فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
حوادث السنة الحادية عشرة: رحيل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واختلاف الأُمة حوادث السنة الحادية عشرة: رحيل الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله واختلاف الأُمة
بعض وصايا النبيّ للوصيّ
أحداث عند الوفاة
سعد بن عبادة زعيم الخزرج
أخبار سقيفة بني ساعدة
عهد خلافة أبي بكر عهد خلافة أبي بكر
في طريقهم إلى المسجد
و البيعة في المسجد
خطبة أبي ذر في المسجد
نجوى جمع من الصحابة ليلاً
و في ضحى يوم الثلاثاء
ثم أقبلوا على رسول اللّه‏
زوبعة أبي سفيان
و بقي العبّاس عمّ الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
و لزم عليّ بيته لجمع القرآن
خطبته عليه‏السلام بعد جمعه القرآن
ماذا كانت فدك ؟
و صادرها الخليفة
سرّ المصادرة
ثم طالبت بالميراث
طرق خطبتها
الخطبة الأُولى
جواب أبي بكر لها
ردها على أبي بكر
جواب أبي بكر
ردّها عليه
مع الأنصار
تعريض أبي بكر بعلي عليه‏السلام
جواب أُم سلمة له
الزهراء مع أمير المؤمنين عليه‏السلام
موقف الأنصار
و موقف المهاجرين منهم
جواب الأنصار
عصيان عمرو بن العاص
و جواب الأنصار
و موقف خالد بن سعيد الأموي
و جواب العاصي
و جواب علي عليه‏السلام
و شكر الأنصار لعلي عليه‏السلام
و موقف الوليد بن عقبة
فما حال أهل مكة ؟
و أما سائر الردّات
بعث أُسامة ثانية
و انتهى إلى أُبنى
بريدة و بيعة أبي بكر
بداية مطالبة البيعة من علي عليه‏السلام
فطاف بالزهراء عليهم ليلاً
مُعاذ بن جبل
بيعة الأربعين رجلاً
و عادوا على طلب البيعة منه
فالممتنعون من البيعة
اقتحام دار علي عليه‏السلام
و الأعوان ؟ و الحوادث ؟
مطالبة البيعة منه عليه‏السلام
بيعة بلال
بدايات الارتداد واشتدادها
و أول البأس مع عبس
عودة عمّال الصدقات
بعث خالد لابن خويلد
المعرّة و الدّبرة
و سائر القبائل
سبي خولة الحنفية
أسر قرة العامري وعيينة الفزاري
بدء علّة فاطمة عليهاالسلام
و لما اشتدّ علتها
فعادها الشيخان
و جاءها العبّاس عائدا
وصايا الزهراء عليهاالسلام
ساعة الوفاة
غسل الزهراء عليهاالسلام
تاريخ الوفاة
و أين دفنت؟
تأبين أمير المؤمنين للزهراء عليهاالسلام
عواقب دفن الليل
مؤامرة قتله عليه‏السلام
زواجه عليه‏السلام بأُمامة
تنبؤ سَجاح اليربوعية
لقاء سجاح بمسيلمة
و أما مالك بن نويرة
رأس مالك و جسدَه
موقف أبي قتادة و أبي بكر و عمر
ردة بني سليم
حرق أبي بكر للفجاءة
أهم حوادث السنة الثانية عشرة أهم حوادث السنة الثانية عشرة
أهم حوادث السنة الثالثة عشرة أهم حوادث السنة الثالثة عشرة
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء الرابع
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الإسلامي
الطبعة: 1426 ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-74-5
عدد صفحات: 784
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
عهد

 

 

 

خلافة أبي بكر

 

 

 

(29)

 

(30)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في طريقهم إلى المسجد :

        روى سليم بن قيس عن البراء بن عازب الأنصاري قال : لما قبض رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان بي من الحزن لوفاة رسول اللّه‏ ما يأخذ الواله الثكول ، وقد خلا الهاشميون برسول اللّه‏ لغسله وتحنيطه ، وقد بلغني الذي كان من سعد بن عبادة ومن تبعه من جملة أصحابه فلم أحفل بهم لأني علمت أنه لا يؤول إلى شيء ، وجعلت أتردّد بينهم وبين المسجد وأتفقّد وجوه قريش ، وإني لكذلك افتقدت أبا بكر وعمر .

        ثم لم ألبث كثيرا حتى إذا أنا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة قد أقبلوا في أهل السقيفة ، وهم محتجزون ( مؤتزرون ) بالاُزر الصنعانية ( اليمنية ) لا يمرّ بهم أحد إلاّ خبطوه ، فإذا عرفوه مدوا يده على يد أبي بكر شاء ذلك أم أبى !

        فأنكرت ذلك ... وانطلقت مسرعا إلى المسجد ثم أتيت بني هاشم والباب مغلق دونهم ، وضربت الباب ضربا عنيفا وقلت : يا أهل البيت ! فخرج إليّ

(31)

الفضل بن العباس ، فقلت له : قد بايع الناس أبا بكر . فسمعني أبوه العباس فقال : قد تربت أيديكم منها إلى آخر الدهر ، أما إني قد أمرتكم فعصيتموني(1) !

 

        وزاد عنه اليعقوبي : قال : فعلوها وربّ الكعبة . وقال بعض بني هاشم : ما كان المسلمون يحدثون حدثا نغيب عنه ونحن أولى بمحمد ! وأضاف : وكان المهاجرون والأنصار لا يشكّون في علي(2) قال : وخرج من الدار الفضل بن العباس فقال : يا معشر قريش ؛ إنه ما حقت لكم الخلافة بالتمويه ، ونحن أهلها دونكم ، صاحبنا أولى بها منكم . وخرج عتبة بن أبي لهب يقول شعرا :

 

 ما كنت أحسب أنّ الأمر منصرف  عن هاشم ثم منها عن أبي الحسن
 عن أول الناس إيمانا وسابقة  وأعلم الناس بالقرآن والسنن
 وآخر الناس عهدا بالنبيّ ومَن  جبريل عونٌ له في الغسل والكفن
 من فيه ما فيهم لا يمترون به  وليس في القوم ما فيه من الحسن(3)
 (3) تاريخ اليعقوبي 2 : 124 . وفي كتاب سليم 2 : 576 ، نسبها للعباس .وفي الجمل للمفيد : 118 ، نسبها إلى عبد اللّه‏ بن أبي سفيان بن الحرث بن عبد المطلب ، وأنه كان خارجا عن المدينة فحضر المسجد وقال ... .

(32)

والبيعة في المسجد :

 

        ومرّ عمر وأبو عبيدة بأبي بكر حتى أدخلوه المسجد الشريف ، فقال عمر لأبي بكر اصعد المنبر ، ولم يزل به حتى صعد المنبر(1) .

        فروى المعتزلي عن الجوهري عن رجل من بني زُريق قال : جلس أبو بكر على المنبر فحمد اللّه‏ وأثنى عليه ثم قال : أما بعد ، فإني ولّيتكم ولست بخيركم ، ولكنه نزل القرآن وسُنت السنن عُلّمنا فتعلّمنا ! أيها الناس ، إنما أنا متّبع ولست بمبتدع ( ؟ ) إذا أحسنت فأعينوني وإذا زِغت فقوّموني . إنّ أكيس الكيس التقى ، وأحمق الحمق الفجور ، وإن أقواكم عندي الضعيف حتى آخذ له الحق ، وأضعفكم عندي القوي حتى آخذ منه الحق(2) .

 

        وروى المفيد في « الجمل » عن أبي مخنف عن الكلبي بسنده عن زائدة بن قدامة الثقفي ( 62 ه ) قال : كان جماعة من الأعراب من بني أسلم قد دخلوا المدينة للميرة يوم الاثنين فشغل الناس عنهم بموت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

        فأنفذ إليهم عمر واستدعاهم وقال لهم : خذوا ( المؤونة ) بالمعونة على بيعة خليفة رسول اللّه‏ ، فاخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا ، فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه !

        قال قدامة : فواللّه‏ لقد رأيتهم قد تحزموا باُزرهم وأخذوا خشبا بأيديهم وخرجوا يخبطون الناس خبطا وجاؤوا بهم للبيعة مكرهين(3) .



(1) صحيح البخاري 4 : 165 كتاب البيعة .

(2) عن الجوهري في النهج للمعتزلي 6 : 55 ـ 56 . وفي كتاب السقيفة : 50 بتصرف يسير في الألفاظ .

(3) الجمل : 119 .

(33)

        وروى الطبري عن الكلبي عن أبي مخنف عن أبي بكر بن محمد الخزاعي قال : إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر ، فكان عمر يقول : لما رأيت أسلم أيقنت بالنصر(1) .

 

        أجل بايعه هؤلاء الناس هكذا طائعين ومكرهين وشغلوا بذلك عن أمر رسول اللّه‏ حتى أمسوا ليلة الثلاثاء ، وفي « الموفقيات » : فلما كان آخر النهار ( يوم الاثنين ) افترقوا إلى منازلهم(2) ولم يُذكر من الصلاة شيء !

 

 

خطبة أبي ذر في المسجد :

        روى فرات الكوفي في تفسيره بسنده عن أبي رجاء عمران بن ملحان العطاردي البصري ( م 117 ه ) قال : لما بايع الناس لأبي بكر ، دخل أبو ذر المسجد فقام وقال : أيها الناس « إِنَّ اللّه‏َ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللّه‏ُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »(3) وأهل بيت نبيكم هم من آل إبراهيم ، والصفوة من سلالة إسماعيل ، والعترة الهادية من محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فبمحمّد شُرّف شريفهم ، واستوجبوا حقهم ، ونالوا الفضيلة من ربّهم ، هم فينا كالسماء المبنيّة ، والأرض المدحيّة ، والجبال المنصوبة ، والكعبة المستورة ، والشمس الضاحية ، والنجوم الهادية ، والشجرة النبوية ، أضاء زيتها وبورك ما حولها .


(1) الطبري 3 : 222 ، ورواه المعتزلي عن الموفقّيات . وسيأتي عن الشافي ما يفيد أن كثيرا من أسلم دون هؤلاء أبوا أن يبايعوا حتى يبايع بريدة الأسلمي ، وهو لم يبايع حتى بايع علي عليه‏السلام .

(2) عن الموفقيات في شرح النهج للمعتزلي 6 : 19 .

(3) آل عمران : 33 ـ 34 .

(34)

        فمحمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وصيّ آدم ، ووارث علمه ، وإمام المتقين ، وقائد الغرّ المحجلين ، وتأويل القرآن العظيم .

        وعليّ بن أبي طالب الصدّيق الأكبر ، والفاروق الأعظم ، ووصيّ محمد ووارث علمه وأخوه .

        فما بالكم ـ أيتها الأُمة المتحيّرة بعد نبيّها ـ لو قدّمتم من قدّم اللّه‏ ، وخلّفتم الولاية لمن خلّفها له النبيّ ، واللّه‏ لما عال وليّ اللّه‏ ، ولا اختلف اثنان في حكم اللّه‏ ، ولا سقط سهم من فرائض اللّه‏ ، ولا تنازعت هذه الأُمة في أمر دينها ، إلاّ وجدتم علم ذلك عند أهل بيت نبيكم ؛ لأن اللّه‏ تعالى يقول في كتابه العزيز : « الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ »(1) فذوقوا وبال ما فرّطتم « وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَىَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ »(2) .

 

نجوى جمع من الصحابة ليلاً :

        مرّ صدر خبر البراء بن عازب الخزرجي في إخباره بني هاشم في بيت رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن البيعة لأبي بكر أصيل يوم الاثنين يوم وفاته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وفيه يقول :

        فلما كان الليل ( ليلة الثلاثاء ) خرجت إلى المسجد ، فلما صرت فيه تذكرت أني كنت أسمع همهمة رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالقرآن ، فامتنع عليّ القرار ، فخرجت إلى فضاء بني قضاعة إذ وجدت فيه نفرا يتناجون فيما بينهم ، فلما دنوت منهم سكتوا ، فانصرفت عنهم ، وما عرفتهم ولكنهم عرفوني فدعوني إليهم فأتيتهم .


(1) البقرة : 121 .

(2) الشعراء : 227 ، والخطبة في تفسير آل عمران من تفسير فرات الكوفي : 81 ، الحديث 58 ، وعنه في بحار الأنوار 28 : 247 ، وفي تاريخ اليعقوبي 2 : 171 ، وما عدا المقطع الأخير في كتاب سليم بن قيس 2 : 592 ، الحديث 4 .

(35)

        فوجدت المقداد وسلمان وأبا ذر(1) وعمارا وحذيفة وأبا الهيثم ابن التيهان وعُبادة بن الصامت ، وإذا حذيفة يقول لهم : واللّه‏ ليكونّن ما أخبرتكم به ، واللّه‏ ما كذبت ولا كُذِبت . وإذا القوم يريدون أن يعيدوا الأمر شورى بين المهاجرين . ثم قال : وإنّ اُبيّ بن كعب قد علم كما علمت فأُتوه .

        فانطلقنا إلى دار اُبيّ فضربنا عليه بابه فقال : من أنتم وما حاجتكم ؟

        فكلّمه المقداد قال : افتح بابك فإن الأمر أعظم من أن يجري من وراء حجاب !

        فقال اُبيّ : قد عرفت ما جئتم له ، كأنكم أردتم النظر في هذا العقد ؟ أفيكم حذيفة ؟ قال : نعم ، فقال اُبيّ : فالقول ما قال حذيفة ، وباللّه‏ ما أفتح عنّي بابي حتى تجري على ما هي جارية ، ولَما يكون بعدها شرّ منها ! وإلى اللّه‏ المشتكى(2) .

 

وفي ضحى يوم الثلاثاء :

        روى ابن اسحاق عن الزهري عن أنس بن مالك الأنصاري قال : لما بويع أبو بكر في السقيفة ، وكان الغد ..

        جاء عمر بأبي بكر إلى المسجد ، فصعد أبو بكر المنبر ، وقام عمر دونه ، فحمد اللّه‏ وأثنى عليه ، واعتذر إلى الناس من قولته بالأمس فقال : أيها الناس ،


(1) وروى المعتزلي 6 : 13 ، عن الجوهري بسنده : أن أباذرّ أيضا كان غائبا فقدم وقد وُلّي أبو بكر فقال : لو جعلتم هذا الأمر في أهل بيت نبيكم لما اختلف عليكم اثنان ، وفي كتاب السقيفة : 62 .

(2) كتاب سليم بن قيس 2 : 573 ، وعن الجوهري في شرح نهج البلاغة للمعتزلي 1 : 219 ، وفي كتاب السقيفة : 46 ، 47 .

(36)

إن الذي كنت قلت لكم بالأمس مقالة ما وجدتها في كتاب اللّه‏(1) ، ولا كانت عهدا من رسول اللّه‏ ، ولكنّي كنت أرى أن رسول اللّه‏ سيدبّر أمرنا ( أي يكون آخرنا ، فلم يكن كذلك ومات ) وأن اللّه‏ قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى اللّه‏ به رسوله ، فإن اعتصمتم به هداكم اللّه‏ لما كان هداه له ( على غرار قولته السابقة : حسبنا كتاب اللّه‏ ) ثم قال : وإن اللّه‏ قد جمع أمركم على خيركم ! ( خلافا لقول أبي بكر بالأمس ) صاحب رسول اللّه‏ و « ثَانِىَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ »(2) فقوموا فبايعوه .

 

        فبايع الناس البيعة العامة ، ثم قام أبو بكر فحمد اللّه‏ وأثنى عليه ثم قال :

        أما بعد أيها الناس ، فإني قد وُلّيت عليكم ولست بخيركم ( خلافا لقول عمر ) فإن أحسنت فأعينوني ، وإن أسأت فقوّموني .. أطيعوني ما أطعت اللّه‏ ورسوله ، فإذا عصيت اللّه‏ ورسوله فلا طاعة لي عليكم . الضعيف فيكم قوي عندي حتى اُريح عليه حقه إن شاء اللّه‏ ، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء اللّه‏ . الكذب خيانة والصدق أمانة .

        وكأنّ كلامه هذا كان ختاما لتلك الجلسة قبيل الزوال فقال لهم : قوموا إلى صلاتكم رحمكم اللّه‏(3) .



(1) هذا ، ولكنه ادّعاه بعد ذلك كما في الخبر اللاحق في السيرة 4 : 312 ، عن ابن عباس عن عمر قال : هل تدري ما كان حملني على مقالتي حين توفي رسول اللّه‏ ؟ قلت : لا ، قال : فإنه واللّه‏ كان الذي حملني على ذلك أني قرأت الآية : « وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدا » فواللّه‏ إن كنت لأظن أ نّه سيبقى في اُمته ليشهد عليها بأعمالها . والآية 143 من سورة البقرة .

(2) التوبة : 40 .

(3) ابن اسحاق في السيرة 4 : 311 بتصرّف يسير في الألفاظ ، ويلاحظ تكرير المعاني في الخطبتين بالأمس واليوم . وهنا روى ابن سعد قال : لما بويع أبو بكر أصبح وعلى î؛ ساعده أبراد وهو ذاهب إلى السوق ! فقال له عمر : أين تريد ؟ قال : السوق ! قال : تصنع ماذا ؟ وقد وُلّيت أمر المسلمين : قال : فمِن أين أُطعم عيالي ؟! فقال : انطلق يفرض لك أبو عبيدة ! فانطلقا إلى أبي عبيدة ، فقال : أفرض لك قوت رجل من المهاجرين كل يوم نصف شاة ! وكسوة الشتاء والصيف إذا أُخلقت ردّها وخذ غيرها . وجعلوا له ألفين ( ؟ ) فقال : زيدوني ؛ فإن لي عيالاً ، وقد شغلتموني عن التجارة ! فزاده خمس مئة ! كما في تاريخ الخلفاء للسيوطي : 91 ، 92 .

    وفيه عن الأوائل للعسكري : أن أول من اتّخذ بيت المال أبو بكر ، وأول من وليه له أبو عبيدة بن الجرّاح . ولكن هل كان ذلك لأول يوم من خلافته ؟!

    أما ابن قتيبة ( م 272 ه ) فقد قال : ثم دعا عمر والوجهاء من أصحاب رسول اللّه‏ فقال لهم : ما ترون لي من هذا المال ؟ فقال عمر : أنا أُخبرك : ما كان من عيالك وضعفة أهلك يتقوّت منه بالمعروف ، وما كان من ولدك قد بان عنك وملك أمره فسهمه كرجل من المسلمين ، الإمامة والسياسة : 16 ـ 17 ، وهل كان رجال المسلمين حتى ذلك اليوم لهم سهام من بيت المال ؟ أم من الغنائم فقط ؟! بل قال العسكري في الأوائل : لم يكن للنبيّ بيت مال . وإن أول من ولي بيت المال أبو عبيدة لأبي بكر ، كما مرّ ، وانظر شرح النهج للمعتزلي 17 : 224 : الطعن الرابع عشر ، وليس في تلخيص الشافي .

(37)

ثم أقبلوا على رسول اللّه‏ :

 

        قال ابن اسحاق : وبعد أن بويع أبو بكر يوم الثلاثاء ( وصلوا الظهر ) أقبلوا على جهاز رسول اللّه‏ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) وعن ابن عباس قال : ولما فُرغ من جهاز رسول اللّه‏ يوم الثلاثاء(2) وضع على سريره في بيته . ثم دخل الرجال عليه جماعة فجماعة فصلّوا عليه بلا إمام ، فلما فرغ الرجال أُدخل النساء ، ولما


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 312 .

(2) بل فرغ علي عليه‏السلام من غسله بعد وفاته منتصف يوم الاثنين وصلوا عليه يوم الاثنين وليلة الثلاثاء حتى الصباح ويوم الثلاثاء، كما عن الباقر عليه‏السلام في مناقب آل أبي طالب 1: 188 ـ 190.

(38)

فرغ النساء أُدخل الصبيان . ثم دفن رسول اللّه‏ في منتصف ليلة الأربعاء(1) .

 

        هذا ، ولكن ظاهر الأخبار السابقة في دفنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولا سيما ما مرّ عن المفيد : أن ذلك لم يكن ليلاً بل نهارا ، من دون تعيين اليوم ، فلعله كان في صدر نهار الأربعاء ، أي بعد وفاته ظهر الاثنين بيومين تقريبا .

 

        وفيما روى الطبرسي عن الشيباني باسناد وثّقه قال : فلما فرغ عليّ عليه‏السلام من جهاز رسول اللّه‏ وصلّى هو والناس عليه ( ودفنه ) وفرغ من ذلك ، خرج من داره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى مسجده فجلس فيه ، فاجتمع عليه بنو هاشم وفيهم الزبير بن العوام ، واجتمعت بنو اُمية إلى عثمان بن عفّان ، وبنو زهرة إلى عبد الرحمن بن عوف ، فكانوا في المسجد مجتمعين ... .


(1) ابن اسحاق في السيرة 4 : 314 ، عن ابن عباس ، وعن عائشة بينما مرّ في أخبار وفاته ودفنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في آخر المجلد الثالث عن المفيد في إرشاده : 188 ـ 190 أن أكثر الناس فاتتهم الصلاة عليه لما جرى بينهم من التشاجر في أمر الخلافة ، ولما صلّى المصلون عليه أنفذ العباس برجل إلى زيد بن سهل وإلى أبي عبيدة بن الجرّاح فوُجد أبو طلحة زيد بن سهل فحفر له . فهل كان كل ذلك في جوف الليل ؟! ثم فيه نادت الأنصار من وراء البيت : يا علي .. أدخل منا رجلاً يكون لنا به حظ من مواراته ، فأدخل أوس بن خوليّ الخزرجي . فهل كان كل ذلك في جوف الليل ؟! ثم فيه : كان أمير المؤمنين عليه‏السلام يسوّي قبر رسول اللّه‏ بالمسحاة إذ جاءه رجل فقال له : إن القوم قد بايعوا أبا بكر .. فوضع طرف المسحاة في الأرض وقال .. فهل كان كل ذلك في جوف الليل ؟! وهذا ينافيه ما رواه بعده أن أبا سفيان طرق باب رسول اللّه‏ وعلي عليه‏السلام متوفّر على أمر النبيّ فقال .. مما ظاهره أن هذا كان قبل دفنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، إذن فكيف التوفيق ؟! فلعل عائشة أو رواة عنها أرادوا أن يعذروا أباها أبا بكر وعمر وأصحابهما عن عدم حضورهم دفنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في جوف الليل . بينما حرص الأنصار على المشاركة فيه ، فهم أحرص على ذلك من خليفته ، وهو أزهد منهم فيه .

(39)

        إذ أقبل أبو بكر ومعه عمر وأبو عبيدة بن الجرّاح ، فقالا لهم : ما لنا نراكم حلقا شتّى ؟ قوموا فبايعوا أبا بكر ، فقد بايعته الأنصار والناس !

        فقام عثمان وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما فبايعوا .

        وأما علي عليه‏السلام فإنه قام وقام من معه من بني هاشم ، فانصرف وانصرفوا معه إلى منزله عليه‏السلام (1) .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-74-5_y11-p12.htm