(2) العزّاء : الشدة .

(3) السوالف : صفحات الأعناق .

(4) اُترت : قُطعت . والقُساسية نسبة الى قُساس جبل فيه معدن حديد .

(5) الشرب : الجماعة من القومَ ـ أو الحيوان ـ يشربون .

(596)

    قال : وكان كاتب الصحيفة منصور بن عِكرمة فدعا عليه رسول اللّه فشُل بعض أصابعه(1) وقال اليعقوبي : فشلّت يده . كما بالغ في عدد المتعاقدين المتعاهدين على الصحيفة فقال : وختموا على الصحيفة بثمانين خاتماً(2) بينما قال الطبرْسي : وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ختمها كلّ رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلّقوها في الكعبة(3) ولا أرى رؤساء قريش يزيدون عن أربعين رجلاً في مكّة .

    وقال اليعقوبي في تأريخ الحصار ومدته : ثمَّ حصرت قريش رسول اللّه وأهل بيته من بني هاشم وبني المطلب في الشِعب الّذي يقال له : شعب بني هاشم ، بعد ست سنين من مبعثه . فأقام ـ ومعه جميع بني هاشم وبني المطلب ـ في الشِعب ثلاث سنين . حتّى انفق رسولُ اللّه مالَه ، وأنفق ابو طالب ماله ، وانفقت خديجة مالها ، وصاروا الى حدّ الضرّ والفاقة(4) بينما قلل ابن اسحاق فقال : فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثاً ، حتّى جُهدوا ، لا يصل اليهم شيء اِلاّ سرّاً مستخفياً به من أراد صلتهم من قريش(5) وقد مرّ عن القمي والطبرْسي انّها كانت أربع سنين انتهت قبل هجرته بقليل .

    وحيث انتقلنا بالآية العاشرة من سورة الزمر الى حديث هجرة الحبشة ، ثمَّ بتقريب أن بداية حصار الشعب كان قريباً من بدايات هجرة الحبشة انتقلنا الى حديث الشعب ، يلزمنا الاذعان بأن نزول السور بعد الزمر كان في أيام حصار الشِعب ، الا ما كان نزوله أيام موسمي العمرة


(1) سيرة ابن هشام 1 : 377ـ 380 وروى الخبر بألفاظه الطبري 2 : 336 بدون مايتعلق بأبي طالب ! .

(2) اليعقوبي 2 : 31 .

(3) إعلام الورى : 50 .

(4) اليعقوبي 2 : 31 .

(5) سيرة ابن هشام 1 : 379 .

(597)

والحج وبعد الشعب قبل الهجرة ، اذن فما كان من الآيات يفيد حواراً بين النبي والمشركين كان ممّا يحتمل نزولها في أيام المواسم .

 

    السورة الحادية والستون ـ «السجدة ( فصّلت ) » :

    وفيها قوله سبحانه : « كتاب فُصّلت آياته قرآناً عربيّاً لقوم يعلمون بشيراً ونـذيراً فأعرض اكثرهم فهم لا يسمعون وقـالوا قلوبنا في اكنّة ممّا تدعونا اليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل اننا عاملون »(1) . وروى الطبرْسي في «مجمع البيان» عن مقاتل : قال : إنّ أبا جهل رفع ثوباً بينه وبين النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : يا محمّد ! أنت من ذلك الجانب ونحن من هذا الجانب ، فاعمل أنت على دينك ومذهبك انّنا عاملون على ديننا ومذهبنا(2) فنزلت سورة السجدة . ونقل مثله ابن شهر آشوب في «المناقب»(3) .

    وبعده قـوله سبحانه : « قـل إنّما أنا بشر مثلكم يُوحى اليّ أ نّمـا إلـهكم اِله واحـد فاستقيموا اليـه واستغفروه وويـل للمشـركين الّذين لايؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون »(4) .

 

    وروى الطبرْسي عن الفرّاء قال : كانت قريش تطعم الحاج وتسقيهم ، فحرّموا ذلك على من آمن بمحمد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فهذا هو الزكاة في هذا الموضع(5) .

 

    السورة الثالثة والستون ـ «الزخْرف» :

 

    وفيها قوله سبحانه : « وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم »(6) .


(1) فصّلت : 3 ـ 5 .

(2) مجمع البيان 9 : 4 ، 5 .

(3) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 56 ولا يخفى أنّ هذا ممّا يناسب التزامن مع بدء الحصار في شعب أبي طالب .

(4) فصلت : 6 ، 7 .

(5) مجمع البيان 9 : 6 .

(598)

    روى الطبرْسي في «الاحتجاج» عن أبي محمّد الحسن العسكري أ نّه قال : قلت لأبي علي بن محمّد عليه‏السلام : هل كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يناظر المشركين اذا عاتبوه ويحاجّهم ؟

 

    قال : بلى مرارا كثيرة ، منها مـا حكى اللّه من قولهم . . . « وقـالوا لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم » . . . وذلك أن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان قاعداً ذات يوم بمكّة بفناء الكعبة ، اذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي (كذا) وأبو البختري ابن هشام ، وأبو جهل ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبد اللّه بن أبي اُميّة المخزومي ، وكان معهم جمع ممّن يليهم كثير . ورسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه ويؤدّي اليهم عن اللّه أمره ونهيه .

    فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمّد وعظم خَطْبه ، فتعالوا نبدأ (كذا) بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه وابطال ماجاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ويصغر قدره عندهم ، فلعله ينزع عمّا هو فيه من غيّه وباطله وتمرّده وطغيانه ، فان انتهى واِلاّ عاملناه بالسيف الباتر !

    قال أبو جهل : فمن ذا الّذي يلي كلامه ومجادلته ؟

    قال عبد اللّه بن أبي اُميّة المخزومي : أنا لذلك ، أفما ترضاني له قرناً حسيباً ومجادلاً كفيّاً ؟

    فاتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبد اللّه بن أبي اُميّة المخزومي فقال :

    يا محمّد ! لقد ادّعيت دعوى عظيمة وقلت مقالاً هائلاً : زعمت أنك رسول ربّ العالمين ، وما ينبغي لربّ العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون رسـوله : بشر مثلك تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب وتمشي في الأسواق


(1) الزخرف : 31 .

(599)

كما نمشي ! وهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولاً اِلاّ كثير المال عظيم الحال ، له قصور ودور ، وفساطيط وخيام ، وعبيد وخدام ، وربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده ، فلو كنت نبياً لكان معك ملك يصدقك ونشاهده . بل لو أراد اللّه أن يبعث الينا نبياً لكان إنما يبعث الينا ملكاً لا بشراً مثلنا .

 

    فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : فهل بقي من كلامك شيء ؟

    قال : نعم ، لو أراد أن يبعث الينا رسولاً لبعث أجلّ من فيما بيننا اكثرهم مالاً وأحسنهم حالاً ، فهلاّ أُنزل هذا القرآن ، ـ الّذي تزعم أن اللّه أنزله عليك وابتعثك به رسولاً ـ على رجل من القريتين عظيم : إمّا الوليد بن المغيرة بمكّة ، وإمّا عروة بن مسعود الثقفي بالطائف .

    فقال له رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : يا عبد اللّه ، أمّا ما ذكرت . . . الى أن قال : «وأمّا قولك : « لولا نُزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم » : الوليد ابن المغيرة بمكّة أو عروة بالطائف . فان اللّه ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر له عنده كـما له عندك ، بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافراً به مخالفاً له شربة ماء ، وليس قسمة اللّه اليك ، بل اللّه هو القـاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه ، وليس هو ممّن يخاف أحـداً كما تخافه أنت لماله وحاله ، ولا ممّن يطمع في أحد في ماله أو في حاله كما تطمع أنت فيخصه بالنبوة لذلك ، ولا ممّن يحب أحداً محبة الهواء كما تحب أنت فيقدّم من لا يستحق التقديم ، وانما معاملته بالعدل ، فلا يؤثر لأفضل مراتب الدين وجلاله الاّ الأفضل في طاعته والأجدّ في خدمته ، وكذلك لايؤخر في مراتب الدين وجلاله اِلاّ أشدهم تباطؤاً عن طاعته . واذا كان هذا صفته لم ينظر الى مال ولا الى حال ، بل

(600)

هذا المال والحـال من تفضّله ، وليس لأحد من عباده عليه ضريبة لازبة ، فلا يقـال له : اذا تفضّلت بالمال على عبد فلابدّ أن تتفضّل عليه بالنبوة ايضاً ، لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ولا الزامه تفضّلاً ، لأنه تفَضَّل قبله بنِعمه» .

 

    وذلك قوله تعالى : « وقالوا لولا نُزّل هذا القرآن على رجـل من القريتين عظيـم أهم يقسمون رحمة ربّـك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذّ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير ممّا يجمعون »(1) أي ما يجمعه هؤلاء من أموال الدنيا(2) .

    هذا ، وقد روى فيه فيما أجاب به أبو الحسن علي بن محمّد العسكري عليه‏السلام نفسُه في رسالته الى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر والتفويض أ نّه قال : اليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده ، اصطفى محمّداً ـ صلوات اللّه عليه وآله ـ وبعثه بالرسـالة الى خلقه ، ولو فوّض اختيار اُموره الى عباده لأجاز لقريش اختيار اُميّة بن أبي الصلت وأبي مسعود الثقفي ، اِذ كانا عندهم أفضل من محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، لما قالوا : « لولا اُنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم » يعنونهما بذلك(3) .

 

    والخبر الأول في ذكره في رؤساء قريش الوليد بن المغيرة المخزومي يعارض ما رواه الطبرْسي نفسه في «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين عليه‏السلام اذ عدّه من المستهزئين الخمسة أو الستة(4) وهو مارواه الصدوق أيضاً مسنداً في


(1) الزخرف : 31 ـ 32 .

(2) الاحتجاج 1 : 26 ـ 32 باختصار .

(3) الاحتجاج 2 : 255 . والطباطبائي نقل الخبر الأول ولم ينقل الثاني فى الميزان 18 : 106 .

(4) الاحتجاج 1 : 321 و322 .

(601)

«الخصال»(1) وفيه أنهم ماتوا في يوم واحد حين نزول قوله سبحانه : « إنا كفيناك المستهزئين » من سورة الحجر النازلة قبل السجدة بخمس عشرة سورة . فيبقى الخبر الثاني عن الامام الهادي عليه‏السلام بلا معارض ، وفيه بدل الوليد اُميّة بن أبي الصلت الثقفي نفسه .

 

    ويشترك مع الخبر الأول من «الاحتجاج» في ذكر الوليد ، مانقله الطبرْسي في «مجمع البيان» عن قتادة عن ابن عباس . ووافق خبر قتادة خبري «الاحتجاج» في رجل الطائف أ نّه : عروة بن مسعود الثقفي . وانفرد مجاهد فيهما أنهما : عتبة بن أبي ربيعة من مكّة ، وابن عبد ياليل من الطائف ، وانفرد ابن عباس في رجل الطائف : أ نّه حبيب بن عمرو الثقفي(2) ووافق القمي في تفسيره خبري «الاحتجاج» وقتادة في رجل الطائف أ نّه عروة بن مسعود ، وقال : هو عمّ المغيرة بن شعبة الثقفي ، ولم يذكر رجل مكّة(3) ومسعود وحبيب وعبد ياليل اخوة ابناء عمرو بن مسعود الثقفي كما في «مجمع البيان»(4)

فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الهجرة الى الحبشة
كتاب النبيّ الى النجاشي
وفد قريش الى النجاشي
خروج الحبشة على النجاشي
جوار أبي طالب ، والوليد
حديث شعب أبي طالب رضى‏الله‏عنه
إيمان أبي طالب رضى‏الله‏عنهإيمان أبي طالب رضى‏الله‏عنه
السورة الحادية والستون ـ «السجدة (فصّلت)»
السورة الثالثة والستون ـ «الزخْرف»
السورة الرابعة والستون ـ «الدخان»
السورة السادسة والستون ـ «الأحقاف»
السورة التاسعة والستون ـ «الكهف»
السورة السبعون ـ «النحل»
مقتل ياسر وسمية وتعذيب ابنهما عمّار
صحيفة المقاطعة الظالمة
وفاة أبي طالب وخديجة
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
 (2) يشير بذلك الى قصة فصيل ناقة صالح عليه‏السلام ، فالراغية من الرُغاء وهو صوت الابل ، والسَقْب : ولد الناقة .

(595)

أفيقوا أفيقوا قبل أن يُحفَرَ الثرى    ويُصبحَ من لَمْ يَجْن ذنباً كذي الذنب(1)

 

    وروى هذه القصيدة ابن اسحاق وأضاف :

 

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

جوار أبي طالب ، والوليد :

    قال ابن اسحاق : كانت اُمّ أبي سلمة المخزومي : برة بنت عبد المطّلب ، اخت أبي طالب ، فكان أبو طالب خال أبي سلمة ، ولذلك دخل مكّة في جواره .

    ثمّ روى عن أبيه اسحاق بن يسار ، عن حفيد أبي سلمة : سلمة بن عبد اللّه بن عمر بن أبي سلمة ، أ نّه حدّثه : أن أبا سلمة لمّا استجار بأبي طالب مشى اليه رجال من بني مخزوم فقالوا له : يا أبا طالب ، لقد منعتَ منّا ابن أخيك محمّدا ، فمالك ولصاحبنا تمنعه منّا ؟ قال : اِنّه استجار بي ، وهو ابن اختي ، واِن أنا لم أمنع ابن اختي لم أمنع ابن أخي .

    فقام أبو لهب فقال : يا معشر قريش ، واللّه لقد اكثرتم على هذا الشيخ ، ما تزالون تتواثبون عليه في جواره من بين قومه ، واللّه لتنتهنّ عنه أو لنقومنّ معه في كل ما قام فيه حتّى يبلغ ما أراد !

    فقالوا : بل ننصرف عمّا تكره يا أبا عتبة .

    فحين سمعه أبو طالب يقول ما يقول رجا فيه أنْ يقوم معه في شأن رسول اللّه ، فقال (قصيدة) يحرّض بها أبا لهب على نصرته ونصرة رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ .

    ثمّ ذكر عشرة أبيات منها قوله :

 

كذبتم ـ وبيت اللّه ـ نَبزي(2) محمّدا    ولمّا تروا يوما ـ لدى الشعب ـ قائما(3)


 جزى اللّه عنّا : عبد شمس ، ونوفلاً  وتيما ، ومخزوما : عقوقا وماثما(1)
 (1) بتخفيف الهمزة من المأثمّ ، وهذا من شواهد ما أشتهر عن قريش أ نّهم كانوا يخفّفون الهمزة ، همزة الوسط لا الأوّل .

(588)

    ويظهر من هذا البيت الأخير أنّ ذلك كان في حين حصار الشِعب ، فالنبيّ كان بجوار عمّه أبي طالب ، ودخل فيه معه ابن عمّة النبيّ أبو سلمة ، وكذلك احتمى ذوو البيوتات والاُسر بعشائرهم ، وهاجر بعضُهم ومَن سواهم الى الحبشة ، ورجع منهم من رجع بجوار أو اختفى ، وبقي الباقون في الحبشة ، فرجع بعضهم الى المدينة بعد بدر ، وكان آخر من رجع العشرون رجلاً وأمرأة في السفينتين بعد الحديبية وقبل خيبر .

 

    وان كان ابو سلمة المخزومي قد ترك حمى عشيرته بني مخزوم مستجيرا بخاله أبي طالب ، فانّ عثمان بن مظعون الجُمحي دخل بجوار من الوليد بن المغيرة المخزومي(1) ، ولكنّه :

    لمّا رأى ما فيه أصحابُ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة ، قال : واللّه اِنّ غدوّي ورواحي آمنا بجوار رجلٍ من أهل الشرك ، وأصحابي وأهل ديني يلقَون من البلاء والأذى في اللّه مالا يصيبني ، لنقص كبير في نفسي .

 

    ثمّ مشى الى الوليد بـن المغيرة فقال له : يا أبا عبد شمس ، وفَتْ ذمّتك ، قد رددتُ اليك جِوارك . . . قال : فانطلق الى المسجد فاردد عليّ جواري علانية كما أجرتك علانية . فانطلقا فخرجا حتّى أتيا المسجد ، فقال الوليد : هذا عثمان قد جاء يرّد عليّ جواري . قال : صَدَق ، قد وجدتُه وفيّا كريم الجوار ولكنّي قد أحببت أن لا أستجير بغير اللّه ، فقد رددتُ عليه جواره . ثمّ انصرف .


(1) نبزي أي : ننفي محمّدا عن أنفسنا .

(2) سيرة ابن هشام 2 : 8 ـ 11 .

(3) فهذا الخبر أيضا من الأخبار الّتي تنافي هلاك الوليد مع المستهزئين الستة .

(589)

    وكـان لبيد بن ربيعة الشاعر جالسا في مجلس قريش ينشدهم ، فجلس معهم عثمان ، فقال لَبيد : ألاكلُّ شيء ـ ما خلا اللّه ـ باطلٌ . فقال عثمان : صدقت . قال لبيد : وكلُّ نعيم ـ لا محالة ـ زائل . فقال عثمان : نعيم الجنة لا يزول . فقال لبيد : يا معشر قريش ، واللّه ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم ؟

    فقال رجل من القوم : اِنّ هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا ، فلا تجدنّ في نفسك من قوله .

    فردّ عليه عثمان حتّى استشرى أمرهما وعظم ، فقام اليه الرجل فلطم عينه فخضّرها(1) .

    والحوار في الخبر ـ إن صحّ ـ بين الرجل من قريش ولبيد الشاعر يُشعر بعدم انتشار أخبار الإسلام بما يبلغ الشاعر لبيد بن ربيعة ، وكذلك ينمّ عن عدم منابذة المسلمين للمشركين كافة بما يحترز معه ابن مظعون عن مجالستهم في أنديتهم ومجالسهم والاستماع الى شعرائهم .

 

    بينما مرّ في خبر أبي سلمة المخزومي شعر أبي طالب يقول :

 كذبتم وبيت اللّه نبزي محمّدا  ولمّا تروا يوما ـ لدى الشعب ـ قائما

    ويظهر منه ـ كما مرّ ـ أن ذلك كان في حين حصار الشِعب ، وقد ذكر القمي والطبْرسي والراوندي وابن شهر آشوب أن مدة الحصار كانت أربع سنين(2) وقد قال الثلاثة ـ ما عدا القمي ـ : إنّ أبا طالب مات بعد ذلك


(1) سيرة ابن هشام 2 : 8 ـ 10 وقد اطلق الخضرة على السواد هنا كما قد يطلق السواد على الخضرة فيقال : سواد العراق يراد خضرة زروعها ، إذ الخضرة من بعيد زرقاء داكنة مكدّرة اللون .

(2) تفسير القمي 1 : 380 إعلام الورى : 50 وقصص الأنبياء : 329 والمناقب 1 : 65 .

(590)

بِشهرين . وقد روى الصدوق عن الصادق عليه‏السلام : أنّ أبا طالب لمّا حضرته الوفاة أوحى اللّه عزوجل الى رسول اللّه : اخرج منها فليس لك بها ناصر فهاجر الى المدينة(1) وروى العياشي عن علي بن الحسين عليهماالسلام : أن رسول اللّه لمّا فقد عمه أبا طالب أوحى اللّه اليه : يا محمّد اخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر الى المدينة فليس لك اليوم بمكّة ناصر(2) .

 

    وعليه فان بدء حصار الشِعب كـان متزامنا أو متقاربا مع بداية الهجرة الى الحبشة ، في شهر رجب من السنة الخامسة من مبعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) وبما أن بعثته كانت في شهر رجب على مذهب أهل البيت عليهم‏السلام كما مرّت أخباره ، فذلـك يعني أن هجرة الحبشة كانت في نهاية السنة الخامسة وبداية السادسة . وعلى قول ابن شهر آشوب : فلمّا توفي ابو طالب خرج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الطائف وأقام فيه شـهرا ثمّ انصرف الى مكّة ومكث بها سنة وستة أشهر في جوار المطعم بن عَدي(4) فالمجموع اكثر من عشر سنين بعد البعثة . ولذلك فنحن ننتقل هنا الى حديث شِعب أبي طالب رضى‏الله‏عنه .

 

 

حديث شعب أبي طالب رضى‏الله‏عنه :

    ذكر أبو جعفر الاسكافي في كتابه «نقض العثمانية» : أن أمير المؤمنين علياً عليه‏السلام قال في خطبة له مشهورة : «فتعاقدوا أن لا يعاملونا ولا يناكحونا ، وأوقدت الحربُ علينا نيرانها ، واضطرّونا الى جبل وَعر ، مؤمننا يرجو الثواب ، وكافرنا يحامي عن الأهل ؛ ولقد كانت القبائل كلها اجتمعت


(1) اكمال الدين : 172 .

(2) تفسير العياشي 1 : 257 .

(3) مجمع البيان 3 : 360 والمنتقى للكازروني : 44 كما في البحار 18 : 422 .

(4) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 173 ط قم .

(591)

عليهم ، وقطعوا عنهم المارّة والميرة ، فكانوا يتوقّعون الموت جوعاً ، صباحاً ومساءً ، لايَرون وجْهاً ولا فرجاً ، قد اضمحلّ عزمهم وانقطع رجاؤهم»(1) .

 

    قال الشيخ الطبرسي في «إعلام الورى» : اجتمعوا في دار الندوة وكتبوا بينهم صحيفة : أن لا يواكلوا بني هاشم ولا يكلموهم ولا يبايعوهم ولا يزوّجوهم ولا يتزوّجوا اليهم ولا يحضروا معهم ، حتّى يدفعوا اليهم (رسول اللّه) ليقتلوه ، وأنهم يد واحدة على محمّد ، يقتلونه غيلة أو صراحاً . وختموا الصحيفة بأربعين خاتماً ختمها كلّ رجل من رؤساء قريش بخاتمه وعلّقوها في الكعبة ، وتابعهم أبو لهب على ذلك ، ولم يدخل فيها مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد المطّلب(2) .

 

    وقال القمي في تفسيره : فلمّا اجتمعت قريش على قتل رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وكتبوا الصحيفة القاطعة جمع أبو طالب بني هاشم وحلف لهم بالبيت والركن والمقام والمشاعر في الكعبة : لئن شاكت محمّداً شوكة لأثبنّ عليكم ، أو لآتينّ عليكم ! وأدخله «الشِعب» وكان يحرسه بالليل والنهار قائماً على رأسه بالسيف أربع سنين(3) .

 

    وقال الطبرسي : وكان يحرسه بالليل والنهار : فاذا جاء الليل قام بالسيف عليه ورسول اللّه مضطجع ، ثمّ يقيمه ويُضجعه في موضع آخر ، فلا يزال الليل كلّه هكذا . ووكّل به ولده وولد أخيه( ؟) يحرسونه بالنهار .

 

    وكان أبو جهل ، والعاص بن وائل السهمي ، والنضر بن الحارث بن كلدة ، وعُقبة بن أبي مُعَيْط يخرجون الى الطُرُقات الّتي تدخل مكّة ، فمن رأوا


(1) نقض العثمانية للاسكافي : وعنه في شرح النهج للمعتزلي 13 : 254 .

(2) اعلام الورى : 49 و 50 وتلميذه الراوندي في قصص الأنبياء : 329 .

(3) تفسير القمي 1 : 380 .

(592)

معه ميرة نهوه أن يبيع بني هاشم شيئاً ، ويحذّرونه إنْ باع شيئاً أن ينهبوا ماله .

 

    فكان من يدخل من العرب مكّة لا يجسر أن يبيع بني هاشم شيئاً ، ومن دخلها وباعهم شيئاً انتهبوا ماله . وكانت خديجة لها مال كثير فانفقته على رسول اللّه في الشِعب .

    وبقوا في الشِعب أربع سنين لا يأمنون إلاّ في الموسـم ، ولا يشترون ولا يبايعون اِلاّ في الموسم ، وكان يقوم بمكّة في كلّ سنة موسمان : موسم العمرة فيرجب ، وموسـم الحج في ذي الحجة ، فكان اذا جاء الموسم خرج بنو هشام من الشِعب فيشترون ويبيعون ، ثمّ لا يجسر أحد منهم أن يخرج ، الى الموسم الثاني : فأصابهم الجهد بذلك .

    وكان رسولُ اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يخرج في كلّ موسم ويدور على قبائل العرب فيقول لهم : تمنعون جانبي حتّى أتلو عليكم كتاب اللّه ربّي ، وثوابكم على اللّه الجنة ؟ وأبو لهب في أثره يقول : لا تقَبلوا منه فانه ابن أخي وهو ساحر كذّاب .

    وكان أبو العاص بن الربيع ـ وهو ختن رسول اللّه على ابنته زينب ـ يجيء بالعير بالليل عليها البر والتمر الى باب الشِعب ثمّ يصيح بها فتدخل الشعب . ولذا قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «لقد صاهرنا أبو العاص فأحمَدَ صِهرَنا ، لقد كان يَعْمِد الى العير ـ ونحن في الحصار ـ فيرسلها في الشعب ليلاً» .

 

إيمان أبي طالب رضى‏الله‏عنه :

    وبعثت قريش الى أبي طالب : ادفع الينا محمّداً لنقتله ونملّكك علينا ! فقال ابو طالب قصيدته الطويلة الّتي يقول فيها :

(593)

 الم تعلموا أن ابننا لا مكذَّبٌ   لدينا ولا يُعنى بقول الأباطل
 وأبيضُ يُستسقى الغَمامُ بوجهه  ثِمالُ اليتامى ، عصمةٌ للأرامل
 يطوف به الهُلاّكُ من آل هاشم  فهم عنده في نعمة وفواضل
 كذبتم ـ وبيتِ اللّه ـ نُبزي محمّداً  ولمّا نطاعن دونه ونناضل
 ونُسْلِمُه ، حتّى نُصرَّعَ دونَه  ونُذْهلَ عن أبنائنا والحلائل
 لَعَمرْي لقد كُِلّفْتُ وَجْداً بأحمد  وأحببته حبَّ الحبيب المواصِل
 وجُدْتُ بنفسي دونه وحَمَيْتُه  ودافعتُ عنه بالذرا والكلاكل
 فلا زال في الدنيا جمالاً لأهلها  وشيناً لمن عادى ، وزينَ المحافل
 حليماً رشيداً حازماً غير طائشٍ  يوالي اِله الحقّ ليس بماحِل
 فأيّده ربّ العباد بنصره  وأظهر ديناً حقُه غير باطِل

    فلما سمعوا هذه القصيدة أيسوا منه(1) .

    وذكر الخبر ابن شهر آشوب وأضاف : كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اذا أخذ مضجعه ونامت العيون جاء أبو طالب فأنهضه عن مضجعه وأضجع علياً مكانه ووكّل عليه ولده وولد أخيه ( ؟) فقال علي عليه‏السلام : ياأبتاه انّي مقتول ذات ليلة . فقال أبو طالب :

 

 

لفداء الأعز ذي الحسب الثا    قب والباع والفناء الرحيب

إن تُصبك المنونُ بالنبل تَبْرى    فمصيب منها وغير مصيب


(1) إعلام الورى : 50 ، 51 . وذكرها تلميذه القطب الراوندي في : قصص الأنبياء : 339 .

 اصبرنْ يابُني فالصبر أحجى  كلُّ حيٍّ مصيره لشَعوب(2)
 (2) الشَعوب : الموت .

(594)

كلّ حيّ وان تطاول عمراً    آخذ من سهامها بنصيب

    فقال علي عليه‏السلام :

 أتأمرني بالصبر في نصر أحمد  وواللّه ما قلت الّذي قلت جازعاً
 ولكنّني أحببت أن تَرَ نُصْرتي  وتعلَمَ أني لم أزلْ لك طائعا
 وسعْيي لوجه اللّه في نصر أحمد  نبيّ الهدى المحمود طفلاً ويافعا

    وقبل هذا روى من شعر أبي طالب في الحصار :

 

ويعلمَ مَعْشَرٌ قطعوا وعقّوا    بأ نّهمُ همُ الجلد الظليمُ

أرادوا قتلَ أحمدَ ظالميه    وليس لقتله فيهم زعيم

ودون محمّد فتيان قوم    همُ العِرنين والعضو الصميم

 وقالوا : خُطَّةً جوراً وحُمْقاً  وبعض القول أبلج مستقيمُ :
 لِتَخرُجَ هاشم فيصير منها  بلاقِعَ بطنُ مكّة والحطِيمُ
 فمهلاً قومَنا لا تركبونا  بمظلمة لها أمر وخيمُ
 فيندْمَ بعضكُم ويذلَّ بعضٌ  وليس بمفلح أبداً ظلومُ
 فلا ـ والراقصات بكل خُرْقٍ(1)  الى معمور مكّة لا يريمُ

    وروى من قصيدة اخرى له يقول :

 ألم تعلموا أ نّا وجدنا محمّداً  نبيّاً كموسى خُطَّ في أوّل الكُتْبِ
 أليس أبونا هاشم شدّ أزْرَه  وأوصى بنيه بالطِّعانِ وبالضَربِ
 وإنّ الّذي علَّقْتُمُ من كتابكم  يكون لكم يوماً كراغية السَّقْبِ(2)
 (1) الخُرق : القفْر .
 

 

بمعترَكٍ ضيْق ترى كِسَرَ القنا    به ، والنسورَ الطّخم يعكفْن كَالشَّرْب(5)

 

ولَسْنا نَمَلُّ الحربَ حتّى تَمَلَّنا    ولا نشتكي ماقد ينوبُ من النَكْب

 

ولكنّنا أهل الحفائظ والنُّهى     اذا طار أرواحُ الكُماة من الرَّعْبِ

 ولاتَتْبَعوا أمر الوُشاة وتَقْطَعوا  أواصرنا بعد المودّة والقُرْبِ
 وتستجلبوا حَرْباً عواناً وربّما  أمرَّ ـ على من ذاقه ـ جَلَبُ الحربِ
 فلسنا ـ وربِّ البيتِ ـ نُسِْلم أحمداً  لعزّاءَ(2) من عَضَّ الزَمان ولا كرْب

    قـال ابن اسحاق : ويذكرون أن أبا جهل بن هشام لقي حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد ، ومعه غلام يحمل قمحاً يريد به عمّته خديجة بنت خويلد وهي مع رسول اللّه في الشعب ، فتعلق ابو جهل بحكيم وقال له : أتذهب بالطعام الى بني هاشم ؟ واللّه لا تبرح أنت وطعامك حتّى افضحك بمكّة ! فجاء ابو البختريّ بن هِشام فقال له : مالك وله ؟ فقال : يحمل الطعام الى بني هاشم ! فقال له أبو البختريّ : طعام كان لعمّته عنده فبعثت اليه فيه ، افتمنعُه أن يأتيها بطعامها ! خلّ سبيل الرجل ، فأبى أبو جهل حتّى نال أحدهما من صاحبه ، فأخذ أبو البختري لَحْيَ بعير فضربَه به فشجّه ووطأه وطْأً شديداً .


(1) مناقب آل أبي طالب 1 : 63 ـ 65 .

 
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch06-03.htm