(1) أي : كما ينفي الطبّاخ الخشب الجيّد عن الاحتراق .

(2) مناقب آل أبي طالب 1 : 65ـ 67 ونقل المقطوعة والّتي قبلها السيد هاشم البحراني في حلية الأبرار 1 : 62ـ 64 عن المستدرك لابن بطريق عن مغازي ابن اسحاق .

(3) قصص الأنبياء : 329 .

(627)

بليل !ورجع أبو طالب الى الشِعب وخرج منه هو والنبيّ ورهطه ، وخالطوا الناس(1) والظاهر أ نّه نقله من كتاب شيخه الطَبرْسي : «إعلام الورى»(2) .

 

    وذكر الخبر ابن هشام في سيرته قال : ذكر بعض أهل العلم : أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لأبي طالب : يا عمّ ، اِنّ ربّي اللّه قد سلّط الأرَضَةَ على صحيفة قريش ، فلم تدع فيها اسماً للّه الا أثبتته فيها ، ونفت منها الظلم والقطيعة والبهتان .

 

    فقال : أربّك أخبرك بهذا ؟ قال : نعم ، قال : فواللّه ما يدخل عليك أحد .

    ثمّ خرج الى قريش ، فقال : يا معشر قريش ، اِنّ ابن أخي أخبرني بكذا وكذا ، فهلمّ صحيفتكم ، فان كان كما قال ابن أخي فانتهوا عن قطيعتنا وانزلوا عمّا فيها ، وان كـان كاذباً دفعت اليكم ابن أخي . فقال القوم : رضينا ، فتعاقدوا على ذلـك ثمّ نظروا ، فاذا هي كما قال رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ فزادهم ذلك شراً .

    فعند ذلك صنع الرهط من قريش في نقض الصحيفة ما صنعوا(3) .

    ونقل الخبر السيد هاشم البحراني عن كتاب «المستدرك» ليحيى بن الحسن ابن البطريق الحلي عن كتاب «المغازي» لابن اسحاق قال : ثمّ اِن اللّه أرسل على صحيفة قريش ـ الّتي كتبوا فيها تظاهرهم على بني هاشم ـ الارَضة ، فلم يدع فيها اسماً للّه تعالى الا اكلته وبقى فيها الظلم والقطيعة


(1) قصص الأنبياء : 330 .

(2) إعلام الورى : 51 ، 52 .

(3) سيرة ابن هشام 2 : 16 ، 17 .

(628)

والبهتان (بعكس السابق) فأخبر اللّه بذلك رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأخبر أبا طالب .

 

    فقال له أبو طالب : يابن أخي من حدّثك بهذا ؟ وليس يدخل علينا أحد ولا تخرج أنت الى أحد ، ولستَ في نفسي من أهل الكذب .

    فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أخبرني ربّي بهذا .

    فقال له عمه : اِن ربك الحق وأنا أشهد أنك صادق .

    ثمّ جمع أبو طالب رهطه ، ولم يخبرهم بما أخبره به رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، كراهية أن يفشوا ذلك الخبر فيبلغ المشركين فيحتالوا للصحيفة الخبَّ والمكر . وانطلق أبو طالب برهطه حتّى دخل المسجد ، والمشركون من قريش في ظل الكعبة .

    فلمّا أبصروه تباشروا به وظنّوا أن الحصر والبلاء حملهم على أن يدفعوا رسول اللّه فيقتلوه . فلمّا انتهى اليهم أبو طالب ورهطه رحّبوا به وقالوا : قد آن لك أن تطيب نفسك عن قتل رجل في قتله صلاحكم وجماعتكم وفي حياته فرقتكم وفسادكم !

    فقال أبو طالب : قد جئتكم في أمر لعله يكون فيه صلاح وجماعة ، فاقبلوا ذلك منّا ، هلمّوا صحيفتكم الّتي فيها تظاهركم علينا .

    فجاؤوا بها وهم لا يشكّون أنهم سيدفعون رسول اللّه اليهم اذا نشروها .

    فلمّا جاؤوا بصحيفتهم قال أبو طالب : صحيفتكم بيني وبينكم ، فان ابن أخي قد أخبرني ولم يكذبني : أن اللّه عزوجل قد بعث على صحيفتكم الأرضة فلم تدع للّه تعالى اسماً الا اكلته وبقي فيها الظلم والقطيعة والبهتان . فان كـان كاذباً فلكم عليّ أن أدفعه اليكم تقتلونه ، وان كان صادقاً فهل

(629)

ذلك ناهيكم عن تظاهركم علينا ؟

 

    فأخذ عليهم المواثيق واخذوا عليه . فلمّا نشروها فاذا هي كما قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فاستسرّ أبو طالب وأصحابه وقالوا : أرأيتم أيّنا أولى بالحزّ والقطيعة والبهتان ؟ !

    فقام المطعم بن عدي بن نوفل بن مناف ، وهشام بن عمرو من بني عامر بن لؤي ، فقالوا : نحن بَراء من هذه الصحيفة القاطعة العادية الظالمة ، ولن نمالي أحداً في فساد أمرنا . وتتابع على ذلك ناس من أشراف قريش . فخرج القوم من شِعبهم وقد أصابهم الجهد الشديد(1) .

    وقال ابن اسحاق في السيرة : مشى هشام بن عمرو بن ربيعة الى زهير بـن أبي اُمية ابن المغيرة المخزومي ـ وكانت امه عاتكة بنت عبد المطلب ـ فقال له : يازهير ، أقد رضيت أن تأكل الطعام وتلبس الثياب . . . وأخوالك حيث قد علمت لا يُباعون ولا يبتاع منهم ؟ ! أمّا إني أحلف بالله أن لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام (أبي جهل) ثمّ دعوته الى مادعاك اليه منهم ما أجابك اليه أبداً .

 

    قال : ويحك ياهشام فما أصنع ؟ انما أنا رجل واحد ، واللّه أن لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها حتّى انقضها .

    قال : قد وجدتَ رجلاً ، قال : فمن هو ؟ قال : أنا ، قال : ابغِنا رجلاً ثالثاً .

    فذهب (هشام) الى المُطْعِم بن عدي فقال له : يا مُطعم ، أقد رضيت ان يهلك بطنان مـن بني عبد مناف (بنو هاشم وبنو المطّلب) وأنت شاهد


(1) حلية الأبرار 1 : 61 ، 62 .

(630)

على ذلك موافق لقريش فيه ؟ أما واللّه لئن أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم اليها منكم سراعاً !

 

    قال : ويحك فما أصنع ؟ انما أنا رجل واحد . قال : قد وجدتَ ثانياً . قال : مَن هو ؟ قال : أنا قال : ابغنا ثالثاً . قال : قد فعلتُ . قال : مَن هو ؟ قال : زهير بن أبي اُمية . قال : ابغنا رابعاً .

    فذهب (هشام) الى أبي البختريّ بن هشام فقال له ما قال للمُطعِم . فقال : وهل من أحد يُعين على هذا ؟ قال : نعم ، قال : من هو ؟ قال : زهير ابن أبياُمية والمطعم بن عدي ، وأنا معك . قال : ابغنا خامساً .

    فذهب (هشام) الى زمعة بن الاسود بن المطلب ، فكلّمه وذكر له قرابتهم وحقهم . فقـال له : وهل على هذا الأمر الّذي تدعوني اليه من أحد ؟ قال : نعم ، وسمّى له القوم . فاتّعدوا ليلاً بأعلى مكّة في مقدّم الحَجون (قرب الشِعب) .

    فاجتمعوا هناك وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتّى ينقضوها وقال زهير : أنا أبدؤكم فاكون أوّل من يتكلم .

    فلمّا أصبحوا غدوا الى أنديتهم ، وغدا زهير بن أبي اُمية ، فطاف بالبيت سبعاً ثمّ أقبل على الناس فقال : ياأهل مكّة ! أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم ؟ ! واللّه لا أقعد حتّى تُشَقَ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة . وكان أبو جهل في ناحية المسجد فقال : كذبت ، والله لا تُشق .

    فقال زمعة بن الأسود : أنت ـ واللّه ـ اكذب ، مارضينا كتابها حيث كُتبت .

    وقال أبو البختريّ : صدق زمعة ، لا نرضى ماكتُب فيها ، ولا نُقِرُّ به .

(631)

    وقال المُطعِم بن عدي : صدقتما ، وكذب من قال غير ذلك ، نبرأ الى اللّه منها وممّا كتب فيها .

    فقال أبو جهل : هذا أمر قُضي بليل ، تُشووِرَ فيه بغير هذا المكان .

    فقام المُطعِم الى الصحيفة ليشقّها فوجَدَ الأرضةَ قد اكلتها الا «باسمك اللّهم» .

    وكان أبو طالب حاضراً في ناحية المسجد(1) .

    أمّا الآية التالية : « وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم بـه ولئن صبرتم لهو خير للصابرين »(2) فقد اشتهر أن الآية نزلت بعد مقتل حمزة سيد الشهداء في احد في الثالثة بعد الهجرة ، وبمثله قال القمي في تفسيره(3) ورواه العياشي في تفسيره(4) ، عن الصادق عليه‏السلام . وعليه عدّ الآية بعضهم من مستثنيات السورة .

 

    ولكن نقل الطَبرسي في «مجمع البيان» عن الحسن قال : نزلت الآية قبل أن يؤمر النبيّ بقتال المشركين ، على العموم ، وانما اُمر بقتال من قاتله . وعن ابراهيم وابن سيرين ومجاهد : أنّ الآية عامة في كلّ ظلم كغصب ونحوه ، فانما يجازى بمثل ما عمل(5) فان صحّ الخبر عن الصادق عليه‏السلام فيمكن حمله على تعدّد النزول ، أو التذكير بالآية .

    وعليه فلعل قوله : « وان عاقبتم » أي عاقبتم مقاطعة المشركين


(1) سيرة ابن هشام 2 : 14 ـ 16 .

(2) النحل : 126 .

(3) تفسير القمي في آخر الجزء الأول .

(4) تفسير العياشي 1 : 275 .

(5) مجمع البيان 6 : 605 .

(632)

وقطعهم لأرحامهم معكم بحصاركم في شعب أبي طالب ، فعاقبوهم بمثل ما عاملوكم به من القطيعة والهجران . ثمّ يقول في الآية التالية : « واصبر ... » عن المقابلة بالمثل « ولا تحزن عليهم » لعدم هدايتهم واصرارهم على ضلالهم « ولاتك في ضيق ممّا يمكرون » من مكرهم السابق بحصركم في الشعب ، ومكرهم اللاحق « ليثبتوك او يقتلوك او يخرجوك » وفي الآية التالية خاتمة السورة : « اِنّ اللّه مع الّذين اتّقوا والّذين هم محسنون » ولذلك فانهم « يمكرون ويمكر اللّه واللّه خير الماكرين » .

 

    وعليه فالآية تشير الى آخر أمر حصر الرسول وبني هاشم في شعب أبي طالب ، وتكون سورة النحل آخر سورة نزلت قبل نهايته .

    واذا قربّنا أن حصار الشِعب بدأ قريباً من بداية هجرة الحبشة بعد الاذن فيها في الآية العاشرة من سورة الزمر ، وهي الستون في ترتيب النزول ، وها نحن هنا قرّبنا أن تكون سورة النحل السبعون في النزول آخر مانزل في آخر أيام حصار الشِعب ، وقد مرّ أن مختار مؤرّخينا الطبرْسي والراوندي وابن شهر آشوب أن مدة الحصار كانت أربع سنين(1) فمن الطريف أن لازم ذلك أن ستين سورة الى سورة الزمر نزلت في مدة خمس سنين ، ولكن في مدة أربع سنين اخرى كان فيها الرسول في حصار الشِعب معه بعض المسلمين من بني هاشم وبني عبد المطّلب . والمستضعفون من المسلمين الثمانين في هجرة الحبشة ، وآخرون منهم في مكّة في جوار أو حلف أو استضعاف معزولون عن الرسول اِلاّ في أيام المواسم ، لم ينزل من القرآن سوى عشر سور تقريباً . وتبقى من السور المكّية ست عشرة سورة تتناسب


(1) إعلام الورى : 50 وقصص الأنبياء : 339 والمناقب 1 : 65 .

(633)

أن تكون قـد نزلت في مدة سنة وستة أشهر مكث فيها النبيّ فى مكّة بعد وفاة أبي طالب وهجرة الطائف في قول ابن شهر آشوب(1) حسب كيفية النزول قبل حصار الشعب .

 

 

وفاة أبي طالب وخديجة :

    روى العياشي في تفسيره عن سعيد بن المسيّب عن علي بن الحسين عليهماالسلام قال : كانت خديجة قد ماتت قبل الهجرة بسنة ، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة . فلمّا فقدهما رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سئم المُقام بمكّة ودخله حزن شديد ، وأشفق على نفسه من كفّار قريش ، فشكى الى جبرئيل ذلك ، فأوحى اللّه اليه : يامحمّد اُخرج من القرية الظالم أهلها ، وهاجر الى المدينة فليس لك اليوم بمكّة ناصر(2) .

    وروى الشيخ الصدوق بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ أبا طالب اظهر الكفر وأسرّ الايمان ، فلمّا حضرته الوفـاة أوحى اللّه عزوجل الى رسول اللّه : اُخرج منها فليس لك بها ناصر ، فهاجِرْ الى المدينة(3) .

 

    ولكن روى الطوسي في أماليه بسنده عن هند بن أبي هالة الاُسيدي ربيب رسول اللّه من خديجة قال : كان اللّه عزوجل يمنع عن نبيّه بعمه أبي طالب عليه‏السلام ، فما كان يخلص اليه من قومه أمر يسوؤه مدة حياته . فلمّا مات أبو طالب نالت قريش من رسول اللّه بُغيتها وأصابته بعظيم من الأذى حتّى


(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 173 ط قم .

(2) تفسير العياشي 1 : 257 .

(3) اكمال الدين : 172 .

(634)

تركته لَقىً فقال : لأسرع ما وجدنا فقدك ياعم ، وصَلتك رحم ، وجُزيت خيراً ياعم . ثمّ ماتت خديجة بعد أبي طالب بشهر ، واجتمع بذلك على رسول اللّه حُزنان حتّى عُرف ذلك فيه(1) .

 

    وقال الشيخ الطبرْسي في «إعلام الورى» : خرج النبيّ ورهطه من الشعب وخالطوا الناس ، ومات أبو طـالب بعد ذلك بشهرين ، وماتت خديجة بعد ذلك ، وورد على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أمران عظيمان وجزع جزعاً شديداً ، ودخل على أبي طالب وهو يجود بنفسه وقال : يا عم ربَّيت صغيراً ونصرت كبيراً وكفلت يتيماً ، فجزاك اللّه عني خير الجزاء(2) ونقله تلميذه القطب الراوندي في «قصص الأنبياء» بلا اسناد عنه(3) .

 

    وقال الراوندي في وفاة أبي طالب : توفي أبو طالب عمّ النبيّ وله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ست وأربعون سنة وثمانية أشهر وأربعون يوماً . ثمّ قال : والصحيح أن أبا طالب توفي في آخر السنة العاشرة من مبعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . ثمّ توفيت خديجة بعـد أبي طالب بثلاثة أيام ، فسمّى رسول اللّه ذلك العام : عام الحزن(4) .

 

    وتبعهما ابن شهر آشوب في أن أبا طالب توفي بعد خروجه من الشِعب بشهرين ، وأضاف تعيين السنة فقال : بعد النبوة بتسع سنين وثمانية أشهر . ثمّ قال : فلمّا توفي أبو طالب خرج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الطائف وأقام فيه


(1) أمالي الطوسي : 259 كما في البحار 19 : 57 .

(2) إعلام الورى : 52 .

(3) قصص الأنبياء : 330 .

(4) قصص الأنبياء : 317 .

(635)

شهراً ، ثمّ انصرف الى مكّة ومكث بها سنة وستة أشهر في جِوار المُطعم بن عَدي(1) فالمجموع احدى عشرة سنة وبضعة أشهر ، وهو خلاف المشهور في مدة مكث الرسول بمكّة قبل الهجرة .

 

    أمّا ابن اسحاق فبعد أن ذكر الهجرة الى الحبشة وصحيفة المقاطعة وحصار الشِعب وفكّه ، قال : ثمّ اِن خديجة بنت خويلد وأبا طالب هلكا في عام واحد ، فتتابعت على رسول اللّه المصائب بهلاك خديجة ـ وكانت له وزير صدق على الاسلام يشكو اليها ـ وبهلاك عمه أبي طالب ، وكان له عضداً وحرزاً في أمره ومنَعَةً وناصراً على قومه . وذلك قبل مُهاجَره الى المدينة بثلاث سنين .

    فلمّا هلك ابو طالب نالت قريش مـن رسول اللّه من الأذى ما لم تكن تطمع به في حياة أبي طالب ـ حتّى ـ حدّثني هشام بن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده قال : اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه تراباً ، فدخل رسول اللّه بيته والتراب على رأسه ، فقامت اليه احدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ، ورسول اللّه يقول لها : لا تبكي يا بنية ، فان اللّه مانعٌ أباك . وقال : ما نالت مني قريش شيئاً حتّى مات أبو طالب(2) .



(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 173 ط قم .

(2) سيرة ابن هشام 2 : 57 ، 58 ثمّ روى هنا خبراً عن العباس بن عبد اللّه بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس ، في اجتماع وجوه من قريش الى أبي طالب عند ثقل حاله في مرضه الّذي توفي فيه ، وفي آخره نزول سورة (ص) . بينما هي السورة السابعة والثلاثون على رواية ابن عباس نفسه ، ولذلك فنحن نقلنا الخبر في شأن نزول السورة عند ذكرها . وفي سند الخبر هنا إرسال «عن بعض أهله» فلا عبرة به . ثمّ من غير المعقول أن تكون قريش قد طمعت في أبي طالب مرة اخرى بعد ذلك الحصار الّذي طال أربع سنين !

(636)

    والطَبرْسي في «اِعلام الورى» نقل صدر مقال ابن اسحاق ، ثمّ نقل عن كتاب «المعرفة» لابن مَندة قول الواقدي كذلك : أنهم خرجوا من الشِعب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وفي هذه السنة توفيت خديجة وأبو طالب وبينهما خمس وثلاثون ليلة(1) .

 

    وابن شهر آشوب نقل قول الواقدي كذلك : أنهم خرجوا من الشعب قبل الهجرة بثلاث سنين ، وفي هذه السنة توفي أبو طالب . الا أ نّه قال : وتوفيت خديجة بعده بستة أشهر(2) .

 

    ولم يستند الواقدي فيما ذهب اليه الى نصّ خبر ، ولكن الظاهر أ نّه يستند في وفـاة خديجة الى نصّ خبر رواه عنه تلميذه وكاتبه ابن سعد بسنده عن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد قال : توفيت خديجة في شهر رمضان سنة عشر من النبوة ، فخرجنا بها من منزلها حتّى دفنّاها بالحَجون ، فنزل رسـول اللّه في حفرتها . قيل : ومتى ذلك يا ابا خالد ؟ قال : بعد خروج بني هاشم من الشِعب بيسير ، وقبل الهجرة بثلاث سنوات أو نحوها(3) . ونقل سبط ابن الجوزي عن ابن سعد عن الواقدي عن علي عليه‏السلام قال : «لما توفي ابو طالب اخبرت رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فبكى بكاءً شديداً ثم قال : اذهب فغسّلْه وكفنْه وواره ، غفر الله له ورحمه . فقال له العباس : يا رسول اللّه ، انك لترجو له ؟ فقال : اِي والله اِنى لأرجو له . وجعل رسول


(1) إعلام الورى : 53 .

(2) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 173 ط قم .

(3) كشف الغمة 2 : 139 عن معالم العترة النبوية للجنابذي عن الطبقات لابن سعد .

(637)

اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يستغفر له أياماً لا يخرج من بيته»(1) .

 

    وكذلك قال اليعقوبي : وتوفيت خديجة بنت خويلد في شهر رمضان قبل الهجرة بثلاث سنين ، ولها خمس وستون سنة . ودخل عليها رسول اللّه وهي تجود بنفسها فقال : بالكره مني ما أرى ، ولعلّ اللّه أن يجعل في الكره خيراً كثيراً ، اِذا لقيت ضراتِك في الجنة ـ يا خديجة ـ فأقرئيهنّ السلام . قالت : ومَن هُنّ يا رسول اللّه ؟ قال : اِن اللّه زوّجنيكِ في الجنة ، وزوّجني مريم بنت عمران ، وآسيا بنت مزاحم ، وكلثوم اخت موسى .

 

    ولما توفيت خديجة جعلت فاطمة تتعلق برسول اللّه وهي تبكي وتقول : أين اُمّي ؟ أين اُمّي ؟ فنزل جبرئيل فقال : قل لفاطمة : اِن اللّه تعالى بنى لاُمك بيتاً في الجنة من قصب ، لا نصب فيه ولا صخب .

    وتوفي أبو طالب بعد خديجة بثلاثة أيام ، وله ست وثمانون سنة ، وقيل : تسـعون سنة . ولما قيل لرسول اللّه : اِن أبا طالب قد مات ! عظم ذلـك في قلبه واشتدّ له جزعه ، ثمّ دخل عليه فمسح جبينه الأيمن أربع مرات ، وجبينه الأيسر ثلاث مرات ، ثمّ قال : يا عم رَبّيت صغيراً وكفلت يتيماً ونصرت كبيراً ، فجزاك اللّه عنّي خيراً .

    ومشى بين يدي سريره وجعل يعرض له ويقول : وصلتك رحم وجُزيت خيراً .

    وقال : اجتمعت على هذه الاُمة في هذه الأيام مصيبتان لا أدري بأيهما أنا أشدّ جزعاً . يعني مصيبة خديجة وأبي طالب .

    وروي عنه أ نّه قال : اِن اللّه عزوجل وعدني في أربعة : في أبي واُمي


(1) تذكرة الاُمة بخصائص الأئمة : 8 .

(638)

وعمي وأخ كان لي في الجاهلية .

 

    واجترأت قريش على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد موت أبي طالب وطمعت فيه وهمّوا به مرة بعد اخرى . وكان رسول اللّه يعرض نفسه على قبائل العرب لايسـألهم الا أن يؤوه ويمنعوه ويقول : إنما اريد أن تمنعوني ممّا يراد بي من القتل حتّى ابلّغ رسالات ربّي . فكانوا يقولون : قوم الرجل أعلم به . ولم يقبله احد منهم(1) .

    وقال البلاذري : قالوا : مات أبو طالب في السنة العاشرة من المبعث وهو ابن بضع وثمانين سنة ، ودفن بمكّة في الحجون(2) .

 

    ثمّ روى بسنده عن أبي صالح مولى ابن عباس قال : لما مرض أبو طالب قيل له : لو أرسلت الى ابن أخيك فأتاك بعنقود من جنته لعلَّهُ يَشفيك ؟ ! فأتاه الرسول بذلك وأبو بكر عنده ، فقال له أبو بكر : « اِن اللّه حرّمهما على الكافرين »(3) [ فلمّا رجع الرسول الى ابي طالب بجواب أبي بكر ] قال : ليس هذا جواب ابن أخي(4) .

 



(1) اليعقوبي 2 : 28 ، 29 .

(2) أنساب الأشراف 2 : 29 .

(3) الأعراف : 50 .

(4) أنساب الأشراف 2 : 34 . وقريب منه مارواه ابن حنبل في كتاب الفضائل من مسنده بسنده عن أنس بن مالك قال : لما مرض أبو طالب مرضه الّذي مات فيه أرسل الى النبي ـ صلّى اللّه عليه و [ آله ] وسلّم ـ : اُدع ربك أن يشفيني فان ربك يطيعك وابعث اليّ بقطاف من قِطاف الجنة . فارسل اليه النبيّ : وأنت يا عم اِن أطعت اللّه عزوجل أطاعك . الحديث : 274 ولا منافاة بين الخبرين .

(639)

    وطابق الطبري في تأريخه ابن اسحاق راوياً عنه لم يزد عليه شيئاً(1) .

 

    وافتقد التوفيق المسعودي بين كتابيه ، فقال في :

 

    «مروج الذهب» : وفي سنة ست وأربعين (من مولده) كان حصار قريش للنبيّ وبني هاشم وبني المطلب في الشِعب . وفي سنة خمسين كان خروجه ومن تبعه من الشِعب ، وفي هذه السنة كانت وفاة خديجة زوجه(2) وقال في :

    «التنبيه والإشراف» : وتوفي عمه أبو طالب وله بضع وثمانون سنة ، وزوجته خديجة بنت خويلد ولها خمس وستون سنة في العاشرة من مبعثه ، بينهما ثلاثة أيام ، وقيل أكثر من ذلك . وذلك بعد إبطال الصحيفة وخروج بني هاشم وبني عبد المطلب من الحصار في الشِعب بسنة وستة أشهر . وكان مدة مقامهم في الحصار ثلاث سنين وقيل : سنتين ونصفاً ، وقيل : سنتين على مافي ذلك من التنازع . ثمّ يقول : وفي هذه السنة سنة خمسين من مولده . . .(3) نعم ، انما الخلاف بين الكتابين في مدة الحصار ، فاختار في «مروج الذهب» أنها أربع سنين آخرها الخمسون من عمر الرسول وفيها وفاة خديجة وأبي طالب ، وبينما اختار في «الإشراف» أنها ثلاث سنين وبعدها بسنة ونصف كانت وفاتهما .

 

    ونقل الشـيخ الطوسي في «المصباح» عن ابن عياش أن وفاة أبي طالب ـ رحمة اللّه عليه ـ كان في السادس والعشرين من شهر رجب(4) .



(1) الطبري 2 : 343 ، 344 .

(2) مروج الذهب 2 : 294 .

(3) التنبيه والاشراف : 200 .

(4) المصباح : 566 .

(640)

فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
 (2) يقصد المهاجرين الى الحبشة .وذكر القصيدة ابن اسحاق في سيرة ابن هشام 1 : 17ـ 19 ، ستة وعشرين بيتاً .

(626)

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

صحيفة المقاطعة الظالمة :

    ومنها قوله سبحانه : « اُدْعُ الى سبيل ربّك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلْهم بالّتي هي أحسن اِنّ ربك هو أعلم بمن ضلّ عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين »(2) .

    ذكر ابن شهر آشوب في «المناقب» عن «شرف المصطفى» للخركوشي : أن الآية : « اُدْعُ الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلْهم بالّتي هي أحسن » نزلت على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في أواخر أيام الحصار في شِعب أبي طالب ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : كيف ادعوهم وقد صالحوا على تركي الدعوة ؟ فنزل جبرئيل فأخبر النبيَ : أنّ اللّه بعث على صحيفتهم الأرَضة ، فلحستْها .

 

    فأخبر النبيُ أبا طالب ، فدخل أبو طالب على قريش في المسجد ، فعظّموه وقالوا : أردت مواصلتنا وأن تُسْلّم ابن اخيك الينا ؟ قال : واللّه ماجئت لهذا ، ولكنّ ابن اخي أخبرني ـ ولم يَكذبْني ـ أن اللّه قد أخبره بحال صحيفتكم ، فابعثوا الى صحيفتكم ، فان كـان حقاً فاتّقوا اللّه وارجعوا عمّا أنتم عليه من الظلم وقطيعة الرحم ، وان كان باطلاً دفعته اليكم .

    فأتوا بها وفكّوا الخواتيم ، فاذا فيها «باسمك اللهم» واسم «محمّد» فقط ! فقال لهم أبو طالب : اتقوا اللّه وكفّوا عمّا أنتم عليه . فسكتوا وتفرّقوا .


(1) الدر المنثور 4 : 132 ، 133 .

(2) النحل : 125 .

(625)

    واجتمع سبعة نفر من قريش على نقضها وقالوا : أخرقها اللّه ، وهم : مُطعِم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف ، الّذي أجار النبيّ لمّا انصرف من الطائف . وزهير بن أبي اُميّة المخزومي زوج عاتكة بنت أبي طالب(1) وهشام ابن عمرو بن لؤيّ بن غالب ، وأبو البختري بن هشام ، وزمعة بن الأسود ابن المطّلب . . . وعزموا أن يقطعوا يمين كاتبها : منصور بن عكرمة ، فوجدوها شلاّء ، فقالوا : قطعها اللّه .

    وفي ذلك قال أبو طالب :

 

يراوحها إفك وسحر مُجَمَّعُ    ولم تلق سحراً آخر اَلدهر يصعدُ

 ألاهل أتى بحريَّنا صنعُ ربنا  على نأيهم ؟(2) واللّه بالناس أرودُ

    وله أيضاً في ذلك :

 وقد كان من أمر الصحيفة عبرة  متى مايخبَّرْ غائب القوم يَعْجَب
 محا اللّه منها كفرهم وعقوقَهم  ومانقموا من ناطق الحق مُعْرِبِ
 وأصبح ماقالوا من الأمر باطلاً  ومن يختلق ماليس بالحق يُكذبِ
 وأمسى ابنُ عبد اللّه فينا مصدَّقا  على سَخَطٍ من قومنا ، غيرَ معْتَبِ

وله أيضاً في ذلك :

 تطاول ليلي بهمٍّ نَصَب  ودَمْعي كسَحِّ السِّقاء السَّرِب


(1) وسيأتي عن ابن اسحاق ان اُمّه عاتكة ، بنت عبد المطّلب وابن اسحاق اقرب الى الاتقان .

 

 

وان كان أحمد قد جاءهم    بحق ولم يأتهم بالكذب

على أنّ إخوانَنا وازروا :    بني هاشمٍ وبني المطّلب

ورمتم بأحمد مارمتُم    على الآصرات وقرب النَسَب

فأنيّ وماحجُ من راكب    وكعبته مكّة ذات الحُجُب

تنالون أحمد ؟ أو تصطلوا    بروس الرماح وحدِّ القُضُبْ(2)

 ولعبُ قُصيٍّ بأحلامِها  وهَلْ يرجِع الحلُم بعد اللعب
 ونفيُ قُصَيٍ بني هاشمٍ  كنَفْي الطُهاة لِطافَ الحطب(1)
    وروى قبله القطب الراوندي في «قصص الأنبياء» : أ نّه لمّا أتى على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الشِعب أربع سنين ، بعث اللّه على صحيفتهم القاطعة دابة الأرض فلحست جميع ما فيها من قطيعة رحم وظلم وجور ، وتركت اسم اللّه ، ونزل جبرئيل عليه فأخبره بذلك(3) .

 

    ثمَّ ذكر الخبر الى أن قال : فتفرق القوم ولم يتكلم أحد منهم ، وعند ذلك قال نفر من بني عبد مناف وبني قُصي ورجال من قريش ولدتهم نساء بني هاشم منهم : مطعم بن عدي ـ وكان شيخاً كبيراً كثير المال له أولاد ـ وأبو البختري بن هشام ، وزهير بن اُميّة المخزومي في رجال من أشرافهم ، قالوا : نحن بَراء ممّا في هذه الصحيفة . وقال أبو جهل : هذا أمر قُضي


 
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch06-06.htm