فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

كان العبّاس يحضر النبيّ ويتَوثّق له :

    وكما روى ابن اسحاق هنا عن معبد بن كعب عن أخيه عبد اللّه بن كعب عن أبيه كعب بن مالك الخزرجي : أن العباس كان يجالس رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في المسجد الحرام أيام الموسم ويعرفه بالناس . . . يستمرّ فيروي عنه : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جاءنا ـ في العقبة الثانية ـ ومعه عمه العباس بن عبد المطّلب وهو يومئذٍ على دين قومه ، الا أ نّه أحبّ أن يحضر أمر ابن اخيه ويتوثّق له .

    فلمّا جلس كان أوّل من تكلم العباس فقال : يامعشر الخزرج : اِنّ محمّداً منّا حيث قد علمتم ، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عزٍّ من قومه ومَنَعةٍ في بلده( ؟ !) وانه قد أبى الاّ الانحياز اليكم واللحوق بكم( ؟) فان كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه ومانعوه ممن خالفه ، فانتم وما تحمّلتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعـد الخروج به اليكم ، فمن الآن فدعوه ، فانّه في عزّ ومنَعةٍ من قومه وبلده ( ؟ !) .

    فقلنا له : قد سمعنا ما قلت . فتكلَّمْ يا رسولَ اللّه فخُذْ لنفسك ولربّك ما أحببت .

    فتكلم رسول اللّه فتلا القرآن ودعا الى اللّه ورغَّب في الاسلام ثمّ


(1) سيرة ابن هشام 2 : 81 ، 82 .

(710)

قال : اُبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءَكم وأبناءكم(1) .

 

    ثمّ يروي عن عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ قومه قالوا : اِنّ القوم لما اجتمعوا لبيعة رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ قال العباس بن عُبادة بن نضلَةَ الأنصاري : يا معشر الخزرج ، هل تدرون علامَ تبايعون هذا الرجل ؟ قالوا : نعم ، قال : إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس ، فان كنتم ترون أ نّكم إذا نُهكَت أموالكم مصيبةً وأشرافُكم قتلاً أسلمتموه فمن الآن ، فهو ـ واللّه إن فعلتم ـ خزي الدنيا والآخرة ، واِن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه اليه على نَهْكَةِ الأموال وقَتْل الأشراف فخذوه ، فهو ـ واللّه ـ خير الدنيا والآخرة .

 

    قـالوا : فانّا نأخـذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف . فمالنا بذلك يا رسول اللّه اِن نحن وفينا بذلك ؟ قال : الجنة . قالوا : ابسط يدك ، فبسط يده فبايعوه .

    وما قال ذلك العباس الا ليشدّ العقد لرسول اللّه في أعناقهم (2) .

    وكأنه يروي الخبر كذلك عن عبد اللّه بن أبي بكر ، وأ نّه قال في آخر الخبر : قال ذلك العباس ليؤخر القوم تلك الليلة رجاء أن يحضرها عبد اللّه ابن اُبيّ بن سلول ، فيكون أقوى لأمر القوم (3) وكأن ابن اسحاق تخيّل اختلافاً بين القولين فقال : فاللّه أعلم أيّ ذلك كان .

 

    فان كان بين القولين خلاف في ارادة العباس بن عبادة بقوله ذلك


(1) سيرة ابن هشام 2 : 84 .

(2) سيرة ابن هشام 2 :88 ، 89 .

(3) ابن هشام 2 : 89 .

(711)

تأخير القوم تلك الليلة يرجو أن يحضرها عبد اللّه بن اُبيّ بن سَلول . فلا خلاف في أ نّه قال ذلك ليشدّ العقد لرسول اللّه ويقوي أمره وأمرهم ، سواء أراد ذلك من خِلال حضور ابن سَلول أم لا . هذا ، ولكن قول ابن أبي بكر يدل على أنّ طلب رسول اللّه منهم البيعة على «بيعة الحرب» لم يكن طلباً قد تقدّم به الى القوم من ذي قبل بل كأ نّه فاجأهم أو فاجأ جمعهم بذلك .

 

    وتتقارب مقالة العباس بن عُبادة مع مقالة العباس بن عبد المطلب ، وكلاهما يريد شدّ العقد لرسول اللّه ويتوثق له ، فيقول أحدهم : وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه فمن الآن فدعوه . ويقول الآخر : فان كنت ترون أنكم اذا . . . أسلمتموه فمن الآن . وكلّ من المقالتين للرّجلين في روايتين ، ولا تجمعهما رواية واحدة . فهل كان كلاهما ؟ أو أحدهما ؟ وان كان أحدهما فهل هو العباس بن عبادة أو العباس بن عبد المطّلب ؟

    وهل صحيح ماجاء فيما رُوي عن العباس عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه في عزّ مـن قومه ومَنَعة في بلده ؟ ! وأ نّه قد منَعه عن قومه ممن هو على مثل رأيه ؟ ! كما في النص . وهل صحيح أ نّه : أبى الا الانحياز الى الخزرج واللحوق بهم ؟ ! وهل كانت هجرته مجاهراً بها منذ بيعة العقبة الثانية ؟ ! بل يقول ابن اسحاق : وأقام رسول اللّه بمكّة ينتظر أن يأذن له ربّه في الخروج والهجرة من مكّة الى المدينة(1) .

    أم أن الصحيح هي رواية عاصم بن عمر بن قَتادة عن أشياخ قومه ورواية عبـد اللّه بن أبي بكر ، وأن المتكلم كان العباس بن عبادة ، لا العباس بن عبـد المطّلب على رواية معبد بن كعب . ولا ننسى أن هذه


(1) سيرة ابن هشام 2 : 111 .

(712)

السيرة لابن اسحاق اختصره من كتابه الكبير في التاريخ الّذي صنّفه للمهديّ بن المنصور العبّاسي بأمر المنصور(1) .

 

 

قصة صنم عمرو بن الجَموح :

    ومن القصص المروية في أخبار إسلام الأنصار : قصة معاملة مُعاذ بن عمرو بن الجموح مع صنم أبيه عمرو بن الجَموح ، قالوا : كان الأشراف يتّخذون لأنفسهم آلهة يطهّرونها ويعظّمونها ، وكان عمرو بن الجَموح سيّداً من سادات بني سلمة وشريفاً من أشرافهم ، وكان قد اتّخذ في داره صنماً من خشب يسمّيه مَناة (أي الآلهة الّتي يُمنى أي يراق لديها الدماء قرباناً لها) وكان ابنه مُعاذ بن عمرو بن الجَموح ممّن شهد العقبة وبايع رسول اللّه بها ، فكان هو وأصحابه يُدلجون بالليل على صنم عمرو بن الجَموح فيحملونه فيطرحونه في بعـض حُفر بني سلمة منكَّساً على رأسه . فاذا أصبح عمرو غدا يلتمسه ، حتّى اذا وجده غسله وطهّره وطيّبه . فاذا أمسى عمرو عَدوا عليه ففعلوا به مثل ذلك ، فيغدو فيجده في مثل ما كان فيه من الأذى ، فيغسله ويطهّره ويطيّبه . ثمّ إذا أمسى يعدون عليه فيفعلون به مثل ذلك ، فاستخرجه من حيث ألقوه فغسله وطهّره وطيَّبه ، ثمّ جاء بسيفه فعلّقه عليه ثمّ قال له : اِني واللّه ما أعلم من يصنع بك ما ترى ، فان كان فيك خير فامتنع فهذا السيف معـك . فلمّا أمسى ونام عمرو ، عدوا عليه فأخذوا


(1) مقدمة سيرة ابن هشام 1 : ط ، ي . وزاد عليه اليعقوبي ـ مولى بني العباس ـ فقال : قال العباس للنبيّ : دعني فداك أبي واُمي آخذ العهد عليهم ، فجعل ذلك اليه ، فأخذ عليهم العهود والمواثيق . اليعقوبي 2 : 31 .

(713)

السيف من عنقه ثمّ ألقوه في بئر من آبار بني سلمة ثمّ أخذوا كلباً ميتاً فقرنوه به بحبل . فلمّا غدا عمرو خرج تَتَبّعه حتّى وجده في تلك البئر منكّساً مقروناً بكلب ميت ، فلمّا أبصره ورآه قال يذكر صنمه ذلك وما أبصر من أمره :

 

 واللّه لو كنتَ الهاً لم تكن  أنت وكلْبٌ وَسْطَ بئرٍ في قَرَنْ
 اُفٍّ لَملْقاك الهاً مستَدَنْ  الآنَ فتَّشناك عن سوء الغَبَنْ

وكلّمه من أسلم من رجال قومه ، فأسلم برحمة اللّه وحَسُن اسلامه(1) .



(1) سيرة ابن هشام 2 : 95 ، 96 .

(714)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch08-03.htm