فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

 السورة الخامسة والثمانون ـ «العنكبوت» :

    « الآم أحسب الناس أن يُتركوا أن يقولـوا آمنـا وهـم لايُفتنون ولقـد فتنّا الّذين من قبلهم فلَيعلمنَّ اللّه الّذين صدقوا وليَعلَمنّ الكاذبين »(2) .

    روى الطبْرسي في «مجـمع البيان» عن الشِعبي : أن الآية نزلت في اُناس مسلمين كانوا بمكّة فخرجوا الى المدينة فاتبعهم المشركون فآذوهم ، فمنهم من نجا ومنهم من قُتل . وعن ابن عباس : أ نّه أراد بـ «الناس» : الّذين آمنوا بمكّة : عمار بن ياسر ، والوليد بن الوليد بن المغيرة المخزومي ، وعياش ابن أبي ربيعة المخزومي ، وسلمة بن هشام المخزومي . وعن ابن جريج : أن الآية نزلت في عمار بن ياسر ، وكان يعذَّب في اللّه(3) .

 

    ولعل هذا هو مورد مارواه الكشي في رجاله بسنده عن الليث بن سعد (كاتب الواقدي) عن عمر مولى غفرة قال : حُبس عمار فيمن حُبس وعُذّب ، فانفلت فيمن انفلت من الناس ، فقدم على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال :


(1) مجمع البيان 8 : 461 ، 462 والكشاف للزمخشري 3 : 214 .

(2) العنكبوت : 1 ، 2 .

(3) مجمع البيان 8 : 427 .

(682)

أفلح أبو اليقظان ! قال : ما أفلح ولا أنجح لنفسه ، لأنهم لم يزالوا يعذّبونه حتّى نال منك !(1) .

 

    ومـا أخرجه السيوطي عن ابن عباس قال : لمّا أراد الرسول أن يهاجر الى المدينة قال لأصحابه . . . فأصبح بلال وخبّاب وعمّار . . . فأخذهم المشركون . . . وأمّا عمار فقال لهم كلمة أعجبتهم ، تقية . . . ثمّ خلّوا عنهم(2) .

 

    فهذه الأخبار تناسب هذه الفترة وهذه المرة أي حين الهجرة ، ولا ترتبط بما حدث له في المرة الاولى حين نزول سورة النحل أواخر أيام حِصار الشِعب ، من تعذيب مشركي قريش له ولوالديه وقتلهما وتقيّته وافلاته بها ، وقول الرسول له يومئذٍ «ان عادوا لك فعُد لهم» مشيراً الى تكرار الأمر هذه المرة حين الهجرة ، فكان كما أشار وألمح صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

    وعليه فما في الخبر عن ابن عباس : «أن أبا جهل أسر عماراً وبقر بطن اُمه» وما في آخره : «أن النبيّ جعل يمسح عينيه ويقول : «إن عادوا لك فعُد لهم بما قلت» خلط ووَهْم ، اذ كيف يقول له الرسول ذلك في المدينة بعد الهجرة حيث لا يتوقع عودة مشركي قريش الى تعذيب عمار ؟ ! وكذلك أيضاً مـا في آخر خبر الكشي عن ابن سعد كاتب الواقدي : أنه قال له : «إن سألوا من ذلك فزدهم» إذ كيف يسألونه ذلك بعد أن قدم على رسول الله المدينة كما في الخبر .

    كما أن ذيل خبر السيوطي : «ثم خلّوا عن بلال وخبّاب وعمّار


(1) رجال الكشي : 35 ط مشهد .

(2) الدر المنثور 4 : 132 .

(683)

فلحقوا برسول الله فأخبروه بالذي كان من أمرهم . . . وأنزل الله : « إلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان » خلط لما نزل من القرآن في عمار في المرة الاولى ـ في سورة النحل ـ بما كان على عمار وصاحبيه بلال وخبّاب في هذه المرة الثانية حين هجرتهم الى المدينة، مما يستلزم استثناء هذه الآيات من مكية سورة النحل بلا موجب . كما مرّ ذلك عند الكلام حول الآيات من سورة النحل .

 

    ومنها قوله سبحانه : « ووصّينا الانسـان بوالديه حُسناً واِن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمـا اليّ مرجعكم فاُنبئكم بما كنتم تعملون والّذين آمنـوا وعملوا الصالحات لنُدخِلَنَّهُم في الصـالحين ومـن الناس من يقول آمنّا باللّه فاذا اُوذي في اللّه جعل فتنة الناس كعذاب اللّه ولئن جاء نصر من ربّك ليقولنّ انا كنا معكم أو ليس اللّه بأعلـم بمـا في صدور العالمين وليعلمنّ اللّه الّذين آمنوا وليعلمنّ المنافقين »(1) .

    روى السيوطي في «الدر المنثور» عن سعـد بن أبي وقاص قال : قالت اُمي : لا آكل طعاماً ولا أشرب شراباً حتّى تكفر بمحمّد ، فامتنعتْ من الطعام والشراب ، فنزلت الآية : « ووصّينا الانسان بوالديه حسناً » .

 

    وروى الطبْرسي في «مجمع البيان» عن الكلبي قال : نزلت الآية « ومن الناس من يقول آمنا باللّه » في عيّاش بن أبي ربيعة المخزومي ، وذلك أ نّه أسلم فخاف أهل بيته فهاجر الى المدينة قبل أن يهاجر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فحلفت اُمه أسماء بنت مخزمة التميمي : أن لا تأكل ولا تشرب ولا تغسل رأسها ولا تدخل بيتاً حتّى يرجع اليها .


(1) العنكبوت : 8 ـ 11 .

(684)

    فلمّا رأى ابناها ابو جهل بن هشام والحرث بن هشام جزعها ، ركبا في طلبه حتّى أتيا المدينة ، فلقياه وذكرا له القصة ، فلم يزالا به حتّى أخذ عليهما المواثيق أن لا يصرفاه عن دينه ، فتبعهما .

    فلمّا خرجا به من المدينة أخذاه وأوثقاه كتافاً وجلداه حتّى برى‏ء من دين محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جزعاً من الضرب وقال ما لا ينبغي ، فنزلت الآية(1) .

    وعليه فالآية تتنبّأ عن عودته عند حصول نصر اللّه لرسوله ، ثمّ لا تستبعد الآية أن يكون مؤمناً بباطنه فاللّه أعلم به ، وكذلك كان ، فان تمام خبر الطبْرسي عن الكلبي : أ نّه لما هاجر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والمؤمنون الى المدينة هاجـر عياش وحسن اسلامه وحيث كان أشد أخويه عليه الحرث لذلك كان عياش قد حلف لئن قدر عليه خارجاً من الحرم ليضربن عنقه ، وأسلم الحرث وهاجر الى المدينة وبايع النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على الاسلام ، وكان عياش خارجاً عـن المدينة فلم يشعر باسلامه حتّى لقيه يوماً بظهر قُبا فضرب عنقه ، ولما علم باسلامه بكى واسترجع ، ونزلت فيه : « وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمناً الا خطأً »(2) فأنبأت عن ايمانهما . وعليه فلعل الاشارة بالمنافقين الى السابق : سعد بن أبي وقاص بلحاظ ما بعد النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

    وبعدها قوله سبحانه : « وقال الّذين كفروا للذين آمنوا اتّبعوا سبيلنا ولْنحمل خطاياكـم وما هم بحاملين من خطاياهم من شيء إنهم لكاذبون وليحملُنّ أثقـالهم وأثقالاً مع أثقالهم وليسئلن يوم القيامة عما كانوا


(1) مجمع البيان 8 : 429 .

(2) مجمع البيان 8 : 429 ، 430 .

(685)

يفترون »(1) .

 

    قال القمي في تفسيرها : كان الكفار يقولون للمؤمنين : كونوا معنا ، فان الّذي تخافون انتم ليس بشيء ، فان كان حقاً فانا نتحمل ذنوبكم . فيعذبهم اللّه مرتين مرة بذنوبهم ومرة بذنوب غيرهم(2) .

 

    ومنها قوله سبحانه : « ياعبادي الّذين آمنوا اِنّ أرضي واسعة فايّاي فاعبدون »(3) روى الطبْرسي في «مجمع البيان» عن مقاتل والكلبي قالا : نزلت في المستضعفين من المؤمنين بمكّة اُمروا بالهجرة عنها(4) .

 

    ومنها قوله سبحانه : « وكأيٍّ من دابّة لا تحمل رزقهـا اللّه يرزقهـا واياكم وهو السميع العليم »(5) روى الطبْرسي في «مجمع البيان» عن مقاتل والكلبي قالا : نزلت في جماعة كان يؤذيهم المشركون بمكّة فاُمروا بالهجرة الى المدينة ، فقالوا : كيف نخرج اليها وليس لنا بها دار ولا عقار ، ومن يطعمنا ومن يسقينا ؟ فنزلت فيهم(6) .

 

    وتختم السورة توصيتها المسلمين بالصبر والجهاد بقوله سبحانه : « والّذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن اللّه لمع المحسنين » .

 


(1) العنكبوت : 12 ، 13 .

(2) تفسير القمي 2 : 149 . وروي السيوطي في الدر المنثور بسنده عن محمّد بن الحنفية قال : كان ابو جهل وصناديد قريش اذا جاء الناس يسلمون يتلقونهم فيقولون : انّه يحرم الخمر ويحرم الزنا فارجعوا ونحن نحمل أوزاركم فنزلت الآية .

(3) العنكبوت : 56 .

(4) مجمع البيان 8 : 455 .

(5) العنكبوت : 60 .

(6) مجمع البيان 8 : 455 .

(686)

    واختلف الخبر هنا عن ابن عباس في آخر سورة نزلت بمكّة قبل الهجرة ، فبينما يروي الطبْرسي في «مجمع البيان» عن الحاكم الحسكاني عن عطاء عن ابن عباس أ نّه ذكر في آخر السور المكية بعد العنكبوت : سورة المطفّفين(1) وكذلك الزركشي في «البرهان» والسيوطي في «الاتقان»(2) وابن النديم في «الفهرست» عن محمّد بن النعمان بن بشير الأنصاري ، ولكنه قال : ويقال انها مدنية(3)والسيوطي في «الاتقان» نقل خبراً آخر عن ابن عباس وآخر عن البيهقي عن عِكرمة عن ابن عباس ، اختلفا في ترتيب السور ولكنهما اتّفقا على اعتبار سورة المطفّفين من السور المدنية بخلاف الخبر السابق الّذي ذكر أنها مكية(4) وأضاف الطبْرسي في «مجمع البيان» القول بذلك عن الحسن والضحاك(5) وأضاف عن عكرمة عن ابن عباس سبباً لنزولها قال : لما قدم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً ، فأنزل اللّه عزّ وجل : « ويل للمطفّفين » فأحسنوا الكيل بعد ذلك . وروى عن السُدي قال : لمّا قدم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المدينة كان بها رجل يقال له أبو جهينة ومعه صاعان يكيل بأحدهما ويكتال بالآخر ، فنزلت الآيات(6) بل في رواية أبي الجارود في «تفسير القمي» عن أبي جعفر الباقر عليه‏السلام قال : نزلت (سورة المطفّفين) على نبيّ اللّه حين قدم المدينة وهم يومئذ أسوأ الناس كيلاً ،


(1) مجمع البيان 10 : 613 .

(2) الاتقان : 1 : 11 عن ابن ضريس من القرن الخامس .

(3) الفهرست : 37 ط مصر .

(4) الاتقان 1 : 10 .

(5) مجمع البيان 10 : 685 .

(6) مجمع البيان 10 : 687 .

(687)

فأحسنوا الكيل(1) وهذا هو معنى مارواه عكرمة عن ابن عباس . فهو المختار .

 

    وعليه فان آخر مانزل من القرآن بمكّة هي سورة العنكبوت ، وفيها الأمر بالهجرة كما مر ، فأمر الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أصحابه بالهجرة فهاجروا زرافات ووحداناً ، ولحق هو بهم .


(1) تفسير القمي 2 : 410 .

(688)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch07-04.htm