فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
التأريخ قبل الإسلام
التأريخ بعد الإسلام
تدوين السيرة النبويّة وتأريخ الإسلام
اُصول السيرة النبويّة وتطوّرها في القَرنين الأول والثاني
كتّابُ السيرة الأوائل
المؤرخون الأوائل
الأثر الباقي في السيرة
عمل ابن هِشام في سيرة ابن إسحاق
مغازي الواقدي
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
نقد كتب السيرة
الخلاف في كتب السيرة وبينها
شرائط دراسة التأريخ
طمس معالم الحقّ
سحاب مركوم على الحقّ المظلوم
بماذا نقوّم النصوص؟
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
 (3) الطبري 10 : 286 .  (4) مروج الذهب 3 : 228 .

(5) إبراهيم : 15 ، 16 .

 (6) مروج الذهب 3 : 229 .

(48)

ملاهٍ وقيان ، وإظهار للقتل والجور ، وتشاغل عن اُمور الناس بشرب ومجون ، فبلغ من مجونه أ نّه أراد أنْ يبني على الكعبة بيتاً يجلس فيه للهو ، ووجّه مهندسا لذلك(1) مجوسياً ليبني له على الكعبة مشربة للخمر ، وأراد أنْ ينصب قبّة ديباج على الكعبة ويجلس فيها ومعه الخمر ، فخوّفه أصحابه من ثورة الناس فامتنع(2) .

 

    ب ـ ولذلك فهم ـ كما رأينا ـ كانوا يريدون القضاء على هذا الدّين ودفنه نهائيّاً ، وذلك لأ نّه كان يقف في وجه شهواتهم ومآربهم ويضرّ بمصالحهم .

 

    ج ـ وبالتصوير المشوَّه للرّسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والإسلام العظيم كانوا يحاولون تبرير كلّ انحرافات وسخافات الجهاز الحاكم ، والتقليل من فضاعتها وبشـاعتها في أعين الناس ، وذلك برفع الفوارق الكبيرة بين مواقفهم ومواقف النبيّ الاعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

    أمّا مايمثّل لنا شخصية الرسول الكريم المستهدفة للاُمويين فلنذكر منه نماذج :

    1ـ نسمع الكميت بن زيد الأسدي يمدح الرسول الكريم فيقول في قصيدته البائيّة :

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

سحاب مركوم على الحقّ المظلوم :

    أمّا كيف حدث كلّ هذا الحديث الموضوع للنيل من كرامة الرسول الكـريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟ فنحن نرى ذلك من التعتيم الّذي اصطنعه بنو اُميّة وبنو مروان على معالم الشخصية النبوية ، مستفيدين من سياسة المنع من الحديث عـن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بل إحراق ماكتبه كبار الصحابة عنه : ابتداء من الخليفة الأوّل إذ أحرق خمسمائة حديث كان قد جمعها هو من أحاديث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (2) . ثمّ اشتدّ الأمر على عهد الخليفة الثاني فإنّه جمع ماكتبه الصحابة عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأحرقه ، ولعلّ ذلك بعد أنْ اتصل به كعب الأحبار الحبر اليهودي المسلم .

    ولقد كان اليهود على فرقتين : فرقة تؤمن بالكتابة والتدوين وهُم الفرّيسيون ، وفرقة اُخرى تؤمن بوجوب الحفظ وعدم جواز كتابة شيء غير التوراة ، ويقال لهؤلاء : القرّاء(3) وضعف أمر الفريسيين وكَثر القرّاء ، ويظهر أنّ كعب الأحبار كان من القرّاء ، كما يظهر من جوابه لعمر حينما سأله عن


(1) انظر مقدمة الصحيح في السيرة1 : 16 ، 17 .

(2) راجع المصادر في كتاب النص والاجتهاد : 151 .

(3) شرح ذلك النوري في كتابه الفارسي : لؤلؤ ومرجان : وفصله مُحمّد حسن ضاضا في كتابه : التفكير الديني عند اليهود .

(43)

الشعر ، فكان مِمّا قاله عن العرب : «قوما من ولد إسماعيل أناجيلهم في صدورهم (أي يحفظونها على ظهر القلب) ينطقون بالحكمة» وقد كان كعب عند حُسن ظن الخليفة به فكان مقرّبا عنده ، فلعلّه قَبِل هذه النظريّة من كعب الأحبار .

 

    ويشهد لذلك مارواه ابن سعد في «الطبقات» والخطيب البغدادي في كتابه «تقييد العلم» ونقله عنهما الشيخ أبو ريّة في كتابه «أضواء على السُّنَةِ الُمحمّدية» قالوا : كَثُرت الأحاديث على عهد عمر بن الخطاب ، فأنشد الناس أنْ يأتوه بها ، فلمّا أتوه بها أمر بتحريقها ثمّ قال : مشنّاة كمشنّاة أهل الكتاب(1) أوْ قال : ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فاكبّوا عليها وتركوا كتاب اللّه ، واني واللّه لا أشوب كتاب اللّه بشيء أبـدا ! فمنع من الحديث عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلاّ بشاهد ، ومنع كبار الصحابة عن الخروج من المدينة ، واستعمل على الأمصار صغارهم مِمّن لا اطلاع له في الدّين ولامعرفة له بأحكامه(2) . وروى ابن سعد في «الطبقات» والخطيب البغداديّ في كتابه الآخر «جامع بيان العلم وفضله» ونقله عنهما الشيخ أبو ريّة في كتابه «أضواء على السُّنَةِ الُمحمّدية» : إنّ الّذين جاؤوا بعـد عمر ساروا على نهجه في المنع عن الحديث إلاّ حديثا كان على عهد عمر(3) .

    فنتج عن سياسة المنع عن الحديث وعن كتابته أنْ نسي الناس سنن


(1) تقييد العلم : 52 والطبقات 5 : 140 والأضواء : 47 والنص المثنّاة والصحيح ما أثبتناه وهي : الروايات الشفوية .

(2) كأبي موسى الأشعري حيث استعمله واليا على البصرة سنة 18 ه وله ثمان عشرة سنة إذ ولد في السنة الاولى للهجرة .

(3) الطبقات 3 ق 1 : 206 وجامع بيان العلم 1 : 64 والأضواء :47 .

(44)

الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حتّى في الصلاة الّتي هي عمود الدّين وركن الإسلام والكتاب الموقوت الّذي يؤدّيه المسلمون في كلّ يوم خمس مرات ، أصبحوا لايعرفون أحكامها وحدودها ، حتّى أقرب الناس إلى مهبط الوحي والتنزيل الّذين يفترض فيهم أنْ يكونوا أعرف بأحكام الإسلام وشرائع الدّين . . . إذن فكيف بحال غيرهم من عوام الناس ؟ ! وماهو مدى معرفتهم بدينهم وشريعتهم والحال كذلك ؟ ! ولا سيَّما الناس البعداء عن منابع الثقافة الإسلامية ، وبالأخصّ فيما يقلّ الإبتلاء به .

 

    فقد روى البلاذري في «أنساب الأشراف» والبيهقي في سننه والمتّقي الهندي في «كنز العمّال» عن عبدالرزاق وابن أبي شيبة : أنّ عمران بن الحصين صلّى خلف علي عليه‏السلام فأخذ بيد مطرّف بن عبداللّه وقال : لقد صلّى صلاة مُحمّد ولقد ذكّرني صلاة مُحمّد(1) .

ولا شكّ في أنّ مِن سنن الرسول في الصّلاة الجهر بالبسملة في الصّلاة فكان علي عليه‏السلام يجهر بها ، فبالغ بنو اُميّة في المنع عن الجهر بها سعياً في إبطال آثار علي عليه‏السلام (2) حتّى روى النسائي والبيهقي في سننهما عن ابن عبّاس أ نّه كان يقول : اللهُمَّ العنهم فقد تركوا السُّنّة من بغض عليّ(3) حتّى بلغ الحال بالناس على عهد عليّ بن الحسين عليه‏السلام أنْ كانوا لايعرفون كيف يحجّون بل حتّى كيف يصلّون(4) ولذلك تجّرأ ابن الزبير على أنْ يقدّم الصّلاة قبل الخطبة يوم


(1) انساب الاشراف 2 : 18 وسنن البيهقي 2 : 68 ، وكنز العمّال 8 : 143 .

(2) تفسير النيسابوري بهامش تفسير الطبري 1 : 79 .

(3) تعليقة السندي بهامش سنن النسائي 5 : 253 .

(4) كشف القناع عن حجية الاجماع : 67 .

(45)

الجمعة ، كما رواه الشـافعي في كتابه «الاُمّ» عن وهب بن كيسان ، ثمّ قال : كلّ سنن رسول اللّه قد غُيّرت حتّى الصّلاة(1) .

 

    ولذلك نجد الإمام السجّاد عليه‏السلام يقول في دعائه يوم الجمعة ويوم الأضحى : «اللّهُمَّ إنّ هذا المقام لخلفائك وأصفيائك ، و مواضع اُمنائك في الدرجة الرفيعة الّتي اختصصتهم بها قد ابتزّوها . حتّى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزّين ، يرون حكمك مبدّلاً وكتابك منبوذاً ، وفرائضك محرّفة عن جهات شرعك ، وسنن نبيّك متروكة»(2) .

 

    وروى ابن سعد في «الطبقات» عن الزهرّي قال : دخلت على أنس ابن مالك بدمشق وهو وحده يبكي ، فقلت : مايبكيك ؟ قال : لا أعرف شيئا مِمّا أدركت ، إلاّ هذه الصّلاة وقد ضيعت(3) .

 

    وروى الإمام مالك بن أنس بن مالك في كتابه «الموطّأ» عن جده مالك قال : ماأعرف شيئا مِمّا أدركت الناس إلاّ النداء بالصلاة(4) . واستثنى الحسن البصري القبلة فقط فقال : لو خرج عليكم أصحاب رسول اللّه ماعرفوا منكم إلاّ قبلكتم(5) .

 

    ولم يستثنِ عبداللّه بن عمرو بن العاص شيئا إذ قال : لو أنّ رجلين من أوائل هذه الاُمة خلوا بمصحفيهما في بعض هذه الأودية لأتيا الناس


(1) كتاب الام للشافعي 1 : 208 .

(2) الصحيفة السجادية : الدعاء 48 .

(3) صحيح الترمذي : 3 : 302 وجامع بيان العلم 2 : 244 والزهد والرقائق : 531 وضحى الإسلام 1 : 365 .

(4) الموطأ 1 : 93 وشرحه 1 : 122 .

(5) جامع بيان العلم 2 : 244 .

(46)

اليوم ولايعرفان شيئا مِمّا كان عليه(1) .

 

    ومع هذه الحال فمِن الطبيعي أنْ يروج سوق الوضّاعين الكذّابين وأنْ يصبحوا هُم مصدر العلم والمعرفة والثقافة للاُمة المسلمة . هكذا شاء الحكّام ، وهكذا استحقّ المحكومون إذ ابتعدوا عن أئمة أهل البيت عليهم‏السلام (2) .

 

    أمّا لِماذا حاول بنو اُميّة ورواتهم أنْ يستفيدوا من هذا الفراغ المفتعل بفضل المنع عن الحديث ، للنيل من كرامة الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وسائر المقدّسات الإسلامية ؟ فإنّ ذلك يعود إلى :

 

    أ ـ أنّ الحقد والعداء الاُموي الموروث من القديم ضد بني هاشم ـ بما فيهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ لم يدعهم يقتنعوا بأ نّه نبيّ مرسل حقّا :

    فقد قال أبو سفيان للعبّاس لمّا رأى كَثرة زُحام الناس على التبرك بماء وضوء النبيّ يوم فتح مكّة : ياعبّاس ! واللّه لقد أصبح ملك ابن أخيك اليوم عظيماً ! فقال : ويحك إنّها النبوة ! فقال : نعم !

    وقال معاوية لمّا سمع المؤذّن يقول : أشهد أنْ لاإله إلاّ اللّه : للّه أبوك يابن عبداللّه ! لقد كنت عالي الهمّة ، مارضيت لنفسك إلاّ أنْ يُقرن اسمك باسم ربّ العالمين(3) .

    وقال للمغيرة بن شعبة ـ بعد أنْ ذكر ملك أبي بكر وعمر وعثمان وأ نّـهم هلكوا فهـلك ذكـرهم ـ : وإنّ أخا هاشم ! يُصـرَخ به في كلّ يـوم


(1) الزهد والرقائق : 61 .

(2) والموضوع مهم وبحاجة إلى تحقيق وبحث ، آمل أنْ اوفق لاخراج كتاب لي في هذا الموضوع .

(3) انظر شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 10 : 101 عن أحمد بن أبي طاهر في كتاب «أخبار الملوك» .

(47)

خمـس مرات : أشهد أنّ مُحمّداً رسـول اللّه ، فأيّ عمـل يبقى مع هـذا ؟ ! لا اُمّ لك . . . لا واللّه إلاّ دفنـاً دفنـاً(1) ، ولمّا سـمع المأمـون بالخبر أمـر بلعنه(2) .

 

    وقال ـ أوْ تمثّل ـ ابنه يزيد بقول ابن الزبعرى :

 

 لعبت هاشم بالملك فلا  خبر جاء ولاوحي نزل
 لست من خِنْدِف إنْ لم أنتقم  من بني أحمد ماكان فعل(3)
وتبعه الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان يقول :

 

 تلعّب بالخلافة هاشميّ  بلا وحي أتاه ولاكتاب
 فقل للّه : يمنعني طعامي  وقُل للّه يمنعني شرابي(4)
    وقرأ ذات يوم « واستفتحوا وخاب كُلّ جبّار عنيدٍ من ورائه جهنّم ويسقى من ماء صديد »(5) فدعا بالمصحف فنصبه غرضاً للنشّاب وأقبل يرميه وهو يقول :

 

 اَتوعدُ كلَّ جبارٍ عنيد  فها أنا ذاك جبار عنيد
 إذا ماجئت ربّك يوم حشر  فقل : ياربّ خرّقني الوليد(6)
    وكان الوليد هذا مهملاً لأمره قليل العناية بأطرافه ، وكان صاحب


(1) الموفقيات للزبير بن بكار : 577 ومروج الذهب 3 : 454 وشرح نهج البلاغة 5 : 120.

(2) الطبري 10 : 284 ومروج الذهب 4 : 411 .

 
 
 
 إلى السراج المنير أحمد ، لا  يعدلني عنه رغبة ولا رهب
 عنه إلى غيره ، ولو رفع النا  س إليّ العيون وارتقبوا
 وقيل : افرطت . بل قصدت ولو   عنّفني القائلون ، أوْ ثلبوا !


(1) اليعقوبي 3 : 75 .

(2) عن الأغاني والطبري في نهج الصباغة 5 : 340 .

(49)

 اليك ياخير من تضمّنت الأر  ض وإنْ عاب قولي العيَب
 لجّ بتفضيلك اللسان ولو  اُكثر فيك الضجاج واللُجب

    فيا ترى من الّذي يحاول أنْ يعدل به عن مدح النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالترغيب والترهيب ؟ ومن يرتقبون أنْ يُمدح عوضاً عنه ـ عليه الصّلاة والسلام ـ ؟ وياترى بماذا خاطب الكميت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله غير أنْ يقال له : ياخير من تضمّنت الأرض ! حتّى يقال له : أفرطت في مدحه ! من الذي يعنّفه ويثلبه ويعيبه ؟ ومن الّذي يكثر الضجاج واللجب على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ؟ !

    ولعلّه قد أحسّ بأمر خطير خلف هذه السياسة الاُموية فقال في اُخرى :

 رضوا بخلاف المهتدين ، وفيهم  مخبّأة اُخرى تصان وتحجب

    فلعلّه يقصد بالمخبّأة الاُخرى تخريب دين النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد تشويه سمعة شخصه .

    أوْ ماذكره الرجاليّون وأصحاب الطبقات في ترجمة خالد بن سلمة المخزومي الشهير بالفأفاء : أ نّه كان ينشد بني مروان هجو النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

    وقد سبق هذا ماذكروه في ترجمة عمرو بن العاص أ نّه لم يرض بضرب نصرانيّ سبّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (2) .

 

    ولحق هذا مارواه المؤرّخون في علل خروج زيد بن علي بن


(1) انظر دلائل الصدق للمظفر 1 : 29 ، وراجع : بحوث مع أهل السُّنَةِ والسلفية : 101 .

(2) الإصابة 3 : 195 عن البخاري في تأريخه بإسناد صحيح ، والإستيعاب بهامش الإصابة 3 : 193 .

(50)

الحسين رضى‏الله‏عنه : أ نّه دخل على هشام بن عبد الملك فسمع أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يسبّ عنده فلم يذكره ولم يغيّر على قائله(1) .

 

    أوْ أ نّه يقصد بالمخبّأة مارواه ابن عبد ربّه الأندلسي في «العقد الفريد» : أنّ الحجاج كتب إلى عبد الملك : أنّ خليفة الرجل في أهله أكرم عليه من رسوله إليهم ، وكذلك الخلفاء ياأمير المؤمنين أعلى منزلة من المرسلين(2) .

 

    ولئن كانت هذه مخبّأة يوماً فإنّ ذلك لم يدم طويلاً حتّى حجّ الحجّاج ورأى الحُجّاج يطوفون بقبر الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومنبره بالمدينة فقال : تباً لهم إنّما يطوفون بأعواد وَرِمَة بالية ! هَلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك ؟ ! ألا يعلمون أنّ خليفة المرء خير من رسوله ؟ !

 

    قال المبرّد : إنّ ذلك مِمّا كفّرت به الفقهاء الحجّاج(3) .

    وبهذه النظرة فلا مانع لديه أنْ يرمي الكعبة بالمنجنيق ـ بل كما قِيل ـ بالعذرة أيضا(4) . ولا يرى أية حرمة لمقام إبراهيم عليه‏السلام فيحاول أنْ يضع رجله على المقام فيزجره عن ذلك مُحمّد بن الحنفية(5) .

 

    وعلى هذه النظرة أيضا : «هلاّ طافوا بقصر أمير المؤمنين عبد الملك» فلا استبعاد لما احتمله السيد المرتضى العاملي : أنْ يكون الحجاج حين بنى
رضى‏الله‏عنه .


(1) انظر كشف الغمة للاربلي 2 : 352 وكُتب التراجم والرجال في ترجمة زيد

(2) عن العقد الفريد 2 : 354 .

(3) الكامل للمبرد 1 : 222 وسنن أبي داود 4 : 209 وشرح نهج البلاغة 15 : 242 عن كتاب «افتراق هاشم وعبد شمس» لأبي العبّاس الدبّاس . والنصائح الكافية عن الجاحظ : 81 ، ونقل جدلاً حوله الدكتور طه حسين في كتابه : الايام .

(4) عن الفتوح لابن الأعثم الكوفي المتوفى 310 ج 2 : 482 وعقلاء المجانين : 178 .

(5) طبقات ابن سعد 5 : 84 والمصنف لعبد الرزاق 5 : 49 وربيع الابرار 1 : 843 .

(51)

مدينة (واسط) في العراق وسطاً بين الكوفة والبصرة ، حوّل قبلتها من جهة الحجاز (الكعبة) إلى جهة الشام : إمّا قصر أمير المؤمنين( ! ) أوْ قبّة الصخرة الّتي بناها وأمر الناس بالحجّ إليها :

 

    فقد ذكر اليعقوبي : أ نّه لمّا استولى ابن الزبير على مكّة والحجاز كان يأخذ الحُجّاج بالبيعة له فلمّا رأى ذلك عبد الملك منعهم من الخروج إلى الحج ، فضجّ الناس وقالوا : تمنعنا من حجّ بيت اللّه الحرام وهو فرض من اللّه علينا ؟ ! فقـال لهم : هذا ابن شهاب الزهري يحدّثكم : أنّ رسول اللّه قال «لاتُشدّ الرّحال إلاّ إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام ، ومسجدي ، ومسجد بيت المقدس» فهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام ! وهذه الصخرة الّتي يروى : أنّ رسول اللّه وضع قدمه عليها لمّا صعد إلى السماء ، تقوم لكم مقام الكعبة ! . فبنى على الصخرة قبّة وعلّق عليها ستور الدّيباج وأقام لها سَدَنة ، وأخذ الناس بأنْ يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة ! وأقام بذلك أيام بني اُميّة(1) .

    وإلى هذا أشار الجاحظ في بعض آثاره فقال في المفاضلة بين بني هاشم وبني اُميّة : وتفخر هاشم بأ نّهم لم يهدموا الكعبة ، ولم يحوّلوا القبلة ، ولم يجعلوا الرسول دون الخليفة(2) .

 

    ويفصّل هذا أيضا في بعض رسائله فيقول : حتّى قام عبد الملك بن مروان وابنه الوليد بالهدم وعلى حرم المدينة بالغزو ، فهدموا الكعبة


(1) تأريخ اليعقوبي 3 : 8 ، وحياة الحيوان 1 : 66 والبداية والنهاية 8 : 280 والانافة في معالم الخلافة 1 : 129 . وانظر بحثا في هذا في السُّنَةِ قبل التدوين : 502 ـ 506 .

(2) عن آثار الجاحظ : 205 .

(52)

واستباحوا الحرمة ، وحوّلوا قبلة واسط ـ إلى أنْ قال ـ فأحسب أنّ تحويل القبلة كان غلطاً ، وهدم البيت كان تأويلاً ، وأحسب مارووا من كلّ وجه : أ نّهم كانوا يزعمون : أنّ خليفة المرء في أهله أرفع عنده من رسوله إليهم(1) . . .

 

    واحتمل السيد المرتضى العاملي : أنْ يكون هذا هو سر استحباب التياسر في القبلة لأهل العراق دون غيرهم عنـد أئمة أهل البيت عليهم‏السلام ، ويظهر أنّ خصوم الشيعة قد التفتوا إلى هذا منهم ، ولذلك كانوا يتَّهمون من يتحرّى القبلة بالرفض .

 

    فقد روى الخطيب البغدادي : أنّ قاضي واسط أسد بن عمرو قد رأى قبلة واسط رديئة فتحرّف فيها فاتُّهِم بالرفض(2) .

    2ـ والمقايسة بين الرسول والخليفة ، والتوهين بالكعبة لم يكن يقتصر على الحَجّاج ، بل روى أبو الفرج الإصبهاني الاُموي : أنّ خالد بن عبد اللّه القسْري عامل هشام بن عبد الملك على مكّة ذكر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : أيّما أكرم : رسول الرجل في حاجته أوْ خليفته في أهله ؟ ! يُعرّض أن هشاماً خير من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) .

 

    وروى عن أبي عبيدة قال : خطب خالد القسري يوماً فقال : إنّ إبراهيم الخليل استسقى اللّه ماء فسقاه اللّه ملحاً اُجاجاً (يقصد زمزم) وإنّ أمير المؤمنين استسقى اللّه ماءً فسقاه عذباً نقاخاً(4) يقصد العين الّتي أجراها


(1) عن رسائل الجاحظ 2 : 16 .

(2) عن تأريخ بغداد 7 : 16 ونشوار المحاضرة 6 : 36 .

(3) الاغاني 19 : 60 .

(4) الاغاني 19 : 60 .

(53)

لسليمان بن عبد الملك بمكة قبل أنْ يحجّ إليها وأجراها إلى المسجد الحرام(1) .

 

    وروى أ نّه قال لغلامه يوماً : ابن اُمّي ! أيّما أعظم : ركيّتنا أم زمزم ؟ ! فقـال له : أيّها الأمير من يجعل الماء العذب النقاخ مثل الملح الاُجاج ؟ ! وكان يسمّيّ زمزم : اُمُّ الجعلان(2) .

 

    وروى عن المدائني : أنّ خالداً كان يقول : لو أمرني أمير المؤمنين لنقضت الكعبة حجراً حجراً ونقلتها إلى الشام(3) .

 

    وروى أ نّه حبس بعض التابعين فأعظم الناس ذلك وأنكروه فبلغه ذلك ، فخطب فقال : قد بلغني ماأنكرتم من أخذي عدوّ أمير المؤمنين ومن حاربه ، واللّه لو أمرني أمير المؤمنين أنْ أنقض هذه الكعبة حجراً حجراً لنقضتها ! واللّه لأمير المؤمنين أكرم على اللّه من أنبيائه(4) .

 

    3ـ وتحامل ابـن الزبير على بني هاشم تحاملاً شديداً وأظهر لهم العدواة والبغضاء ، حتّى بلغ ذلك منه أ نّه ترك الصّلاة على مُحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في خطبته ! فقيل له : لِمَ تركت الصّلاة على النبيّ ؟ فقال : إنّ له أُهيل سوء يشرئبّون لذكـره ويرفعون رؤوسهم إذا سمعوا به ! وأخذ أربعة وعشرين رجلاً من بني هاشم منهم مُحمّد بن الحنفية وعبد اللّه بن عبّاس امتنعوا عن بيعته فحبسهم وهدّدهم أنْ يحرقهم بالنار : وقـام خطيباً فنال من عليّ بن أبي طالب عليه‏السلام ولمّا عجز عنهم أخرجهم من مكّة ، فأخرج مُحمّد بن الحنفيّة


(1) اليعقوبي 3 : 38 .

(2) الاغاني 19 : 59 .

(3) الاغاني 19 : 60 .

(4) الاغاني 19 : 60 .

(54)

إلى رضوى وعبد اللّه بن عبّاس إلى الطائف حتّى توفي ابن عبّاس بها سنة 68 ه(1) .

 

    واعتبروا أقوال الصحابة حجة كقول رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : قال الشيخ أبو زُهرة في كتابه عن الإمام مالك : ووجدنا مالكا يأخذ بفتواهم ـ أي الصحابة ـ على أ نّها من السُّنَةِ ، ويوازن بينها وبين الأخبار المرويّة إنْ تعارض الخبر مع فتوى صحابي ! وهذا ينسحب على كلّ حديث عنه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ حتّى ولو كان صحيحا(2) .

 

    ونقل هذا السيد المرتضى العاملي في مقدمته لسيرته ثمّ علّق عليه يقول : وليس هذا إلاّ لأنّ شأن رسول اللّه لم يكن عند هؤلاء في المستوى الطبيعي اللائق به كما هو ظاهر . ثمّ نقل عن «الرسائل المنيرية» قوله : والعجب منهم من يستجيز مخالفة الشـافعي لنصّ له آخر في مسألة بخلافه ، ثمّ لايرون مخالفته لأجل نصّ رسول اللّه(3) .

 

    هذه هي صورة عن مكانة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتعاليمه وقيمة أقواله لديهم ، نكتفي منه بهذا .

 

    ونقول : إنّ وجود هذه الخطط الّتي استهدفت شخصية الرسول الكريم بل كلّ المقدّسات الإسـلامية ، توجب علينا أنْ نقوّم نصوص سيرته وروايات تأريخه وتأريخ الإسلام .

 


(1) اليعقوبي 3 : 8 .

(2) عن كتاب : الإمام مالك لابي زُهرة : 290 .

(3) الصحيح 1 : 24 عن مجموعة الرسائل المنيرية : 32 .

(55)
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_intro04.htm