فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

وفد قريش الى النجاشي :

    قال علي بن ابراهيم القمي في تفسيره : لمّا اشتدّت قريش في أذى رسول اللّه وأصحابه الّذين آمنوا به بمكّة قبل الهجرة ، أمرهم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يخرجوا الى الحبشة ، وأمر جعفر بن أبي طالب أنْ يخرج معهم .

    فخرج جعفر ، ومعه سبعون رجلاً من المسلمين حتّى ركبوا البحر .

    فلمّا بلغ قريش خروجهم بعثوا عمرو بـن العاص وعمارة بن الوليد الى النجاشي ، ليردّوهم اليهم ، وكان عمرو وعمارة متعاديين . . . فبرئت بنو مخزوم من جناية عمارة ، وبرئت بنو سهم من جناية عمرو بن العاص(1) .

    فوردوا على النجاشي ، وكانوا قد حملوا اليه هدايا فقبلها منهم .

 

    ثمّ قال عمرو بن العاص : أيّها الملك ، اِنّ قوما منّا خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا وصاروا اليك ، فردّهم الينا .

    فبعث النجاشي الى جعفر فجاؤوا به .

    فقال له : يا جعفر ، ما يقول هؤلاء ؟ قال جعفر : أيّها الملك وما يقولون ؟ قال : يسألون أنْ أردّكم اليهم . قال : أيّها الملك ، سَلْهم : أعبيد نحن لهم ؟ فقال عمرو : لا ، بل أحرار كرام . قال : فسلْهم : ألهم علينا ديون يطالبوننا بها ؟ قال : لا ، مالنا عليكم ديون . قال : فلكم في أعناقنا دماء تطالبوننا بها ؟ قال عمرو : لا . قال : فما تريدون منّا ؟ ! آذيتمونا فخرجنا من بلادكم .

    فقال عمرو بن العاص : أيّها الملك خالَفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا


(1) فلمّا ركبوا السفينة شربوا الخمر ، فقال عمارة لعمرو بن العاص ـ وكان قد اخرج معه أهله ـ قل لأهلك تقبّلني ، فقال عمرو : لا يجوز هذا ! فسكت عمارة ، ولمّا انتشى عمرو ـ وكان على صدر السفينة ـ دفعه عمارة والقاه في البحر ، فتشبّث عمرو بصدر السفينة وأدركوه فأخرجوه .

(576)

وأفسدوا شبابنا وفرّقوا جماعتنا ، فردّهم الينا لنجمع أمرنا .

 

    فقـال جعفر : نعم أيّها الملك ، خالفناهم بأ نّه بعث اللّه فينا نبيّا أمر بخلع الأنداد ، وترك الاستقسام بالأزلام ، وأمرنا بالصلاة والزكاة(1) ، وحرّم الظلم والجور ، وسفك الدماء بغير حقها ، والزنا ، والربا ، والميتة والدم(2) وأمرنا بالعدل والاحسان ، وإيتاء ذي القربى ، وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي .

    فقـال النجاشي : بهذا بعث اللّه عيسى بن مريم عليه‏السلام ! ثمّ قال :


(1) وردت الزكاة في السور المكية منها في المزمّل في قوله سبحانه : « وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأقرضوا اللّه قرضا حسنا » (المزمل : 20) وهي السورة الثالثة أو الرابعة ، وفي سورة الأعراف قوله سبحانه : « ورحمتي وسعت كلّ شيء فسأكتبها للذين يتّقون ويؤتون الزكاة » (الأعراف : 156) وهي السورة التاسعة والثلاثون أو الأربعون في النزول ، فهي قبل سـورة مريم الرابعة والأربعين الّتي تلا منها جعفر على النجاشي . نعم يُدّعى أ نّها آيات مدنيات في سور مكية ، لأن تشريع الزكاة لم يكن في مكّة قبل الهجرة بل في المدينة بعد الهجرة ببضع سنين ولكن لا ملازمة بين التسليم بتشريع الزكاة في المدينة وبين قبول هذه الدعوى بكون الآيات مدنية في سور مكية ، اِلاّ اذا سلّمنا بأن الزكاة في هذه الآيات بمعنى الزكاة المفروضة دون المندوبة ، ولنا مندوحة عن قبول ذلك بترجيح تفسير الزكاة في هذه الآيات بالزكاة بالمعنى اللغوي العام أي الصدقات المستحبة المندوب اليها . وبذلك نتوسع في معنى الأمر في كلام جعفر بما يعم الندب أيضا . وبهذا نتفصّى عن الاشكال بورود الزكاة في كلام جعفر .

    ولكن لا مناص عـن اشكال ورود الصيام في كلامه أيضا . اِلاّ ان ذلك لا يقودنا الى القول بأن الرواية موضوعة كما ذهب اليه أحمد أمين في فجر الإسلام : 76 ، كما لا يقودنا ذلك الى الالتزام بأن الصيام قد شرع في مكّة قبل الهجرة أي قبل نزول آيتها في السنة الثانية بعد الهجرة ضمن آيات سورة البقرة . بل نحتمل السهو في حديث اُم سـلمة أو أحد الرواة ، أو أن يكون ذلك مرجّحا لكون هذه المناظرة بعد وقعة الأحزاب أو بعد بدر كما رواه الحلبي في سيرته كما مرّ ، ولكن يلازم ذلك أن نلتزم بأن التشريعات الجديدة كانت تصلهم في الحبشة كيفما كان ، وليس ذلك ببعيد .

(2) ان أوّل ما نزل من القرآن في تحريم الميتة في الآية : 121 من سورة الأنعام ، وهي السورة 55 في ترتيب النزول ، فيحتمل أن تكون الهجرة بعدها ، ولا نجزم به اذ فيها : « وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم » وقبلنا فيه بقول الطبْرسي بأن المراد به بيان النبيّ لا القرآن .

(577)

يا جعفر ، هل تحفظ ممّا أنزل اللّه على نبيّك شيئا ؟ قال : نعم ، ثمّ قرأ عليه «سورة مريم» فلمّا بلغ الى قوله : « وهُزّي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيّا فكلي واشربي وقرّي عينا » .

 

    فلمّا سمع النجاشي بهذا بكى بكاءً شديدا وقال : هذا واللّه هو الحقّ .

    فقال عمرو بن العاص : أيها الملك ، اِنّ هذا مخالفنا فردّه الينا .

    فرفع النجاشي يده فضرب بها وجه عمرو ، ثمّ قال : اسكت ، واللّه ـ يا هذا ـ لئن ذكرته بسوء لا فقدنك نفسك !

    فقام عمرو بن العاص من عنده والدماء تسيل على وجهه ، وهو يقول : اِنْ كان هذا كما تقول ـ أيها الملك ـ فإنّا لا نتعرض له .

    ورجع عمرو الى قريش فأخبرهم أنّ جعفرا في أرض الحبشة في اكرم كرامة(1) .

    وروى ابن اسحاق بسنده عن زوج رسول اللّه اُمّ سلمة هند ابنة أبي اُميّة بن المغيرة المخزومي أ نّها قالت : لمّا نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها


(1) وكانت على رأس النجاشي وصيفة له تذب عنه ، فنظرتْ الى عمارة بن الوليد ، فلمّا رجع عمرو بن العاص الى منزله قال لعمارة : لو راسلت جارية الملك ، فراسلها فأجابته ، فقال له عمرو : قل لها : تبعث اليك من طيب الملك شيئا . فقال لها ، فبعثت اليه ، فأخذ عمرو من ذلك الطيب ، فادخل عمرو الطيب على النجاشي وقال : أيّها الملك ان حرمة الملك عندنا وطاعته علينا وما يكرمنا اذا دخلنا بلاده ونأمن فيه : أن لا نغشه ولا نريبه ، وان صاحبي هذا الّذي معي قد أرسل الى حرمتك وخدَعَها فبعثت اليه من طيبك . ثمّ وضع الطيب بين يديه فغضب النجاشي وهمّ بقتل عمارة ، ثمّ قال : لا يجوز قتله فانهم دخلوا بلادي فلهم أمان ، ثمّ دعا السحرة فقال لهم : اعملوا به شيئا أشد عليه من القتل ، فأخذوه ونفخوا في احليله الزئبق فصار مع الوحش يغدو ويروح ولا يأنس بالناس ، فبعثت قريش بعد ذلك فكمنوا له في موضع حتّى ورد الماء مع الوحش فأخذوه ، فما زال يضطرب في أيديهم ويصيح حتّى مات ، كما في تفسير القمي 1 : 176ـ 178 وعنه في اعلام الورى : 43 ـ 45 بلا أسناد وكذلك اليعقوبي 2 : 30 والإصفهاني عن الواقدي في الأغاني 8 : 50 .

(578)

النجاشي خير جار : أمنّا على ديننا وعبدنا اللّه تعالى لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه .

 

    فلمّا بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أنْ يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين منهم جَلدَين ، وأن يُهدوا للنجاشي هدايا ممّا يُستطرف من متاع مكّة ، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأَدَم ، فجمعوا له أَدَما كثيرا ، فلم يتركوا من بطارقته بطريقا اِلاّ أهدوا له هدية . وبعثوا بذلك عبد اللّه بن أبي ربيعة وعمرو بـن العاص ، وأمروهما بأمرهم فقالوا لهما : ادفعا الى كلّ بطريق هديته قبل أن تكلما النجاشي فيهم ، ثمّ قدّما الى النجاشي هداياه ، ثمّ سلاه أن يسلمهم اليكما قبل أن يكلمهم .

    فخرجا حتّى قدما على النجاشي . . . فلم يبقَ من بطارقته بطريق اِلاّ دفعا اليه هديته قبل أن يكلما النجاشي ، وقالا لكلّ بطريق منهم : أ نّه قد لجأ الى بلد الملك منّا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاؤوا بدين مبتَدَع لا نعرفه نحن ولا أنتم ، وقد بعثَنا الى الملك فيهم أشراف قومهم ليردّهم اليهم ، فاذا كلّمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يُسلمَهم الينا ولا يكلّمهم ، فان قومهم أعلم بما عابوا عليهم . فقالوا لهما ، نعم .

    ثمّ انهما قدّما هداياهما الى النجاشي فقبلها منهما ، ثمّ كلّماه فقالا له :

    أيّها الملك ، انه قد لجأ الى بلدك منّا غِلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك ، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت ، وقد بعثَنا اليك أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم ، لتردّهم اليهم ، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه .

    فقالت بطارقته مـن حوله : صدقا أيها الملك ، فان قومهم اعلم بما

(579)

عابوا عليهم ، فأسلمْهم اليهما فليردّاهم الى بلادهم وقومهم .

 

    فغضب النجاشي وقـال : لا هااللّه ، اِذا لا أسلمهم اليهما ، ولا يُكاد لقوم جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي ، حتّى ادعوهم فأسألهم عمّا يقول هذان في أمرهم ، فان كان كما يقولان أسلمتهم اليهما ورددتهم الى قومهم ، وان كانوا على غير ذلك منعتُهم منهما وأحسنت جوارَهم ما جاوروني .

    ثمّ أرسل الى أصحاب رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ فدعاهم فلمّا جاءهم رسوله اجتمعوا وقال بعضهم لبعض : ما تقولون للرجل اذا جئتموه ؟ قـالوا : نقول ـ واللّه ـ ما علمْنا وما أمرَنا به نبيّنا ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ كائنا في ذلك ما هو كائن .

    فلمّا جاؤوا سألهم النجاشي ـ وقد دعا أساقفته حوله ـ فقال لهم : ما هذا الدين الّذي قد فارقتم فيه قومكم ؟ ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الملل ؟

    فكان الّذي كلّمه جعفر بن أبي طالب فقال له : أيّها الملك ، كنّا قوما أهـل جاهلية : نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونُسيء الجوار ، ويأكل القويّ منا الضّعيف ؛ فكنّا على ذلك ، حتّى بعث اللّه الينا رسولاً منّا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافَه ، فدعانا الى اللّه لنوحّده ونعبده ، ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم وحسن الجوار ، والكفّ عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصَنات ، وأمرَنا أن نعبد اللّه وحده لا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة ـ وعدّد عليه اُمور الإسلام ثمّ قال ـ فصدّقناه

(580)

وآمنّا به ، واتّبعناه على ما جاء به من اللّه : فعبدنا اللّه وحده فلم نُشرك به شيئا ، وحرّمنا ما حرّم علينا وأحللنا ما أحلّ لنا . فعدا علينا قومنا فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا من عبادة اللّه الى عبادة الأوثان ، وأن نستحلّ ما كنا نستحل من الخبائث . فلمّا قهرونا وظلمونا وضيّقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا الى بلادك واخترناك على من سواك ورغبنا في جوارك ورجونا أن لا نُظلَم عندك أيّها الملك .

 

    فقال له النجاشي : هل معك مِمّا جاء به عن اللّه من شيء ؟ فقال جعفر : نعم . قال النجاشي : فاقرأه عليّ . فقرأ صدرا من « كهيعص »(1) فبكى ـ واللّه ـ النجاشي حتّى اخضلّت لحيته وبكت أساقفته حتّى أخْضلوا مصاحفهم حين سمعوا ماتلا عليهم ، ثمّ قال النجاشي : إنّ هذا والّذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة . ثمّ قال لعمرو وعبيد اللّه : انطلقا فلا ـ واللّه ـ لا اُسلمهم اليكما ولا يكادون . فخرجا من عنده .

    وقال عمرو بن العاص : واللّه لآتينّه غدا عنهم بما استأصل به خضْراءهم ؛ واللّه لاُخبرنّه أ نّهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبدٌ . وكان عبد اللّه بن ربيعة أتقى الرجلين فقال : لا أفعل فان لهم أرحاما .

    فغدا عليه عمرو من الغد فقال له : أيّها الملك ، اِنّهم يقولون في عيسى ابن مريم قولاً عظيما ، فأرسل اليهم فسَلْهُم عمّا يقولون فيه : فأرسل اليهم ليسألهم عنه .

    فاجتمع القوم فقـال بعضهم لبعض : ماذا تقولون في عيسى بن مريم اذا سألكم عنه ؟ قالوا : نقول ـ واللّه ـ ما قال اللّه وما جاء به نبيّنا ، كائنا في ذلك ما هو كائن .


(1) مريم : 1 ، وهي السورة الرابعة والأربعون في ترتيب النزول .

(581)

    فلمّا دخلوا عليه قال لهم : ماذا تقولون في عيسى بن مريم ؟ فقال جعفر بن أبي طالب : نقول فيه بالّذي جاء به نبيّنا ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ : هو عبد اللّه ورسوله وروحه وكلمته ، ألقاها الى مريم العذراء البتول .

    فضرب النجاشي بيده الى الأرض فأخذ منها عودا ثمّ قال : واللّه ما عدا عيسى بن مريم ما قلتَ هذا العودَ (أي بمقداره) فتناخرت بطارقته حوله ، فقال لهم : وإنْ نخرتم واللّه .

    ثمّ قال للمسلمين : اذهبوا فانتم شيُوم (آمنون) ومن سبّكم غَرِم ، من سبّكم غَرِم ، وما اُحبّ أن لي دَ بَرا (اي جبلاً) من ذهب وأني آذيت رجلاً منكم .

    ثمّ قال لرجاله : ردّوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بهما .

    فخرجا من عنده مقبوحَين مردودا عليهما ما جاءا به .

    وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار(1) .

    رضي اللّه عن أمِّ المؤمنين اُمّ سلمة اذ سلم لنا حديثها هذا المسند الوحيد عـن هجرة الحبشة ووفد قريش اليها في طلبهم ، وهي أحد المهاجرين اليها الأكثر من ثمانين رجلاً وامرأة ، ولم يسلم لنا سواه حديث مسند آخر عن أحد سواها من سائر المهاجرين الثمانين . اللهم اِلاّ ما نقلناه عن القميّ في تفسيره مرسلاً وبلا اسناد ، وما مرّ عن عمرو بن العاص ، مع ما بين هذه الأخبار الثلاثة من تفاوت بيّن ، ولا سيّما بين خبري اُمّ سلمة وعمرو بن العاص ، ولا سيّما من جهة عدم اشارته الى أيّ شيء ممّا حدّثت عنه اُمّ سلمة ممّا يتعلق بـه وبلقائه السابق بالنجاشي كوافد من قبل قريش


(1) سيرة ابن هشام 1 : 357 ـ 362 .

(582)

في طلب المهاجرين ، بل هويتحدث عن لقائه هذا الأخير وكأ نّه أوّل لقاء له به فيما يرتبط بالإسلام ، وان كان ينقل عنه أ نّه قال فيه : «مرحبا بصديقي» وأ نّه سجد له كما كان يصنع ، فكأ نّه يتنكّر لما كان منه في الوفادة عن قريش الى الحبشة .

 

 

 

خروج الحبشة على النجاشي :

    قال ابن اسحاق : وحدثني جعفر بن محمّد عن أبيه(1) قال : اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي : اِنّك قد فارقت ديننا .

    فأرسل الى جعفر وأصحابه فهيّأ لهم سُفنا وقال : اركبوا فيها وكونوا كما أنتم ، فان هُزمت فامضوا حتّى تلحقوا بحيث شئتم ، واِن ظفرت فاثبتوا .

    ثمّ عمد الى كتاب فكتب فيه : هو يشـهد أن لا اِله اِلاّ اللّه ، وأنّ محمّدا عبده ورسوله ، ويشهد أنّ عيسى بن مريم عبده ورسوله وروحه وكلمته ، القاها الى مريم ، ثمّ جعله في قبائه عند المنكب الأيمن ، وخرج الى الحبشة فقال :

    يا معشر الحبشة ! ألستُ أحقَ الناس بكم ؟ قالوا : بلى ، قال : فكيف رأيتم سيرتي فيكم ؟ قـالوا : خير سيرة ، قال : فما بالكم ؟ قالوا : فارقت ديننا وزعمت أنّ عيسى عبدٌ ! قال : فما تقولون أنتم في عيسى ؟ قالوا : نقول : هو ابن اللّه ، فوضع يده على صدره على قبائه وقال : هو يشهد أنّ عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئا . ـ وهو يعني ما كتب ـ فرضوا


(1) ولذلك عدّ الشيخ الطوسي ابن اسحاق من أصحاب الصادق عليه‏السلام في رجاله : 281 . كما عدّه في أصحاب الباقر عليه‏السلام : 135 .

(583)

وانصرفوا عنه(1) .

 

    وقـد روى في آخر خبر اُمّ سلمة قالت : فو اللّه انا لَعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه . . . وسار اليه النجاشي وبينهما عرض النيل (كذا) .

 

    فقال أصحاب رسول اللّه : مَن رجل يخرج حتّى يحضر الوقيعة ثمّ يأتينا بالخبر ؟ فقال الزبير بن العوّام ـ وكان من أحدث القوم سنّا ـ أنا ، قـالوا : فأنت ، فنفخوا له قربةً فجعلها في صدره ثمّ سبح عليها حتّى خرج الى ناحية النيل الّتي بها ملتقى القوم ، ثمّ انطلق حتّى حضرهم . فو اللّه انا لعلى ذلك ، متوقعون لما هو كائن ، إذ طَلَعَ الزّبير وهو يسعى فَلَمَعَ بثوبه وهو يقول : ألا أبشروا ، فقد ظفر النجاشي وأهلك اللّه عدوّه ومكّن له في بلاده . . .

    ورجع النجاشي وقد أهلك اللّه عدوّه ومكّن له في بلاده واستوسق عليه أمر الحبشة . فكنّا عنده في خير منزل حتّى قدمنا على رسول اللّه وهو بمكّة(2) .

    روى ابن اسحاق هذا الخبر عن ابن شهاب الزُهْري عن اُمّ سلمة بواسطة قريبها أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي ، ثمّ قال ابن اسحاق : قال الزُهْري : فحدّثْتُ عروة بن الزبير حديث أبي بكر بن عبد الرحمن عن اُمّ سلمة(3) وغاية ما يفيده هذا الخبر تقرير عروة بن الزبير لخبر اُمّ سلمة عن الزّبير ، ولم يرد الحديث بذلك عـن هجرة الحبشة عن الزبير نفسه ولا


(1) سيرة ابن هشام 1 : 365 .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 362 .

(3) سيرة ابن هشام 1 : 363 .

(584)

بواسطة أحد أبنائه ولا سيّما عروة المحدث المؤرخ ! وبعد هذا حدّث ابن اسحاق بحديث الامام الصادق عليه‏السلام عن خروج الحبشة على النجاشي ، وغاية ما فيه : أ نّهم خرجوا عليه فأرسل الى جعفر وأصحابه قال : فان هُزمت فامضوا . . . وان ظفرت فاثبتوا . . . وخرج الى الحبشة وقد صفّوا له . . . فرضوا وانصرفوا . . . وليس فيه أن اللّه أهلك عدوّه وظفر النجاشي . فهذه زيادة في خبر اُمّ سلمة . بينما يعوزه ما في حديث الامام الصادق عليه‏السلام من تهيئة السفن وركوبهم فيها وانتظارهم لخبره . واذا كان لابدّ من ترجيح ففي حديث الامام الصادق عليه‏السلام من المرجّحات ما ليس في الخبر عن اُمّ سلمة .

 

    ولا يفوتنا آخر خبر اُمّ سلمة إذ قالت : حتّى قدمنا على رسول اللّه وهو بمكّة . ثمّ ليس في الخبر ولم يذكر ابن اسحاق أو ابن هشام متى كان هذا الرجوع ؟ ثمّ هي تقول : قدمنا ، ولا تستثني أحدا . ولكنّ الظاهر أ نّها عوّلت على المعلوم يوم حديثها لقريبها أبي بكر المخزومي . بينما يقول ابن اسحاق : وبلغ أصحاب رسول اللّه الّذين خرجوا الى أرض الحبشة إسلام أهل مكّة ، فأقبلوا لمّا بلغهم ذلك ، حتّى اذا دنوا من مكّة بلغهم أنّ ما كانوا تحدّثوا به من اسلام أهل مكّة كان باطلاً ، فلم يدخل أحدٌ اِلاّ بجوار أو مستخفيا(1)منهم : عثمان بن عَفّان ومعه امرأته رقية بنت رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ وأبو سلمة المخزومي ومعه امرأته اُمّ سلمة المخزومية . والسكران بـن عمرو ومعه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس . وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم معه امرأته اُمّ كلثوم بنت سُهيل بن عمرو ، وعديله أبو حذيفة بن عتبة ومعه امرأته سهلة بنت سُهيل بن عمرو ، وأخوها عبد


(1) سيرة ابن هشام 2 : 3 .

(585)

اللّه بن سهيل بن عمرو . وعامر بن ربيعة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَمِنة . فهؤلاء عشرة أزواج . ومن غيرهم : الزبير بن العّوام ، ومُصعب بن عمير ، وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة بن الجراح والمقداد بن عمرو ، وعبد اللّه ابن مسعود ، وعمّار بن ياسر ، وعثمان بن مظعون ، وأخواه : عبد اللّه وقُدامة ، وابنه السائب بن عثمان . ومن ثَمَّ يقول ابن اسحاق : فجميع مَن قدم مكّة من أصحابه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ من أرض الحبشة ثلاثة وثلاثون رجلاً(1) .

 

    هذا وقد سبق منه القول بأ نّهم كانوا : اثنين وثمانين رجلاً وامرأة(2) .

 

    وقال عن جميع من قدم المدينة من الّذين حملهم النجاشي مع عمْرو ابن اُميّة الضّمري في السفينتين الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إنّهم كانوا ستة عشر رجلاً ، ومحمّد والحارث ابنا حاطب الجُمحي مع اُمّهم فاطمة بنت المجلَّل ، وعبد اللّه بن المطّلب الزُّهْري مع اُمّه رملة بنت أبي عوف السّهمي ، قدمتا بأبنائهما بعد هلاك أزواجهما في الحبشة ، في احدى السفينتين .

 

    ثمّ عدّ تسعة(3)نفر ممّن هلك مِن الرجال بأرض الحبشة مسلمين ، وواحـدا منهم تنصّر بها ، هو عبيد اللّه بن جحش حليف بني اُميّة وصهر أبي سفيان على ابنته رملة اُمّ حبيبة ، لمّا قدم أرض الحبشة تنصّر بها فكان اذا مرّ بالمسلمين من أصحاب رسول اللّه قال : فقَحنا وصأصأتم(4) أي : انا


(1) سيرة ابن هشام 2 : 3 ـ 10 .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 353 .

(3) سيرة ابن هشام 4 : 10 عد سبعة ثمّ عدّ رجلاً من أبنائهم ، وفي 4 : 7 عدّ ممن هلك المطّلب بن أزهر الزّهري ، ثمّ لم يعدّه ضمن الثمانية .

(4) اِن الجرو ـ ولد الكلب ـ اذا أراد أن يفتح عينيه للنظر صأصأ ـ أي صوّت ـ قبل ذلك ، فاذا فتح عينيه أوّل ما يفتح وهو صغير قيل : فقح الجرو ، واستعارهما هنا للانسان فضربه لهم وله مثلاً !

(586)

قد فتّحنا أعيننا فأبصرنا ولم تفتحوا أعينكم فتبصروا وأنتم تلتمسون ذلك ! ومات بها نصرانيا . ولذلك تزوّج امرأته رسول اللّه بواسطة النجاشي قبل رجوعهم الى المدينة بعد الحديبية وقبل خيبر . وكان معها ابنتها حبيبة ، وبها كانت تكنّى .

 

    وعدّ مِمّن هلك بماء شربوه في طريق الرجوع : موسى بن الحارث واختيه عائشة وزينب واُمّهم ريطة ابنتي الحارث ولم يبق من الاسرة سوى ابنتهم فاطمة .

    وبالجملة فقد عدّ ابن اسحاق عدا من قدم على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مكّة ، وسوى من حملهم النجـاشيّ في السفينتين ، مِمّن تخلّف عن بدر وقدم بعد ذلك ، عدّهم : أربعة وثلاثين رجلاً(1) فهؤلاء مع من قدم مكّة : ثلاثة وثلاثون رجلاً ، ومن حملهم النجـاشي في السفينتين : ستة عشر رجلاً ، فيكون المجموع : أربعة وثمانين رجلاً ، سوى النساء . وقد عدّ جميع من هاجر الى أرض الحبشة من النساء : ستّ عشرة امرأة ، سوى بناتهن اللاتي ولدن هنالك(2) وعدّ ممن وُلد من أبنائهم بأرض الحبشـة : خمسة ، ومن البَنات : خمسا أيضا(3) فيكون المجموع : مائة وعشرة أشخاص من الرجال والنساء والبنين والبنات ، وهم مع من مات منهم والّذي تنصّر مائة وعشرون .

 

 

 


(1) سيرة ابن هشام 4 : 10 .

(2) سيرة ابن هشام 4 : 10 .

(3) سيرة ابن هشام 4 : 11 .

(587)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch06-02.htm