فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

مقتل ياسر وسمية وتعذيب ابنهما عمّار :

    ومنها قوله سـبحانه : « إنّمـا يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون بآيات اللّه واُولئك هم الكاذبون من كفر باللّه من بعد اِيمانه اِلاّ من اُكـره وقلبه


(1) تفسير القمي 1 : 390 .

(2) أسباب النزول للواحدي : 231 ط الجميلي .

(3) مجمع البيان 6 : 595 و روى السيوطي عنه أيضاً قال : كان رسول اللّه يعلّم قيناً بمكّة اسمه بَلعام ـ وكان أعجمي اللسان ـ فكان المشركون يرون رسول اللّه يدخل عليه ويخرج من عنده ، فقالوا إنما يعلّمه بَلعام ، الدر المنثور 4 : 131 وروى روايات اخرى باسماء : أبي اليسر ، ومقيس .

(4) سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق 2 : 33 .

(615)

مطمئن بالايمـان ولكن مّن شرح بالكفر صدراً فعليهم غضب من اللّه ولهم عذابٌ عظيم ذلك بأ نّهم استحبّوا الحياة الدنيا على الآخـرةِ وأنّ اللّهَ لايهدي القوم الكافرين اُولئك الّذين طبع اللّهُ على قلوبِهم وسمعهـم وأبصـارهم واُولئك هم الغافلون لا جرم أ نّهم في الآخـرةِ هُم الخـاسرون ثـمّ إنّ ربـك للذين هاجروا من بعد مافُتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربك من بعدها لغفور رحيم »(1) .

 

    روى العياشي في تفسيره عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ عمّار بن ياسر اُخذ بمكّة فقالوا له : ابرأ من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فبرأ منه ، فأنزل اللّه عذره : « اِلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان » .

 

    وروى فيه عنه عليه‏السلام قال : أما سمعت قول اللّه في عمّار : « اِلاّ من اُكره
النحل : 105 ـ 110 .


(1)

(616)

 وقلبه مطمئن بالايمان » .

    وروى فيه عنه عليه‏السلام قال : إنّ هذه الآية نزلت في عمّار وأصحابه : « اِلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان »(1) .

    ولذلك قال القمي في تفسير هذه الآية : هو عمّار بن ياسر أخذته قريش بمكّة ، فعذّبوه بالنار حتّى أعطاهم بلسانه ما أرادوا ، وقلبه مطمئن بالايمان . . . ثمّ قال في عمّار أيضاً : « ثمّ إنّ ربّك للذين هاجروا من بعد ما فُتنوا ثمّ جاهدوا وصبروا إنّ ربك من بعدها لغفور رحيم »(2) .

 

    وروى الكليني في (الكافي) بسنده عن الصادق عليه‏السلام أيضاً قال : إنّ عمّار بن ياسر اكرهه أهل مكّة وقلبه مطمئن بالايمان ، فقال له النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عندها : يا عمّار اِنْ عادوا فَعُد ، فقد أنزل اللّه عذرك : « اِلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان » وأمرك أن تعود إن عادوا(3) .

 

    وروى الطبرْسي في «مجمع البيان» عن قَتادة وابن عباس قال : نزلت الآية في جماعة اُكرهوا على الكفر ، وهم : عمّار وياسر أبوه واُمّه سمية وصُهيب وبلال وخبّاب ، عُذّبوا حتّى قتل ابو عمّار واُمه ، فاعطاهم عمّار بلسانه ما أرادوا منه ، فأخبر اللّه سبحانه بذلك رسوله ، فقال قوم : كفر عمّار ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : كلاّ إنّ عمّاراً مُلى‏ء اِيماناً من قرنه الى قدمه واختلط الايمان بلحمه ودمه . وجاء عمّار الى رسول اللّه وهو يبكي ، فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ما وراءك ؟ فقال : شرّ يا رسول اللّه ، ما تُركتُ حتّى نِلتُ منك وذكرتُ آلهتهم


(1) تفسير العياشي 2 : 271 ، 272 .

(2) تفسير القمي 1 : 390 ، 391 .

(3) اُصول الكافي 2 : 219 عن القمّي أيضاً .

(621)

بخير ! فجعل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يمسح عينيه ويقول : إن عادوا لك فعُدْ لَهُم بما قلت . ثمّ قال : فنزلت الآية(1) .

 

    بينما مرّ في خبر الكليني عن الصادق عليه‏السلام أنّ النبيَّ قال له : « اِن عادوا فَعُدْ فقد أنزل اللّه عذرك وأمرك أن تعودَ إنْ عادوا » ممّا ظاهره أن الآية كانت قد نزلت عليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قبل مقابلة عمّار له لا بعدها . وقد مرّ في خبر الطبرْسي نفسه : أن اللّه أخبر بذلك رسوله قبل مجيء عمّار الى الرسول ، فالظاهر أنّ نزول الآيات كان قبل المقابلة لا بعدها ، وعليه فلا محلّ لقوله : «فنزلت الآية» كما لا محل لما أخرجه السيوطي في (الدر المنثور) عن مصنف عبد الرزاق ، وطبقات ابن سعد ، وتفسير ابن جرير الطبري ، والبيهقي في (دلائل النبوة) من طريق أبي عبيدة بن محمّد بن عمّار بن ياسر ، عن أبيه عن آبائه قال : أخذ المشركون عمّار بن ياسر فلم يتركوه حتّى سبّ النبيّ ـ صلّى اللّه عليـه [ وآله ] وسلّم ـ وذكر آلهتهم بخير ، ثمّ تركوه . فلمّا أتى رسـولَ اللّه قال له : ما وراءك ؟ قال : شرّ ، ما تُركتُ حتّى نِلتُ منك وذكرتُ آلهتهم بخير ! قال : فكيف تجد قلبك ؟ قال : مطمئن بالايمان ، قال : فان عادوا فَعُدْ ، فنزلت .

 

    وبقوله : فان عادوا فَعُد ، لا محلّ لما أخرجه السيوطي فيه عن ابن عباس قال : لما أراد رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ أن يهاجر الى المدينة قال لأصحابه . . . فأصبح بلال وخبّاب وعمّار . . . فأخذهم المشركون . . . وأمّا عمّار فقال لهم كلمة أعجبتهم ، تقيّةً ، ثمّ خلَّوا عن بلال وخبّاب وعمّار فلحقوا برسول اللّه فأخبروه بالّذي كان من أمرهم . . .


(1) مجمع البيان 6 : 597 .

(622)

وأنزل اللّه : « اِلاّ من اُكره وقلبه مطمئن بالايمان »(1) .

 

    وكذا لا محل لما رواه قبله الواحدي في (أسباب النزول) عن ابن عباس قال : اِنّ المشركين أخذوا عماراً وأباه ياسراً واُمه سُميّة وبلالاً وخبّاباً وسـالماً . فأمّا سُميّة فانها رُبطت بين بعيرين ووُجى‏ء قُبلها بحربة فقُتلت ، وقتل زوجُها ياسر ، فهما أوّل قتيلين في الإسلام ، وأمّا عمار فانه أعطاهم ما أرادوا بلسـانه مُكرهاً . فاُخبر النبيّ بأن عماراً كفر ! فقال : كلاّ ، اِنّ عماراً مُلى‏ء ايماناً مـن قرنه الى قدمه ، واختلط الايمان بدمه ولحمه ! فأتى عمّار رسول اللّه وهو يبكي ، فجعل رسول اللّه يمسح عينيه وقال : اِن عادوا لك فعُد لهم بما قلت . فأنزل اللّه(2) .

 

    وبهذا المعنى ما رواه الكشي في رجاله بسنده عن الليث بن سعد (كاتب الواقدي) عن عمر مولى غفرة قال : حُبس عمّار فيمن حُبس وعُذّب ، فانفلت فيمن انفلت من الناس فقدم على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : أفلح أبو اليقظان ! قال : ما أفلح ولا أنجح لنفسه ؛ لأنهم لم يزالوا يعذّبونه حتّى نال منك ! قال : إن سألوا مِنْ ذاك فزدهم(3) .

 

    بل روى فيه بسنده عن محمّد المحمودي المروزي قال : اِنّ عمّار بن ياسر قتلت قريش أبويه ورسول اللّه يقول : صبراً آل ياسر فانّ موعدكم الجنة ، ما تريدون من عمّار ؟ عمّار مع الحق والحق مع عمّار حيث كان ، عمّار جلدة بين عيني وأنفي ، تقتله الفئة الباغية ، يدعوهم الى الجنة ويدعونه الى


(1) الدر المنثور 4 : 132 ، 133 .

(2) أسباب النزول للواحدي : 231 ط الجميلي .

(3) رجال الكشي : 35 ط مشهد .

(623)

النار . وألقته قريش في النار فقال فيه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا نار كوني برداً وسلاماً على عمّار كما كنت برداً وسلاماً على ابراهيم . فلم تصله النار ولم يصبه منها مكروه(1) وهذا يدل على وجود الرسول في مكّة حينذاك ، فلعلّ ذلك كان في أيام الموسم إذ كان يخرج فيه النبيّ وبنو هاشم وسيأتي أن الآيات الاولى من آخر سورة مكية هي «العنكبوت» نزلت في عمّار بن ياسر أيضـاً ، ولعلّنا نجد في ذلك حلاًّ للاشكال ، ومحملاً لهذه الأخبار الّتي تفيد أن عمّاراً عُذّب قُبيل هجرته بل وقد هاجر الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وأ نّه هاجر الى المدينة ولكنه لم يواجه الرسول حياءً منه لما قاله من كلمة الكفر ، أو واجهه وهو يبكي من ذلك ، حتّى طمأنه النبيّ بعدم الاثمّ عليه . فان هذه الأخبار انما تناسب تلك الفترة لا قبلها .

 

    وأيضاً نجد بالقول بتعدد الموقف لعمّار ، محملاً جميلاً لطيفاً لقول الرسول له : « إن عادوا لـك فعُد لهم » بأ نّها كلمة قالها له في هذهِ المرّة مشيراً له بلطف الى أنّ هذا الأمر سيتكرّر منهم ومنك ، وأن الاشارة الى تكرار ذلك أيام هجرته . ولكن الرواة خلطوا فجعلوا هذه الجملة مقولة له من الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في المدينة بعد الهجرة حيث لا توقع بعودة مشركي قريش الى تعذيب عمّار لافتتانه عـن دينه . فما معنى أن يقول له الرسول : ان عادوا فعُدْ لَـهُم ؟ .

    ونجد بذلك أيضاً محملاً لخلط بعض الرواة حيث رووا ما يفيد أنّ هذه الآيـة من سورة النحل المكيّة نزلت بعد الهجرة في عمار ، كما مرّ عن


(1) رجال الكشي : 30 ط مشهد . وروى مختصر الخبر ابن هشام عن ابن اسحاق 1 : 342 .

(624)

السيوطي في «الدر المنثور»(1) ممّا استلزم استثناء هذه الآيات من مكية السورة بلا موجب .

 

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch06-05.htm