فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء الرابع
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1426 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-74-5
عدد صفحات: 784
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

و أمر مَهْرة:

 

        جاء في خبر الطبري عن سيف عن القاسم بن محمد بن أبي بكر : أن أبا بكر كان قد كتب في كتابه إلى عِكرمة : « فإذا فرغتم ( من عمان ) فامض إلى مَهْرة » فلما فرغوا من عُمان بدأ يستنصر من أهل عُمان ومن حولها من بني ناجية والأزد وعبد القيس وراسب وبني تميم ، وخرج بجنده من عُمان نحو مَهْرة حتى اقتحم بلادهم(1) بلاد مَهْرة بن حيدان بالنّجد .

        قال البلاذري : فلما بلغ إليهم عكرمة لم يقاتلوه وأدوا صدقاتهم(2) فكتب بذلك مع السائب المخزومي إلى أبي بكر(3) .

 

 

وأمر اليمن :

        وجاء في خبر الطبري عن سيف عن القاسم بن محمد بن أبي بكر : أن أبا بكر كان قد كتب في كتابه إلى عكرمة : « فإذا فرغتم ( من عمان ) فامض إلى .. اليمن .. وأوطئ مَن بين عمان واليمن ممن ارتدّ ثم ليكن وجهك منها إلى اليمن حتى تلاقي المهاجر بن أبي اُمية باليمن »(4) ومنه يعلم أن قلاقل اليمن وتأمير المهاجر عليها كان قبل ذلك ، وقد مرّ خبر ردّة الأسود العنسي في صنعاء ، وغلبة فيروز وجُشيش الديلميين ودادويه الاصطخري والأبناء ومعهم قيس بن المكشوح


(1) الطبري 3 : 315 ـ 316 .

(2) فتوح البلدان 1 : 93 ، وابن الأعثم 1 : 74 .

(3) الطبري 3 : 317 عن سيف ، وفيه أنهم قاتلوه أشد من قتال دَبا في عُمان ، وقتل منهم أكثر ممن قُتل في دَبا ، وغنموا منهم أكثر من ألفي نجيبة ثم بايعوه على الإسلام ؛ وانظر عبد اللّه‏ بن سبأ 2 : 62 .

(4) الطبري 3 : 315 .

(201)

المرادي على الأسود وقتله وهزيمة أصحابه ، وغلبة هؤلاء على صنعاء ، وهروب الفلول إلى جهة نجران .

 

        وهنا نزداد : كانت فلول خيول العنسي تتردد في عرض البحر بين صنعاء إلى نجران . وكان من قبل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على ما بين زبيد ورمع إلى حدّ نجران خالد بن سعيد بن العاص ، وعلى نجران نفسها عمرو بن حزم ومعه لجباية الصدقات ( أو الجزية ) أبو سفيان بن حرب ، فهؤلاء رجعوا مع وفاته إلى المدينة ، ومعهم مُعاذ بن جبل من صنعاء(1) فماذا عن المهاجر بن أبي أُمية المخزومي ؟

        وكان فيروز وجشيش الديليمان ودادويه الاصطخري وقيس بن المكشوح المرادي معهم متساندين ، ولما ولى أبو بكر أمّر فيروز وكتب إلى وجوه أهل اليمن : عُمير ذي مُرّان وسعيد ذي زَوَد ، وسَميفَع بن ناكور ذي الكلاع ، وحَوشب ذي ظُليم ، وشهر ذي يناف : أما بعد ، فأعينوا الأبناء على من ناوأهم ، وحوطوهم ، واسمعوا من فيروز وجدّوا معه فإني قد ولّيته .

 

        فلما سمع بذلك قيس حَسد الأبناء الفرس على ذلك فأرسل إلى ذي الكلاع وأصحابه : أنّ الأبناء نُزّاع ( غرباء ) في بلادكم ونُقلاء فيكم ، وإن تتركوهم لن يزالوا عليكم ، وقد أرى من الرأي أن أقتل رؤوسهم واُخرجهم من بلادنا . فلم يستجيبوا له ولم ينصروا الأبناء واعتزلوا .

        فكاتب قيس فلول الأسود سرّا أن يتعجّلوا إليه ليجتمعوا على نفي الأبناء من بلاد اليمن ، فاستجابوا له ، واجتمعوا ودنوا من صنعاء وعليهم معاوية بن أنس(2) .



(1) الطبري 3 : 318 ـ 319 ، عن سيف عن القاسم بن محمد بن أبي بكر .

(2) الطبري 3 : 318 ـ 319 و 323 ، عن سيف .

(202)

        فلما دنوا من صنعاء عزم قيس أن يقتل رؤوس الأبناء غيلة ، ودعاهم إلى طعامه واحدا بعد الآخر وبدأ بدادويه ، فلما دخل داره قتله ، وعلم الباقون بذلك فهربوا إلى الجبال ، فسيّر قيس عيالاتهم إلى بلادهم برّا وبحرا بمعونة فلول الأسود .

 

        واستمد فيروز الديلمي من بعض القبائل فأجابوه فاسترجعوا عوائلهم ، ثم تقاتلوا خارج صنعاء قتالاً شديدا حتى هزم قيس(1) وأصحابه ولحق بنجران .

        فما هو دور المهاجر بن أبي أُمية المخزومي ؟ وهو أخو أُمّ سلمة زوج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        روى الطبري عن سيف قال : كان المهاجر لم يهاجر مع رسول اللّه‏ إلى تبوك فهو عاتب عليه ، فبينا أُم سلمة تغسل رأس رسول اللّه‏ قالت له : ما ينفعني شيء وأنت عاتب على أخي ! ورأت رقّة منه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأومأت إلى الخادم أن تأتي بالمهاجر فأتت به ، فلم يزل ينشر عذره حتى عذره ورضى عنه ، ثم أمّره على كِندة في اليمن وحضرموت ، ولكنه مرض فلم يذهب حتى توفي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وكان على حضرموت من قِبله زياد بن لَبيد البياضي ، فكتب المهاجر إليه ليقوم له على عمله ! فلما ولى أبو بكر أمره بقتال مَن بين نجران إلى صنعاء إلى أقصى اليمن إلى حضرموت من كِندة ، ومنها السكون والسكاسك ، وكان عليهما عُكّاشة بن مِحصن ، وعلم هو وزياد بذلك فانتظراه . وكانت كِندة ممن أجاب الأسود العنسي(2) .

        وكان على مكة عتّاب بن أُسيد الأموي ، وكان في عمله تَهامة أيضا ، وتجمّع بها بعد وفاة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جمع من بني مُدلج وخُزاعة وكنانة عليهم جُندَب بن سُلمى


(1) بالإفادة من تلخيص العسكري في عبد اللّه‏ بن سبأ 2 : 66 .

(2) الطبري 3 : 330 ـ 331 ، بتصرف يسير .

(203)

المُدلحى . وكان عتّاب كتب بذلك إلى أبي بكر فكتب إليه بحربهم ، فبعث عليهم أخاه خالد بن أسيد ، فالتقوا بموضع الأبارق فقاتلهم وفرّقهم ثم تاب جُندب(1) ورجع خالد إلى مكة .

 

        وكتب أبو بكر إلى عتّاب بن اُسيد : أن اضرب على أهل مكة وعملها خمسمئة مقاتل وأن يسمّي من يبعثه معهم ولينتظر حتى يمرُّ بهم المهاجر . فأعدّهم وأمّر عليهم أخاه خالدا .

        وكان على الطائف : عثمان بن أبي العاص ، فكتب إليه أبو بكر : أن يضرب بعثا على أهل الطائف على كل حيّ منهم بقدره ويولّى عليهم رجلاً ، فضرب على كل حيّ عشرين رجلاً وأمّر عليهم أخاه ( عبد الرحمن )(2) .

        وكان قد كتب إلى عبد اللّه‏ بن ثور أن يجمع إليه من يستجيب له من أهل تهامة وينتظر المهاجر(3) !

 

        وكانت خَثعم حاولت أن تعيد صنمها ذا الخلصة ، فأمر أبو بكر جرير بن عبد اللّه‏ البجلي أن يستنفر الأقوياء من قومه فيقاتل بهم خَثعم ، ثم يقيم في نجران ينتظر المهاجر ، فخرج جرير فلم يثبت لقتاله إلاّ قليل قاتلهم وتتبّعهم إلى نجران فأقام بها ينتظر المهاجر(4) .

 

        وخرج المهاجر من المدينة إلى مكة فتبعه خالد بن أُسيد بمن معه ، ثم مرّ بالطائف فتبعه عبد الرحمن بن أبي العاص بمن معه ، وانضمّ إليه عبد اللّه‏ بن ثور


(1) الطبري 3 : 319 .

(2) الطبري 3 : 322 .

(3) الطبري 3 : 328 .

(4) الطبري 3 : 322 .

(204)

ومن معه حين حاذاه بتهامة ، ثم قدم نجران فانضمّ إليه جرير بن عبد اللّه‏ البجلي ، وفروة بن مُسيك المرادي(1) .

 

        وكان فروة قد وفد بقومه من مراد على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في العاشرة فاستعمله رسول اللّه‏ على صدقات مُراد ومن معهم ، وكان معهم عمرو بن معد يكرب الزبيدي ، ثم تبع مذحج فيمن تبع الأسود العنسي فجعله العنسي مقابل مراد ، ثم لحق بعمرو قيس المرادي منهزما من فيروز الديلمي من صنعاء ، ثم تفارقا(2) .

 

        فلما لحق فروة بالمهاجر لحقه عمرو بغير أمان ولحقه قيس فأمر المهاجر بأسرهما وبعث بهما إلى أبي بكر .

 

        فقال له أبو بكر : يا قيس ، أعدَوتَ على عباد اللّه‏ تقتلهم ، وتتخذ المشركين والمرتدّين وليجةً من دون المؤمنين ! وكان قتل دادويه سرّا بلا بيّنة فانتفى قيس أن يكون قارف منه شيئا ! فتجافى أبو بكر عن دمه وخلاّه . وعاتب عمرا وخلاّه(3) .

        ثم سار المهاجر من نجران إلى صنعاء في طلب فلول الأسود العنسي والتفّ بخيله حولهم ، واستأمنوه فأبى ، فافترقوا فرقتين لقي المهاجر إحداهما في موضع عُجيب فأتى عليهم ، ولقي عبد اللّه‏ بن ثور ومن معه الفرقة الأُخرى بطريق الأخابث فأتى عليهم .

 


(1) الطبري 3 : 329 .

(2) الطبري 3 : 326 ـ 327 .

(3) الطبري 3 : 329 . ورجّح السيد العسكري خبر البلاذري قال : بلغ أبا بكر اتّهام قيس بقتل دادويه وأنه كان على اجلاء الأبناء من صنعاء ، فكتب إلى عامله على صنعاء ( فيروز ؟ ) أن يحمله إليه فحمله إليه ، فلما قدم عليه أحلفه عند منبر رسول اللّه‏ خمسين يمينا أنه ما قتل دادويه وخلّى سبيله ، ثم وجّهه مع المنتدبين لغزو الروم إلى الشام . عبد اللّه‏ بن سبأ 2 : 68 ، عن فتوح البلدان 1 : 127 .

(205)

        ثم سار المهاجر من عُجيب وتتبّع هو وخيله من قدروا عليه من الهاربين الشاردين ، قبل توبة من أناب ، حتى دخل صنعاء ، وكتب بذلك إلى أبي بكر .

        فكتب إليه أبو بكر : أن يأذن لمن معه من بين مكة واليمن أن يرجعوا إلاّ من يؤثر الجهاد ويسير إلى حضرموت فيقرّ زياد بن لبيد البياضي على عمله فيها(1) .

 

وأما عكرمة :

        وخرج عكرمة من مَهْرة ومعه بشر كثير من مَهْرة بن حيدان ، وسعد بن زيد ، والأزد ، وناجية ، وعبد القيس ، وكنانة ، وعَنبر ، والنخع ، وحمير ، إلى اليمن حتى ورد أَبْيَن(2) . وكتب أبو بكر إلى عكرمة أن يسير إلى حضرموت ، فسار المهاجر من صنعاء ، وعكرمة من أبين حتى التقيا في مأرب ، ثم سلكا البرّ من صَهيد حتى دخلا بلاد حضرموت(3) .

 

ردّة كندة وحضرموت :

        لما أسلمت كندة وأهل حضرموت أمّر رسول اللّه‏ عليهم لصدقاتهم زياد بن لبيد البياضي فتوفى رسول اللّه‏ وهو على جبابة صدقات حضرموت ، وعلى كندة المهاجر بن أبي أُمية ولمرضه كتب إلى زياد بعمله ، وعلى خصوص السكاسك والسكون من كندة عُكّاشة بن مِحصن . ومن كندة بنو الحارث بن معاوية وبنو عمرو بن معاوية ، ومنهم رؤساؤهم الأربعة : أبضعة وجَمَد ومِخْوَص


(1) الطبري 3 : 329 ـ 331 .

(2) الطبري 3 : 327 .

(3) الطبري 3 : 331 .

(206)

ومِشرح واُختهم العمرَّدة . وأجاب هؤلاء الرؤساء الأربعة وجمع من بني عمرو الأسود العنسي في عهد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فلعنهم ، وبقي جمع كثير من بني عمرو على الإسلام ، وهم في موضع الرياض .

 

        فقدم عليهم زياد بن لبيد لزكواتهم ، وكان إذا أخذ ناقة للصدقة وسمها بالنار ، فأخذ ناقة لأحد أخوين ووسمها ثم تبيّن أنها لأخيه وطلبها ، فزعم زياد أن ذلك اعتلال واتّهمه بالكفر والردة ! فاستغاث الرجل برجل من قومه : حارثة بن سراقة فجاء وأطلق عقالها وأقامها وقام هو ورجلان معه دونها ، وكان مع زياد شباب من حضرموت والسكون وأشار إليهم زياد فضربوا الرجال الثلاثة بأيديهم ووطؤوهم بأرجلهم وكتّفوهم وحبسوهم واستعادوا الناقة(1) !

        هذا ما لدى الطبريّ عن سيف ، ولدى الواقدي وابن الأعثم أنّ حارثة تحدّث فقال :

 

        « نحن إنما أطعنا رسول اللّه‏ إذ كان حيّا ، ولو قام رجل من أهل بيته لأطعناه ! وأما ابن أبي قحافة فما له طاعة في رقابنا ولا بيعة ! » ولعله كان يعني عليا عليه‏السلام لأنهم إنما عرفوا الإسلام واعتنقوه بفضله . ونظم ذلك شعرا فقال :

 أطعنا رسول اللّه‏ إذ كان بيننا  فيا عجبا من ذا يطيع أبا بكر
 وإنّ أُناسا يأخذون زكاتكم  أقلُ ورب البيت عندي من الذَّر
 أنعطي قريشا مالنا ؟ إنّ هذه  كتلك التي يُخزى بها المرء في القبر
 وما لبني تيم بن مُرّة إمرة  علينا ولا تلك القبائل في الأسر
 لأن رسول اللّه‏ أوجبُ طاعة  وأولى بما استولى عليهم من الأمر(2)
 (2) كتاب الردة للواقدي : 171 ، والفتوح لابن الأعثم 1 : 47 .

 

(207)

        فهو مطيع لرسول اللّه‏ ولرجل من أهل بيته غير مطيع لأبي بكر ولا هو مرتد ، وقال :

 

 كان الرسول هو المطاع وقد مضى  صلّى عليه اللّه‏ لم يستخلف
 هذا مقالك يا زياد ، وقد أرى  أن قد أتيت بقول سوء مخلف
 ومقالنا : أن النبيّ محمدا  صلّى عليه اللّه‏ غير مكلِّف
 ترك الخلافة بعده لوُلاته  ودعا زياد لامرئ لم يُعرف
 إن كان لابن أبي قحافة إمرةٌ  فلقد أتى في أمره بتعسّف
 أم كيف سلّمت الخلافة هاشم  لعتيق تيم ؟ كيف ما لم تأنف(1)
        فهو يقول بأن الرسول لم يكلّف تكليفا خاصا في الخلافة ومع ذلك لا يصح القول بأنه لم يستخلف ، بل تركها لأوليائه الأدنين الأقربين من بني هاشم ، وإن كان بدون تكليف خاص ، وتبعه ذلك جمع من قومه منهم عرفجة بن عبد اللّه‏ فقد قال بمثل مقالته في الخلافة(2) .

 

 

        وتنادى لذلك بنو معاوية ( عمرو والحارث ) في أهل الرياض وغضبوا لحارثة بن سُراقة من بني عمرو بن معاوية وقاموا له بعسكر كثير ، فأرسل زياد إليهم : إما أن تضعوا السلاح أو تؤذنوا بحرب ! فقالوا : لا نضع السلاح حتى تُرسلوا أصحابنا . فقال : لا يُرسَلون أبدا !

 

        واجتمع لزياد جمع من أهل حضرموت ومن السَّكون ، ولم تسكن السكون حتى أثارت زيادا على بني معاوية فانهدّ إليهم ليلاً وفرّقهم ، فلما هربوا رجع عنهم وخلّى لهم عن أصحابهم الثلاثة ، ثم اجتمعوا وعسكروا وتنادوا بمنع الزكاة !


(1) كتاب الردة للواقدي : 176 ، والفتوح لابن الأعثم 1 : 48 ـ 49 .

(2) المصدران السابقان .

(208)

        وخرج بنو عمرو بن معاوية ومنهم رؤساؤهم الأربعة وبنو الحارث بن معاوية فاتخذوا لأنفسهم محاجر حَموها وطابقوا على منع الصدقة ، وانضمّ إليهم أقوام من السكاسك والسكون وأهل حَضرموت .

        واجتمع جمع منهم حول زياد وعرضوا عليه أن يُغيروا على اُولئك ، فقال : شأنكم ، فأكبوا على بني عمرو بن معاوية في محاجرهم في خمس فرق من خمسة أوجه ، فقتلوا الرؤساء الأربعة واُختهم وغيرهم ، وضعفوا وهربوا ، وغنموا أموالهم وسبوا منهم سبايا ومرّوا بهنّ على عسكر بني الحارث بن معاوية وعليهم الأشعث بن قيس الكندي ، واستغاث النساء به ، فثار بعسكره فأنقذهنّ .

        ثم جمع إلى بني الحارث بني عمرو ومن أطاعه من السكاسك وقبائل ما حولهم .

        وعلم زياد باتجاه المهاجر إليه فكتب إليه بذلك يستحثّه ، فتلقّاه الرسول بكتابه وقد قطع صحراء الصّهيد ما بين مأرب وحضرموت ، فاستخلف المهاجر عكرمة على جيشه وتعجّل بجيشه حتى قدم على زياد ، فالتقوا بالأشعث في محجر الزّرقان .

        وكان الأشعث رمّم حصن النُّجَير ، فلما تقاتل وهرب لجأ هو وجمعه إلى حصن النُجير ، وتابعهم المهاجر وجيشه وزياد وعسكره ، وكان لحصن النُجير ثلاثة طُرق ، فنزل كل واحد منهما على طريق ، وانتظروا عكرمة فنزل على الثالث فقطعوا طرقهم .

        وبعث المهاجر يزيد بن قنان في خيل إلى قُرى برهوت وبني هند فقاتلوا من بها من كندة .

        وبعث ربيعة الحضرمي وخالد المخزومي إلى الساحل فقاتلوا أهل مَحيى وأحياء أُخر من كندة .

(209)

        وبلغ ذلك أهل الحصار فجزّوا نواصيَهم متعاقدين على الموت وأن لا يفرّوا .

        فلما أصبحوا خرجوا يقاتلون بفناء الحصن وعلى كل طريق من الطرق الثلاثة حتى انهزموا(1) .

        وكان النعمان بن الجون الكندي الذي أهدى ابنته إلى رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقال أزيدك أنها لم تُجَع شيئا قط ! فقال : لو كان لها عند اللّه‏ خير لاشتكت ، ورغب عنها(2) وطلّقها ، كان هو وابنته في عدن باليمن ، فلما نزلها عكرمة خطبها وتزوجها وأوصلها أبوها إلى عكرمة وهو بالجَند ينتظر المهاجر . وكان الأشعث علم ذلك فبعث إلى عكرمة بطلب الأمان فآمنه وأوصله إلى المهاجر ، واستأمن منه لنفسه وماله وتسعة معه وأهليهم ، على أن يفتحوا لهم الباب فيدخلوا على قومه ! فقال له المهاجر : اكتب ما شئت وهلمّ إلى أختمه ، فكتب أمانهم ولما لم يبق إلاّ أن يكتب نفسه وثب عليه أحدهم بشفرته وهدّده أن يكتبه ، فتعجل وكتبه ودهش أن يكتب نفسه ، ثم جاء بالكتاب فختمه ، ورجع فسرّبهم ، ثم فتح الباب .

 

        فاقتحمه المسلمون وقتلوا المقاتلين ، وفي الحصن ألف امرأة فسبوهنّ ، وجاء الأشعث باُولئك النفر فعرضهم على كتابه فإذا ليس فيه اسمه ، فقال المهاجر : الحمد للّه‏ الذي أخطأ نوءُك ( نجمك ) يا عدوّ اللّه‏ وهَمّ بقتله ، فشفع له عكرمة أن يبعث به مع السبايا إلى أبي بكر ، فقبل المهاجر المشورة وبعث به مع السبي ، فكان سبايا قومه يلعنونه لغدره بهم .


(1) الطبري 3 : 333ـ 336 .

(2) الطبري 3 : 337 و 340 ، وفي اليعقوبي 2 : 85 : أن عكرمة تزوج قتيلة اُخت الأشعث الكندي .

(210)

        وكان الأشعث لما قدم على رسول اللّه‏ خطب أُم فروة بنت أبي قحافة من أخيها أبي بكر ، فلما قدم على أبي بكر قال له : ما تراني صانعا بك ؟ قال : أنت أعلم ، قال : فإني أرى قتلك ! قال : أو تحتسب فيّ خيرا : تطلق اُسارى وتقيلني عثرتي وتقبل إسلامي وتردّ عليّ زوجتي ( أُم فروة ) ! فقبل منه وزوّجه اُخته ، وأخذ خمس المغنم وقسّمه ، وبقى الأشعث بالمدينة حتى فَتْح العراق(1) .

        وكتب أبو بكر إلى المهاجر يخيّره بين حضرموت واليمن ، وأن يقرّ زياد بن لبيد على عمله ( ! ) ولكن يُمدّه بعبيدة بن سعد ، فجعل المهاجر زيادا على حضرموت ، وعبيدة بن سعد على كِندة السكاسك ، وهو اختار اليمن مع فيروز الديلمي في صنعاء(2) .

 

        ورفع إليه امرأتان غنّت إحداهما بشتم رسول اللّه‏ والاُخرى بهجو المسلمين ، فنزع ثناياهما وقطع يدهما ، وبلغ ذلك أبا بكر فكتب إليه بقتل الشاتمة وتأديب الهاجية ونهاه عن المثلة إلاّ قصاصا(3) .

 

 


(1) الطبري 3 : 337 ـ 339 ، وذكر مختصر خبر النجير وقتل الملوك الأربعة وأمان الأشعث في تاريخ خليفة : 91 ، واليعقوبي 2 : 132 .

(2) الطبري 3 : 331 و 341 .

(3) الطبري 3 : 341 ، 342 ، عن سيف عن موسى بن عقبة صاحب المغازي .

(211)

 

(212)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-74-5_y12-p02.htm