فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
التأريخ قبل الإسلام
التأريخ بعد الإسلام
تدوين السيرة النبويّة وتأريخ الإسلام
اُصول السيرة النبويّة وتطوّرها في القَرنين الأول والثاني
كتّابُ السيرة الأوائل
المؤرخون الأوائل
الأثر الباقي في السيرة
عمل ابن هِشام في سيرة ابن إسحاق
مغازي الواقدي
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
نقد كتب السيرة
الخلاف في كتب السيرة وبينها
شرائط دراسة التأريخ
طمس معالم الحقّ
سحاب مركوم على الحقّ المظلوم
بماذا نقوّم النصوص؟
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

بماذا نقوّم النصوص ؟

    وإنْ نحن أردنا ذلك فمِن الضروريّ أنْ نعتمد فيه قبل كلّ شيء على :

    1ـ عرضه على القرآن الكريم ـ كما مرّ ـ فقد روي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ كما مرّ أيضا ـ أ نّه قال : تكثر لكم الأحاديث بعدي ، فإذا روي لكم عنّي حديث فاعرضوه على كتاب اللّه ، فما وافق كتاب اللّه فاقبلوه ، وماخالف فردّوه(1) .

    وعن عليّ بن الحسين عليه‏السلام قال عن القرآن : «وميزان قسط لايحيف عن الحقّ لسانه ، ونور هدى لايُطفأ عن الشاهدين برهانه ، وعلم نجاة لايضلّ من أمّ قصدَ سنّته» .

 

    وروى الكلينيّ عن الإمام الصادق عليه‏السلام قال : مالم يوافق كتاب اللّه فهو زُخرف(2) .

    وعـن ابن عبّاس قال : إذا سمعتموني اُحدِّث عن رسول اللّه فلم تجدوه في كتاب اللّه أوْ حسناً عند الناس ، فاعلموا أني كذبت عليه(3) .

 

    وعن ابن مسعود قال : فانظروا ما واطأ كتاب اللّه فخذوه وما خالف كتاب اللّه فدعوه(4) .

 

    وعن مُعاذ بن جبل قال :فاعرضوا على الكتاب كلّ شيء من الكلام ولاتعرضوه على شيء من الكلام(5) .

 



(1) عن اصول الحنفية للشاشي : 43 .

(2) عن اصول الكافي 1 : 55 .

(3) عن سنن الدارمي 1 : 146 .

(4) عن المصنف 6 : 112 وجامع بيان العلم 2 : 42 ، وحياه الصحابة 3 : 191 .

(5) حياة الصحابة 3 : 197 عن كنز العمّال 8 : 87 عن ابن عساكر .

(56)

    وأوصى اُبيّ بن كعب رجلاً فقال له : إتّخذ كتاب اللّه إماماً وارضَ به قاضياً وحكماً(1) .

 

    وعن أبي بكر في خطبة له : فإن كانت للباطل غزوة ولأهل الحقّ جولة يعفو لها الأثر وتموت السُنن ، فالزموا المساجد واستشيروا القرآن(2) .

 

    ولن ينقضي العجب من بعض أهل الزيغ حيث نسب هذا القول ـ وهو عرض الحديث على القرآن ـ إلى أهل الزيغ فقال : وقد أمر اللّه عزّوجل بطاعته ـ أي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ واتّباعه أمرا مطلقاً لم يقيّد بشيء كما أمرنا باتّباع كتاب اللّه ، ولم يقل : ماوافق كتاب اللّه ، كما قال بعض أهل الزيغ(3) .

 

    وأعجب من ذلك أنّ بعضهم نسب هذا الحديث إلى الزنادقة والخـوارج ! فقال : الزنادقة والخوارج وضعوا ذلك الحديث ، يعني ماروي عنه أ نّه قال : ماأتاكم عني فاعرضوه على كتاب اللّه فإن وافق كتاب اللّه فأنا قلته وإنْ خالف كتاب اللّه فلم أقله . و : إنّما أنا موافق كتاب اللّه وبه هداني اللّه .

 

    وهذه الالفاظ لاتصحّ عنه عند أهل العلم بصحيح النقل من سقيمه ، وقد عارض هذا الحديث قوم مـن أهل العلم وقالوا : نحن نعرض هذاالحديث على كـتاب اللّه قبل كلّ شيء ونعتمد على ذلك ، فلمَّا عرضناه على كتاب اللّه وجدناه مخالفاً لكتاب اللّه ، لأ نّا لم نجد في كتاب اللّه : أنْ


(1) عن حياة الصحابة 3 : 576 عن حلية الاولياء 1 : 253 .

(2) البيان والتبيين 2 : 44 وعيون الأخبار لابن قتيبة 2 : 233 . والعقد الفريد 4 : 60 .

(3) جامع بيان العلم 2 : 233 عن ابي عمر .

(57)

لايقبل شيء من حديث رسول اللّه ، بل وجدنا كتاب اللّه يطلق التأسّي به والأمر بطاعته ، وكذا ينهى عن المخالفة عن أمره ، جملة على كلّ حال(1) .

 

    وقال أبو بكر البيهقي : والحديث الّذي روي في عرض الحديث على القرآن باطـل ، فإنّه ينعكس على نفسه بالبطلان ، فليس في القرآن دلالة على : عرض الحديث على القرآن(2) .

 

    وقالوا بقول مطلق : السُّنَّة قاضية على الكتاب ، وليس الكتاب بقاض على السُّنَّة(3) .

 

    وحاول الخطّابي في شرحه لسنن أبي داود أنْ يجد من الحديث ماينفي أحاديث العرض على الكتاب ، وذلك في شرحه لقوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله «لا ألفينّ أحدكم متكئاً على أريكته يأتيه الأمـر مِمَّا أمرت به أوْ نهيت عنه فيقول : ماندري ، ما وجدنا في كتاب اللّه اتّبعناه» .

 

    قال الخطّابي معلّقاً على هذا الحديث : في الحديث دلالة على أنْ لاحاجة إلى عرض الحديث على الكتاب ، وأ نّه مهما ثبت عن رسول اللّه شيء كان حجة بنفسه فأمّا مارواه بعضهم أ نّه قال : إذا جاءكم الحديث فاعرضوه على كتاب اللّه فإن وافقه فخذوه . . . فإنّه حديث باطل لا أصل له . وقد حكى زكريا الساجي عن يحيى بن مَعين أ نّه قال : هذا حديث وضعته الزنادقة(4) .



(1) بحوث مع أهل السُّنَةِ والسلفية : 68 نقلا عن جامع بيان العلم 2 : 233 .

(2) عن دلائل النبوة للبيهقي 1 : 26 .

(3) سنن الدارمي 1 : 145 وتأويل مختلف الحديث : 199 ، جامع بيان العلم 2 : 234 ومقالات الاسلاميين 2 : 324 .

(4) نقلاً عن عون المعبود في شرح سنن ابي داود 4 : 329 من الطبعة الحجرية .

(58)

    وقد بحث هذا الموضوع العلاّمة المحقّق السيد مهدي الرُوحاني في كتابه «بحوث مع أهل السُّنَّةِ والسلفية» وخلص إلى القول : بأنّ هذه الأحاديث ـ أي أحاديث عرض الحديث على الكتاب ـ ناظرة إلى قبول الموافق وردّ المخالف ، أمّا مالايوافق ولايخالف فهو باق تحت حجّية الأخبار ، فعدم وجود معنى حديثٍ ما في كتاب اللّه لايفيد مخالفة هذا الحديث له .

 

    2ـ بالإعتماد على القرآن الحكيم علينا أنْ نحدّد معالم شخصية الرسول الكـريم الّتي تمثِّل أسمى إنسان وجد ويوجد على وجه الأرض ، متّصفاً بصفات الفضل والكمال متخلياً عمّا عداها ، حتّى جعله اللّه لنا اُسوة وقدوة مطلقاً فقال : « ولكم في رسول اللّه اُسوة حسنة »(1) فهو كما وصفه حفيده الإمام الهادي عليه‏السلام في الزيارة الجامعة : «عصمكم اللّه من الزلل وآمنكم من الفتن ، وطهّركم من الدنس ، وأذهب عنكم الرجس وطهّركم تطهيراً» فهو المعصوم عن المعاصي والمبرّأ من كلِّ عيب وعاهة وآفة منفرة للناس عنه ، فلا يُرى في اعماله أي تشتّت أوْ ضعف ، ولا في اقواله أي تناقض أوْ تهافت أوْ سخف ، بل الفضائل الكاملة ، والصفات الإنسانية الرفيعة الفاضلة : حكمة وعلماً ، وشجاعة وحزماً ، وسكينة ووقاراً ، و . . . و بكلمة : هو خليفة اللّه في أرضه وحجته على عباده .

    فنلاحظ إنْ كان النصّ منسجماً مع هذه الشخصية العظيمة قبلناه ، وإلاّ رددناه . وإلاّ فكيف ننسب إلى هذه الشخصية أ نّه حمل حليلته عائشة على متنه لتشاهد أغاني السودان ؟ ! أوْ أ نّه شرب النبيذ ؟ ! أوْ أ نّه بال قائما ؟ ! أو أ نّه شكّ في نبوّته ؟ ! أوْ أ نّه أثنى على الأوثان تقريبا للمشركين إلى نفسه ؟ !


(1) الممتحنة : 6 .

(59)

وما شاكل ذلك .

 

    3ـ وبالإقتداء بالقـرآن الكريم الّذي إنّما خاطب اُولي الألباب والعقول ، وجعل العقل ـ القطعيّ الإتفاقيّ ـ حكماً فيما يقول وذمَّ العقلاء على مخالفتهم لحكم عقولهم . . . فليكن ذلك هو موقفنا في جميع القضايا التأريخية أيضا ، فنتأكد من إمكان حدوثه تأريخياً .

    هذا بعد التأكد من سلامة النصّ من التناقض والمعارض ، والنظر في طبقات الرّواة وعلاقاتهم السياسية وغيرها ، والتأكد من سلامة سند النصّ من الوضّاعين والكذّابين وأصحاب الأهواء السياسية وغيرها .

    بعد كلّ ذلك وبالأخذ بنظر الإعتبار جميع تلك المقاييس ، يكون بإمكاننا أنْ نقوّم النصوص غير القليلة الّتي تسعى أن تصوّر الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمظهر صبيّ جاهل عاجز مهين ! فلا ندع لها فرصة التسلّل إلى سيرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

    وحينئذ يكون بإمكاننا أنْ نتقدم إلى المسلمين بنصّ من ثروة التراث يكون مصدر فخر واعتزاز .

    وهذه ميزة يمتاز بها تأريخ الإسلام ، وهي أ نّه ينطلق عن قواعد بإمكانها أنْ تهدي الباحث إلى الطرق الامينـة والّتي بإمكان سالكها أنْ يصل بها إلى الحقيقة الّتي يريدها مطمئنّ النفس راضي الضمير ، شريطة التزامه بتلك القواعد والضمانات المشار إليها فيما مرّ .

 

واستداركاً لما فات :

    واستداركاً لِمَا مرّ نقول : إنّ المدوّن من تأريخ الإسلام ـ بما فيه مِمّا مرّ

(60)

ذكره ـ مع ذلك يعتبر أغنى تأريخ مطلقاً ، ذلك لإمتيازه بدقته وشموله ، فتراه يلمّح اللمحات ، ويلتفت مع اللفتات ، ويتحرك مع الحركات ، ويتحدث عن الأحداث ، ويتكلّم بالكلمات ، ويقف في المواقف بدقّة وشمول منقطع النظير ، ويملك لذلك من النصوص الشيء الكثير ، بحيث لايشابهه أي تأريخ مطلقاً ، فإنّه ليس بإمكان أي تأريخ آخر أنْ يثبت الكثير من أحاديثه عن الحوادث الكُبرى بصورة قطعية فضلاً عن الجزئيات من الاُمور .

 

    لكن لا بدّ لمن يريد الإفادة من كُتب التأريخ الإسلامي من أنْ يفتح عينه ووعيه لكلّ كلمة منه ، فيطالعها بوعي ويقظة وحذر ، يسعى لاستخلاص ماينسجم منه مع الواقع ويردّ ماعداه ، مِمّا مال به القائل أوْ لعبت به الأهواء ، ولاسيّما مايتعلق منه بصدر الإسلام ، مِمّا يتحكم فيه الهوى المذهبي والتزلّف إلى الخلفاء والاُمراء والحكّام فيذكر الأمر منقطعاً عن علله وعوامله ومنفصلاً عن أسبابه وجذوره ، وذلك بفعل التعصب البغيض والظلم الكثير . فالمؤرِّخ كان لايكتب ولا يثبت إلاّ ماينسجم مع نفسية الحاكم ، ويتّفق وقوله ، مهما كان مخالفاً للواقع والحقيقة ، ولإِتجاه المؤرِّخ عقيدته أيضا ، فهو يشوّه اُمورا صدرت من الحاكـم أوْ غيره ويحيطها بالغموض والإبهام ، أوْ يهمل أحداثاً ويتجاهل شـخصيات لها أثرها في التأريخ ، ويختلق أحداثاً أوْ شخصيات لاوجـود لها ، أوْ يسهب الكلام في وصف غرام أوْ مجلس رقص أوْ غناء وشراب ويعنى باُمور حقيرة تافهة .

    بينما مهمّة المؤرِّخ أنْ يعكس حياة الاُمة وماعرض لها من أزمات فكريّة واجتماعية وسياسية واقتصادية ، وبصورة عامة كلّ مامرّت به من أوضـاع وأحوال ، وذلك بدقّة وأمانة . وليس بخافٍ مافي ذلك من الأثر الكثير في حياة الاُمّة ووضعها في الحال الحاضر : عقائديّاً وعلميّاً وادبيّاً

(61)

واجتماعيّاً ، حسب اختلاف الأحداث عمقاً وشمولاً . ولا ينفي ترتّب هذا الأثر البارز أنْ يكون الحدث التأريخي قد مرّ على تأريخه أكثر من ألف عام .

 

    قلنا : إنّ المسلمين اهتموا بتدوين تأريخهم مالانراه لغيرهم ، وإنّه بالرغم مِمّا ذكر فهو أثرى تأريخ اُمّة مطلقاً . ولكنّ هذا لايعني أنّ تدوينه لم يتأثّر بالأهواء السياسية ومختلف العصبيات المذهبية وغيرها ، مِمّا أدخل فيه الأباطيل والموضوعات . الأمر الّذي فرض علينا أنْ نتّخذ من المبادى‏ء القرآنية والإسلامية ، وشخصية الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، مقياساً لتقييم كثيرٍ من النصوص والحكـم عليها من خلال انسجامها مع كلّ ذلك ، وهكذا بالنسبة إلى كلّ شخصية من إمام معصوم وغيره حصلنا منه على علم عام بسيرته وأخلاقه ، مسـتعينين بالكثير من أدوات البحث الاُخرى الّتي توفّرها الممارسة الطويلة في هذا الموضوع ، كتناقض النصوص ، أوْ التوصل إلى عدم إمكان وقوع ذلك الحدث في تلك الفترة الزمنية أوْ بالنسبة إلى الشخصية المنسوب إليها .

 

بحث الأسناد :

    إنّ هذه الحالة ـ حالة عدم الأمانة التامة ـ لاتدعنا نعتمد على الأسانيد لتكون ميزاناً نهائياً ومقياساً مطلقاً في موضوع التأريخ ، إذْ إنّ ذلك يعني أنْ نحصر أنفسنا في حصار نصوص يسيرة تكاد لاتفي حتّى بالفهرسة الإجمالية لسيرة الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومجمل تأريخ صدر الإسلام ، ويعني أنْ نفقد الكثير من النصوص الصحيحة الّتي لم تحتفظ بسند فيه أدنى شرائط القبول ، وسوف يفقد الناقد حريّة حركته بين النصوص للإستنتاج .

    إذن ، فلا يمكن ملاحظة شروط الأسناد إلاّ بالنسبة لِما روي عن أئمة

(62)

أهل البيت عليهم‏السلام ، أمّا في خصوص النصوص التأريخية فإنّه لايتيسر ملاحظة ذلك ، ذلك لأنّ التأريخ قد دُوّن بأيدٍ قد تكون أمينة ولكن لا على الإطلاق ولاسيَّما بالنسبة لأسناد مادوّنوا من أخبار ، وعلى هذا ، فلا بُدّ من ملاحظة أكثر مايمكن للتأكد من عدم الجعل والتحريف فيها قبل قبولها على أ نّها من التأريخ المعتمد عليه .

 

    وبكثرة الأكاذيب والأباطيل في الأحاديث والأقاويل التأريخية ، بسبب تلاعب الأهواء المذهبية والسياسيّة كما سبق ، فانّ الاستناد إلى أفراد معيّنين من المؤرِّخين أوْ نوعية معيّنة من الكتب التأريخيّة ربّما تحرم الباحث من كثيرٍ من الحقائق التأريخية المبعثرة هُنا وهناك ، والّتي أمكن لها أنْ تصل إلينا عبر الموانع المتعددة سليمة من كثيرٍ من التحريف ، بما أنّ الساسة لم يروها ؛ أوْ لم يروا فيها ما يشكّل خطراً عليهم ، وكذلك المتعصّبون من أرباب المذاهب ، فبقيت بعيدة عن متناول أيديهم ورماحهم وغوغائهم ، وآمنة من تعنّت المتعصبين وجبروت الطواغيت كي نتلقفها اليوم بسلام .

 

دراستنا نحن للتأريخ :

    ونحن هُنا نحاول بدورنا أنْ نستخلص صورة نقية واضحة ما أمكننا من تأريخنا تأريخ الإسلام ، وبصورة أساسيّة نهتم لنبتعد عن ذلك القسم الموضـوع المكذوب من النقول التأريخية ، والّتي لاتعدو في الحقيقة والواقع عن أوهام من خيالات أصحاب الأهواء والأغراض من المحدّثين والقصّاصين .

    والبداية الطبيعية لتأريخ الإسلام هي سيرة الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهذه البداية الطبيعية تفرض علينا أنْ نلاحظ أوّلاً شيئا عن تأريخ ماقبل البعثة

(63)

النبوية الشريفة ، كي نتعرَّف على المناخ والجوّ الّذي ظهر فيه الإسلام إلى العالم .

 

    واعتمدنا فيما كتبناه هُنا ـ حتّى الإمكان ـ على أسبق ماكتبه أورواه السابقون الأولون ولاسيَّما من مدرسة أهل البيت عليهم‏السلام دون المتأخرين فضلاً عن المعاصرين إلاّ قليلاً ، إذْ هو علم نقليّ ليس للمتأخر إلاّ ماكتبه المتقدم اللهُمَّ إلاّ في كـيفية الإخراج والتأليف والتصنيف والترتيب والتنظيم والتنسيق ، ثمَّ توجيهه وتحليله كلّ في حدود إمكانه وطاقته .

    وقد أمسك اُولئك المؤرخون القدامى عن أية دراسة أوْ تحليل للحوادث والوقائع التأريخية ، ولعلّه صيانة لنصوص أحاديث تلك الحوادث ، لا بشأن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فحسب ، بل إنّ التأريخ الإسلامي بصورة عامّة كُتب بدون دراسة أوْ تحليل أوْ تحقيق . أجل إنّ أوّل من فتح هذا الطريق بوجه المؤرّخين الإسلاميين هو العالم العربي القاضي عبد الرحمن بن مُحمّد الخضري المالكي المعروف بابن خلدون (ت 808 ه) ، فإنّه أسّس في «مقدمته» اُسس التأريخ التحليلي ، وهي بما فيها من اشتباهات كثيرة في تحليل بعض الحوادث تعدّ أثراً مفيداً جديداً مبتكراً في بابه .

    وقد كُتبت بشأن النبيّ العظيم من النوعين الأوّل والثاني ، أي التأريخ الوقائعي والتحليلي كُتب كثيرة ، ولكِن يعوز النوع الأوّل : التحليل ، ويعوز النوع الثاني في كثيرٍ من الأحيان أ نّها على جانب كبير من الأخطاء العجيبة ، حيث إنّها اعتمدت على مصادر غير معتبرة أوْ على كُتب المستشرقين .

    فبالنظر إلى هذين الإشكالين الأساسيّين عمدنا في حدود إمكاننا في دراستنا هذه أنْ نتجنبهما ، وذلك بأن :

    1ـ نسجّل الحوادث المهمّة الّتي تتميّز بدروس لنا فيها ، وأنْ ننقل ذلك

(64)

من المصادر الأصلية الاُولى المؤلّفة في القرون الاُولى الإسلامية .

 

    2ـ وأنْ نقف عند ما أورده المعترضون والمستشكلون من المستشرقين وغيرهم مِمّا انتقدوا به الإسلام ورسوله ، فنجيب على كلّ ذلك بأجوبة صحيحة قطعيّة واضحة بيّنة ، وأنْ ندفع أيّة شبهة أوْ إشكال قد يُورد على التأريخ الإسلامي لدى شيعة أئمة أهل البيت عليهم‏السلام حسب المصادر والشواهد التأريخيّة الناطقة .

    واللّه الموفّق والمعين ، وهو الهادي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم ، فهو حسبي ونعم الوكيل ، نِعمَ المولى ونِعمَ النصير .

مُحمّد هادي اليوسفي الغروي

 

(65)
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_intro05.htm