فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل السادس

 

 

 

 

 

 

 

الهجرة الاُولى

 

 

(561)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الهجرة الى الحبشة :

    قال ابن اسحاق : فلمّا رأى رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية بمكانه من اللّه ومن عمه أبي طالب ، وأ نّه لا يقدر على أن يمنعهم ممّا هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم الى أرض الحبشة ، فانّ بها ملكا لا يُظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق ، حتّى يجعلَ اللّه لكم فرجَا ممّا أنتم فيه .

    فخرج عند ذلـك المسلمون من أصحاب رسول اللّه الى أرض الحبشـة ، مخافة الفتنة ، وفِرارا الى اللّه بدينهم ، فكانت أوّل هجرة في الإسلام .

    وكـان أوّل من خرج من المسلمين : أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي ، ومعه امرأته اُم سلمة بنت أبي اُميّة بن المغيرة المخزومي .

    وعثمان بن عَفّان بن أبي العاص بن اُميّة ، ومعه امرأته رقيّة بنت رسول اللّه . وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ، ومعه امرأته سهلة بنت سهيل

(563)

ابن عمرو ، ووَلدت له بأرض الحبشة محمّد بن أبي حذيفة .

 

    وعامر بـن ربيعة العدوي ، ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثمْة العدوي .

    والزبير بن العوّام بن خويلد بن أسد .

    ومصعب بن عمير ، من بني عبد الدار .

    وعبد الرحمن بن عوف الزُهْري .

    وأبو سَبْرة بن أبي رُهْم العامري .

    وسهيل بن وهب الفهري .

    وعثمان بن مظعون الجُمحي(1) وكان عليهم عثمان بن مظعون ، في قول ابن هشام(2) وروى الواقدي : أنّ الّذين هاجروا الهجرة الاولى خرجوا متسلّلين سرّا ، وكـانوا أحد عشر رجلاً وأربع نسوة ، حتّى انتهوا الى الشُعيبة ، منهم الراكب ومنهم الماشي ، ووفق اللّه للمسلمين ـ ساعة جاؤوا ـ سفينتين للتّجار حملوهم فيهما الى أرض الحبشة بنصف دينار ، وكان مخرَجُهم في : رجب في السنة الخامسة من حين نُبّى‏ء رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ وخرجت قريش في آثارهم حتّى جاؤوا البحر ، حيث ركبوا ، فلم يدركوا منهم أحدا(3) .

    وقـال اليعقوبي : لمّا رأى رسول اللّه ما فيه أصحابه من الجُهد والعذاب وما هو فيه من الأمن بمنع أبي طالب عمّه اياه ، قال لهم : ارحلوا مهاجرين الى أرض الحبشة الى النجاشي ، فإنّه يُحسن الجوار .

 

    فخرج في المرة الاُولى : اثنا عشر رجلاً .


(1) سيرة ابن هشام 1 : 322 ، 323 عن ابن اسحاق ، وأضاف الواقدي : عبد اللّه بن مسعود كما في الطبقات 1 : 204 وعنه في الطبري 2 : 330 .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 324 منه .

(3) طبقات ابن سعد 1 : 204 وعنه في الطبري 2 : 329 .

(564)

    وفي المرة الثانية : سبعون رجلاً ، سوى أبنائهم ونسائهم .

    وكان لهم عند النجاشي منزلة(1) .

    وقد مرّ خبر ابن اسحاق وقد وصف رحلة من عدّهم مع عثمان بن مظعون الى الحبشة بالهجرة الاُولى ، ولكنّه بعد عدّهم قال : «ثمّ خرج جعفر ابن أبي طالب رضى‏الله‏عنه وتتابع المسلمون حتّى اجتمعوا بأرض الحبشة فكانوا بها ، منهم من خرج بأهله معه ، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه» ثمّ أخذ في عدّهم وأنسـابهم ، فعدّ من بني هاشم رجلاً واحدا هو : جعفر بن أبي طـالب ومعه امرأته أسماء بنت عميس الخَثْعمية ، ووَلدت له بأرض الحبشة عبد اللّه بن جعفر . ثمّ عدّ من بني اُميّة وحلفائهم سبعة نفر ، فعدّ أولهم : عثمان بن عَفان ومعه رقية ابنة رسول اللّه ، وعمرو بن سعيد بن العاص ، وخالد بن سعيد بن العاص ، ومعهما نساؤهما . ومن حلفائهم : عبد اللّه بن جَحْش وأخوه عبيد اللّه (وهو الّذي تنصّر في الحبشة) معه امرأته اُمّ حبيبة بنت أبي سـفيان ، وقيس بن عبد اللّه ومعه امرأته بَرَكة مولاة أبي سفيان .

 

    ثمّ عدّ من بني نوفل رجلاً ، ومن بني عبد بن قصي رجلاً ، ومن بني عبد شمس رجلين ، ومن بني أسد من قريش أربعة نفر منهم الزبير بن العوام ابن خويلد بن أسد ، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد ، ويزيد بن زمعة ابن الأسود بن المطّلب بن أسد (وزمعة أو أبوه الأسود احد المستهزئين الستة) .ومن بني عبد الدار خمسة نفر منهم : مصعب بن عمير . ومن بني زهرة وحلفائهم من بَهراء وهُذيل ستة نفر منهم : عبد الرحمن بن عوف ، وأبو وقاص وابنه عامر ، وعبد اللّه بن مسعود وأخوه عتبة ، والمقداد بن


(1) اليعقوبي : 2 : 29 .

(565)

عمرو من قُضاعة ، وكان قد تبنّاه في الجاهلية الأسود بن عبد يغوث من بني زهرة ، فكان يقال له : المقداد بن الأسود . ومن بني تيم رجلين . ومن بني مخزوم وحلفائهم ثمانية نفر منهم : أبو سلمة عبد اللّه بن عبد الأسد ومعه امرأته اُمّ سلمة هند بنت أبي اُميّة بن المغيرة المخزومي ، وهشام بن أبي حذيفة بـن المغيرة ، وعيّاش بن أبي ربيعة بن المغيرة . وسلمة بن هشام . ومن بني جُمح أربعة عشر رجلاً منهم : عثمان بن مظعون ، وابنه السائب بن عثمان ، وأخواه قدامة بـن مظعون ، وعبد اللّه بن مظعون ، ومن بني سهم أربعة عشر رجلاً . ومن بني عدي خمسة نفر . ومن بني عامر ثمانية نفر . ومن بني الحارث بن فهر ثمانية نفر منهم : أبو عبيدة عامر بن عبد اللّه بن الجرَّاح .

 

    ثمّ قال ابن اسحاق : فكان جميع من لحق بأرض الحبشة وهاجر اليها من المسلمين ـ سوى أبنائهم الّذين خرجوا بهم معهم صغارا أو ولدوا بها ـ ثلاثة وثمانين رجلاً ، اِنْ كان عمّار بن ياسر فيهم ، وهو يشك فيه(1) .

    إذن فهو في هذا العدّ يعدّد أهل الهجرة الثانية الى الحبشة وعليهم جعفر بن أبي طالب ، ولعلّه في عدده ـ ثلاثة وثمانين رجلاً ـ قد جمع أهل الهجرة الاُولى مع الثانية ، بينما اليعقوبي جرّد أعداد الهجرة الثانية فقط فقال بالسبعين ، أو باستثناء النساء والأطفال كما قال .

 

    وكذلك فعل القمي في تفسيره إذ قال : لمّا اشتدّت قريش في أذى رسول اللّه وأصحابه أمرهم رسول اللّه أنْ يخرجوا الى الحبشة ، وأمر جعفر ابن أبي طالب أنْ يخرج معهم ، فخرج جعفر وخرج معه سبعون رجلاً من


(1) سيرة ابن هشام 1 : 345ـ 353 ونقله الطبري بعبارة : وقال آخرون . وذكر العدد : اثنين وثمانين ، الطبري 2 : 330 ورواه عن محمّد بن اسحاق كذلك 2 : 331 .

(566)

المسلمين حتّى ركبوا البحر(1) .

 

 

كتاب النبيّ الى النجاشي :

    وهنا روى الطبْرسي في «إعلام الورى» عن الحافظ الحسكاني عن ابن اسحاق ، والطبري عن ابن اسحاق أيضا قال : «بعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عمرو بن اُميّة الضَمْري الى النجاشي في شأن جعفر بن أبي طالب وأصحابه وكتب معه كتابا» ثمّ ذكر صورة الكتاب ، وجواب النجاشي(2) .

    ولا يوجد الخبر في سـيرة ابن هشام ، وظاهر الطبْرسي أنّ هذا الكتاب كان من مكّة حين خرج عمرو بن العاص مع عمارة بن الوليد الى الحبشـة ، حسب خبر الطبْرسي نفسه ، ومع عبد اللّه بن أبي ربيعة حسب خبر ابن اسحاق عن اُمّ سلمة كما يأتي وفي الكتاب أمر بإكرام جعفر وأصحابه وقِراهم ، فالمناسب أن يكون في بداية الهجرة مع جعفر ، أو مع خروج عمرو بن العاص الى الحبشة سفيرا من قبل معاندي مكّة لا يذاء جعفر وأصحابه .

 

    ويظهر من الحلبي في السيرة : أنّ عمرو بن العاص خرج الى الحبشة بعد غزوة بدر واِنّ رسول اللّه لمّا بلغه ذلك بعث عمرو بن اُميّة الى النجاشي بكتاب يوصي فيه بالمسلمين ، قال : «لمّا أوقع اللّه بالمشركين يوم بدر ورجعوا خائبين قالوا : إنّ ثارنا بأرض الحبشة ، فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد اللّه بـن أبي ربيعة الى النجاشي ليدفع اليهما مَن عنده من المسلمين ،


(1) تفسير القمي 1 : 176 .

(2) إعلام الورى : 45 ، 46 وفي مستدرك الحاكم 2 : 623 ، 624 والطبري 2 : 652 ، 653 .

(567)

فلمّا بلغ ذلك رسول اللّه بعث الى النجاشي عمرو بن اُميّة الضَمْري بكتاب يوصي فيه بالمسلمين»(1) .

 

    واتفقوا على أنّ الرسول الى النجاشي هو عمرو بن اُميّة الضَمْري ، ولكنّهم اختلفوا في إسلامه : ففي «اُسد الغابة» عن أبي نُعيم : أ نّه أسلم قديما وهاجر الى الحبشة ، ثمّ هاجر الى المدينة وأوّل مشاهده بئر معونة(2) وعليه فلا اشكال لا في حمله الكتاب الأوّل ولا في حمله الكتاب الثاني بعد صلح الحديبية وقبل خيبر في تجهيز المسلمين من الحبشة الى المدينة . ولكن في «الاستيعاب» و«الاصابة» عن ابن سعد(3) : أ نّه شهد بدرا واُحدا مع المشركين ، وأسلم بعد اُحد . وعليه فلم يكن وقتئذٍ مسلما ، فلا يصح حمله الكتاب الأوّل حتّى بعد بدر بناءً على خبر الحلبي بإرسال المشركين لعمرو ابن العاص الى الحبشة بعد بدر . ولذا فقد أورد الحلبي على نفسه بذلك ، وفي الجواب رجّح خبر إرسال المشركين لعمرو الى الحبشة بعد الأحزاب ، في السنة الخامسة للهجرة .

 

    وقد روى الخبر هذا ابن اسحاق في السيرة بسنده الى عمرو بن العاص نفسه قال : لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق جمعتُ رجالاً من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون منّي ، فقلت لهم : تعلمون ـ واللّه ـ انّي أرى أمر محمّد يعلو الاُمور علوّا منكرا ، وانّي قد رأيت أمرا فما ترون فيه ؟ قالوا : وماذا رأيت ؟ قلت : رأيت أنْ نلحق بالنجاشي فنكون عنده ، فإن ظهر محمّد على قومنا كنّا عند النجاشي ، فإنّا أن نكون تحت يديه أحبّ الينا


(1) سيرة الحلبي 3 : 212 . وانظر : مكاتيب الرسول 1 : 120 ـ 130 ط الاولى .

(2) اُسد الغابة 1 : 61 ، 99 .

(3) الطبقات 1 : 258 .

(568)

من أن نكون تحت يدي محمّد ، وإنْ ظهر قومُنا فنحن من قد عرفوا ، فلن يأتينا منهم اِلاّ خير . قالوا : اِنّ هذا الرأي . قلت : فاجمعوا لنا ما نُهدي له . وكان أحبّ ما يُهدى اليه من أرضنا الأَدم . فجمعنا له أَدَما كثيرا ، ثمّ خرجنا حتّى قدمنا عليه .

 

    فواللّه إنّا لعنده إذ جاءه عمرو بن اُميّة الضَمْري ـ وكان رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآلـه ] وسلّم ـقد بعثه اليه في شأن جعفر وأصحابه ، فدخل عليه وخرج من عنده ـ فقلت لأصحابي : هذا عمرو بن اُميّة الضَمْري ، لو قد دخلت على النجاشي وسألته إيّاه فأعطانيه فضربت عنقه ، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أني قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمّد .

    فدخلت عليه فسجدت له ـ كما كنت أصنع ـ فقال : مرحبا بصديقي ؛ أهديت إليّ من بلادك شيئا ؟ قلت : نعم أيها الملك ، قد أهديت اليك أَدَما كثيرا ، ثمّ قرّبته اليه ، فأعجبه . ثمّ قلت له : أيّها الملك ، انّي قد رأيت رجلاً خرج مـن عندك وهو رسول رجل عدوّ لنا ، فأعطينه لأقتله ، فإنّه قد أصابَ من أشرفنا وخيارنا .

    قال : فغضب ثمّ مدّ يده فضرب بها أنفي ضربةً ظننت أ نّه قد كسره ، فلو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فَرقَا منه . فقلت له : واللّه لو ظننت أ نّك تكره هذا ما سألتكه . قال : أتسألني أن اُعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الّذي كـان يأتي موسى لتقتله ! قلت : أيّها الملك ، أكذلك هو ؟ قـال : ويحك يا عمرو أطعني واتّبعه ، فإنّه واللّه لعلى الحق ، وليظهرنّ على من خالفه كما ظهر موسى على فرعون وجنوده . . . فخرجت الى أصحابي وقد حال رأيي عمّا كان عليه .

    ثمّ خرجت عامدا الى رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ

(569)

فلقيت خالدَ بن الوليد وذلك قُبيل الفتح . . . فقدمنا المدينة على رسول اللّه(1) .

 

    هذا وقد قال من قبل : «لمّا انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق» ثمّ خرجنا فقدمنا عليه ، فواللّه إنّا لعنده إذ جـاءه عمرو بن اُميّة الضَمْري ، وكان رسول اللّه قد بعثه اليه في شأن جعفر وأصحابه» .

 

    انّ ارسال رسول اللّه لعمرو بن اُميّة الى النجاشي في شأن جعفر وأصحابه إمّا كان في بداية هجرتهم لطلب ايوائهم وحمايتهم والارفاق بهم ، أو في نهايتها في تجهيز المسلمين الى المدينة في السنة السابعة قبل خيبر . فرحلة عمرو بن العاص هذه أمّا كانت بعد الأحزاب فى أواخر السنة الخامسة ، لأن غزوة الأحزاب كانت في شوال سنة خمس من الهجرة ، أو كانت رحلته في أوائل السادسة ، وبعد عام في أوائل السابعة ورد عليهم عمرو بن اُميّة حاملاً كتابَ النبيّ الى النجاشي ، حينما كتب الى الملوك والرؤساء .

    وهنا تختلف نسخ الكتاب : فأكثر نسخ الكتاب يشتمل على الوصية بجعفر وأصحابه ، وبعضها خلو عنها : «كصبح الأعشى»(2) للقلقشندي (ت 821) و«المواهب اللدنية في السيرة النبوية»(3) للقسطلاني (ت 923) و«انسان العيون في سيرة الأمين المأمون»(4) المعروف بالسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي (ت 1044) وهذا ما تأيّد به البروفيسور حميد اللّه المستوفي في كتابه القيّم «الوثائق السياسية» فقال : «وممّا يجدر ذكره أن الحلبي


(1) سيرة ابن هشام 3 : 289 ، 290 بتلخيص آخر الخبر .

(2) صبح الأعشى في صناعة الانشاء 6 : 379 .

(3) المواهب اللدنية بشرح الزرقاني 3 : 379 .

(4) السيرة الحلبية 3 : 279 .

(570)

والقسطلاني والقلقشندي لا يذكرون عبارة : وقد بعثت اليك ابن عمي . . .» في متن المكتوب ، وهي لا توجد في متن المكتوب الّذي اكتشف حديثا . . . فنظن : أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد اعطى ابن عمه جعفرا كتابا الى النجاشي وقت هجرته الى الحبشة . . .»(1) .

 

    بينما سائر المصادر تذكر هذه العبارة ، وكلها بما فيها هذه الثلاثة تذكر جواب النجاشي الى النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وفيه : «وقد عرفنا ما بعثت به الينا ، وقد قَريْنا ابن عمك وأصحابه ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمّك واسلمت على يديه للّه رب العالمين»(2) .

 

    ثمّ الكتاب خلو عن تجهيز المسلمين من الحبشة اليه الى المدينة ، كما هو خلو عن خطبته لاُمّ حبيبة ابنة أبي سفيان بواسطة النجاشي ، بينما من المستبعد جدّا أن يكون كلا الأمرين متأخرين عن عهد هذه الرسالة .

 

    ولعلّ الجواب الصحيح هو ما رواه الطبري عن الواقدي قال : أرسل رسولُ اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ الى النجاشي ليزوّجه اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، ويبعث بها اليه مع مَن عنده من المسلمين(3) من دون ذكر كتاب في ذلك .

    ولم يذكر الواقدي ولا الطبري اسم الرسول بهذه الرسالة الشفوية ولا ألفاظها ، ولكن ابن سـعد ذكر أن الرسول هو عمرو بن اُميّة نفسه وذكر شطرا من رسالته الشفوية الى النجاشي ولكن من دون ذكر خطبة النبيّ لاُمّ


(1) الوثائق السياسية : 46 ـ 48 رقم 23 .

(2) الطبري 2 : 652 ، 653 واعلام الورى : 45 ، 46 والكامل 2 : 63 واسد الغابة1 : 62 والبداية 3 : 84 وزاد المعاد 3 : 61 وصبح الأعشى 6 : 466 والسيرة الحلبية وزيني دحلان وإعلام السائلين .

(3) الطبري 2 : 653 .

(571)

حبيبة ولا طلب تجهيز المسلمين اليه الى المدينة ، قال :

 

    قـال عمرو بن اُميّة : يا أصحمة ! (كذا) اِنّ عليّ القول وعليك الاسـتماع ! إنّك كأ نّك في الرقة علينا منّا ، وكأ نّا في الثقة بك منك ، لأ نّا لم نظنّ بك خيرا قطّ اِلاّ نلناه ولم نحفظك على شرّ قط اِلاّ أمنّاه ، وقد أخذنا الحجة عليك مـن قِبل آدم ، والانجيل بيننا وبينك شاهد لا يُرد وقاضٍ لا يجور [ فأسلم ] وفي ذلك موقع الخير واصابة الفضل ، واِلاّ فأنت في هذا النبيّ الاُميّ كاليهود في عيسى بن مريم ، وقد فرّق رسله الى الناس ، فرجاك لمّا لم يرجهم له ، وأمنك على ما خافهم عليه ، لخير سالف وأجر يُنتظر .

    فقال النجاشي : أشهدُ باللّه أ نّه النبيّ الّذي ينتظره أهل الكتاب ، وأنّ بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل ، وانّه ليس الخبر كالعيان ، ولكن أعواني من الحبشة قليل ، فأنظرني حتّى اكثر الأعوان واُليّن القلوب ، ولو استطيع أن آتيه لأتيته(1) .

    ولنعد الآن الى ذكر نصّ كتاب النبيّ الى النجاشي بالروايتين : الخالية عن ذكر جعفر والّتي فيها ذكره ، على التوالي :

 

    «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، من محمّد رسول اللّه الى النجاشي عظيم الحبشة ، سـلام على من اتبع الهدى ، أمّا بعد : فإنّي أحمد اليك اللّه الّذي لا اله اِلاّ هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشهدُ أنّ عيسى بن مريم روح اللّه وكلمته ألقاها الى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى من روحه ونفخه ، كما خلق آدم بيده .

    وانّي أدعوك الى اللّه وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن


(1) الطبقات 1 : 259 وعنه في سيرة الحلبي 3 : 279 وزيني دحلان بهامش سيرة الحلبي 3 : 67 .

(572)

تتّبعني وتوقن بالّذي جاءني ، فإنّي رسول اللّه ، وانّي أدعوك وجنودك الى اللّه عزّوجلّ .

 

    وقد بلّغت ونصحت ، فاقبلوا نصيحتي . والسلام على من اتبع الهدى(1) .

    «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، من محمّد رسول اللّه الى النجاشي الأصحم ملك الحبشة ، سلام عليك ، فإنّي أحمدَ اليك اللّه الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ، وأشـهد أنّ عيسى بن مريم روح اللّه وكلمته ، ألقاها الى مريم البتول الطيبة الحصينة ، فحملت بعيسى فخلقه من روحه ونفخه ، كما خلق آدم بيده ونفخه .

 

    وانّي أدعوك الى اللّه وحده لا شريك له ، والموالاة على طاعته ، وأن تتبعني وتؤمن بالّذي جائني فإنّي رسولُ اللّه ، وقد بعثت اليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين ، فإذا جاؤوك فاقِرهم ودع التجبّر . وانّي أدعوك وجنودك الى اللّه عزّوجلّ .

    وقد بلّغتُ ونصحتُ فاقبلوا نصحي . والسلام على من اتبع الهدى(2) .

    فلمّا وصل الكتاب الى النجاشي أخذه ووضعه على عينيه ونزل عن سريره وجلس على الأرض اِجلالاً واعظاما ، ثمّ اسلم ودعا بحُقّ من عاج


(1) صبح الأعشى 6 : 379 . والمواهب اللدنية بشرح الزرقاني 3 : 379 . والسيرة الحلبية 3 : 279 .

(2) أقدم من نقله عن ابن اسحاق : الطبري 2 : 652 ثمّ الحاكم الحسكاني في المستدرك 2 : 624 . ثمّ الطبْرسي في إعلام الورى : 45 . ثمّ ابن الأثير في اسد الغابة 1 : 62 والكامل 2 : 63 . وروى الرسالة ابن كثير في البداية 3 : 84 وابن القيم في زاد المعاد 3 : 61 وأشار ابن سعد في الطبقات 1 : 258 ورواها المستوفي في الوثائق السياسية : 46 عن مصادر منها اعلام السائلين لابن طولون . وبحث حولها المحقق الأحمدي في مكاتيب الرسول 1 : 121ـ 131 .

(573)

وجعل فيه الكتاب(1) .

 

    ثمّ أحضر جعفرا وأصحابه وأسلم على يدي جعفر وكتب بذلك الى رسول اللّه : «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، الى محمّد رسول اللّه ، من النجاشي : الأصحم بن أبْجَر ، سلام عليك يا نبيّ اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، من اللّه الّذي لا إله اِلاّ هو ، الّذي هداني الى الإسلام .

 

    أمّا بعد ؛ فقد بلغني كتابك ـ يا رسولَ اللّه ـ فيما ذكرت من أمر عيسى ، فوَرَبِّ السماء والأرض إنّ عيسى ما يزيد على ما ذكرت ثُفْروقا(2) اِنّه كما قلت . وقد عَرَفنا ما بُعثتَ به الينا ، وقد قَرَينا ابن عمك وأصحابه ، فأشهد أ نّك رسول اللّه صادقا مصدَّقا ، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك ، وأسلمت على يديه للّه ربّ العالمين .

    وقد بعثت اليك بابني أزها ابن الأصحم بن أبْجر(3) ، فإنّي لا أملك اِلاّ نفسي ، واِن شئتَ أن آتيكَ فعلتُ يا رسول اللّه ، فإنّي أشهد أنّ ما تقول حقّ ، والسلام عليك يا رسول اللّه»(4) .



(1) مكاتيب الرسول 1 : 128 عن الطبقات والسيرة الحلبية وزيني دحلان بهامش الحلبية 3 : 67 .

(2) الثُفْروق : قمع التمر ، ويكنّى به عن قلة الشيء ، يقال : ماله ثفروق ، أي ليس له شيء .

(3) في الروض الانف : أن عليا وجد أبا نيزر ابن النجاشي عند تاجر بمكّة فاشتراه منه واعتقه مكافأة لمّا صنع أبوه بالمسلمين . ويقال : إنّ الحبشة ارسلوا وفدا منهم الى أبي نيزر بعد أبيه النجاشي ليملّكوه فأبى عليهم وقال : ما كنت لا طلب الملك بعد أن منّ اللّه عليّ بالاسلام . ولم يكن لونه لون الحبشة بل كان حسن الوجه طويلاً .

(4) الطبري 2 : 653 عن ابن اسحاق ، وعنه في المستدرك 2 : 624 وعنه في إعلام الورى : 46 واُسد الغابة 1 : 62 والكامل 2 : 63 والبداية 3 : 84 وزاد المعاد 3 : 61 وصبح الاعشى 6 : 379 والمواهب اللدنية بشرح الزرقاني 3 : 379 والسيرة الحلبية 3 : 279 وسيرة زيني دحلان بهامش الحلبية 3 : 67 . ومجموعة الوثائق السياسية : 46 ، ومكاتيب الرسول 1 : 121 ـ 131 . ومن الغريب مع كل هذه المصادر تشكيك السيد الحسني في سيرته في صحة رواية اسلام النجاشي بعد أن نقل رواية الرسالة عن البداية لابن كثير ، سيرة المصطفى : 183 ، 184 .

(574)

    هذه هي اجابة النجاشي على كتاب النبيّ اليه في دعوته الى الإسلام ضمن كتبه الى الملوك والرؤساء بعد صلح الحديبية وقبل خيبر في أوائل السنة السابعة من الهجرة ، على ما يبدو من فحوى الرسالة ، كما في كلّ المصادر التأريخية تقريبا ، ومن المستعبد أن يكون كتاب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اليه وهذا الجواب من النجاشي عليه متزامنا مع بداية هجرة الحبشة كما يبدو هذا من الطبْرسي في «اِعلام الورى» عن الحاكم الحسكاني(1) .

 

 

 


(1) وقد تزامن مع هذا الكتاب والجواب أمران آخران هما : خطبة النبيّ لاُمّ حبيبة بواسطة النجاشي ، وتجهيزه المسلمين من الحبشة اليه الى المدينة ، وكتاب النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خلو منهما بروايتيه ، وقد مرّ تقريب أن يكون ذلك برسالة شفوية مع حامل الكتاب عمرو بن اُميّة الضَّمْري ، ولم يُروَ كتاب آخر في ذلك ، ومن المستبعد ذلك أيضا .

    وتفرّد من بين المصادر مصدران نقلا جوابين آخرين للنجاشي على كتابين آخرين للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في الأمرين ، هما «سواطع الأنوار» و«الطراز المنقوش» : أنّ النجاشي كتب اليه في جواب كتابه في تزويج اُمّ حبيبة :

    «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، الى محمّد ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ من النجاشي أصحمة (كذا) سلام عليك يا رسول اللّه من اللّه ورحمة اللّه وبركاته . أمّا بعد ؛ فإنّي قد زوّجتك امرأة من قومك وعلى دينك ، وهي السيدة اُمّ حبيبة بنت أبي سفيان ، وأهديتك هدية جامعة : قميصا وسراويل وعطافا وخُفّين ساذجين . والسلام عليك ورحمة اللّه وبركاته» .

    وكتب اليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في جواب كتابه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في تجهيز المسلمين الى المدينة :

    «بسم اللّه الرّحمن الرّحيم ، الى محمّد ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ من النجاشي أصحمة (كذا) سلام عليك يا رسول اللّه من اللّه ورحمة اللّه وبركاته ، لا إله اِلاّ الّذي هداني للإسلام ، أمّا بعد فقد ارسلت اليك ـ يا رسول اللّه ـ من كان عندي من أصحابك المهاجرين من مكّة الى بلادي ، وها أنا ارسلت اليك ابني اريجا (كذا) في ستين رجلاً من أهل الحبشة ، وان شئتَ أتيتك بنفسي فعلت يا رسول اللّه ، فإنّي أشهد أنّ ما تقول حق ، والسلام عليك يا رسول اللّه ورحمة اللّه وبركاته» كما في الوثائق السياسية : 48 عن الباب الأوّل من الطراز المنقوش وسواطع الأنوار : 81 .

(575)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch06-01.htm