فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل العاشر

 

 

 

 

 

 

 

المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله

 

 

(726)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

شورى دار الندوة :

    روى العياشي في تفسيره عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن أحدهما عليهماالسلام قال : إنّ قريشاً اجتمعت فخرج من كلّ بطن اُناس ، فانطلقوا الى دار الندوة ليشاوروا فيما يصنعون برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فاذا هم بشيخ قائم على الباب ، واذ ذهبوا ليدخلوا قال : أدخلوني معكم . قالوا : ومن أنت ؟ يا شيخ ، قال : أنا شيخ من مضر ، ولي رأي اُشير به عليكم .

    فدخلوا وجلسوا وتشاوروا وهو جالس ، وأجمعوا أمرهم على أن يخرجوه .

    فقال : ليس هذا لكم برأي ، ان اخرجتموه أجْلَب عليكم الناس فقاتَلوكم .

    قالوا : صدقت ما هذا برأي . ثمَّ تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يُوثِقوه .

    قـال : هذا ليس بالرأي ، إن فعلتم هذا ، ومحمّد رجل حلو اللسان

(727)

أفسد عليكم أبناءكم وخدمكم ، وما ينفع أحدكم اذا فارقه أخوه وابنه أو امرأته ؟ !

 

    ثمّ تشاوروا فأجمعوا أمرهم على أن يقتلوه ، يُخرجون من كل بطن منهم بشاب فيضربونه بأسيافهم جميعاً(1) .

    وروى الصدوق في «الخصال» بسنده عن جابر الجعفي عن الباقر عن علي عليه‏السلام قال : إنّ قريشاً لم تزل تجيل الآراء وتعمل الحيل في قتل النبيّ حتّى كان آخر ما اجتمعت عليه في يوم الدار دار الندوة . . . فلم تزل تضرب أمـرها ظهراً لبطن حتّى اجتمعت آراؤها على أنْ ينتدب من كلّ فخذ من قريش رجـل ، ثمّ يأخذ كلّ رجل منهم سيفه ثمّ يأتي النبيّ وهو نائم على فراشه ، فيضربونه جميعاً بأسيافهم ضربة رجل واحد فيقتلوه ، فاذا قتلوه منعت قريش رجالها ولم تسلمهم ، فيمضي دمه هدْراً(2) .

 

    وقال القمي في تفسيره : اجتمعوا في دار الندوة ، وكان لا يدخل دار الندوة اِلاّ من أتى عليه أربعون سنة ، فدخلوا أربعون رجلاً من مشايخ قريش .

 

    وجاء ابليس في صورة شيخ كبير ، فقال له البوّاب : من أنت ؟ فقال : أنا شيخ من أهل نجد(3) ، لا يعدمكم مني رأي صائب ، إني حيث بلغني


(1) تفسير العياشي 2 : 54 .

(2) الخصال : 367 .

(3) نقل السهيلي في ( الروض الاُنف ) عن بعض أهل السيرة أنهم قالوا : لا يدخلن معكم في المشاورة أحد من أهل تهامة لأن هواهم مع محمّد ، فلذلك تمثل لهم ابليس في صورة شيخ نجدي . كما عنه في هامش سيرة ابن هشام 2 : 124 ، والخبر في السيرة عن ابن عباس .

(728)

اجتماعكم في أمر هذا الرجل جئت لاُشير عليكم . فقال الرجل : ادخل ، فدخل ابليس .

 

    فلمّا أخذوا مجلسهم قال أبو جهل : يا معشر قريش ، إنّه لم يكن أحد من العرب أعزّ منّا ، نحن أهل اللّه تغدوا الينا العرب في السنة مرتين ، ويكرموننا ، ونحن في حرم اللّه لا يطمع فينا طامع ، فلم نزل كذلك حتّى نشأ فينا محمّد بن عبد اللّه ، فكنّا نسمّيه الأمين لصلاحه وسكونه وصدق لهجته ، حتّى اذا بلغ ما بلغ واكرمناه ادّعى أ نّه رسول اللّه وأن أخبار السماء تأتيه ، فسفّه أحـلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا ، وزعم أ نّه من مات من أسلافنا ففي النار ، فلم يرِد علينا شيء أعظم من هذا ! وقد رأيت فيه رأياً .

    قالوا : وما رأيت ؟ قال : رأيت أن ندسّ اليه رجلاً منّا ليقتله فان طلبت بنو هاشم بديته أعطيناهم عشر ديات .

    فقال الخبيث : هذا رأي خبيث ! قالوا : وكيف ذلك ؟ قال : لأنّ قاتل محمّد مقتول لا محالة ، فمن ذا الّذي يبذل نفسه للقتل منكم ؟ فانه إذا قتل محمّد تعصّب بنو هاشم وحلفاؤهم من خزاعة ، وإنّ بني هاشم لا ترضى أن يمشي قاتل محمّد على الأرض فتقع بينكم الحروب في حرمكم وتتفانوا .

    فقال آخر منهم : فعندي رأي آخر . قالوا : وما هو ؟ قال : نثبته في بيت ونلقي اليه قوته حتّى يأتي عليه ريب المنون ، فيموت ، كما مات زهير والنابغة وامرؤ القيس .

    فقال ابليس : هذا أخبث من الآخر ! قالوا : وكيف ذلك ؟

    قال : لأن بني هاشم لا ترضى بذلك ، فاذا جاء موسم من مواسم العرب استغاثوا بهم واجتمعوا عليكم فأخرجوه .

(729)

    قال آخر منهم : لا ، ولكنّا نخرجه من بلادنا ونتفرغ لعبادة آلهتنا .

    قال ابليس : هذا أخبث من الرأيين المتقدمين ! قالوا : وكيف ذلك ؟ قال :

    لانكم تعمدون الى أصبح الناس وجهاً وأنطق الناس لساناً وأفصحهم لهجة فتحملونه الى وادي العرب فيخدعهم ويسحرهم بلسانه ، فلا يفجأكم الا وقد ملأها عليكم خيلاً ورجلاً .

    فبقوا حائرين . . . ثمّ قالوا لابليس : فما الرأي فيه يا شيخ ؟ قال : ما فيه الاّ رأي واحد .

    قالوا : وما هو ؟ قال : يجتمع من كل بطن من بطون قريش واحد ، ويكون معهم من بني هاشم رجل ، فيأخذون سكّينة أو حديدة أو سيفاً فيدخلون عليه فيضربونه كلهم ضربة واحدة حتّى يتفرق دمه في قريش كلها فلا يسـتطيع بنو هاشم أن يطلبوا بدمه وقد شاركوا فيه ، فان سألوكم أن تعطوا الدية فاعطوهم ثلاث ديات . فقالوا : نعم وعشر ديات . . . ثمّ قالوا : الرأي رأي الشيخ النجدي . ونزل جبرئيل على رسول اللّه وأخبره الخبر(1) .

    وروى الطوسي في أماليه بسنده عن أبي عبيدة بن محمّد بن عمار بن ياسر حديثاً في مبيت علي عليه‏السلام على فراش رسول اللّه وهجرته الى المدينة ، صدره عن سنان بن أبي سنان عن هند بن أبي هالة ربيب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من خديجة ، وسايره عن أبيه محمّد بن عمار عن أبيه عمار بن ياسر ، وعن عبيد اللّه بن أبي رافع عن أبيه أبي رافع مولى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، قالوا :

 


(1) تفسير القمي 1 : 273 ـ 275 .

(730)

    انطلق ذوو الطول والشـرف من قريش الى دار الندوة ليرتأوا ويأتمروا في رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأسرّوا ذلك فيما بينهم .

    فقال بعضهم ـ وهم العاص بن وائل السهمي واُمية بن أبي خلف الجُمحي ـ نبني له علماً ويُترك بَرَحاً نستودعه فيه ، فلا يخلص اليه أحد من الصُباة فيه ، ولا يزال في رفق من العيش حتّى يتضيّفه ريب المنون .

    فقـال أبو سفيان وعتبة وشيبة ابنا ربيعة : إنا نرى أن نُرحل بعيراً صعباً ونوثق محمّداً عليه كتافاً وشـدّاً ، ثمّ نقصع البعير بأطراف الرماح فيوشك أن يقطعه بين الدكادك ارباً ارباً !

    فقال صاحب رأيهم : إنكم لم تصنعوا بقولكم هذا شيئاً ، أرأيتم إن خلص به البعير سالماً الى بعض الأفاريق فأخذ بقلوبهم سحره وبيانه وطلاقة لسانه فصبأ القوم اليه واستجابت القبائل له قبيلة فقبيلة ، فليسيرنّ اليكم حينئذٍ بالكتائب والمقانب ، فلتهلكُنّ كما هلكت اياد ومن كان قبلكم . قولوا قولكم .

    فقال أبو جهل : لكن أرى لكم أن تعمدوا الى قبائلكم العشرة فتندِبوا من كل قبيلة منها رجلاً نجداً ، ثمّ تسلّحوا سلاحاً عضباً ، وتتمهدّ الفتية حتّى اذا غسـق الليل وغوّر بيَّتُوا بابن أبيكبشة بياتاً ، فيذهب دمه في قبائل قريش جميعاً ، فلا يستطيع بنو هاشم وبنو المطلب مناهضة قبائل قريش في صاحبهم ، فيرضون حينئذٍ بالعقل(1)منهم .

    فقال صاحب رأيهم أصبت يا أبا الحكم . ثمّ أقبل عليهم فقال : هذا الرأي فلا تعدلُنّ به رأياً ، وأوكئوا في ذلك أفواهكم حتّى يستتبّ أمركم . ثمّ


(1) العقل هنا : الدية ، ومنه عاقلة الرجل .

(731)

خرج القوم .

 

    فسبقهم جبرئيل بالوحي بما كان من كيدهم .

 

علي عليه‏السلام والمبيت في فراش النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    لمّا أخبر النبيَّ جبرئيل عليه‏السلام بأمر اللّه في ذلك ووحيه وما عزم له من الهجرة ، دعا رسول اللّه علي بن أبي طالب لوقته فقال له : يا علي ، اِنّ الروح هبط عليّ يخبرني أن قريش اجتمعت على المكر بي وقتلي ، واِنّه اُوحي الي عن ربّي عزوجلّ أن أهجر دار قومي وأن أنطلق الى غار ثور تحت ليلتي ، وإنه أمرني أن آمرك بالمبيت على مضجعي لتُخفي بمبيتك عليه أثري ، فما أنت صانع ؟

    فقـال علي عليه‏السلام : أو تسلمنّ بمبيتي هناك يا نبيّ اللّه ؟ قال : نعم . فتبسّم علي ضاحكـاً وأهوى الى الأرض ساجداً شكراً لما أنبأه رسول اللّه به من سلامته ، فكان علي ـ صلوات اللّه عليه ـ أوّل من سجد للّه شكراً ، وأوّل من وضع وجهه على الأرض بعد سجدته من هذه الاُمّة بعد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

    فلمّا رفع رأسه قال له علي عليه‏السلام : إمض بما اُمرت ، فداك سمعي وبصري وسويداء قلبي ، ومُرني بما شئت . . . وإن توفيقي الا باللّه . . . فقال له : فارقد على فراشي واشتمل ببردي الحضرمي ، ثمّ اني اخبرك يا علي أن اللّه تعالى يمتحن أولياءه على قدر إيمانهم ومنازلهم من دينه ، فأشدّ الناس بلاءً الأنبياء ثمّ الأمثل فالأمثل ، وقد امتحنك يابن عم وامتحنني فيك بمثل ماامتحن به خليله ابراهيم والذبيح اسماعيل عليهماالسلام ، فصبراً صبراً ، فان رحمة اللّه قريب من المحسنين ، ثمّ ضمّه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى صدره وبكى وجداً به ،

(732)

وبكى علي عليه‏السلام جشعاً لفراق رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch10-01.htm