فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
التأريخ قبل الإسلام
التأريخ بعد الإسلام
تدوين السيرة النبويّة وتأريخ الإسلام
اُصول السيرة النبويّة وتطوّرها في القَرنين الأول والثاني
كتّابُ السيرة الأوائل
المؤرخون الأوائل
الأثر الباقي في السيرة
عمل ابن هِشام في سيرة ابن إسحاق
مغازي الواقدي
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
نقد كتب السيرة
الخلاف في كتب السيرة وبينها
شرائط دراسة التأريخ
طمس معالم الحقّ
سحاب مركوم على الحقّ المظلوم
بماذا نقوّم النصوص؟
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

نقد كتب السيرة :

    لعلّ النظر إلى تراث السلف الصالح ـ ولاسيَّما سيرة الرسول الكريم ـ بنظرة التقـديس ، هو الّذي أدّى بالمؤلِّفين في السيرة على اختلاف طبقاتهم أنْ لايقفوا موقف الناقد البصير ، فلم نَرَ منهم من يعرض لما تحمله السيرة بين دفتيها من أخبار ضعيفة بعيدة عن الحقيقة لينقدها ويأتي على نقاط الضعف فيها ، فهذا ماحرمه هذا العلم في جميع أدواره السالفة إلى عهدنا هذا الأخير ، حيث أخذ المستشرقون والمتأثّرون بهم يتناولون خبرا أوْ خبرين

(31)

من السيرة وسيلة للطّعن في شخص النبي الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أوْ مايتصل به ، فآمن بعض أصحاب الأقلام الجديدة بأنّ في السيرة أخبارا لاتمتّ إلى الحقّ بصلة في قليل ولاكثير ، ثمَّ تجرّؤوا فأقدموا على تهذيب السيرة مِمّا اُلصق بها وهي ليست منها ، كقصة شقّ الصدر والغرانيق(1) وغرام الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بزوجة زيد ربيبه !

 

    إنّ سيرة محمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كسائر العظماء اُضيف إليها ماليس منها ، إمّا عن حبٍ وهوى وحسن نيّة وطويّة ، وإمّا عن حقد وسوء قصد متعمّد ، ولكنّها تمتاز عن سير جميع العظماء بأنّ شيئا كثيراً منها ضمّه الوحي الإلهي وضمن حفظه القرآن الكريم ، وكثيراً منها مرويّ على لسان الحفّاظ الثّقات من المحدّثين . فعلى هذه الاُسس الصحيحة يجب أنْ تُبنى السيرة ، وأنْ تُحلّل التحليل العلميّ النزيه بملاحظة ظروف الوسط وحال البيئة وجوانبها المختلفة من عقائد ونظم وعادات وتقاليد وطقوس ، وأنْ لايُبنى الأساس على المعجزات والكرامات وخوارق العادات إلاّ ماخرج بالدليل بل يُبنى على أساس «إنّ اللّه أبى أنْ يُجري الأشياء إلاّ بأسباب»(2) اللهمّ إلاّ ما خرج بالدليل الثابت المعقول .

 

الخلاف في كتب السيرة وبينها :

    إنّ الدارس لكتب السيرة والتأريخ يلاحظ أنّ ماروته من أنباء الخوارق والمعجزات وغيرها من كثير من الأنباء ، ينقص ثمّ يزيد بزيادة


(1) اُنظر ملخّص القصّة في ذيل الصفحة التالية.

(2) اُصول الكافي 1 : 183 ، عن الصادق عليه‏السلام .

(32)

الأزمان التي وضعت فيها هذه الكتب ، فقديمها أقلّ رواية للخوارق من متأخّرها ، وماورد من الخوارق في الكتب القديمة أقلّ بعداً عن مقتضى العقل مِمّا ورد في كتب المتأخّرين .

 

    فهذه سيرة ابن هشام أوْ قُل ابن إسحاق أقدم السِّير المعروفة اليوم تغفل كثيرا عمّا ذكره أبو الفداء في تأريخه وماذكره القاضي عياض في «الشفاء» وعن جميع كتب المتأخرين تقريبا .

    فلا بدّ للباحث من أنْ يقبل لنفسه مقياساً يعرض عليه مااتّفقوا عليه ومااختلفوا فيه ، فما صدّقه هذا المقياس أقرّه وأقرّ به وقرّبه ، وما لم يصدّقه فلم يورده بل يردّه»(1) .

    وهناك سبب آخر يوجب تمحيص ماورد في كتب السلف ونقده نقداً علمياً دقيقاً ، هو أنّ أقدمها كُتب بعد وفاة النبي بمائة سنة أوْ أكثر ، وبعد أنْ
أفرأيتم اللات والعزّى ومناة الثالثة الاُخرى » أضاف إليها « تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى » ثم أتمّ السورة فسجد وسجد المسلمون والمشركون !


(1) مثلاً : إنّ قصة الغرانيق التي تذهب إلى أن النبي لما ضاق ذرعا بسادات قريش فتلا عليهم سورة النجم حتّى إذا بلغ فيها إلى قوله سبحانه «

    وقد رواها ابن إسحاق ثم قال : إنّها من وضع الزنادقة . وذكرها ابن كثير في كتابه «البداية والنهاية» فقال «ذكروا قصّة الغرانيق ، وقد أحببنا الإضراب عن ذكرها صفحا لئلا يسمعها من لا يضعها في مواضعها ، إلاّ أنّ أصل القصّة في الصحيح ، ثمّ ذكر حديثا عن البخاري في أمرها وأردفه بقوله «انفرد به البخاري دون مسلم» .

    أمّا الّذي يتخذ عصمة الرسول في تبليغ الرسالة مقياسا للأخذ والردّ ، فلا يتردد في نفي القصّة من أساسها ، بل يتّفق مع ابن إسحاق في أ نّها من وضع الزنادقة ، ويكتفي في ردّها بما فيها من نقض ما للرسول من عصمة في تبليغ رسالة ربّه ، كما تقتضي ذلك قواعد النقد العلمي ، كما فعل هيكل في كتابه : 48 و161 ـ 147 .

(33)

فشت في الدولة الإسلامية دعايات سياسية وغير سياسية كان اختلاق الروايات والأحاديث من وسائلها للغلبة على خصومها ، فكيف بما كُتب متأخراً في أشدّ أزمان الاضطرابات والقلاقل ؟ وكيف بما ورد في المتأخِّر من كُتب السيرة ؟ فهل يمكن الأخذ به بدون تمحيص بدقّة علميّة ؟ وقد أدّت المنازعات السياسية وغيرها الّتي حدثت بعد الصدر الأول من الإسلام ، إلى اختلاق كثير من الروايات والأحاديث تأييداً لها ، هذا والحديث لم يدُوّن إلى أواخر عصر الأمويين .

 

    ذلك لأنّ عمر عزم على ذلك فأصبح يوماً يقول : إنّي كنت أردت أنْ أكتب السنن ، ثمّ عدلت عن كتابتها ، فإنّي ـ واللّه ـ لا أشوب كتاب اللّه بشيءٍ أبداً ! ثمّ كتب إلى الأمصار بذلك يقول : من كان عنده شيء غير القرآن فليمحُه ! وظل الأمر كذلك ـ ما عدا عهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه الحسن عليهماالسلام ـ حتّى أمر عمر بن عبد العزيز بجمع الحديث(1) .

    أمّا كيف روى مثل البخاري مثل قصّة الغرانيق ـ مثلاً ـ ؟ فقد اعتذر عن مثل ذلك النووي في شرحه لصحيح مسلم قال : «أخذ جماعة على البخاري ومسـلم أحاديث أخلاّ بشرطيهما فيها ونزلت عن درجة ما التزماه» وقد التزما بمقياس السند والثقة بالرواية في قبول الحديث ورفضه ، ولكنّه وحده غير كاف لذلك .

 

    بل إنّ خير مقياس يقاس به الحديث والخبر عن النبي ما روي عنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ قال : «إنّكم ستختلفون من بعدي ، فما جاءكم عني


(1) طبقات ابن سعد 3 : 206 .

(34)

فاعرضوه على كتاب اللّه فما وافقه فمنّي وماخالفه فليس منّي»(1) فهو مقياس صحيح أخذ به كثير من الثقات ، وهو يتفق مع قواعد النقد العلمي ، وقال ابن خلدون بشأنه : «إنّني لا أعتقد صحة سند حديث ولاقول صحابي عالم يخالف ظاهر القرآن ، وإنْ وثّقوا رجاله ، فَرُبَّ راوٍ يوثّق للاغترار بظاهر حاله وهو سيّء الباطن . ولو انتقدت الروايات من جهة فحوى متنها كما تنتقد من جهة سندها لقضت المتون على كثيرٍ من الأسانيد بالنقض . وقد قالوا : إنّ من علامة الحديث الموضوع : مخالفته لظاهر القرآن ، أوْ القواعد المقرّرة في الشريعة ، أوْ لبرهان العقل ، أوْ الحسّ والعيان وسائر اليقينيّات» .

 

    حقّا إنّ اختلاف المسلمين بعد وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بلغ حدّاً دعا الدعاة فيهم إلى اختلاق الآلاف المؤلّفة من الأحاديث والروايات .

    لمّا قُتل عثمان وبدأت الحروب الداخلية بين المسلمين بخصومة خصماء علي عليه‏السلام ، وأيّد أمير المؤمنين من أيّده ، ثمّ استتبّ الأمر لبني اُميّة جعل المحدّثون المتّصلون ببني اُميّة يضعّفون مايُروى عن علي بن أبي طالب عليه‏السلام وفضائله ، وكما جعل أنصار عائشة يشيعون عنها مايؤيّد دعواها .

    ومن طريف مايُروى في ذلك : مارواه الذهبي في ترجمة إسماعيل بن المثنّى الاسترآبادي : كان يَعِظُ بدمشق ، فقام إليه رجل فسأله عن قول النبيّ : أنا مدينة العلم وعلي بابها ؟ فأطرق إسماعيل لحظة ثمّ رفع رأسه وقال : نعم لايعرف هذا الحـديث عن النبيّ إلاّ من كان في صدر الإسلام ، إنّما قال النبيّ : أنا مدينة العلم وأبو بكر أساسها وعمر حيطانها وعثمان سقفها


(1) لم نعثر على هذه الرواية بهذا النص في الجوامع الحديثية ولكن ورد مضمونها في البحار 2 : 225 .

(35)

وعليّ بابها ! فسُّر الحاضرون بذلك ، فسألوه أن يخرج لهم إسناده ، فوعدهم به(1) وذكر القصة ابن عساكر فقال : فأنعم ولم يخرجه لهم(2) . أجل ، هكذا كانت الأحاديث تلفّق لأغراض سياسية ولأهواء عاجلة حتّى كَثُرت وشاعت .

 

    هذا ، وقد تولّى كتّاب السيرة كتابتها ـ كما مر خبرها ـ للخلفاء : فابن إسحاق كتب سيرته للمنصور وابنه المهدي ، والواقدي كتب مغازيه للرشيد ووزيره يحيى بن خالد البرمكيّ ، اللهُمَّ إلاّ هشام الكلبي والمدائني فإنّهما لم يكتبا لأحد منهم ، ولكنّهم كلهم ماكان لهم أنْ ينازعوا مع الخليفة في آرائه خوفاً منه ، ولذلك فإنّه لا ينطبق على ماكتبوه مقاييس الصحة بدقّة .

    ومن أمثلة الاختلاف في النقل الّذي يبدأ بذكر معجزة نراها تزيد بزيادة الزمان إلى معاجز : ماحدث في أثناء مسيرة جيش العسرة إلى تبوك :

    فقد روى ابن هشام قال : «قال ابن إسحاق : فلمّا أصبح الناس ولاماء معهم شكوا ذلك إلى رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ فدعا رسول اللّه ، فأرسل اللّه سحابة فأمطرت حتّى ارتوى الناس واحتملوا حاجتهم من الماء»(3) .

    أمّا صحيح مسـلم فيروي قصّة تبوك بصورة اُخرى لاتقتصر على هذه المعجزة بل تزيدها زيادة كثيرة على غير ماورد في سيرة ابن إسحاق :

 


(1) لسان الميزان 1 : 422 .

(2) تأريخ ابن عساكر 3 : 34 وانظر كتاب : فتح الملك العلي بصحة حديث مدينة العلم علي : 156 ط ـ الحيدرية ـ النجف الأشرف . بتحقيق الدكتور الشيخ محمد هادي الأميني النجفي .

(3) السيرة النبوية ؛ لابن هشام 3 و 4 : 522 .

(36)

    فقد روى مسلم في صحيحه بسنده عن معاذ بن جبل : «أنّ النبيّ قال لمن سار معه إلى تبوك : إنّكم ستأتون ـ إنْ شاء اللّه ـ غدا عين تبوك ، وإنّكم لن تأتوها حتّى يضحى النهار ، فمن جاءها منكم فلا يمسّ من مائها شيئا حتّـى آتي . فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان ، والعين مثل الشرك تَبِضّ بشيء من ماء . فسألهما رسول اللّه : هل مَسَستما من مائها شيئا ؟ قالا : نعم ، فسبّهما النبيّ وقال لهما ماشاء اللّه أنْ يقول ( ! ) ثمّ غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتّى اجتمع في شيء غسل رسول اللّه فيه يديه ووجهه ثمّ أعاده فيها فجرت العين بماء منهمر ـ أوْ قال : غزير ـ حتّى استقى الناس ، ثمّ قال : يامعاذ يوشك ـ إنْ طالت بك الحياة ـ أنْ ترى ما هاهُنا قد ملى‏ء جِنانا»(1) فهل ارتوى المسلمون في طريق تبوك بماء العين المنهمر ـ بعد السباب ! ـ أم بمطر من سـحاب بدعاء مستجاب من نبيٍّ مجاب ؟ أَليس في القليل الأول غنى عن الثاني الكثير ؟ ! اللهُمَّ إلاّ أنْ نبني على ترجيح الحديث الأكثر إعجازا ولانقتنع بالقليل منه !

    هذا وقـد روى ابن إسحاق بعد روايته خبر السحابة خبرا آخر يؤيده قال : «فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال : قُلتُ لمحمود بن لبيد : هَلْ كان الناس يعرفون النّفاق فيهم ؟ قال : نعم واللّه إنْ كان الرجل ليعرفه من أخيهِ ومن أبيهِ ومن عمّهِ وفي عشيرتهِ ، ثمّ يلبس بعضهم بعضا على ذلك ، ولقد أخبرني رجال من قومي قالوا : لمّا كان من أمر الماء بالحجر ماكان ودعا رسـول اللّه حين دعا فأرسل اللّه السحابة فأمطرت حتّى ارتوى الناس قالوا : أقبلنا على رجل من المنافقين معروف نفاقه كان يسير


(1) صحيح مسلم 7 : 60 ط 1332 .

(37)

مع رسول اللّه حيث سار ، فقلنا له : ويحك ! هَلْ بعد هذا شيء ؟ فقال : «سحابة مارّة» اللهُمَّ إلاّ أنْ يكون ذكر كثرة النّفاق في بعض الصحابة مِمّا يشنع ذكره ويسوء بعض الناس ، وإنْ كان لم يحذفه ابن هشام ، واختار مسلم ماسلم من ذكره ، وهذا هو الراجح في الظن .

 

 

شرائط دراسة التأريخ :

    لا شكّ في أنّ البحث في التأريخ أمر خطير وعمل شاق جداً ، فالباحث فيه كمن يريد أنْ يلج بحراً خضماً هائجاً ، وإنّما يمدّ ببصره إلى قاعه ليغنم منه لآلئه ودراريه .

    والباحث في التأريخ إنْ كان يطمح من بحثه إلى إحقاق الحقّ وازهاق الباطل ، فإنّه لايتسنى له ذلك إلاّ إذا كان واسع الإطلاع ، بعيد النظر ، شديد الحب للحق ، موطّنا نفسه على اتّباعه ، مبتعدا عن التعصب المذهبيّ المقيت ، ورعاً في إصدار الأحكام ، خبيراً بطرق الاستنباط ، عارفاً بأمراض التأريخ وعلله ، مُلمّا بظروفه ومراحله ، مؤثِرا مصلحة الإسلام والمسلمين على ماسِواها ، متحرر الفكر ، غير مشدود لما وَرثه من أهله وقومه .

    وذلك لمساس التأريخ ـ ولاسيَّما سيرة الرسول الكريم ـ بمختلف نواحي الحياة . فمنه تؤخذ العقيدة الدينية ، وأحكام الإسلام ، ومعارفه وعلومه ، وأدبه وأخلاقه ، و على أساسه تقول الأجيال كلمتها في كل شيء ، و على ضوئه تحكم على كل شيء .

    وقد ابتلي التأريخ والسيرة ـ ككثير من الاُمور ـ بنظرتين مفُرطة واُخرى مفرّطة :

    فمِن مقبل على التأريخ والسيرة مكبّ على أخذ مافيه ، غثّه و سمينه ،

(38)

ينتهل منه ريّه في كلّ جوانب الحياة ، ويعتبره من أسلم المسلّمات بها ، دون حذر عمّا داخله من الدسِّ والخرافات بعيداً عمّا نبّه إليه الرسول من حتميّة ظهور المفترين عليه ، غير معتبر بما اعترف به الزنادقة الملحدون مِمّا رواه المؤرخون : أ نّهم وضعوا آلاف الأحاديث كذبا على اللّه ورسوله حلّلوا بها الحرام وحرّموا بها الحلال ، وأزالوا بها الحقّ عن نصابه ، وزوّروا كثيرا من الأحاديث الصحيحة وافتعلوا الكرامات والمناقب حبّا في المال والمناصب .

 

    وآخرون فرّطوا فيه فغلّبوا التشاؤم وتنكّروا للتأريخ جملةً وتفصيلاً ، اتهموه ببعض مافيه وتحاملوا عليه ، وجعلوا ذلك حجة لاِعراضهم عنه وابتعادهم منه . وذلـك ظلم قبيح وفصم لعرى الأجيال ، وحرمان للمتأخرين من دروس الماضي ، وهدم لبناء الدّين وطعن في تعاليم الأنبياء الّذين حَثّوا على تدارس الماضي والاسـتماع إليه ، مع تمحيص الحقّ عمّا علق به من شوائب الباطل .

    وبين هاتين النزعتين المفرطة والمفرّطة تنجلي النمرقة الوسطى باهتمام مفكّري المسلمين وعلمائهم بالدراسات التأريخية ، وبذل الوسع لإماطة اللثام عن كثيرٍ من جوانبه الّتي بدت قائمة مشوهة بفعل الدّخلاء عليه ، مِمّن جنّدوا أنفسهم لهدم الدّين وطمس معالم الحقّ والتجنّي عليه(1) .

 

طمس معالم الحقّ :

    قلنا نعرض الروايات ـ الّتي يُدّعى أ نّها تسجّل سيرة الرسول الكريم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ على القرآن الحكيم ، ذلك لانّا لو راجعنا وصف هذا النبيّ


(1) مقدمة : دراسات في التأريخ الاسلامي : 8 ، 9 للشيخ محمد باقر الناصري بتصرف .

(39)

العظيم في القرآن الكريم ، لوجدناه يصفه بأ نّه : « على خُلقٍ عظيم »(1) و« خاتم النبيين »(2) ينهى الناس عن الإستخفاف به « لا تجعلوا دُعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا »(3) ويلعن الّذين يؤذونه « إنّ الّذين يؤذون اللّه و رسوله لعنهم اللّه »(4) .

 

    ولكنّا لو راجعنا بعض تلك الروايات الّتي يُدّعى أ نّها تسجّل لنا سيرته لوجـدناه فيها : طفلاً كسائر الأطفال ، ورجلاً يتكلّم كسائر الجهّال ، بل أضعف عقلاً من سائر العقّال ، فهو بحاجة دائمة إلى من يشرف عليه ويدبّر شؤونه ، ويأخذ بيده ويرشده ، ويحلّ له مشاكله ويشدّ قلبه ويطمئنه ، ويؤيّده ويساعده ، وإلاّ فهو يغضب فيكون غضبه عجزاً واضطراباً بل وسباباً(5) ويرضى فيكون رضاه سخفا وميوعة !

 

    وإلاّ فكيف نفسّر : أ نّه رأى الرأي فنزلت الآيات تصوّب رأي غيره وتفنّد رأيه ، فقعد يبكي ؟ ! وأ نّه كان له شيطان يعتريه ويأتيه في صورة جبرئيل ! ثمّ أعانه اللّه عليه فأسلم ! ولعلّه مِن فعل شيطانه أ نّه مرّ على سباطة قوم فبال قائما ! ثمّ شرب النبيذ ؟ ! ثمّ إنّه رأى زوجة ابنه بالتبنّي في حالة مثيرة فعشقها ! وإنّه كان يعشق عائشة حتّى أ نّه حملها على عاتقه بطلبها لتنظر إلى رقص السودان في مسجده ، وخدّها على خدّه ! ثمّ إنّه ترك الجيش لينفرد بزوجته ليسابقها في الصحراء !

 


(1) القلم : 4 .

(2) الاحزاب : 40 .

(3) النور : 63 .

(4) الاحزاب : 57 .

(5) كما مرّ عن صحيح مسلم .

(40)

    والطامة الكُبرى الّتي شملت شيخ الأنبياء إبراهيم : انّه كان أولى بالشكّ من إبراهيم ! إلى ماهُنالك مِمّا يزيد في قبحه على ماذكر أكثر بكثير ، كلّ ذلك مِمّا «قد فاجأتنا به الأنباء والسِّير» في المجاميع الحديثة وكُتب السيرة ! وفيها عـن حياته الزوجية مانتذمّر من ذكره فضلاً عن القيام بأمره ! وأدهى مافي الأمر وأمرّ أ نّها مدوّنة في الكتب الّتي تُوصف بأنها أصحّ كتاب بعد الذكر الحكيم ، وهي تحاول أنْ تصوّر لنا سيدنا ومولانا ونبيّنا أفضل الأنبياء والمرسلين وأشرف السفراء المقرّبين ! !

    قال محقِّقو سيرة ابن هشام في مقدِّمتهم : «ولعلّ النظر إلى تراث السالفين ولاسيَّما مايتصل منه بعلم السِّير نظرة فيها الكثير من التقديس ، هو الّذي حال دون هؤلاء وهؤلاء أنْ يقفوا من هذا العلم موقفاً فقدناه في جميع المؤلفين المتقدّمين على اختلاف طبقاتهم ، فلم نَرَ منهم من عرض لما تحمله السِّير بين دفتيها من أخبار تتّصف بالبعد عن الحقيقة ، فنقدها وأتى على مواضع الضعف منها .

    هذا ماحرمه هذا العلم في جميع أدواره السالفة إلى ماقبل أيّامنا هذه بقليل ، إذ رَأَيْنا الإيمان بأنّ في السيرة أخباراً لا تتصل بالحقّ في قليلٍ ولاكثيرٍ ، تصحبه الجُرأة ثمّ الإقدام ، ورَأَيْنا فكرة جديدة تجري بها أقلام مجدّدة ، يتناول أصحابها الخبر أوْ الخبرين من السيرة ، مِمّا كان يُتخَذ مطعنا علينا في شخص النبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ أوْ مايتصل به ، فخلّصوه مِمّا لصق به مِمّا ليس منه ، وأقاموا حوله سياجا من الحجج والبراهين ، صحّ بها وأصبح حجة على الطاعنين فيه .

    ومثل هذا مافعله الاُستاذ الإمام الشيخ مُحمّد عبده في قصّة النبيّ ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ ، وتزويجه زينب بنت جحش من زيد بن حارثة ثمّ

(41)

ماكان من تزوّج الرسول ـ صلّى اللّه عليه وآله ـ إيّاها بعد تطليق زيد لها مِمّا أرجف فيه الطاعنون ولغوا لغواً كثيراً .

 

    ومنهم من عرض للكتاب في قصّة أوْ قصّتين منه فصاغها في اُسلوب جديد ، ومثّل للناس الخبر في قالب قصصيّ خرج به عن أسانيده وذكر رواته ـ تلك الطريقة الّتي هي سرّ تقديس هذه الأخبار في هذه الكتب ! ـ فبدت المعاني في هذا القالب الجديد كما يبدو الجسـد في الغلالة الرقيقة لاتكاد تُخفي منه شيئا . وهذا الاُسلوب الجديد بما يتضمن من التّهكم بالفكرة السقيمة والخبر الغث ، يخلق به المؤلف في القارى‏ء روح التحفّظ في قبول الأفكار وتسلّمها .

    ومنهم من جرى مع ابن إسحاق في شوطه ، فتناول السيرة كما تناولها ابن إسحاق ، مبتدئا بميلاد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وما سبقه أوْ عاصره من حوادث ، ثمّ جرى يذكر حياة الرسـول إلى أنْ قبضه اللّه إلى جواره ، ناقلاً من الأخبار مايرى فيها القرب من الحقّ ، و مستبعدا مالايجري في ذلك مع فكرته ومايعتقد ، مفندا مزاعم الطاعنين رادّاً على المكذبين . فجاء كتابه سيرة للرسول جديدة في اسلوبها ، نقية من اللغو والهراء»(1) .

    أجل ، إذا كان المُراجع إلى هذه المَراجع ـ الصحاح وغيرها ـ مليء النفس بتقديس النصّ تقديسا عشوائيا ساذجا ، فهو يمتنع ويمنع عن تقويم النصوص تقويما سليما يزنها بميزان الإعتبار .

 

    ولا مبرر لهذا التقديس ما لم يثبت أنّ هذا الحديث مِمّا صدر عنه أوْ من شؤونه أوْ من صفاته ، اللهُمَّ إلاّ إذا كان لايعرف شيئا مِمّا يجب أنْ يتوفر


(1) مقدمة سيرة ابن هشام 1 : ح ، ط .

(42)

في شخص رسول اللّه وخليفته وحجته على عباده ، وكان خالي الذهن عن المنطلقات الأساسية والضوابط الحقيقية الّتي يجب أنْ يتوفر عليها من يحاول دراسة التأريخ بصورة علميّة ، وسيرة الرسول الكريم بصورة خاصة(1) .
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_intro03.htm