فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
التأريخ قبل الإسلام
التأريخ بعد الإسلام
تدوين السيرة النبويّة وتأريخ الإسلام
اُصول السيرة النبويّة وتطوّرها في القَرنين الأول والثاني
كتّابُ السيرة الأوائل
المؤرخون الأوائل
الأثر الباقي في السيرة
عمل ابن هِشام في سيرة ابن إسحاق
مغازي الواقدي
مكانة الواقدي في الرواية والعلم
حول تشيع الواقدي وابن إسحاق
نقد كتب السيرة
الخلاف في كتب السيرة وبينها
شرائط دراسة التأريخ
طمس معالم الحقّ
سحاب مركوم على الحقّ المظلوم
بماذا نقوّم النصوص؟
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الأثر الباقي في السيرة :

    عرفنا أنّ الكتابة في سيرة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كانت قد حصلت في التابعين وتابعي التابعين ، كما رأينا قائمة أسمائهم وتواريخ وَفَياتهم ، ولكنّها لم تكن كثيرة ، بل هي مهما أطلنا الحديث عنها كانت قليلة جداً ، لاتعدو أنْ تكون صُحفا فيها بعض الأخبار عن سيرة المختار صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

    أمَّا الكتاب الّذي كُتبت له الموفقية والنجاح وشهرة الاعتماد والوثوق فهو سيرة مُحمّد بن إسحاق ، الّتي ألّفها في أوائل أيام العباسيين .

(18)

    يروون أ نّه دخل يوما على المنصور وبين يديه ابنه المهدي ، فقال له المنصور : أَتعرِف هذا يابن إسحاق ؟ قال : نعم ، هذا ابن أمير المؤمنين : فقال : اذهب فصنِّف له كتاباً مُنذ خلق اللّه آدم عليه‏السلام إلى يومك هذا . فذهب ابن إسحاق فصنَّف له الكتاب وأتاه به فلمَّا رآه قال : لقد طوّلته يابن إسحاق فاذهب فاختصِره . فاختصَره ، واُلقي الكتاب الكبير في خزانة الخليفة .

    وفي هذا المعنى رُويَ عن ابن عَدِي الرِّجالي المعروف أ نّه كان يقول في ابن إسحاق : «لو لم يكن لابن إسحاق من الفضل إلاّ أ نّه صرف الملوك عن الاشتغال بكتب لايحصل منها شيء للاشتغال بمغازي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ومبعثه ومبتدأ الخلق لكانت هذه فضيلة سبق بها ابن إسحاق ، وقد فتّشت أحاديثه الكثيرة فلم أجد ماتهيّى‏ء أنْ يُقطع عليه بالضعف ، ورُبَّما أخطأ واتُّهم في الشيء كما يخطيء غيره . ولم يتخلَّف في الرواية عنه الثقات والأَئمة الاثبات ، أخرج له مسلم في المبايعات ، واستشهد به البخاري في مواضع ، وروى له أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه» .

    ثُمَّ أصبح ابن إسحاق في الحقيقة عُمدة المؤلفين في السيرة ، فما من كتابٍ في السيرة إلاّ وهو مستمدّ منه وراوٍ عنه ، اللّهُمَّ إلاّ ما نأتي عليه من مغازي الواقدي ورواية كاتبه ابن سعد عنه ، وما رُوي عن أئمة أهل البيت عليهم‏السلام ، وكذلك أصبح كتاب ابن إسحاق عُمدة الكتب في السيرة لقرّائها مُنذ أنْ كتبه إلى يومِنا هذا ولاسيَّما بعد تهذيبها من قبل ابن هِشام ـ بحيث أ نّك لاتكاد تجد رجلاً يدرس سيرة الرسول الكريم إلاّ وكتاب ابن إسحاق كتابه الأوّل والاُم في ذلك .

 

(19)

 

عمل ابن هِشام في سيرة ابن إسحاق :

    وقد جاء بعده عبد الملك بن هِشام الحميري البصري (ت 218 ه) بنصف قَرن تقريباً ، فروى سيرة ابن إسحاق برواية زياد بن عبد الملك البَكّائي العامري الكُوفي (ت 183 ه) ولكنّه لم يروها كما هي بل تناولها بكثير من التمرير والاختصار والاضافة والنقد أحياناً ، والمعارضة بروايات اُخر لغيره ، عبَّر عن أعماله هذهِ بقوله في صدر سيرته : «وانا ـ إنْ شاء اللّه ـ مبتدى‏ء هذا الكتاب بذكر إسماعيل بن إبراهيم ، ومن ولَد رسولَ اللّه من ولده ، أولادهم لأصلابهم الأوّل فالأوّل من إسماعيل إلى رسول اللّه ، ومايعرض من حديثهم ـ وتارك ذكر غيرهم من ولد إسماعيل للاختصار ـ إلى حديث سيرة رسول اللّه . وتارك بعض مايذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب مِمّا ليس لرسول اللّه فيه ذكر ولانزل فيه من القرآن شيء ، وليس سببا لشيء من هذا الكتاب ولاتفسيرا له ولاشاهدا عليه ، لما ذكرت من الاختصار ، وأشعارا ذكرها لم أر أحدا من أهل العلم بالشعر يعرفها ، وأشياء بعضها يشنع الحديث به ( ! ) وبعض يسوء بعض الناس ذكره ( ! ) وبعض لم يَقرّ لنا البَكّائي بروايته ( ؟ ) ومُسْتَقْصٍ ـ إن شاء اللّهُ تعالى ـ ماسوى ذلك منه بمبلغ الرواية له والعلم به»(1) .

    إذن فقد أسقط ابن هِشام من عمل ابن إسحاق : تأريخ الأنبياء من آدم إلى إبراهيم ، ومن ولد إسماعيل مَنْ ليس في عمود النسب النبوي الشريف ، كما حذف من الأخبار مايسوءُ بعض الناس ! ومن الشعر مالم


(1) سيرة ابن هِشام 1 : 4 .

(20)

يثبت لديه . ولكنّه زاد فيه مِمّا ثبتت لديه من رواية ، ولذلك نُسبت السيرة إليه وعُرفت به ، حتّى لايكاد يذكر ابن إسحاق معه ، فقد عُرفت سيرة ابن إسـحاق بين العلماء مُنْذُ عهد بعيد باسم سيرة ابن هِشام ، لِمَا له فيها من رواية وتهذيب .

 

    وبهذا الصدد قال ابن خلِّكان في ترجمة ابن هِشام : «وابن هِشام هذا هو الّذي جمع سيرة رسول اللّه من المغازي والسّير لابن إسحاق وهذَّبها ولخّصها ، وهي السيرة الموجودة بأيدي الناس المعروفة بسيرة ابن هِشام» .

    ولم تنقطع العناية بالتأليف في السيرة إلى يومنا هذا ، إلاّ أنّ الموضوع في ذاته ليس أمرا يقوم على التجارب ، أوْ فكرة يقيمها برهان وينقضها برهان ، شأن النظريات العلميّة الّتي نرى تجديدها وتغييرها على مرِّ السنين ، وإنّما هو من العلوم النقليّة لا العقليّة ، فكان المشتغلون به أوّلاً محدِّثين ناقلين ، ثُمَّ جاء مَن بعدَهم جامِعين مبوِّبين ثُمَّ ناقدين معلّقين . ولم يكن قابلاً للتجديد في جوهره ، إلاّبمقدار قليل حسب النقد الدقيق ، وإنّما كان التجديد في أشكاله وصوره شرحاً أوْ اختصاراً ، أوْ شيئاً من النقد قليلاً مشيراً إلى مافيه من أخطاء .

    ولعلَّ الذين تناولوا السيرة بالتلخيص والاختصار ، إنّما خفَّفوا مـن ثقل الكتاب بعض أخباره الّتي استبعدوها غير مؤمنين بصحّتها ، ناقلين من الأخبار مايرون فيها القرب من الحقّ ، ومستبعدين مالايجري في ذلك مع فكرتهم وعقيدتهم مفنِّدين إياه رادِّين له .

    ولعلَّ من عِلل انتشار أخبار ابن إسحاق ثُمَّ كتابه في السيرة كَثرة رحلاته ، فالراجح في تأريخ مولده في المدينة أ نّه كان سنة 85 ه ولا يرتاب الرجاليّون وأصحاب الطبقات في أ نّه أمضى شبابه في المدينة فتى جميلاً

(21)

«فارسي الخلقة» جذّاب الوجه له شعرة حسنة ولذلك حكى ابن النديم بشأنه في فِهرسته : أ نّه اتّهم بأ نّه يجلس في مؤخّر المسجد للصلاة فيُغازل بعض النساء ، فأمر أمير المدينة بإحضاره و ضربه اسواطاً ونهاه عن الجلوس في مؤخّر المسجد . ولعلَّه لهذا لم يَرْوِ عنه من أهل المدينة غير راوٍ واحدٍ هو إبراهيم بن سعد فحسب(1) .

 

    ولعلَّه لهذا رحل منها سنة 115 ه أي في الثلاثين من عمره إلى الاسكندرية في مصر ، ويظن أ نّها اُولى رحلاته ، فانفرد برواية أحاديث عن عدةٍ من رجال الحديث بها .

 

    ثُمَّ رحل إلى الكوفة والحيرة ، ولعلَّه بها التقى بالمنصور فصنَّف لابنه المهدي كتاب السيرة كما سبق ، فرواها عنه زياد بن عبد الملك البَكّائي العامري وغيره ، ورحل إلى الجزيرة أي الموصل ، والرّي حتّى إذا بُنيت بغداد فرجع إليها وفيها ألقى عصا الترحال ، وله من كلّ هذه البُلدان رواة كثيرون . وعاش في بغداد حتّى توفي بها فدفن في مقابر الخيزران .

    وقد كان ابن إسحاق يُعدُّ في طبقة تلامذة عبد الملك بن شهاب الزُهْري وأقرانه ، وله عنه روايات ، ونقل أصحاب الطبقات أنّ شيخه ابن شهاب الزُهْري لم يكن يتّهمه بشيء بل كان يوثّقه ، وتبعه في توثيق ابن إسحاق من الفقهاء الأئمة : سفيان الثوري وشعبة ، بالإضافة إلى راويته زياد ابن عبد الملك البكّائي عنه . وَإنْ كان هِشام بن عُروة بن الزبير من رواة السيرة ، ومالك بن أنس من أئمة الفقهاء يتحاملان عليه بالجرح والتضعيف ويتّهمانه بالكذب والدّجل والتّدليس ، والقول بالقدر ، والنقل عن غير


(1) وانظر تهذيب التهذيب 9 : 44 .

(22)

الثقات ، وأخطاء في الأنساب . ولكن لعلّه لأن ابن إسحاق كان يطعن في نسب مالك وعلمه ويقول : إيتوني ببعض كتبه حتّى اُبيّن لكم عيوبه ، فأنا بيطار كتبه(1) ! إذن فالحملة متقابلة من الطرفين ، والتضعيف ضعيف لأنه معلوم الوجه والعلة «الشخصية» .

 

 

مغازي الواقدي :

    أمَّا الواقدي مُحمّد بن عمر بن واقد مولى بني سهم ، فقد ذكر تلميذه ابن سعد في «الطبقات الكُبرى» أ نّه ولد في المدينة سنة 130 ه أي بعد خروج ابن إسحاق منها بخمسة عشر عاماً ، ولذلك لم يَرْوِ عنه وإنْ كان قد روى عن سائر رواة الأخبار عن الزُهْري ، مع تشابه كبير بين فِـقرات كتاب السيرة لإبن إسحاق وكتاب المغازي للواقدي ، ولذلك زعم مُستشرقان هُما ( فلهوزن وهورفتس ) أ نّه سرق منه ولم يسنده إليه ، وفنّد زعمهما مُستشرق آخر هو ( مارسدن جونس ) محقّق المغازي كما في مقدِّمته للكتاب(2) ثُمَّ احتمل أنْ يكون الواقدي قد أعرض عن الرواية عن ابن إسحاق نظراً إلى عدم توثيق علماء المدينة له .

    ثُمَّ قال : يبدو واضحاً للقارى‏ء الحديث أنّ من أهم السِّمات الّتي تجعل الواقدي في منزلة خاصة بين أصحاب السّير والمغازي تطبيقه المنهج التأريخي العلمي الفنّي ، فإنّا نلاحظ عند الواقدي ـ أكثر مِمّا نلاحظ عند غيره من المؤرِّخين المتقدمين ـ أ نّه كان يرتّب التفاصيل المختلفة للحوادث بطريقة


(1) راجع ترجمته وهذه الأقوال في الكامل في الضعفاء لابن عدي 6 : 102 ـ 112 .

(2) مغازي الواقدي : 29 .

(23)

منطقية لاتتغير ، فهو مثلاً يبدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار ثُمَّ يذكر المغازي واحدة واحدة مع تأريخ محدد للغزوة بدقّة ، وغالباً مايذكر تفاصيل جغرافية عن موقع الغزوة ، ثُمَّ يذكر المغازي الّتي غزاها النبي بنفسه ، وأسماء الّذين استخلفهم على المدينة أثناء غزواته ، وأخيراً يذكر شعار المسلمين في القتال ، كلّ ذلك بالإضافة إلى وصفه لِكُلِّ غزوة باسلوب موحّد : فيذكر أوّلاً اسم الغزوة وتأريخها وأميرها .

 

    وكثيراً مايقدِّم لنا الواقدي قصة الواقعة بإسناد جامع ، أي يجمع الرجال والأسانيد في متن واحد . وإذا كانت الغزوة قد نزل فيها آيـات كثيرة من القرآن الكريم ، فإنّ الواقدي يفردها وحدها مع تفسيرها ويضعها في نهاية أخبار الغزوة ، وفي المغازي المهمه يذكر الواقدي أسماء الّذين استشهدوا فيها .

    وإنّ ما أورده في الكتاب من التفاصيل الجغرافية ليوحي بجهده ومعرفته للدقائق في الأخبار الّتي جمعها في رحلته إلى شرق الأرض وغربها طلباًللعلم(1) . وقد روى الخطيب البغدادي وابن سيد الناس(2) عن الواقدي أ نّه قال : ماأدركت رجلاً من أبناء الصحابة وأبناء الشهداء ولامولى لهم إلاّ سألته : هل سمعت أحدا من أهلك يُخبرك عن مشهده وأين قتل ؟ فإذا أعلمني مضيت إلى الموضع فاُعاينه ، وما عَلِمت غزاة إلاّ مضيت إلى الموضع فاُعاينه ، حتّى لقد مضيت إلى «المريسيع» فنظرت إليها .


(1) مقدمة المحقق للمغازي 1 : 31 .

(2) تأريخ بغداد 3 : 6 ، وعيون الاثر 1 : 18 .

(24)

    ورووا عن هارون الغروي قال : رأيت الواقدي بمكة ومعه ركوة فقلت : أين تريد ؟ قال : اُريد أنْ أمضي إلى حنين حتّى أرى الموضع والوقعة .

    ويشهد لنباهة الواقدي بهذا الشأن ماقصّه تلميذه وراويته ابن سـعد في الطبقات :

    إنّ هارون الرشيد ويحيى بن خالد البرمكي حين زارا المدينة في حجتهما ، طلبا مَنْ يدلّهما على المشاهد وقبور الشهداء ، فدلّوهما على الواقدي ، فصحبهما في زيارتهما فلم يدع موضعاً من المواضع ولامشهداً من المشاهد إلاّ مرّ بهما عليه . فمنحه هارون الرشيد بعشرة آلاف دِرْهـم ، فصرفها في قضاء ديون كانت قد تراكمت عليه وزوّج بعض ولده وبقي في يسر وسعة(1) .

    ولكنَّه يعود فيقول : إنّه لحقه دين بعد ذلك فذهب إلى العراق سنة 180 ه(2) ويفصِّل الخطيب عن الواقدي يقول : كانت للناس في يدي مائة الف دِرْهم اُضارب بها في الحنطة ، وتلفت الدراهم ، فشخصتُ إلى العراق فقصدتُ يحيى بن خالد البرمكي(3) ، ويفصِّل ابن سـعد عنه أيضا يقول : ثُمَّ إنّ الدّهر أعضّنا ، فقالت لي اُمُّ عبداللّه : ياأبا عبد اللّه ماقعودك وهذا وزير أمير المؤمنين قد عرفك وسألك أنْ تسير إليه حيث استقرت به الدار . فرحلتُ من المدينة . ولمّا دخل بغداد وجد الخليفة والبلاط قد انتقلوا إلى


(1) انظر الطبقات 5 : 315 .

(2) الطبقات 7 : 77.

(3) تأريخ بغداد 3 : 4 .

(25)

الرّقة بالشام فرحل إليهم حتّى لحق بهم(1) فيقول : صار إليّ من السلطان ستمائة الف دِرْهم ماوجبت علي فيها الزكاة(2) ثُمَّ رجع معهم إلى بغداد وبقي بها ، حتّى قدمها المأمون فجعله قاضياً لعسكر المهدي(3) وكان العسكر في الجانب الشرقي وكان الواقدي في الجانب الغربي فلمَّا انتقل حمل كتبه على عشرين ومائة وقر(4) فولّي القضاء مدّة أربع سنوات قبل وفاته ، وأوصى إلى المأمون فقبل وصيته وأرسل إليه بأكفانه وقضى دينه(5) .

 

    ذكر ابن سعد ـ وهو تلميذه وكاتبه وراويته ـ يقول : مات ببغداد ليلة الثلاثاء لإحدى عشرة ليلة خَلَت من ذي الحجة سنة سبع ومائتين ودفن يوم الثلاثاء في مقابر الخيزران ، وهو ابن ثمان وسبعين سنة(6) .

 

 

مكانة الواقدي في الرواية والعلم :

    وتتجلى مكانته في الرواية والعلم في وصف كاتبه وتلميذه ابن سعد له حيث يقول : كان عالماً بالمغازي والسيرة والفتوح واختلاف الناس في الحديث والأحكام ، واجتماعهم على ماأجمعوا عليه ، وقد فسّر ذلك في كُتب


(1) الطبقات 5 : 315 .

(2) تأريخ بغداد 3 : 20 .

(3) الطبقات 7 : 77 .

(4) تأريخ بغداد 3 : 5 وعيون الاثر 1 : 18 والوافي بالوفيات 4 : 238 وسير اعلام النبلاء 7 : 118 .

(5) الطبقات 5 : 315 .الطبقات 5 : 321 وتأريخ بغداد 3 : 20 وتأريخ دمشق 11 : 3 والوافي بالوفيات 4 : 238 .

(6) الطبقات 7 : 77 .

(26)

استخرجها ووضعها وحدّث بها(1) .

 

    وقال عنه ابن النديم في الفهرست : إنّه كان عنده غلامان يعملان ليلاً ونهاراً في نسخ الكتب ، وقد ترك عند وفاته ستمائة قِمَطْر من الكتب يحتاج كلّ منها إلى رجلين لحمله(2) .

 

    ونقل الخطيب البغدادي عن علي بن المديني : أنّ ماجمع الواقدي من الأحاديث بلغ عشرين ألف حديث(3) .

 

    ونقل ابن سيد الناس عن يحيى بن معين أ نّه قال : أغرب الواقدي على رسول اللّه في عشرين ألف حديث . ثُمَّ قال ابن سيد الناس : وقد روينا عنه مَنْ تتبعه آثار مواضع الوقائع وسؤاله من أبناء الشهداء والصحابة ومواليهم عن أحوال سلفهم مايقتضي انفراداً بالروايات وأخباراً لاتدخل تحت الحصر(4) .

 

    ونقل الذهبي عن إبراهيم الحربي أ نّه كان يقول عنه : إنّه كان أعلم الناس بأمر الإسلام ، فأمّا أمر الجاهلية فلم يعلم منها شيئا(5) ثُمَّ ذكروا له زهاء ثلاثين كتاباً .

 

    ونرى في قائمة كتبه كتاب الطبقات ، ولنا أنْ نتمثّله في كتاب الطبقات الكبرى لتلميذه وكاتبه مُحمّد بن سعد ، فقد نقل عنه كثيراً ولاشكَّ أ نّه صنّفه على غرار كتاب شيخه وروى فيه عن غيره أيضا .


(1) الطبقات 5 : 144 .

(2) الفهرست : 144 .

(3) تأريخ بغداد 3 : 13 .

(4) عيون الأثر 1 : 20 .

(5) سير الأعلام 7 : 117 .

(27)

    ومن كتبه كتاب الرّدة ، ذكر فيه ارتداد العرب بعد وفاة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ومحاربة الصحابة لطلحة بن خويلد الأسدي ومسيلمة الكذّاب وسجاح في اليمامة والأسود العنسي في اليمن . وقد نقل عنه تليمذه ابن سعد في الطبقات والطبري في تأريخه أخبار الأحـداث الّتي تلت وفاة النبي ، وإنّما هو من كتابه في الرّدة .

    ويمكن القول بأنّ مانقله ابن سعد ، والطبري عنه عن الواقدي من أخبار الجاهلية فهو من كتاب سمّوه : «كتاب التأريخ والمغازي والمبعث» ، هكذا بتقديم المغازي على المبعث وتأخير المبعث عن المغازي ، الّذي عدّوه غير كتاب المغازي . والطبري ينقل المغازي عن الواقـدي مباشرة ولكنّه حين يُورد أخبار الجاهلية وماقبل الإسلام فإنّه يرويها عن ابن سعد عن الواقدي ، مِمّا يدلُّ على أ نّه اعتمد في المغازي على كتاب المغازي للواقدي ، وأمّا في أخبار الجاهلية فهي من كتاب آخر له لعلّه هو التأريخ والمبعث .

    ومن كتبه «فتوح الشام وفتوح العراق» ، وقد نقل البلاذري في كتابه «فتوح البلدان» عن الواقدي كثيرا ، وهو من تلامذة ابن سعد كاتب الواقدي ، فهو قد روى كتاب شيخه له ورواه البلاذري كما نقل ابن كثير في «البداية والنهاية» كثيراً من حوادث سنة 64 ه والطبري نقل عنه كثيرا من حوادث النصف الثاني من القرن الثاني أي التي عاشها الواقدي .

 

حول تشيع الواقدي وابن إسحاق :

    قال ابن النديم(1) في فهرسته عن الواقدي : كان يتشيّع ، حسن المذهب ،


(1) الفهرست : 144 ، هذا وقد روى ابن عدي الرجالي عنه في كتاب الكامل في الضعفاء 6 : 242 ، برقم 1719 بسنده عن بشر بن سعيد ، قال : سألت زيد الجهمي : أوصى النبي إلى أحدٍ ؟ فقال : لا .

(28)

يلزم التقيّة ، وهو الّذي روى انّ علياً كان من معجزات النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كالعصا لموسى واحياء الموتى لعيسى بن مريم عليهماالسلام ، وغير ذلك من الأخبار(1) .

 

    ونقل هذا القول عنه السيد الأمين العاملي صاحب «أعيان الشيعة» وترجم له(2) ، وكذلك ذكره آقا بزرك الطهراني في «الذريعة إلى تصانيف الشيعة»(3) عند الحديث عن تأريخ الواقدي . بينما لم يذكره الشيخ الطوسي في فهرسته ولارجاله ولاذكر كتابا من كتبه حتّى مقتل الحسين عليه‏السلام .

 

    وابن أبي الحديد حينما ينقل فقرة طويلة عن الواقدي ثمّ يُورد رواية اُخرى مختلفة عن الاُولى يبدؤها بقوله : «وفي روايـة الشيعة»(4) ، مِمّا يدلُّ على أ نّه لم يعتبره شيعياً ولامُمثّلاً لهم .

    ومن الطريف أنْ يلاحَظ أنّ ابن إسحاق أيضا كان يُتّهم بالتشيّع(5) .

    ولعلّ السبب في وصفهما بالتشيّع لايرجع إلى عقيدتهما الشخصية ، بل إلى ماورد في كتابيهما من الأخبار التي يعرضونها مِمّا تقتضيه طبيعة التأليف في مثل هـذه الموضوعات لا عن عقيدة صحيحة بها ، وإلى ماأورداه في بعض المواضع من كتابيهما بشأن جماعة من الصحابة منهم بعض الخلفاء فيذكرانهم بعبارات لاتضعهم في الموضع الموضوع لهما عند كثير من


(1) الفهرست : 144 .

(2) أعيان الشيعة 46 : 171 .

(3) الذريعة 3 : 293 .

(4) شرح نهج البلاغة 3 : 339 .

(5) معجم الاُدباء 18 : 7 .

(29)

المسلمين .

 

    ولذلك فانّ أكثر النقّاد من المحدّثين الأوائل كانوا يضعِّفون الواقدي في الحديث .

    فقد قال البخاري والرازي والنّسائي والدارقطني : انّه متروك الحديث ، ولكنّهم لم يُجمعوا على ذلك ، فقد وصفه الدرآوردي بأ نّه : أمير المؤمنين في الحديث .

    وقال يزيد بن هارون : الواقدي ثقة .

    ووثّقه مصعب الزبيري ، ومجاهد بن موسى ، والمسيّب وأبو عبيد القاسم بن سلام ، وأبو بكر الصغائي(1) .

    وقال إبراهيم الحربي : هو آمن الناس على أهل الإسلام(2) .

 

    وقال ابن النديم : كان عالما بالمغازي والسِّير والفتوح واختلاف الناس في الحديث والفقه والأحكام والأخبار(3) .

 

    أمّا بالنسبة لابن إسحاق : فقد عقد الخطيب البغدادي في كتابه «تأريخ بغداد» وكذلك ابن سيّد الناس في كتابه « عيون الأثر » فصلين فنّدا فيهما جميع المطاعن الّتي وجّهت إليه .

 

    وبالنسبة لتشيّعه وقوله بالقدر قالا ماملخّصه : أمّا مارمي به من التدليس والقدر والتشيّع فلا يوجب ردّ روايته ، ولايوقع فيها كبير وهن ، أمّا التدليس فمنه القادح وغير القادح ، ولايُحمل ماوقع هنا من مطلق


(1) تهذيب التهذيب 9 : 364 .

(2) عيون الأثر 1 : 18 .

(3) الفهرست : 144 .

(30)

التدليس على التدليس المُقيد بالقادح في العدالة ، وكذلك القدر والتشيُّع لايقتضيان الردّ إلاّ بضميمة اُخرى لم نجدها هنا .    والعجيب أ نّك لاتجد شيئا من هذا التشكيك في عبد الملك بن هشام مهذّب سيرة ابن إسحاق ، فلو كان العيب في هذا الباقي من سيرة ابن إسحاق لشمل الشك ابن هشام أيضا .

 

    وعندئذ نطمئن إلى انّ العيبَ ليس في هذا الباقي بل فيما قال عنه ابن هشام : «وتارك بعض مايذكره ابن إسحاق في هذا الكتاب . . . أشياء بعضها يشنع الحديث به ، وبعض يسوء بعض الناس ذكره ، وبعض لم يقرّ لنا البكّائي بروايته ، ومُسْتقص ماسوى ذلك» .

    وعندئـذ تجد محور اتِّهام التشيّع أيضا . وقد رأينا أ نّا إذا استثنينا هذين المتهمين بالتشيّع لم يبقَ لعامة المسلمين شيء يُذكر في السيرة ولا المغازي . وعندئذ ندرك أيضا أنّ السابقين الأولين إلى تدوين سيرة الرسول ومغازيه أي الصدر الأول من تأريخ الإسلام هُم من شيعة أئمة أهل البيت عليهم‏السلام أوْ المقاربين لهم المتّهمين بهم .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_intro02.htm