فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل الخامس

 

 

 

 

 

 

 

 

الإسراء والمعراج

 

 

(532)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تأريخ المعراج والاسراء :

    وفي تأريخ الإسراء : روى القطب الراوندي في «الخرائج والجرائح» عـن علي عليه‏السلام أ نّه : لمّا كان بعد ثلاث سنين من مبعثه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اُسري به الى بيت المقدس وعُرج به منه الى السماء ليلة المعراج ، فلمّا أصبح من ليلته حدّث قريشا بخبر معراجه(1) .

    ومجموع ما نقله المجلسي في باب المعراج في تأريخه كما يلي : ذكر خبر «الخرائج»(2) ونقل عن «المناقب» عن ابن عبّاس أ نّه : كان في شهر ربيع الأوّل بعد النبوّة بسنتين . وفيه عن الواقدي والسدي أ نّه : كان قبل الهجرة بستة أشهر في السابع عشر من شهر رمضان(3) .

 



(1) الخرائج والجرائح 1 : 141 ط قم .

(2) بحار الأنوار 18 : 379 .

(3) بحار الأنوار 18 : 381 .

(533)

    وعـن الواقدي أيضا في «المنتقى» للكازروني قال : كان المسرى في ليلة السبت لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان في السنة الثانية عشرة من النبوة قبل الهجرة بثمانية عشر شهرا . وفيه قيل : ليلة سبع عشرة من ربيع الأوّل قبل الهجرة بسنة ، من شعب أبي طالب الى بيت المقدس . وقيل : ليلة سبع وعشرين من رجب . وقيل : كان الإسراء قبل الهجرة بسنة وشهرين وذلك سنة ثلاث وخمسين من عام الفيل(1) .

 

    وعن «العُدد القوية» قال : في ليلة احدى وعشرين من رمضان قبل الهجرة بستة أشهر كان الإسراء برسول اللّه . وقيل : في السابع عشر من شـهر رمضان ليلة السبت . وقيل : ليلة الاثنين من شهر ربيع الأوّل بعد النبوة بسنتين . وفيه عن كتاب «التذكرة» : في ليلة السابع والعشرين من رجب السنة الثانية من الهجرة كان الإسراء(2) . فالاختلاف من سنة بعد البعثة الى سنتين بعد الهجرة !

 

    ويبدو أنّ الراجح من هذه الأقوال والروايات هو رواية الراوندي عن علي عليه‏السلام ، فلننظر في سائر المرجّحات .

    أمّا سـورة النجم فإنّها نزلت بعد اثنتين أو ثلاث وعشرين سورة ، وقد نزل بعدها أربع وستون سورة في مكّة(3) فالطبيعي أن تكون قد نزلت فيما بين الثلثين الأوّل والثاني من العشر سنين مدّة التنزيل بمكّة قبل الهجرة ، أي في نهاية السنة الثالثة أو بدايات العام الرابع من تلك المدّة .


(1) بحار الأنوار 18 : 302 .

(2) بحار الأنوار 18 : 319 .

(3) راجع مجمع البيان 10 : 612 في سورة الانسان والتمهيد : 105 وتلخيصه : 95 .

(534)

    اِلاّ أ نّه يمكن القول بأنّ السور الأوائل من القصار المفصَّلات ، بينما ما يليها من المئين والمثاني المطوّلات ، فمن المحتمل أنْ تكون السور العشرون الأوائل نازلة في السنة الاُولى من تلك المدّة ، والسور الستون البواقي نازلة في السنين التسع البواقي ، وعليه فيكون المعراج ونزول سورته في أواخر السنة الاُولى من تلك المدّة .

    وقد مرّ في خبر القميّ في تفسيره : أنّ اسماعيل المَلِك سأل جبرئيل : مـن هذا معك ؟ فقال : محمّد ، قال : أو قد بُعث ؟ قال : نعم(1) أو : أوَ قد اُرسل اليه ؟(2) وإنّما يتناسب هذا التساؤل مع أوائل البعثة بالنبوة أو الرسالة والتنزيل عليه ، لا بعد ذلك بكثير ، فضلا عمّا بعد الهجرة .

    ومع الالتفات الى التفريق بين البعثة بالنبوة والرسـالة ينتفي الخلاف بين عمدة الأقـوال : السنة الثانية والخامسة ، فالثانية من الرسالة والتنزيل هي الخامسة من البعثة بالنبوة ، وسيما وأنّ رواية السنة الثانية تنتهي الى ابن عبّاس وهو المعروف بالقول بنزول القرآن في عشر سنين ، فكأ نّه لا يحسب الثلاث سنوات الاُولى لاعتبار أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إنّما اُمر بالانذار بعدها .

    وابن عبّاس أدرك مدّة قصيرة من حياة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولم يكن معه حين معراجه حتّى يكون شاهدا بتأريخه ، فلابدّ أ نّه نقله من شخص آخر لم يذكره ، فهو نقل تأريخي لم يُذكر المصدر فيه فلا قيمة له عند التحقيق ، لولا أ نّا نعلم أنّ أكثر علم ابن عبّاس هو من علم علي عليه‏السلام ، فيبدو أ نّه ينقله عنه عليه‏السلام ، اِلاّ أنّ النقل اختلف عنهما بين الاثنين والثلاث .


(1) تفسير القميّ 2 : 5 .

(2) تأريخ الخميس 1 : 310 ومجمع الزوائد 1 : 70 عن المواهب اللّدنية 2 : 6 .

(535)

    ولعلّ الّذين أرّخوا المعراج بعام ونصف أو بخمسة عشر شهرا بعد مبعثه(1) أو بعد البعثة بستة عشر شهرا(2) أخذوا السنتين عن ابن عبّاس واجتهدوا فيها بالمداقة في شهورها مختلفين .

    ولعلّ مِن أقوى ما يدلّ على تأريخ المعراج بأوائل السنة الخامسة : ما مرّ من اثبات ميلاد فاطمة الزهراء عليهاالسلام في السنة الخامسة من النبوّة ، بالاضافة الى ما روى عن الامام الصادق عليه‏السلام وابن عبّاس وسعد بن مالك وسعد بن أبي وقّاص وعائشة : أ نّها إذ عاتبته على كثرة تقبيله لا بنته الزهراء قال لها : يا عائشة ! لمّا اُسري بي الى السماء أدخلني جبرئيل الجنة ، فناولني منها تفّاحة ، فأكلتها ، فصارت نطفة في صلبي ، ففاطمة من تلك النطفة ، ففاطمة حوراء إنسية ، وكلّما اشتقت الى الجنّة قبّلتها(3) .

    وقد عُلم مِمّا مرّ أنّ فاطمة ولدت بعد البعثة بخمس سنين أي في السنة الثانية مـن الرسالة والتنزيل ـ وهو محمل قول الشيخ المفيد ومن قال


(1) سيرة مغلطاي : 27 .

(2) شرح الشفا للقاري 1 : 222 .

(3) بحار الأنوار 18 : 315 و 350 و 364 عن تفسير القميّ وعلل الشرائع والمختصر . وملحقات إحقاق الحق للمرعشي 10 : 1ـ 11 . أخبار الدول : 87 وتأريخ بغداد 5 : 87 وذخائر العقبى : 36 . وكنز العمّال 30 : 94 و 14 : 97 . ومجمع الزوائد 9 : 202 . ومحاضرات الأوائل : 88 . ومستدرك الحاكم 3 : 156 وتلخيصه للذهبي والمطالب السنية : 239 . ومفتاح النجا : 98 مخطوط . ومقتل الخوارزمي : 64 ومناقب المغازلي : 358 والمواهب اللدنية 2 : 29 ، وميزان الاعتدال 1 : 38 و 253 و 2 : 26 و 84 و 160 و 297 ونزهة المجالس 2 : 179 . ونظم درر السمطين : 77 . ووسيلة المآل : 78 . وينابيع المودة : 97 .

(536)

بولادتها في السنة الثانية ـ واذا كان ظهور نطفة فاطمة واستقرارها في موضعها طبيعيا اقتضى أن يكون المعراج قبل ذلك بأكثر من تسعة أشهر ولا أقلّ منها ، ولكن لا يدرى هل هي من المعراج الأوّل أو الثاني ؟ فلو كانت من الأوّل اقتضى ذلك ترجيح القول الأوّل بأن المعراج كان بعد سنة من الرسالة ، ليكون ميلاد الصديقة في السنة الثانية .

 

    وبما أن التأريخ بسنة البعثة بالنبوة لا السنة العربية بدءا بمحرّم ، فالحساب من شهر شعبان ـ بعد البعثة في أواخر شهر رجب ـ واليه ، وعليه فيترجّح القول بكون المعراج الأوّل في شهر رمضان ولعله في احدى ليالي القدر : التاسع عشر او الحادي والعشرين كما مرّ عن «العُدد القوية» وكما مرّ عن «المنتقى» عن الواقدي ، وعن «المناقب» عن الواقدي والسدي . وبعد تسـعة أشهر من شهر رمضان يكون شهر جُمادى الثانية ميلاد الصدّيقة عليهاالسلام . وفي شهر رجب بعد الجُمادى الثانية تنتهي السنة الثانية للرسالة والخامسة للنبوة .

    وعليه فيكون ما في «الخرائج» عن علي عليه‏السلام من تأريخ المعراج بالسنة الثالثة تأريخا للإسراء والمعراج الثاني ، فإمّا كذلك في شهر رمضان أيضا أو في شهر ربيع الأوّل في ليلة السابع عشر منه أي ميلاد الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما عن «الاقبال»(1) ومرّ عن «العُدد القوية» و«المنتقى» وعن «المناقب» عن ابن عبّاس .

    أمّا اذا افترضنا ميلاد الزهراء عليهاالسلام بعد الإسراء والمعراج الثاني ، وافترضنا ما في «الخرائج» عن علي عليه‏السلام تأريخا له ـ أي للثاني ـ فإنّ ميلاد


(1) الاقبال : 601 .

(537)

الزهراء سيكون في السـنة الثالثة من الرسالة والسادسة من النبوة ، مِمّا لا يتفق مع القول المعوّل عليه والروايات المعتمدة . وكذلك أيضا إذا افترضنا السنة الثالثة تأريخا للمعراج الأوّل . اللهم اِلاّ أنْ نقول بتأخير الولادة عن الإسراء والمعراج الى السنة الخامسة من الرسالة ، أي بعد سنتين من المعراج في السنة الثالثة ، ولكنّه خلاف ظاهر الأخبار ، نعم اِلاّ أن نقول بأنّ الإسراء والمعراج الثاني كان في السنة الخامسة من الرسالة والولادة بعدها فيها كذلك . ولكنّ هذايقتضي أن يكون عمر الصدّيقة حين الهجرة خمس سنين وحين الزواج ست سنين ممّا لم يقل به أحد ولا يُعقل . فنرجع الى ترجيح كونها من المعراج الأوّل وميلادها بعده كما مرّ ، وحيث لم يتّفق ذلك مع كون المعراج الأوّل في السنة الثالثة من الرسالة كما مرّ آنفا ، فليكن ذلك تأريخا للإسراء والمعراج الثاني .

 

    ويبقى أننا لو رجّحنا أن تكون السنة الثالثة فيما رواه «الخرائج» عن علي عليه‏السلام تأريخا للإسراء والمعراج الثاني ، فهنا اشكالان :

    الأوّل : أنّ الخبر بصدد بيان ما يتعلق بالمعراج بالتفصيل ، فلماذا لم يبيّن بل لم يُشر الى المعراج الأوّل السابق ـ أو الآخر اللاحق ـ لا من قريب ولا من بعيد ؟ وكذلك أكثر أخبار الإسراء والمعراج .

    الثاني : أ نّنا لو رجّحنا القول بكون الإسراء والمعراج الثاني في السنة الخامسة من الرسالة كان ذلك منسجما مع كون سورة الإسراء السورة الخمسين في ترتيب النزول ، ونزل في الخمس سـنين بعدها زهاء ثلاثين سـورة من المئين أو المثاني المطوّلات نسبيّا بينما لو رجّحنا السنة الثالثة تأريخا للإسراء والمعراج الثاني استلزم أن يكون النازل في مدّة هذه السنين الثلاثة خمسين سورة ، بينما النازل في السبع سنين البواقي ثلاثين سورة . اللهم

(538)

أن يلتزم بذلك بحجة أن السور الأوائل قصار مفصّلات والبواقي مئين أو مثان مطوّلات نسبيّا .

 

    ولعلّ ممّا يؤيّد هذا ما رواه السيوطي في «الدر المنثور» باسناده عن عبد اللّه بـن مسعود قال عن سورة الإسراء ومريم والكهف : إنّهنّ من العتاق الاُول(1) هذا وهو من المهاجرين الى الحبشة ، وهي كانت في السنة الخامسة .

    والظاهر أن المقصود بالخامسة هي الخامسة من النبوة لا الرسالة والتنزيل ، أي بعد الرسالة والتنزيل بعامين ، ولكن حتّى لو كانت الخامسة من الرسالة فإنّ ظاهر الخبر أنّ سورة الإسراء كانت قد نزلت قبل الهجرة الى الحبشة بمدّة ليست بقصيرة بل طويلة .

 

تأريخ يوم الدار :

    أمّا تأريخ انذار يوم الدار فهو يتبع تأريخ الإسراء والمعراج الثاني قبله بمدة تسع وتتناسب لنزول سورتي : النمل 48 وآياتها 92 والقصص 49 وآياتها 88 . فلو قلنا بكون المعراج الثاني في السنة الخامسة أو الثالثة ، فلو كان في الربيع الأوّل منها وهو الشهر الثامن منها كان من الممكن أن يكون الانذار في أوائلها أواخر شهر رجب أو شعبان أو رمضان منها ، أما لو كان المعراج في شهر رمضان اقتضى أن يكون الانذار في أوائل السنة السابقة : الرابعة أو الثانية من الرسالة .

    ويكون عمر علي عليه‏السلام يومئذٍ ـ على أنّ ميلاده بعد عام الفيل بثلاثين


(1) الدر المنثور 4 : 136 عن ابن الضريس وابن مردويه وصحيح البخاري 3 : 96 .

(539)

سنة ـ في السنة الثانية من الرسالة : خمس عشرة سنة ، وفي السنة الرابعة منها : ست عشرة سنة .

 

    وحيث جرّنا البحث عن المرحلة السرّية والعلنية الى ملاحظة سير الحوادث بعد البعثة والتنزيل من خلال الآيات الكريمة حتّى آخر السورة الرابعة والخمسين ، سورة الحجر ، فلا بأس بأنْ نستمر على هذه الطريقة لنلاحظ سير الحوادث من خلال نزول التنزيل .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch05-01.htm