فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل السابع

 

 

 

 

 

 

 

الهجرة الى الطائف

 

(642)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يعرض نفسه على القبائل :

    وله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هِجرات الى بعض القبائل قبل الطائف ، فقد نقل المعتزلي أ نّه عقيب وفاة أبي طالب ، اُوحي اليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أن اخرج منها فقد مات ناصرك .

    فخرج الى بني عامر بن صعصعة ومعه علي عليه‏السلام وحده ، فعرض نفسه عليهم وسألهم النصر وتلا عليهم القرآن ، فلم يجيبوه . فعادا الى مكّة . وكانت مدة غيبته في هذه الهجرة عشرة أيام ، وهي أوّل هجرة هاجرها بنفسه(1) .

    وروى عن المدائني عن المفضل الضُبّي : أن رسول اللّه لما خرج عن مكّة يعرض نفسه على قبائل العرب ، خرج الى ربيعة ، ومعه علي عليه‏السلام وأبو بكر ، فدفعوا الى مجلس من مجالس العرب . وكان أبو بكر نسّابة فتقدم فسلّم ، فردّوا عليه السلام فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من ربيعة ، قال : أمن


(1) شرح النهج 4 : 128 .

(643)

هامتها أم من لهازمها(1) قالوا : من هامتها العظمى ، فقال : من أيّ هامتها العظمى أنتم ؟ قالوا : من ذُهل الاكبر ، قال : أفمنكم عَوف الّذي يقال : لا حرّ بوادي عَوف ؟ قالوا : لا ، قال : أفمنكم بِسطام ذو اللواء ومنتهى الأحياء ؟ قالوا : لا ، قال : أفمنكم جَسّاس حامِي الذّمار ومانع الجار ؟قالوا : لا ، قال : أفمنكم الحوفزان قاتل الملوك وسالبها أنفسها ؟ فقالوا : لا ، قال : أفمنكم المزدلف صاحب العمامة الفردة ؟ قالوا : لا ، قال : أفأنتم أخوال الملوك من كِندة ؟ قالوا : لا ، قال : فلستم اذن ذُهلاً الاكبر ، أنتم ذهل الأصغر .

 

    فقام اليه غلام قد بَقَل وجْهُه(2) اسمه دَغْفِل فقال : ياهذا انك قد سألتنا فأجبناك ولم نكتمك شيئاً ، فممّن الرجـل ؟ قال : من قريش ، قال : بخ بخ أهل الشرف والرياسة ، فمن أي قريش أنت ؟ قال : من تيم بن مرة قال : أمكنت واللّه الرامي من صفاء الثُغرة ، أفمنكم قصيّ بن كلاب الّذي جمع القبائل من فهر فكـان يُدعى مجمِّعاً ؟ قال : لا ، قال : أفمنكم هاشم الّذي هشم لقومه الثريد «ورجال مكّة مسنتون عجاف» ؟ قال : لا ، قال : أفمنكم شيبة الحمد مطعم طير السماء الّذي كـان في وجهه «قمر يضيء ظلام ليل داج» قال : لا ، قال : أفمن المفيضين بالناس أنت ؟ قال : لا ، قال : أفمِن أهل النّدوة أنت ؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل الرِّفادة أنت ؟ قال : لا ، قال : أفمن أهل الحجابة أنت ؟ قال : لا ، قال :أفمن أهل السّقاية ؟ قال أبو بكر : لا ثمّ اجتذب زمام ناقته هارباً من الغلام راجعاً الى رسول اللّه ، فقال دَغْفِل : «صادفَ دَرْءَ السيلِ دَرْءٌ يصدعُهْ» أمّا واللّه لو ثبتَّ لأخبرتُك أ نّك من


(1) اللهازم : اُصول الحنكين كنّى بها عن الوسط في مقابل الهامة اي الرأس .

(2) بَقَل : أنبت .

(644)

زَمَعات قريش . فذهب قوله مثلاً . وقال علي عليه‏السلام لأبي بكر : ياأبا بكر لقد وقعت من الأعرابي على باقعة . قال : أجل ، اِنّ لكل طامّة طامّة ، والبلاء موكل بالمنطق . فذهب قوله كذلك مثلاً(1) .

 

    وهاجر صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى بني شيبان ، فما اختلف أحد من أهل السيرة أنّ علياً عليه‏السلام وأبا بكر كانا معه ، وأنهم غابوا عن مكّة ثلاثة عشر يوماً ، ولما لم يجدوا عند بني شيبان ماأرادوا من النُصرة عادوا الى مكّة(2) .

 

    ولقد هاجر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن مكّة مراراً يطوف على أحياء العرب وينتقل من أرض قوم الى غيرها ، وكان علي عليه‏السلام معه دون غيره(3) .

 

 

هجرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الطائف :

    وأما هجرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الطائف فكان معه علي عليه‏السلام وزيد بن حارثة ، في رواية أبي الحسن المَدائني ، نعم لم يروه محمّد بن اسحاق . وغاب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن مكّة في هذه الهجرة أربعين يوماً(4) .

    وقال ابن اسحاق : خرج رسول الله ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] ـ وسلّم إلى الطائف يلتمس النّصر من ثقيف والمنعَة بهم من قومه ، ورجاء أن يقبلوا


(1) شرح النهج للمعتزلي 4 : 126 ـ 127 ، وروى الخبر قبله الميلاني في مجمع الأمثال : 17 ، 18 .

(2) شرح النهج للمعتزلي 4 : 126 ط دار المعارف ـ ابوالفضل ابراهيم .

(3) شرح النهج 4 : 125 ، 126 .

(4) شرح النهج 4 : 127 ، 128 . وفي 14 : 96 نقل عن الطبري أنه أقام بالطائف عشرة أيام ، وقيل ... شهراً ، وذلك في شوال من سنة عشر للنبوة . ولم أجده في الطبري .

(645)

منه ما جاءهم به من اللّه عزّوجلّ .

 

    وروى عن محمد بن كعب القُرظي(1) قال : لما انتهى رسول الله ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] ـ وسلّم إلى الطائف عمَد الى نفر من ثقيف هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم ، وهم اِخوة ثلاثة : عبد ياليل بن عمرو ، ومسعود بن عمرو ، وحبيب بن عمرو .

    فجلس اليهم رسول الله ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] ـ وسلّم فدعاهم الى اللّه وكلّمهم بما جاءهم له من نصرته على الاسلام والقيام معه على من خالفه من قومه .

    فقال له أحدهم : أنا أمرط(2) ثياب الكعبة اِن كان الله أرسلك !

    وقال الآخر : أما وجد اللّه أحداً يُرسله غيرك ؟ !

 

    وقال الثالث : واللّه لا اُكلّمك أبداً ، لئن كنت رسولاً من اللّه ـ كما تقول ـ لأنت أعظم خطراً من أن أردّ عليك الكلام ، ولئن كنت تكذب على اللّه ما ينبغي لي أن اُكلّمك(3) . فقام رسول اللّه من عندهم وقد يئس من خير ثقيف .

    وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم ، فأخذوا يصيحون به ويسبّونه ، حتّى ألجؤوه الى حائط (بستان) لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ، وهما فيه ، ورجع عنه مَن كان يتبعه من سفهاء ثقيف .


(1) القُرظي منسوب الى بني قريظة بالمدينة ، ولد سنة أربعين وتوفي سنة 120 يروي عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما .

(2) أمرط : أنزع وأرمي به .

(3) وذكر اليعقوبي خبر هؤلاء الاخوة الثلاثة 2 : 36 .

(646)

 

لجوء النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى حائط بني مخزوم :

    فعمد الى ظلّ حَبَلة من عِنَب فجلس اليه ، فلما اطمأن قال : «اللهم اليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهـواني على الناس ، يا أرحم الراحمين ، أنت ربّ المستضعفين ، وأنت ربّي . الى مَن تكِلني ؟ إلى بعيد يتجهّمني(1) أم الى عدوٍّ ملّكته أمري ؟ . اِن لم يكن بك عليّ غضب فلا اُبالي ، ولكن عافيتك هي أوسع لي . أعوذ ـ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ـ من أن تُنزل بي غضبَك أو يحِلّ عليّ سخطك ، لك العتبى حتّى ترضى ، ولا حول ولا قوة اِلاّ بك» .

    فلمّا رآه ابنا ربيعة : عُتبة وشيبة ، ورأيا ما لقي ، تحركت له رَحِمهما ، فدعوا غلاماً لهما نصرانياً يقال له «عَدَّاس» فقالا له : خذ قِطفا من هذا العنب فضَعْه في هذا الطبق ثمّ اذهب به الى ذلك الرجل فقل له : يأكل منه . ففعل عَدَّاس ثمّ أقبل به حتّى وضعه بين يدي رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ ثم قال له : كُلْ : فلما وضع رسول الله فيه يده قال : باسم اللّه ثم أكل ، فنظر عَدَّاس في وجهه ثم قال : واللّه إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذهِ البلاد . فقال له رسول اللّه : ومن أهل أيّ البلاد أنت يا عَدَّاس وما دينك : قال : نصراني من أهل نينوى . فقال رسول اللّه : من قرية الرجل الصالح يونس بن متّى ؟ فقال له عَدّاس : وما يدريك ما يونس بن متّى ؟ فقال رسول اللّه : ذاك أخي ، كان نبيّاً وأنا نبيّ . فاكبّ عَدّاس على


(1) تجهّمه : استقبله بوجه كريه .

(647)

رسول اللّه يقبّل رأسه ويديه وقدميه(1) .

 

    فلمّا رجـع عَدّاس قال له ابنا ربيعة : ويلك يا عَدّاس مالك تقبل رأس هذا الرجل وقدميه ؟ !

 

    قال يا سيديّ ما في الأرض أحد خير من هذا ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلاّ نبيّ !

    قالا له : ويحك يا عدّاس لا يصرفنّك عن دينك فان دينك خيرٌ من دينه ! .

    ولما يئس رسول اللّه من خير ثقيف انصرف راجعاً من الطائف الى مكة(2) .

    ثم روى ابن اسحاق اخبارا عن عرضه نفسه على القبائل في موسم العمرة أو الحج ، وكأن هذه الأخبار عن فعله