فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل التاسع

 

 

 

 

 

 

 

هجرة المسلمين الى المدينة

 

 

(716)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

إذن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لأصحابه بالهجرة الى المدينة :

    قال ابن شهر آشوب : كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لم يؤمر الاّ بالدعاء والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل ، فطالت قريش على المسلمين ، فلمّا كثر عتوّهم أَمر بالهجرة فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إنّ اللّه قد جعل لكم داراً تأمنون بها واخواناً .

    فخرجوا أرسالاً ، حتّى لم يبق مع النبيّ الا علي عليه‏السلام وأبو بكر(1) .

    وقال قبله محمّد بن اسحاق : كان رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ قبل بيعة العقبة لم يؤذن له في الحرب ولم تُحلل له الدماء ، إنما كان يؤمر بالدعاء الى اللّه والصبر على الأذى والصفح عن الجاهل .

 

    وكانت قريش قـد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتّى فتنوهم عن دينهم ونفوهم من بلادهم ، فهم بين مفتون في دينه ، وبين معذَّب في


(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 182 .

(717)

أيديهم وبين هارب في البلاد فراراً منهم : منهم من بأرض الحبشة ، ومنهم من بالمدينة ، وفي كل وجه .

 

    فلمّا عَتت قريش على اللّه عزّ وجل وردّوا عليه ما أرادهم به من الكرامة ، وكذّبوا نبيّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ ، وعذّبوا ونَفَوا من عبدَه ووحّده وصدّق نبيّه واعتصم بدينـه ، أذن اللّه عزّوجل لرسوله في (أخذ البيعة) للقتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم . . .

    لما أذن اللّه تعالى له في (أخذ البيعة) للحرب ، وبايعه هذا الحيّ من الأنصار على الاسلام والنصرة له ولمن تبعه وأوى اليهم من المسلمين ، أمر رسول اللّه أصحابه من المهاجرين من قومه ومن معه بمكّة من المسلمين بالخروج الى المدينة والهجرة اليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار ، وقال لهم : اِن اللّه عزّ وجل قد جعل لكم إخواناً وداراً تأمنون بها .

    فخرجوا أرسالاً (جمعاً فجمعاً) . وأقام رسول اللّه بمكّة ينتظر أن يأذن له ربّه في الخروج من مكّة والهجرة الى المدينة(1) .

 

هجرة أبي سلمة الى المدينة :

    كان من المسلمين المهاجرين الى الحبشة : أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد المخزومي مع اُم سلمة ، ومرّ أن عدداً منهم لما سمعوا باسلام جمع من قريش رجعوا الى مكّة فوجدوا الخبر كاذباً ، وأخذهم المشركون ليعذّبوهم ،


(1) سيرة ابن هشام 2 : 110 ، 111 . ومن المقارنة بين عبارة ابن شهر آشوب وابن اسحاق يبدو أن كلام ابن شهر آشوب انما هو مختصر ماذكره ابن اسحاق ، من دون اسناد .

(718)

فتفرّقوا . منهم أبو سلمة .

 

    وقال ابن اسحاق في النصّ السابق : منهم من بأرض الحبشة ومنهم مـن بالمدينة وفي كل وجه . ويفهم منه أن منهم من هاجر الى المدينة قبل بدء الهجرة وقبل بيعة العقبة ، وصرّح به ابن هشام فقال : كان قدم على رسول اللّه من أرض الحبشة ، فلمّا آذته قريش وبلغه اسلام مَن أسلم من الأنصار (في اللقاء الأوّل قبل العقبة الاولى) هاجر الى المدينة قبل بيعة أصحاب العقبة بسنة .

    ثمّ روى ابن اسحاق عن أبيه عن سلمة بن عبد اللّه عن أبيه عبد اللّه ابن عمر عن امه اُم سلمة قالت : لما أجمع ابو سلمة على الخروج الى المدينة جهَّز لي بعيرَه فأركبني ومعي ابني سلمة في حجري ، ثمّ خرج يقود بعيري .

    فلمّا رأته رجـال بني مخزوم قاموا اليه فقالوا : هذه نفسك غلبتَنا عليها ، فعلام نتركك تسير بصاحبتك ؟ ! ثمّ نزعوا خِطام البعير من يده فأخذوني منه . وقال رهط أبي سلمة : اذ نزعتموها من صاحبنا فلا نترك ابننا عندها . فتجاذبوا بُنيّ سلمة بينهم حتّى خلعوا يده وانطلق به رهط أبي سلمة . وحبسني أهلي عندهم . وانطلق زوجي أبو سلمة الى المدينة .

    قال : فكنت أخرج كلّ غداة فأجلس بالأبطح فما أزال أبكي حتّى اُمسي ، سنة أو قريباً منها .

    حتّى مرّ بي رجل من بني عمّي فرأى مابي فرحمني ، فقال لهم : ألا تُخرجون هذه المسكينة ، فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها ؟ فعند ذلك ردّوا إليّ ابني وقالوا لي : إن شئت فالحقي بزوجك .

    قالت : فارتحلت بعيري وابني في حجري ، وخرجت اُريد زوجي بالمدينة وما معي أحد من خلق اللّه ، وانما قلت (في نفسي) : أتبلَّغ بمن لقيت

(719)

حتّى أقدم على زوجي . فلمّا كنت بالتنعيم (على فرسخين من مكّة) لقيت عثمان بن طلحة من بني عبد الدار فقال لي : يابنت أبي اُمية الى أين ؟ فقلت : اُريد زوجي بالمدينة . قال : أوَما معك أحد ؟ قلت : لا واللّه الا اللّه وابني هذا . فقال : واللّه مالي أن أتركك ، ثمّ أخذ بِخطام البعير فانطلق بي ، حتّى اذا بلغ المنزل أناخ بي ثمّ تأخر عنّي ، حتّى اذا نزلت أخذ بعيري فحطّ عنه ثمّ قيّده في شجرة ، ثمّ تنحّى عنّي الى شجرة فاضطجع تحتها . فاذا دنا الرَّواح قام الى بعيري فقدَّمه ثمّ تأخّر عنّي وقال : اركبي ، فاذا ركبت أتى فأخذ بخِطامه فقاده ، فلم يزل يصنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة ، فلمّا نظر الى قرية بني عمرو بن عوف بقُباء ، قال : زوجُك في هذه القرية فادخليها على بركة اللّه . ثمّ انصرف راجعاً الى مكّة(1) .

 

 

المهاجرون بعد أبي سلمة :

    ثمَّ قدم المدينة من المهاجرين بعد أبي سلمة : عامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة .

    ثمّ عبد اللّه بن جَحْش مع أهله وأخيه عبد بن جَحْش وكان شاعراً ضرير البصر ، وكان صهر أبي سفيان على ابنته الفرعة ، وكانوا حلفاء بني اُميّة . وقال في ذلك شعراً .

    فكان منزل أبي سلمة ، وعامر بن ربيعة ، وعبد اللّه بن جَحْش ، وأخيه عبد بن جَحْش على مُبشّر بن عبد المنذر من بني عمرو بن عوف في


(1) سيرة ابن هشام 2 : 112 ، 113 بتصرف يسير في الألفاظ .

(720)

قُباء(1) .

 

    ثمّ خرج عمر بن الخطّاب ، وعياش بن أبي ربيعة المخزومي ، فروى ابن اسحاق عن نافع مولى عبد اللّه بن عمر ، عن عبد اللّه بن عمر ، عن أبيه عمر قال : لما أردنا الهجرة الى المدينة أنا وعياش بن أبي ربيعة وهشام ابن العاصي بن وائل السهمي ، تواعدنا (أشجار) التناضِب فوق (منزل) سرف (على ستة أميال من مكّة) وقلنا : أيّنا لم يصبح عندها فقد حُبس فليمض صاحباه . فأصبحت أنا وعيّاش بن أبي ربيعة عند (أشجار) التناضِب ، وحُبِس عنّا هِشام وفُتن فافتَتَن .

 

    فلمّا قدمنا المدينة نزلنا في بني عمرو بن عوف في قُباء .

    وكان عياش بن أبي ربيعة المخزومي ابن عمّ أبي جهل بن هشام المخزومي بل أخاه لاُمّه ، فخرج أبو جهل وأخوه الحارث حتّى قدما علينا المدينة ، وقالا له : إن امّك قد نذرت أن لا يَمسَّ رأسها مشط ولا تستظلّ من شمس حتّى تراك ! فقلت له : يا عياش إنه واللّه اِن يريدك القوم الا ليفتنوك عن دينك فاحذرهم . فقـال : اُبر قسمي ولي هناك مالٌ فآخذه ، فأبى الا أن يخرج معهما .

    فخرج معهما ، حتّى اذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل : ياأخي واللّه لقد استغلظتُ بعيري هذا أفلا تُعقِبني على ناقتك هذه ؟ قال : بلى . فأناخ وأناخا ليتحوّل ، فلمّا استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه ، ثمّ دخلا به مكّة وفتناه فافتَتَن .

    وكان عمر بن الخطّاب حين قدم المدينة قد نزل على رفاعة بن عبد


(1) سيرة ابن هشام 2 : 112 ـ 116 .

(721)

المنذر من بني عمرو بن عوف في قُباء ، ولحق به من أهله وقومه : اخوه زيد ابن الخطّاب ، وصهره خُنيس بن حُذافة السهمي ، وحُلفاؤهم : واقد بن عبد اللّه التميمي ، وخَوْليّ بن أبي خَوْليّ وأخوه مالك ، وسعيد بن زيد وإياس بن بُكير ، وإخوانه : عاقل وعامر وخالد . ونزل عثمان بن عَفان على أوس بن ثابت أخي حسّان بن ثابت من بني النجار .

 

    وهاجر عبد الرحمن بن عوف فنزل على سعد بن الربيع الخزرجي .

    وهاجر صُهيب بن سنان (الرومي) فروى ابن هشام عن أبي عثمان النهدي قال : لما اراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش : أتيتنا صُعلوكاً حقيراً فكثر مالك عندنا وبلغت الّذي بلغت ثمّ تريد ان تخرج بمالك ونفسك ؟ ! واللّه لا يكون ذلك ! فقال لهم صُهيب : أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلّون سبيلي ؟ ! قالوا : نعم . قال : فاني جعلت لكم مالي . ثمّ هاجر فنزل على خُبيب بن أسـاف الخزرجي بالسنُخْ ومعه طلحة بن عبيد اللّه . فلمّا بلغ رسولَ اللّه أمر صُهيب قال : رَبح صُهيب ! ربح صُهيب !

    ونزل الزبير بن العوّام على منذر بن محمّد من بني جحَْجَبي بالعُصْبة ، ومعه أبو سبرة . ونزل : مُصعب بن عُمير بن هاشم على سعد بن مُعاذ (هذه المرة) .

    وهاجر من بني عبد المطّلب : حمزة بن عبد المطّلب فنزل على أسعد ابن زرارة (مكان مصعب) . وهاجر معه موالي رسول اللّه : زيد بن حارثة وأبو كبشة ، وأنَسَة ، وحليفا حمزة : ابو مِرثد الغَنَوي وابنه مِرثد ، فنزلوا على كلثوم بن هِدم من بني عمرو بن عوف في قُباء ، أو : سعد بن خَيْثمة ، وكان عزباً فنزل عليه العُزّاب منهم .

    ومن بني المطّلب : مِسطح بن اُثاثة بن عبّاد بن المطّلب ، وبنو الحارث

(722)

ابن المطّلب . عبيدة وأخواه الطفيل والحُصين . ومعهم سُويبط بن سعد من بني عبد الدار ، وطليب بن عمير ، وخَبّاب (بن الأرَت) مولى عتبة بن غزوان ، فنزلوا على عبد اللّه بن سلمة في قُباء .

 

    ونزل مولى خبّاب : عتبة بن غزوان وابو حذيفة عتبة بن ربيعة ، وسالم مولاه ، على عبّاد بن بِشر من بني عبد الأشهل .

    ولم يتخلّف بمكّة أحد من المهاجرين الا من حُبس أو فتن ، الا عليّ ابن أبي طالب وأبو بكر بن أبي قحافة . وأقام رسول اللّه بمكّة بعد أصحابه من المهاجرين ينتظر أن يؤذن له في الهجرة(1) .

    وعُلم من هنا أن حمزة بن عبد المطلب ، وعبيدة بن الحارث بن المطّلب واخوانه وموالي رسول اللّه : زيد بن حارثة وأبا كبشة وأنسة كانوا قد هاجروا ، ولعلّ ذلك كان قبل بيعة العقبة الاولى فضلاً عن الثانية ولذلك لا يوجد لهم ذكر أو أثر فيها ، بل روى ابن اسحاق أنّ العبّاس حضرها يتوثق لابن أخيه وهو على دين قومه ، وقد مرّ الكلام فيه .

 

    وقد ذُكر عن ابن عباس قال : كان أبي من المستضعفين من الرجال ، واُمّي كانت من المستضعفات من النساء ، وكنتُ أنا من المستضعفين من الولدان ، غلاماً صغيراً(2) ويقصد بالمستضعفين قوله سبحانه : « إنّ الّذين توفّاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قـالوا فيم كنتم قالوا كنّا مستضعفين في الأرض قـالوا ألـم تكن أرضُ اللّه واسعـة فتهاجروا فيها فاُولئك مـأواهم جهنّم وساءت مصيراً إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا


(1) سيرة ابن هشام 2 : 118 ـ 123 .

(2) مجمع البيان 3 : 150 .

(723)

يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيـلاً فاولئك عسى اللّه أن يعفو عنهم وكـان اللّه عفوّاً غفوراً »(1) فإنْ صحّ قوله عن نفسه واُمّه فاللّه أعلم بأبيه .

 



(1) النساء : 97 ـ 99 .

(724)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch09.htm