري 3 : 429 ، واُنظر السيد العسكري في عبد اللّه‏ بن سبأ 2 : 100 .

(3) الإمامة والسياسة لابن قتيبة : 25 .

(225)

عن ثلاث كنت أغفلتهنّ ، وودت أني كنت فعلت ثلاثا لم أفعلهنّ ، ووددت أني لم أكن فعلت ثلاثا كنت فعلتهنّ .

 

        فسُئل : ما هنّ ؟ فقال : ندمت أن لا أكون سألت رسول اللّه‏ عن هذا الأمر لمن هو من بعده ؟ وأن لا أكون سألته عن ( إرث ) الجدّ ( ة ) وأن لا أكون سألته عن ذبائح أهل الكتاب .

        وأما الثلاث اللاتي فعلتهنّ وليتني لم أفعلهنّ : فكشفي بيت فاطمة ( صلوات اللّه‏ عليها ) وتخلّفي عن بعث أُسامة ، وتركي الأشعث بن قيس أن لا أكون قتلته ؛ فإني لا أزال أراه يبغي للإسلام عوجا .

        وأمّا الثلاث اللاتي لم أفعلهنّ وليتني كنت فعلتهنّ : فوددت أني كنت أقدتُ من خالد بن الوليد بمالك بن نويرة ، ووددت أني لم أتخلّف عن بعث أُسامة ، ووددت أني كنت قتلت عيينة بن حصن وطليحة بن خويلد(1) .

        وروى الطبري بطرق منها عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت : كان أبو بكر تاجرا وكان منزله بالسُنح حول المدينة حتى ستة أشهر بعد النبيّ ، ثم نزل المدينة وترك التجارة وتفرّغ للأمر ، ففرضوا ( ؟ ) له في كل سنة ستة آلاف درهم . فلما حضرته الوفاة قال : انظروا كم أنفقت منذ ولّيت من بيت المال فأقبضوه عنّي بأرضي التي بمكان كذا ( ؟ ) فوجدوا مبلغه ثمانية آلاف درهم(2) .

 



(1) الإيضاح : 159 ـ 161 ، ومختصره في الاستغاثة : 21 ، وبتمامه باختلاف في الخصال 1 : 171 ـ 173 باب الثلاثة عن عبد الرحمن بن عوف الزهري . وفي تلخيص الشافي 3 : 170 ، الطعن السادس ، ومناقشته في شرح النهج للمعتزلي 17 : 164 ، الطعن الثالث ، ونقل الخبر في 2 : 45 ـ 47 ، عن الكامل للمبرد 1 : 54 ـ 55 .

(2) الطبري 3 : 432 ـ 433 .

(226)

        وأوصى أن تغسله زوجته أسماء بنت عميس ويصبّ الماء ابنه عبد الرحمن وأوصى إلى ابنته عائشة أن يدفن إلى جنب النبيّ . وتوفي في غيبة الشمس أو بين المغرب والعشاء وصلّى عليه عمر وحفروا له بحيث جعل رأسه عند كتفي أو رجلي النبيّ من خلفه(1) ، وسطّح القبر ورُش عليه الماء والعرصة حمراء .

 

        وأقامت له ابنتاه عائشة وأسماء ومعهن أُم فروة اُخته زوجة الأشعث بن قيس مجلس النياحة ومعهنّ نسوة ، وذلك في حجرة عائشة ولعله حول القبرين . وأقبل عمر ومعه هشام بن الوليد ( أخو خالد المخزومي ) وبيده درّته ! حتى وقف بباب الحجرة بحيث يسمعن صوته فنهاهن عن ذلك ، فلم يقلعن فنادى : يا هشام ، ادخل فأخرج إليّ ابنة أبي قحافة اُخت أبي بكر . وسمعته عائشة ، وأراد هشام ليدخل فقالت له عائشة : إني أُحرّج عليك بيتي ! وناداه عمر : ادخل فقد أذنت لك ! فدخل هشام وعرف أُمّ فروة فأخذها إلى عمر فعلاها بدرّته ! وضربها ضربات ، فتفرق النسوة(2) .

 



(1) على اختلاف الروايتين عن القاسم بن محمد بن أبي بكر في الطبري 3 : 422 ـ 423 ، والتنبيه الإشراف : 251 ، فراجع وقارن واعجب للفرق وقل : من أين نشأ هذا ؟!

(2) الطبري 3 : 421 ـ 423 ، عن ابن سعد الطبقات الكبرى 3 : 209 ، وفي تاريخ المدينة للنُميري البصري 1 : 676 عن الزهري ، ولم يرو عن عائشة تخطئة لعمر على مثل ذلك إلاّ عند وفاته لما أخبرها بوفاته ابن عباس فقالت : رحم اللّه‏ عمر ! واللّه‏ ما حدّث رسول اللّه‏ : إنّ اللّه‏ ليعذّب المؤمن ببكاء أهله عليه لكنه قال : إن اللّه‏ ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه . البخاري 2 : 101 ، ومسلم 6 : 232 ، وفي اليعقوبي 2 : 157 : لما بلغه وفاة خالد بن الوليد جزع وبكاه آل عمر وقال عمر : حق لهن أن يبكين على أبي سليمان ! وكان ابن خاله 2 : 139 ، ومع ذلك لم تجرؤ عائشة على تلك التصحيحة لحديثه على عهده قبل موته !

(227)

        ووصفت عائشة أباها فقالت : كان أبيض يخالطه صفرة ، ناتئ الجبهة ، معروق الوجه ( = قليل اللحم ) غائر العينين خفيف العارضين يخضبهما بالحنّاء والكَتَم ، عاري الأصابع ، دقيق الساقين ممحوص الفخذين يسترخي إزاره عن حَقويه لا يكاد يمسكه ، حسن القامة أحدبها(1) وكان لبسه في خلافته الشملة وعباءة(2) .

 

        وتوفي في الثاني والعشرين من جمادى الآخرة للسنة ( 13 ه ) وفيه مات عامله بمكة عتّاب بن أُسيد(3) وهند ابنة عتبة زوجة أبي سفيان(4) .

 

 


(1) الطبري 3 : 424 ، عن ابن سعد في الطبقات الكبرى 3 : 188 .

(2) مروج الذهب 2 : 298 .

(3) الطبري 3 : 419 .

(4) التنبيه والإشراف : 249 .

(228)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-74-5_y13-p02.htm