فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

 السورة الخامسة والخمسون ـ «الأنعام» :

    الّتي نزلت جملة واحدة كما في خبر اُبي بن كعب عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما في «مجمع البيان»(1) . وخبر العياشي عن الامام الصادق عليه‏السلام (2) والقميّ عن الرضا عليه‏السلام (3) وفيها قوله سبحانه : « ولو نزّلنا عليك كتابا في قرطاس فَلَمسوه بأيديهم لقـال الّذين كفـروا اِن هذا اِلاّ سحرٌ مّبين وقـالوا لـولا اُنـزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقُضي الأمـر ثمّ لا يُنظرون ولو جعلناه ملكـا لجعلنـاه رجلاً وللبسنا عليهم ما يلبسون »(4) .

    وروى الطبْرسي عن الكلبي قال : نزلت في عبد اللّه بن أبي اُميّة ونضر بـن الحارث ونوفل بن خويلد ، قالوا : يا محمّد لن نؤمن لك حتّى تأتينا بكتاب مـن عند اللّه ومعه أربـعة من المـلائكة يشـهدون عليه أ نّـه من عنـد اللّه وأ نّك رسـوله(5) وكذلك رواه ابـن شهر آشـوب فـي


(1) مجمع البيان 4 :421 وعن عكرمة وقتادة .

(2) تفسير العياشي 1 : 353 .

(3) تفسير القميّ 1 : 193 .

(4) الأنعام : 7 ـ 9 .

(5) مجمع البيان 4 : 428 .

(540)

المناقب(1) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « قل أغير اللّه أتّخذ وليّا فاطر السموات والأرض وهو يُطْعِم ولا يُطْعَم قل إنّي اُمرتُ أن أكون أوّل مَن أسلَم ولا تكونَنَّ من المشركين قل إنّي أخاف إنْ عصيت ربي عذاب يوم عظيم »(2) .

 

    قـال الطبْرسي قيل : إنّ أهل مكّة قالوا لرسول اللّه : يا محمّد تركتَ ملة قومك ، وقد علمنا أ نّه لا يحملك على ذلك اِلاّ الفقر ، فإنّا نجمع لك من أموالنا حتّى تكون أغنانا ، فنزلت الآية(3) ونقله كذلك ابن شهر آشوب في «المناقب»(4) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « قُلْ أيّ شيء أكبر شهادة قُـلِ اللّه شهيد بيني وبينكم واُوحي إليّ هذا القرآن لاُنذركم به ومن بلغ أئنكم لتشهـدون أنّ مع اللّه آلهة اُخرى قُـلْ لا أشهد قُـلْ إنّما هـو إله واحـد وانّني بـريء ممّا تشركون الّذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الّذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون »(5) .

 

    في «تفسير القميّ» برواية أبي الجارود عن الامام الباقر عليه‏السلام قال : إنّ مشركي أهل مكّة في أوّل ما دعاهم رسول اللّه قالوا له : يا محمّد ! ما وجد اللّه رسولاً يُرسله غيرك ؟ ! ما نرى أحدا يصدّقك بالذي تقول ، ولقد سألنا عنك اليهود والنصارى فزعموا أ نّه ليس لك ذكر عندهم . فأتنا بمن يشهد


(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 48 .

(2) الأنعام : 14 ـ 15 .

(3) مجمع البيان 4 : 433 .

(4) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 49 .

(5) الأنعام : 19 ، 20 .

(541)

أ نّك رسول اللّه . فقال رسول اللّه : « اللّه شهيد بيني وبينكم »(1) وروى الطبْرسي مثله عن الكلبي(2) وكذلك ابن شهر آشوب في «المناقب»(3) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « ومنهم من يستمع اليك وجعلنا على قلوبهـم أكنّةً أن يفقهوه وفي آذانهم وقْرا وإنْ يروا كلّ آية لا يؤمنوا بها حتّى اذا جاؤوك يجادلونك يقول الّذين كفروا اِنْ هذا اِلاّ أساطيرُ الأوّلين »(4) .

 

    قال الطبْرسي في «مجمع البيان» قيل : إنّ نفرا من مشركي مكّة منهم : أبو سفيان بن حرب وعتبة وشيبة ابنا ربيعة ،والنضر بن الحارث والوليد بن المغيرة(5) وغيرهم ، جلسوا الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو يقرأ القرآنَ ، فقالوا للنضر : ما يقولُ محمّد ؟ فقال : أساطيرُ الأوّلينَ مثل ما كنت اُحدثكم عن القرون الماضية ، فأنزل اللّه هذه الآية .

 

    وروي : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يصلي بالليل ويقرأ القرآنَ في الصلاة جهرا ، رجاء أنْ يستمع الى قراءته انسان فيتدبر معانيه ويؤمن به ، فكان المشركون اذا سمعوه آذوه ومنعوه عن الجهر بالقراءة ، فكان اللّه تعالى يلقي عليهم النومَ أو يجعل في قلوبهم أكنّة ليقطعهم عن مرادهم(6) .

    وفيها قوله سبحانه : « وهم ينهونَ عنه وينأونَ عنه وإن يهلكون اِلاّ


(1) تفسير القميّ 1 : 195 .

(2) مجمع البيان 4 : 436 والواحدي في أسباب النزول: 174 عن الكلبي أيضا .

(3) المناقب للسروي 1 : 50 .

(4) الأنعام : 25 .

(5) كذا ، والمفروض أنـّه هلك مع المستهزئين الستة قبل نزول الأنعام .

(6) مجمع البيان 4 : 442 .

(542)

أنفسهم وما يَشعرون »(1) قال الطبْرسي : أي ينهون الناس عن اتباع النبيّ ويتباعدون عنه فرارا منه ، أو ينهون الناس عن استماع القرآن ويتباعدون عن استماعه ، كما عن محمّد بن الحنفية وابن عبّاس والحسن والسدي وقتادة ومجاهد ، وقال مقاتل وعطاء : عَنى به أبا طالب بن عبد المطّلب ! وهذا لا يصح ؛ لأنّ هذه الآية معطوفة على ما تقدمها وما تأخر عنها معطوف عليها ، وكلها في ذم الكفار المعاندين(2) وفيها قوله سبحانه : « قد نعلم إنّه ليحزنك الّذي يقولون فإنّهم لا يكذّبونك ولكنّ الظالمين بآيات اللّه يجحدون »(3) .

 

    قال الطبْرسي في مجمع البيان : روي : أنّ أبا جهل قال للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ما نتّهمك ولا نكذّبك ، ولكنّا نتّهم الّذي جئت به ونكذّبه(4) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « وإن كان كَبُرَ عليك اعراضهم فإنْ استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلّما في السماء فتأتيهم بآية ولو شاء اللّه لجمعهم على الهدى فلا تكوننّ من الجاهلين »(5) .

 

    في «تفسير القميّ» في خبر أبي الجارود عن الامام الباقر عليه‏السلام قال : كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يحبّ اسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ، دعاه رسول اللّه أن يُسلم فغلب عليه الشقاء ، فشقّ ذلك على رسول اللّه


(1) الأنعام : 26 .

(2) مجمع البيان 4 : 444 .

(3) الأنعام : 33 .

(4) مجمع البيان 3 : 456 ونقله الواحدي في أسباب النزول : 176 عن أبي ميسرة وخبرا آخر عن السدي وقولاً آخر عن مقاتل .

(5) الأنعام : 35 .

(543)

فأنزل اللّه قوله : « واِنْ كان كَبُرَ عليك إعراضهم »(1) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « وأنذر به الّذين يخافون أن يُحشروا الى ربّهـم ليس لهم من دونه وليٌ ولا شفيع لعلّهم يتّقون ولا تطرد الّذين يدعون ربّهم بالغداة والعشيّ يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء ومـا مـن حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنّا بعضهم ببعض ليقولوا أهولاء مَنَّ اللّه عليهـم من بيننـا أليس اللّه بأعلم بالشـاكرين واذا جاءك الّذين يؤمنون بآياتنا فقل سلامٌ عليكم كتبَ ربُّكم على نفسهِ الرحمةَ أ نّه من عَمِلَ منكم سوءا بجهالة ثمَّ تاب من بعده وأصلح فأ نّه غفور رحيم »(2) .

 

    روى الطبْرسي عن الثعلبي باسناده عن عبد اللّه بن مسعود قال : مرّ الملأُ من قريش على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وعنده صهيب وخبّاب وبلال وعمّار وغيرهم من ضعفاء المسلمين ، فقالوا : يا محمّد ! أرضيت بهؤلاء عن قومك ؟ ! أفنحن نكون تبعا لهم ؟ ! أهؤلاء منَّ اللّه عليهم ؟ ! اطْرُدْهُمْ عنك ، فلعلّك إن طردتهم تبعناك ! فأنزل اللّه في ذلك قوله سبحانه : « ولا تطرد . . . »(3) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « ومن أظلمُ مِمّن افترى على اللّه كذبا أو قـال اُوحي اليّ ولـم يـوح اليه شيء ومـن قـال ساُنزل مثل ما أنـزل اللّه ولـو


(1) تفسير القميّ 1 : 198 .

(2) الأنعام : 51 ـ 54 .

(3) مجمع البيان 4 : 472 ورواه الواحدي في أسباب النزول : 176 والسيوطي في لباب النقول : 107 .

(544)

ترى إذ الظالمون في غمـرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخـرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على اللّه غيـر الحـق وكنتم عن آيـاته تستكبرون ولقـد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أوّل مـرّة وتركتم ما خوّلناكـم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفُعاءكم الّذين زعمتم أ نّهم فيكم شركاء لقد تقطّع بينكم وضلّ عنكم ما كنتم تزعمون »(1) .

 

    روى السيوطي في «الدر المنثور» عن عكرمة عن ابن عبّاس : أن النضر بن الحارث لفّق جُملات هكذا : والطاحنات طحنا والعاجنات عجنا . . . يقابل بها سورة المرسلات (الثالثة والثلاثين في النزول) فنزلت الآية(2) .

 

    وقال الطوسي : قال عكرمة إن الآية « ولقد جئتمونا فرادى . . . » نزلت في النضر بن الحارث بن كلدة حيث قال سوف يشفع فيّ اللات والعزّى(3) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « واذا رأيت الّذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتّى يخوضوا في حديث غيـره وأمّا يُنسينّك الشيطان فلا تقعد بعد الذكـرى مع القوم الظالمين وما على الّذين يتّقون من حسـابهم من شيء ولكن ذكرى لعلّهم يتّقون »(4) .

 

    روى الطَبْرسي عن الامام الباقر عليه‏السلام قال : لمّا نزلت « فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين » قال المسلمون : إن كان كلّما استهزأ المشركون


(1) الأنعام : 93 ، 94 .

(2) الدر المنثور 3 : 30 .

(3) التبيان 4 : 208 وعنه في مجمع البيان 4 : 521 .

(4) الأنعام : 68 ـ 69 .

(545)

بالقرآن قمنا وتركناهم فلا ندخل المسجد الحرام ولا نطوف بالبيت الحرام ؟ ! فأنزل اللّه : « وما على الّذين يتّقون من حسابهم من شيء ولكن ذكرى لعلّهم يتّقون » أمرهم بتذكيرهم وتبصيرهم ما استطاعوا . ثمّ نقل عن البلخي قال : كان ذلك في أوّل الاسلام وكان يختصّ بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ورخّص المؤمنين في ذلك بقوله : « وما على الّذين يتقون من حسابهم من شيء » ولمّا كثر المسلمون نسخت هذه الآية بقوله : « فلا تقعدوا معهم حتّى يخوضوا في حديث غيـره إنّكم اذا مثلهم »(1) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « ولاتسبّوا الّذين يدعـون من دون اللّه فيسبّوا اللّه عَدْوا بغير علم كذلك زينّا لكلّ اُمّة عملهم ثمّ الى ربّهم مرجعهم فينبّئهم بما كانوا يعملون »(2) .

 

    روى القميّ في تفسيره بسنده عن الامام الصادق عليه‏السلام قال : كان المؤمنون يسبّون ما يعبد المشركون من دون اللّه ، وكان المشركون يسبّون ما يعبد المؤمنون ، فنهى اللّه المؤمنين عن سبّ آلهتهم لكي لا يسبّ الكفار اله المؤمنين(3) .

 

    وأضاف الطبْرسي عن ابن عبّاس : أنّ المشركين قالوا لرسول اللّه : يا محمّد ! لتنتهينّ عن سبّ آلهتنا أو لنهجونّ ربّك ! فنزلت : « ولاتسبوا الّذين يدعون من دون اللّه »(4) .

 



(1) مجمع البيان 4 : 489 وروى السيوطي في ذلك خبرين عن ابن عبّاس وابن جريج في الدر المنثور : الأنعام .

(2) الأنعام : 108 .

(3)تفسير القميّ 1 : 213 . وفي التبيان 4 : 232 عن الحسن وفي أسباب النزول : 148 .

(4) مجمع البيان 4 : 537 . وفي التبيان عن الحسن البصري ، وهو ممن أخذ عن ابن عبّاس .

(546)

    ومنها قوله سبحانه : « وأقسموا باللّه جَهْـدَ أيمانهم لئن جاءتْهم آية ليؤمنُنّ بهـا قـل إنّما الآيـات عند اللّه ومـا يُشعركم أ نّها اذا جـاءت لا يؤمنون ونقلّب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أوّل مرّة ونذرهم في طغيانهم يعمهون ولو أ نّنا نزّلنا اليهم الملائكة وكلّمهُم الموتى وحشرنا عليهم كلّ شيء قبلاً ما كانوا ليؤمنوا اِلاّ أن يشاء اللّه ولكنّ أكثرهم يجهلون »(1) .

 

    روى الطبْرسي عن الكلبي ومحمّد بن كعب القرظي : قالت قريش : يا محمّد ! تخبرنا أنّ موسى كان معه عصا يضرب بها الحجر فتنفجر منه اثنتا عشرة عينا ، وتخبرنا أنّ عيسى كان يحيي الموتى ، وتخبرنا أنّ ثمود كانت لهم ناقة . . . فأتنا بآية من الآيات حتّى نصدّقك .

 

    فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أيّ شيء تحبّون أنْ آتيكم به ؟

    قالوا : اجعل لنا الصفا ذهبا ! وابعث لنا بعض موتانا حتّى نسألهم أحقّ ما تقول أمْ باطل ؟ وأرنا الملائكة يشهدون لك ، أو ائتنا باللّه والملائكة قبيلاً !

    فقـال رسول اللّه : فإن فعلت بعض ما تقولون أتصدّقونني ؟ قالوا : نعم ، واللّه لئن فعلت لنتّبعنّك أجمعين .

    وسأل المسلمون رسول اللّه أنْ ينزّلها عليهم حتّى يؤمنوا .

    فقام رسول اللّه يدعو أنْ يجعل اللّه الصفا ذهبا !

    فجاءه جبرئيل فقال له : إنْ شئت أصبح الصفا ذهبا ، ولكن إنْ لم يصدقوا عذّبتهم ! وإن شئت تركتهم حتّى يتوب تائبهم . فقال رسول اللّه : بل يتوب تائبهم . فأنزل اللّه تعالى هذه الآية(2) في الآيات العشر من الآية


(1) الأنعام : 109 ـ 111 .

(2) مجمع البيان 4 : 540 . ومعناه في التبيان 4 : 236 . وفي أسباب النزول : 180 .

(547)

112 الى الآية 122 بدأ اللّه بتسلية رسوله عن أقوال الكفّار تخرّصا أمام آيات الكتاب المنزل عليه ، وأنّ من اتّبع غيره ضلّ وأضلّ ، وأنّ أعداء الانبياء شياطين من الجن والانس ، وأنّ أقوالهم زخرف وافتراء واقتراف للاثم والباطل ، وحكم بغير ما أنزل اللّه ، ومن أطاعهم فقد ضلّ عن سبيل اللّه الى اتّباع الظنون والتخرّصات ، واللّه أعلم بالمهتدين والضّالّين عن سبيله ، ثمّ قال : « فكلوا مِمّا ذُكر اسمُ اللّهِ عليهِ إنْ كنتم بآيـاته مؤمنين ومالكم ألاّ تأكلوا مِمّا ذُكر اسمُ اللّهِ عليه وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم اِلاّ ما اضطررتم اليه وإنّ كثيرا ليُضلّون بأهوائهم بغير علم إنّ ربّك هو أعلم بالمعتدين »(1) .

 

    وفي قوله سبحانه : « وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم » قال الطبْرسي قيل : هو ما ذكر في سورة المائدة من قوله : « حُرّمت عليكم الميتة والدم . . . » واعترض على هذا : بأنّ سورة المائدة نزلت بعد الأنعام بمدّة فلا يصح أنْ يقال : اِنّه فصّل . اِلاّ أنْ يُحمل على أ نّه بيّن على لسان الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وبعد ذلك نزل به القرآن(2) .

 

    وقال الطباطبائي : ويظهر من الآية أنّ محرّمات الأكل نزلت قبل سورة الأنعام ، وقد وقعت في سورة النحل من السور المكية ، فهي نازلة قبل الأنعام(3) . والآيات من سورة النحل هي من الآية 114 الى 118 وهي : « وعلى الّذين هادوا حرّمنا ما قصصنا عليك من قبل » فلو كان قولُه : « فصّل لكم » في سورة الأنعام يجعلُنا نقول بنزول النحل قبل الأنعام ، فانّ


(1) الأنعام : 118 ، 119 .

(2) مجمع البيان 4 : 552 والواحدي في أسباب النزول : 180 رواية في سبب نزول الآية راجعها .

(3) الميزان 7 : 332 .

(548)

هذه الآية من النحل : « قصصنا عليك من قبل » يجعلنا نسلِّم للأخبار الدالة على نزول الأنعام قبل النحل ، فالأنعام الخامسة والخمسون والنحل السبعون في الترتيب . أمّا قوله « وقد فصّل لكم » في الأنعام فنقبل فيه قول الطبْرسي بأن يكون المراد به بيان النبيّ لا القرآن .

 

    وبعدها قوله سبحانه : « واذا جاءتهم آية قـالوا لن نؤمن حتّى نؤتى مثل ما اُوتي رُسُل اللّه اللّه أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الّذين اجرموا صغار عند اللّه وعذاب شديد بما كانوا يمكرون »(1) .

    روى الطبْرسي في «مجمع البيان» عن مقاتل قال : اِنّ أبا جهل بن هشام قال : زاحمَنا بنو عبد مناف في الشرف حتّى اذا صرنا كفرسي رهان قالوا : منّا نبيٌ يوحى اليه ! واللّه لا نؤمن به ولا نتّبعه اِلاّ أن يأتينا وحي كما يأتيه(2) ونقل مثله ابن شهر آشوب في «المناقب»(3) .

 

    وفي الآيات العشر من الآية 136 الى 146 يبين اللّه اعتقادات المشركين الفاسدة وخصالهم الذميمة ومقالاتهم الباطلة ، حيث جعلوا بعض الأشياء للّه وبعضها للأصنام وحرّموا الحلال وقتلوا أولادهم لاعتقاداتهم الباطلة ومقالاتهم الفاسدة : فجعلوا للّه ممّا ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا ، وزيّنوا لأنفسهم قتل أولادهم : البنين والبنات خيفة العيلة والفقر والعار ، وحرّموا ركوب ظهور بعض الأنعام ، ولم يلتزموا بذكر اسم اللّه عليها عند التذكية ، وحرّموا بعض ما في بطون الأنعام على النساء وخصّصوه للرجال ، وأباحوه لكليهما إنْ كان ميتة . ثمّ بيّن المحرّمات حاصرا لها في أن تكون :


(1) الأنعام : 124 .

(2) مجمع البيان 4 : 559 .

(3) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 50 ، 51 .

(549)

ميتة ، أو دما مسـفوحا ، أو لحم خنزير ، أو ما اُهل لغير اللّه به فلم يذكر اسـم اللّه عليه عند التذكية ، ثمّ ذكر أنّ اليهود بغوا فحرّم ملوكهم على فقرائهم شحوم البقر والغنم ولحوم كل ذي ظفر من الطيور ، فجزاهم اللّه ببغيهم هذا أن حرّم ذلك عليهم جميعا إلاّ ما كان من الشحوم في ظهور البقر والغنم وحوايا هما أي الأمعاء حتّى المباعر .

 

    ومن الآية : 151 عقّبَ ما سبق بذكر سائر المحرمات : فالشرك ، وقتل الأولاد خشية الاملاق ، وقتل النفس الّتي حرّم اللّه ، ما ظهر منها وما بطن من الفواحش ، ومال اليتيم ، وبضمنها عدّ بعض الفرائض : فبالوالدين احسانا ، والوفاء بعهد اللّه ، والقسط في الكيل والميزان ، ورعاية العدالة في الشهادة ولو لذي القربى ، واتباع الصراط المستقيم ، واتباع هذا الكتاب المبارك الكريم ، وتقوى اللّه . وفي الآية : 161 ذكر أن الصراط المستقيم والدين القيّم هو ملة ابراهيم الحنيف والطاهر من الشرك ، وأن رسول اللّه ممّن هداه اللّه الى ذلك الصراط المستقيم والدين القيم فمَحياه ومماته للّه تعالى .

    وهنا قال الطبْرسي : قيل : اِنّ الكفار قالوا للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : اتّبعنا وعلينا وزرك اِن كان خطأً ! فأنزل اللّه هذا(1) .

    هذا وقد روي في أوّل تفسيره للسورة عن قتادة وعكرمة عن اُبيّ ابن كعب وعن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أ نّها نزلت بمكّة جملة واحدة ليلاً(2) فكيف التوفيق بين هذا وبين أخبار أسباب نزول الآيات من هذه السورة ؟ ويصدق هذا القول قبل الطبْرسي على القميّ والعياشي أيضا وكثير من


(1) مجمع البيان 4 : 606 .

(2) مجمع البيان 4 : 421 .

(550)

المفسّرين الآخرين كذلك .

 

    أمّا العـلاّمة الطباطبائي فقد خصّص الجزء السابع من تفسيره «الميزان» بتفسير سورة الأنعام ، وقطّعها الى أكثر من عشرة مقاطع وختم كلّ مقطع ببحث روائي شمل عددا غير قليل من أخبار شأن نزول آيات منها ، وعلّق في موارد متعددة عليها بأ نّها تنافي نزول السورة جملة واحدة بمكّة ، منها فيما رواه ـ ورويناه ـ عن القميّ عن الامام الباقر عليه‏السلام : أنّ رسول اللّه كان يحب اسلام الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف . . . فقال : إنّها لا تلائم الروايات الكثيرة الدالة على نزول السورة دفعة . ولكنّه عاد فقال : وان كان يمكن توجيهها بوقوع السبب قبل نزول السورة ثمّ الاشارة بالآية الى السبب المحقَّق(1) ويمكن هذا التوجيه في جميع ما نقلناه من أخبار أسباب النزول لآيات هذه السورة .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch05-02.htm