فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
مرحلة الدعوة العلنية العامّة
خُطَبُ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للدعوة العلنية
من هم المقتسمون ؟
ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»
إسلام حمزة عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
فرض الصلواتفرض الصلوات
السورة الرابعة والعشرون ـ «عبس»
السورة الخامسة والعشرون ـ «القدر»
السورة التاسعة والعشرون ـ «قريش»
السورة الثانية والثلاثون ـ «الهُمزَة»
السورة الثالثة والثلاثون ـ «المرسلات»
السورة الرابعة والثلاثون ـ «ق»
السورة الخامسة والثلاثون ـ «البلد»
السورة السابعة والثلاثون ـ «القمر»
السورة الثامنة والثلاثون ـ «ص»
السورة التاسعة والثلاثون ـ «الأعراف»
السورة الحادية والأربعون ـ «يسآ»
السورة الثانية والأربعون ـ «الفرقان»
السورة الرابعة والأربعون ـ «مريم»
السورة السادسة والأربعون ـ «الواقعة»
السورة السابعة والأربعون ـ «الشعراء»
السورة التاسعة والأربعون ـ «القصص»
اِيمان أبي طالباِيمان أبي طالب
السورة الخمسون ـ «الإسراء»
السورة الحادية والخمسون ـ «يونس»
السورة الثانية والخمسون ـ «هود»
السورة الرابعة والخمسون ـ «الحجر»
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

 السورة السادسة والأربعون ـ «الواقعة» :

 

    وفيها قوله سبحانه : « فسبّح باسم ربك العظيم »(2) وروى العيّاشي في تفسيره عن عُقبة بن عامر الجهني قال : لمّا نزلت : « فسبّح باسم ربّك العظيم » قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : اجعلوها في ركوعكم .

    ورواه أيضا في «الدر المنثور» عن أحمد وأبي داود وابن ماجة وابن المنذر وابن مردويه عن عقبة عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) .

    وهذا ممّا يؤيد ما مرّ عن أنّ الصلاة في أوائل تشريعها كانت بسجود بلا ركوع ، ثمّ شُرّع فيه الركوع بعد ذلك .

 

    السورة السابعة والأربعون ـ «الشعراء» :

    وفيها آية « وأنذر عشيرتك الأقربين » وقد سبق القول فيها .

    وفيها أيضا قوله سبحانه : « والشعراء يتّبعهم الغاوون »(4) ونقل


(1) مجمع البيان 6 : 816 ويقصد بالصحيح البخاري ومسلم كما في أسباب النزول للواحدي : 248 ط الجميلي وفي ابن هشام 1 : 383 ، ومثله في مناقب ابن شهر آشوب 1 : 53 .

(2) الواقعة : 74 .

(3) الميزان 20 : 270 .

(4) الشعراء : 224 .

(511)

الطبْرسي في «مجمع البيان» عن مقاتل : أ نّهم شعراء المشركين وكلّهم من قريش منهم أبو سفيان بن الحرث بن عبد المطّلب ، وأبو عزّة عمرو بن عبد اللّه ، وعبد اللّه بن الزُبَعْرى السهمي ، ومسافع بن عبد مناف الجُمحي ، وهبيرة بن أبي وهب المخزومي . . . اجتمعوا وقالوا : نحن نقول مثل ما قال محمّد ، قالوا الشعر وتكلّموا بالكذب والباطل ويهجون النبيّ ، واجتمع اليهم غواة من قومهم يستمعون أشعارهم ويروون عنهم هجوهم(1) .

 

    السورة التاسعة والأربعون ـ «القصص» :

 

    وفيها قوله سبحانه : « ولكن رحمةً من ربّك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعـلّهم يتذكّرون ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدّمت أيديهم فيقولوا ربّنا لولا أرسلت الينا رسولاً فنتّبع آياتك ونكونَ من المؤمنين فلمّا جاءهم الحقُّ من عندنـا قالوا لولا اُوتي مثلَ ما اُوتي موسى أولم يكفروا بما اُوتي موسى من قبـل وقـالوا سِحران تظاهرا وقالوا إنّا بكـلّ كافرون »(2) ونقل الطبْرسي في «مجمع البيان» عن الكلبي قال : كانت مقالتهم هذه حين بعثوا الرهط منهم الى رؤوس اليهود بالمدينة في عيد لهم ، يسألونهم عن محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . فأخبروهم بنعته وصفته في كتابهم التوراة فرجع الرهط الى قريش فأخبروهم بقول اليهود ، فقالوا عند ذلك : سحران تظاهرا(3) .

    والعلاّمة الطباطبائي مع أ نّه يذكر في بحوثه الروائية روايات أسباب النزول لم يذكر هذا الخبر عن «مجمع البيان» ولكنّه قال في تفسير الآيات :


(1) مجمع البيان 7 : 325 .

(2) القصص : 46 ـ 48 .

(3) مجمع البيان 7 : 402 .

(512)

سياق الآيات يشهد بأن المشركين من قوم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله راجعوا بعض أهل الكتاب واستفتوهم في أمره وعرضوا عليهم بعض القرآن النازل عليه ، وهو مصدق للتوراة .

 

    فأجابوهم بتصديقه والايمان بما يتضمّنه القرآن من المعارف الحقّة ، وأ نّهم كانوا يعرفونه بأوصافه قبل أن يبعث كما قال اللّه تعالى : « واذا يتلى عليهم قالوا آمنّا به إنّه الحقّ من ربّنا إنّا كنّا مِن قبله مسلمين »(1) .

    فساء المشركين ذلك وشاجروهم وأغلظوا عليهم في القول وقالوا : إنّ القـرآن سحر والتـوراة سحر مثله « سحران تظاهرا وقالوا اِنّا بكـلّ كافرون » فأعرض الكتابيون عنهم وقالوا : « سلام عليكم لانبتغي الجاهلين »(2) هذا ما تلوّح به الآيات الكريمة بسياقها(3) .

 

    ولم يذكر الخبر من هؤلاء العلماء اليهود من أهل يثرب الّذين صدّقوا بالقرآن فأغضبوا المشركين ، وأثنى عليهم القرآن في هذه الآيات ؟ ولعلّهم هم الّذين أسلموا منهم فيما بعد : تميم الداري والجارود العبدي وعبد اللّه بن سلام ، الّذين نقل الطبْرسي في «مجمع البيان» عن قتادة : أ نّهم لمّا أسلموا نزلت فيهم الآيات : « الّذين آتيناهم الكتاب » بينما الآيات مكيّة من سورة مكيّة قبل الهجرة الى المدينة . وقد ذكر في الخبر معهم سلمان الفارسي أيضا ، وهو غريب !(4) .

 



(1) القصص : 53 .

(2) القصص : 55 .

(3) الميزان 16 : 47 ، 48 .

(4) مجمع البيان 7 : 403 .

(513)

 

اِيمان أبي طالب :

    وفيها بعده قوله سبحانه : « اِنّك لا تهدي من أحببت ولكنّ اللّه يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين »(1) .

    قـال القميّ في تفسيره : نزلت في أبي طالب عليه‏السلام ، فإنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يقول : يا عمّ قل : لا إله اِلاّ اللّه ، أنفعك بها يوم القيامة ، فيقول : يابن أخي أنا أعلم بنفسي . ولكنّه لم يمت حتّى شهد العباس بن عبد المطّلب عند رسول اللّه : أ نّه تكلّم بها عند الموت ، فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أرجو أنْ تنفعه يوم القيـامة . وقال : لو قمت المقام المحمود لشفعت في أبي واُمّي وعمّي ، وأخ كان لي مواخيا في الجاهلية(2) .

 

    وروى القميّ هذا الأخير قبل هذا عن أبيه عن محمّد بن أبي عمير عن معاوية وهشام عن الصادق عليه‏السلام عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (3) .

 

    وقال الطبْرسي : رووا عن ابن عباس وغيره أنّ قوله : « اِنّك لا تهدي من أحببت » نزلت في أبي طالب ، فإنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يحبّ اِسلامه فنزلت فيه هذه الآية . . . وفي هذا نظر كما ترى ؛ فإنّ النبيّ لايجوز أنْ يخالف اللّه سبحانه في اِرادته ، كما لا يجوز أنْ يخالفه في أوامره ونواهيه ، واِذا كان اللّه تعالى ـ على ما زعم القوم ـ لم يرد اِيمان أبي طالب وأراد كفره وأراد النبيّ اِيمانه ، فقد حصل غاية الخلاف بين ارادتي الرسول والمُرسِل ، فكأ نّه


(1) القصص : 56 .

(2) تفسير القمي 2 : 142 .

(3) تفسير القمي 2 : 25 .

(514)

سبحانه يقول : اِنّك ـ يا محمّد ـ تريد اِيمانه ولا اُريد اِيمانه . . . مع تكفّله بنصرتك وبذل مجهوده في اعانتك والذبّ عنك ومحبته لك ونعمته عليك . . . وفي هذا ما فيه(1) وقال في سورة الأنعام : وقد ثبت اِجماع أهل البيت عليهم‏السلام على اِيمان أبي طالب ، واِجماعهم حجّة ؛ لأنهم أحد الثقلَين اللذَين أمر النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالتمسك بهما بقوله : «إنْ تمسكتم بهما لن تضلّوا» .

 

    ويدل على ذلك ما رواه ابن عمر : أنّ أبا بكر جاء بأبيه أبي قحافة يوم الفتح الى رسول اللّه فأسلم وكان أعمى فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ألا تركت الشيخ فآتيه ؟ فقال أبو بكر : أردت أنْ يأجره اللّه تعالى ، والّذي بعثك بالحق لأنا كنت باسلام أبي طالب أشدّ فرحا منّي بإسلام أبي التمس بذلك قرة عينك . فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : صدقت .

    وروى الطبري بأسناده : أنّ رؤساء قريش لمّا رأوا ذبّ أبي طالب عن النبيّ اجتمعوا عليه وقالوا : جئناك بفتى قريش جمالاً وجُودا وشهامة : عمارة بـن الوليد ، ندفعه اليك وتدفع الينا ابن أخيك الّذي فرّق جماعتنا وسفّه أحلامنا فنقتله !

    فقال أبو طالب : ما انصفتموني ، تعطوني ابنكم فأغذوه واُعطيكم ابني فتقتلونه ، بل فليأت كلّ امرى‏ء منكم بولده فأقتله . وقال :

 معنا الرسول رسول المليك  ببيض ٍ تلالأ كلمْع البرُوق
 أذود وأحمي رسولَ المليك  حماية حـام عليه شفيق

قال : وأقواله وأشعاره المنبئة عن اسلامه كثيرة مشهورة لا تُحصى ، فمن ذلك قوله :


(1) مجمع البيان 7 : 405 ، 406 .

(515)

 ألم تعلموا أ نّا وجدنا محمّدا  نبيّا كموسى خُطّ في أوّل الكتْب
 أليس أبونا هاشم شدّ أزرَه  وأوصى بنيه بالطعانِ وبالحرْب

وقوله من قصيدة :

 وقالوا لأحمدَ : أنت امرؤ  خلوفُ اللسان ضعيف السبب
 اِلاّ إنّ أحمدَ قد جاءهم  بحقٍّ ولم يأتهم بالكذِبْ

وقوله في حديث الصحيفة وهو من معجزات النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

 وقد كان في أمرِ الصحيفة عِبرة  متى ما يُخبَّر غائبُ القوم يَعْجَبِ
 محا اللّهُ منها كفرَهم وعقوقَهم  وما نقموا من ناطقِ الحق مُعربِ
 وأمسى ابن عبد اللّه فينا مصدَّقا  على سخَطٍ من قومنا غيرَ مُعْتَبِ

وقوله في قصيدة يحضّ أخاه حمزة على اتباع النبيّ والصبر في طاعته :

 فصبرا ـ أبا يعلى ـ على دين أحمد  وكن مُظْهرا للدين ـ وُفّقتَ ـ صابرا
 فقد سرّني إذ قلت إنّك مؤمن  فكن لرسول اللّه ـ في اللّه ـ ناصرا

وقوله في وصيته وقد حضرته الوفاة :

 اُوصي بنصر النبيّ الخيرِ مشهدُه  عليا ابني وشيخَ القوم عبّاسا
 وحمزةَ الأسد الحامي حقيقته  وجعفرا : أن يذودا دونه الناسا
 كونوا ـ فداءً لكم اُمّي وما ولدَت ـ  في نصر أحمدَ دون الناس أترْاسا

    في أمثال هذه الأبيات ممّا هو موجود في قصائده المشهورة ، ووصاياه وخطبه ، ما يطول به الكتاب(1) فإنّ استيفاء ذلك جميعه لا تتسع له الطوامير ، وما روى من ذلك في كتب المغازي وغيرها أكثر من أن يُحصى ، يكاشف فيها من كاشف النبيّ ويناضل عنه ويصحح نبوته . . . ولا شكّ في أ نّه لم يختر


(1) مجمع البيان 3 : 446 .

(516)

تمام مجاهرة الأعداء استصلاحا لهم ولحسن تدبيره في دفع كيدهم ، لئلاّ يُلجئوا الرسولَ الى ما ألجأوه اليه بعد موته(1) .

 

    وقال العلاّمة الطباطبائي : وروايات أئمة أهل البيت عليهم‏السلام مستفيضة على ايمانه ، والمنقول من أشعاره مشحون بالإقرار على صدق النبيّ وحقيقة دينه ، وهو الّذي آوى النبيّ صغيرا وحماه بعد البعثة وقبل الهجرة ، وقد كان أثر مجاهدته وحده في حفظ نفسه الشريفة في العشر سنين قبل الهجرة يعدل أثر مجاهدة المهاجرين والأنصار بأجمعهم في العشر سنين بعد الهجرة(2) .

 

    وقال في تفسير الآية : لمّا بيّن في الآيات السابقة حرمان المشركين ـ وهم قوم النبيّ ـ من نعمة الهداية ، وضلالهم باتباع الهوى ، واستكبارهم عن الحق النازل عليهم ، وايمان أهل الكتاب به واعترافهم بالحق ، ختم هذا الفصل من الكلام بأنّ أمر الهداية الى اللّه لا اِليك ، يهدي هؤلاء من أهل الكتاب وهم من غير قومك الّذين تدعوهم ، ولا يهدي هؤلاء وهم قومك الّذين تحب اهتداءهم ، وهو أعلم بالمهتدين(3) .

 

    وفي السورة قوله سبحانه : « وقالوا إنْ نتّبع الهدى معك نُتخطّف من أرضنا »(4) قال الطبْرسي : قيل : إنّما قاله الحرث بن نوفل بن عبد مناف فإنّه قال للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : إنّا لنعلم أنّ قولك حقّ ، ولكنْ يمنعنا أنْ نتّبع الهدى معك ونؤمن بك مخافة أن يتخطفَنا العرب من أرضنا ، ولا طاقة لنا بالعرب(5) .

 



(1) مجمع البيان 7 : 406 .

(2) الميزان 16 : 57 .

(3) الميزان 16 : 55 .

(4) القصص : 57 .

(5) مجمع البيان 7 : 406 .

(517)

    وروى السيوطي بأسناده عن ابن عباس : أنّ القائل هو : الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف(1) .

 

    وفيها قوله سبحانه : « أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متّعناه متاع الحياة الدنيا ثمّ هو يوم القيامة من المحضرين »(2) ونقل الطبْرسي عن السدي ومحمّد بن كعب القرظي أ نّها نزلت في [ رسول اللّه ] وعلي بن أبي طالب والحمزة بن عبد المطّلب [ وعمّار بن ياسر ] وفي أبي جهل [ والوليد بن المغيرة ] ثمّ قال : والأولى أنْ يكون عامّا فيمن يكون بهذه الصفة(3) .

 

    السورة الخمسون ـ «الإسراء» :

 

    وقد سبق القول عن المعراج في «سورة النجم» وكانت السورة الثالثة والعشرين ، وكان الحديث فيها مع المشركين قبل هذه .

    وفيها قوله سبحانه : « واذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الّذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا »(4) روى الطبْرسي عن الزجاج والجُبّائي قالا : نزلت في قوم كانوا اذا صلّى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتلا القرآن عند الكعبة ليلاً يرمونه بالحجارة ويمنعونه عن دعاء الناس الى الدين . وقال الكلبي : هم أبو سـفيان وأبو جهل وامرأة أبي لهب والنضر بن الحرث ، حجب اللّه رسوله عن أبصارهم عند قراءته للقرآن ، فكانوايأتونه ويمرّون به ولا يرونه ، حال اللّه بينه وبينهم حتّى لايؤذوه(5) .



(1) الدر المنثور 5 : 134 ، سورة القصص .

(2) القصص : 61 .

(3) مجمع البيان 7 : 408 .

(4) الإسراء : 45 .

(5) مجمع البيان 7 : 645 .

(518)

    وبعدها قوله سبحانه : « نحن أعلم بما يستمعون به اذ يستمعون اليك واِذْ هم نجوى اِذ يقول الظالمون إنْ تتبّعون اِلاّ رجلاً مسحورا »(1) قال الطبْرسي قيل : يعني به أبا جهل وزمعة بن الأسود وعمرو بن هشام وحويطب بن عبد العزّى ، اجتمعوا وتشاوروا في أمر النبيّ ، فقال أبو جهل : هو مجنون ، وقـال زمعة : هو شاعر ، وقال حويطب : هو كاهن . ثمَّ أتوا الوليد بن المغيرة وعرضوا ذلك عليه فقال : هو ساحر(2) .

 

    وبعدها قوله سبحانه : « وقل لعبادي يقولوا الّتي هي أحسن إنّ الشيطانَ ينزَغُ بينهم إنّ الشيطان كان للإنسان عدوا مبينا »(3) روى الطبْرسي عن الكلبي قال : كان المشركون يؤذون أصحاب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمكّة ، فيقولون : يا رسول اللّه ائذن لنا في قتالهم ! فيقول لهم : اني لم اُؤمر فيهم بشيء ، فنزلت(4) .

 

    وبعدها قوله سبحانه : « وما منعَنا أن نرسل بالآياتِ اِلاّ أنْ كذّب بها الأوّلون »(5) فاستحقوا العقاب بالتكذيب بالآية الّتي هم طلبوها بالتعيين اقتراحا على نبيّهم . وفي تفسير القمي في رواية أبي الجارود عن الإمام الباقر عليه‏السلام قال : ذلك أنّ محمّدا سأله قومُه أنْ يأتيهم بآية ، فنزل جبرئيل فقال : إنّ اللّه يقول : « وما منعَنا أنْ نُرسل بالآيات » الى قومك « اِلاّ أنْ كذّب بها الأوّلونَ » وكنّا اذا أرسلنا الى قرية آية فلم يؤمنوا أهلكناهم ،


(1) الإسراء : 47 .

(2) مجمع البيان 7 : 646 .

(3) الإسراء : 53 .

(4) مجمع البيان 7 : 650 .

(5) الإسراء : 59 .

(519)

فلذلك أخّرنا عن قومك الآيات(1) .

 

    وروى السيوطي بأسناده عن ابن عباس قال : سأل أهل مكّة النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يجعل لهم الصفا ذهبا وأن ينحي عنهم الجبال فيزرعون . فاوحي اليه : اِن شئت أن نتأ نّى بهم ، وان شئت أن نؤتيهم الّذي سألوا فإن كفروا اُهلكوا كما اُهلكت من قبلهم مِن الاُمم ؟ قال : لا ، بل أستأني بهم . فانزل اللّه : « وما منَعَنا أن نرسل »(2) .

 

    وذكر هذا في معنى الآية الشيخ الطبْرسي(3) بلا أسناد الى رواية .

 

    وبعدها قوله سبحانه : « وما جعلنا الرؤيا الّتي أريناك اِلاّ فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخّوفهم فما يزيدهم اِلاّ طغيانا كبيرا »(4) .

 

    روى الطبْرسي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن وقتادة ومجاهد قالوا : إنّ المراد بـ « الرؤيا الّتي أريناك » ما أراه في إسرائه الى المسجد الأقصى برؤية العين لا رؤيا المنام ، ولكنّه حيث رأى ذلك ليلاً وأخبر بها حين أصبح سمَّاها رؤيا .

 

    وروي عن الحسن وابن عباس أنّ الشجرة الملعونة في القرآن هي شجرة الزقوم . وتقدير الآية : ( وما جعلنا الرؤيا الّتي أريناك والشجرة الملعونة في القرآن اِلاّ فتنة للناس ) .

    وأراد بالفتنة الامتحان وشدة التكليف ، ليعرض المصدق بذلك لجزيل


(1) تفسير القمي 2 : 21 .

(2) الدر المنثور 4 : 190 ، سورة الإسراء .

(3) مجمع البيان 7 : 653 .

(4) الإسراء : 60 .

(520)

ثوابه والمكذّب لأليم عقابه . وانّما كانت شجرة الزقوم فتنة لما روى : أنّ أبا جهل قال : إنّ محمّدا يوعدكم بنار تحرق الحجارة ثمّ يزعم أ نّه تَنبُت فيها الشجرة ! فقال المشركون : إنّ النار تحرق الشجرة فكيف تنبت الشجرة في النار ؟ ! وصدّق بها المؤمنون(1) .

 

    وقال فيه : روي أنّ قريشا لمّا سمعت الآية : « ذلك خيرٌ نزُلاً أم شجرة الزقوم »(2) قالوا : ما نعرف هذه الشجرة ، فقال ابن الزُبعرى : الزقوم بلغة اليمن أو البربر : الزبد والتمر ! فقال أبو جهل لجاريته : يا جارية زَقّمِينا ! فأتته الجـارية بتمر وزبد ، فقال لأصحابه : تزقّموا بهذا الّذي يخوفكم به محمّد فيزعم أنّ النار تنبت الشجرة ، والنار تحرق الشجرة . فأنزل اللّه : « اِنّا جعلناها فتنة للظالمين »(3) .

 

    وأوّل ما ذكرت شجرة الزقوم في القرآن ذكرت في سورة الواقعة السادسة والأربعين ، في قوله سبحانه : « ثمّ اِنّكم أيّها الضّالّون المكذّبون لآكلون من شجر من زقوم فمالئون منها البطون فشاربون عليه من الحميم »(4) فالظاهر أن استهزاء أبي جهل والمشركين كان هنا لأوّل مرة ، وفي سورة الإسـراء بعد أربع سور من الواقعة أشار الى فتنتهم بهذه الشجرة المذمومة في القرآن في سورة الواقعة . ثمّ كرّر ذلك في سورة الصافات ، واِلاّ فالصافّات قد نزلت بعد الاسراء .

 


(1) مجمع البيان 7 : 654 ، 655 .

(2) الصافات : 62 .

(3) مجمع البيان 8 : 694 والآية في الصافات : 63 .

(4) الواقعة : 51 ـ 54 .

(521)

    وروى السيوطي باسناده عن جماعة منهم البخاري والترمذي والنسائي وأحمد بن حنبل والطبري والطبراني والبيهقي في «دلائل النبوة» عن ابن عباس في قوله : « وما جعلنا الرؤيا » أ نّها ليست رؤيا منام بل هي رؤيا عين لما رآه ليلة اُسري به الى بيت المقدس . وأنّ « الشجرة الملعونة » هي شـجرة الزقوم . ورواه أيضا عن ابن عساكر وابن سعد وأبي يعلى عن اُمّ هانى‏ء(1) .

    وفيها قوله سبحانه : « واِنْ كادوا ليستفزّونك من الأرض ليخرجوك منها واذا لا يلبثون خلافك اِلاّ قليلاً »(2) وقال ابن شهر آشوب في «المناقب» : قال قريش مكّة . . . إنّ هذه الأرض ليست بأرض الأنبياء واِنّما أرض الأنبياء الشام فائت الشام . فنزلت « واِنْ كادوا . . . »(3) ورواه الطبْرسي عن مجاهد وقتادة(4) .

 

    ومنها قوله سبحانه : « ويسألونكَ عن الروحِ قـل الروح من أمر ربّي »(5) .

 

    روى السيوطي بإسناده عن ابن عباس قال : قالت قريش لليهود : اعطونا شيئا نسأل هذا الرجل . فقالوا : سلوه عن الروح(6) فان أجابكم فليس بنبيّ ، واِن لم يجبكم فهو نبيّ ، فإنّا نجد في كتبنا ذلك . فوكّلهم اللّه في


(1) الدر المنثور 4 : 191 ، سورة الإسراء .

(2) الإسراء : 76 .

(3) المناقب 1 : 49 .

(4) مجمع البيان 6 : 667 .

(5) الإسراء : 85 .

(6) الدر المنثور 4 : 195 ، سورة الإسراء .

(522)

معرفـة الروح الى ما في عقولهم ليكون ذلك علما على صدقه ودلالةً لنبوّته(1) .

 

    ومنها قوله سبحانه : « وقالوا لَنْ نُؤْمِنَ لكَ حتّى تَفْجر لنا من الأَرض ِ ينبوعا أو تكونَ لكَ جنةٌ من نخيلٍ وعنب فتفجّر الأنهار خلالها تفجيرا أو تُسقِط السماء كما زعَمت علينا كِسفا أو تأتي باللّه والملائكة قبيلاً أو يكونَ لـكَ بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولنْ نُؤمِن لرقيك حتّى تنزّل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت اِلاّ بشرا رسولاً »(2) .

 

    روى الطبْرسي عن ابن عباس : أنّ جماعة من قريش وهم : عتبة وشيبة ابنا ربيعة ، وأبو سفيان بن حرب ، والأسود بن المطّلب ، وزمعة بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد اللّه بن أبي اُميّة ، واُميّة بن خلف ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبّه ابنا الحجاج ، والنضر بن الحارث ، وابو البختري بن هشام . . . اجتمعوا عند الكعبة وقال بعضهم لبعض : ابعثوا الى محمّد فكلّموه وخاصموه . فبعثوا اليه : إنّ أشراف قومك قد اجتمعوا لك .

 

    وكان صلى‏الله‏عليه‏و‏آله حريصا على رشدهم ، فظنّ أ نّهم بدا لهم في أمره ، ولذلك بادر اليهم . فقالوا : يا محمّد ! إنّا دعوناك لنُعذِر اليك ، فلا نعلم أحدا أدخل على قومه ما ادخلت على قومك : شتمت الآلهة وعِبت الدين وسفَّهْتَ الأحلامَ وفرّقت الجماعة ، فإنْ كنت جئت بهذا لتطلب مالاً اعطيناك ، وإن كنت تطلب الشرف سوّدناك علينا ، وإن كانت بك علّة غلبت عليك طلبنا


(1) مجمع البيان 6 : 674 .

(2) الإسراء : 90 ـ 93 .

(523)

لك الأطباء !

 

    فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ليس شيء من ذلك ، بل بعثني اللّهُ اليكم رسولاً ، وأنزل كتابا ، فإنْ قبلتم ما جئت به فهو حظّكم في الدنيـا والآخرة ، وإن تردّوه أصبر حتّى يحكم اللّه بيننا .

    قالوا : إذن فليس أحد أضيق بلدا منّا ، فاسأل ربّك أن يسيّر هذه الجبال ويجري لنا أنهارا كأنهار الشام والعراق ، وأن يبعث لنا من مضى وليكن فيهم قُصيّ ـ فإنّه شيخ صدوق ـ لنسألهم عمّا تقول : أحقٌ هو أم باطل ؟

    فقال : ما بهذا بُعثت . قالوا : فإنْ لم تفعل ذلك فاسأل ربّك أنْ يبعث ملكا يصدّقك ويجعل لنا جنات وكنوزا وقصورا من ذهب .

    فقـال : ما بهذا بعثت ، وقد جئتكم بما بعثني اللّه به ، فإن قبلتم ، واِلاّ فهو يحكم بيني وبينكم . قالوا : فاسقط علينا السماء كما زعمت أنّ ربّك إن شاء فعل ذلك ـ قال : ذاك الى اللّه إن شاء فعل .

    وقال قائل منهم : لا نؤمن حتّى تأتي باللّه والملائكة قبيلاً .

    فقام النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وقام معه عبد اللّه بن أبي اُميّة المخزومي ابن عمته عاتكة بنت عبد المطّلب فقال : يا محمّد ! عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله ، ثمّ سـألوك لأنفسهم اُمورا فلم تفعل ، ثمّ سألوك أنْ تعجّل ما تخوّفهم به فلم تفعل ، فو اللّه لا اُؤمن بك أبدا حتّى تتّخذ سلّما الى السماء ثمّ ترقى فيه وأنا انظر ويأتي معك نفر من الملائكة يشهدون لك وكتاب يشهد لك .

    وقال أبو جهل : إنّه أبى اِلاّ سبّ الآلهة وشتم الآباء ، وأنا أعاهد اللّه لأحملنّ حجرا ، فاذا سجد ضربت به رأسه !

    فانصرف رسول اللّه حزينا لمّا رأى من قومه ، فأنزل اللّه سبحانه

(524)

الآيات(1) وذكر مختصره ابن شهر آشوب في «المناقب»(2) .

 

    ومنها قوله سـبحانه : « ولاتجهر بصلاتِك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلاً »(3) روى العياشي عن زرارة وحمران ومحمّد بن مسلم عن الباقر والصادق عليهماالسلام قالا : كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اذ كان بمكّة يجهر بصلاته فيعلم بمكانه المشركون فكانوا يؤذونه ، فاُنزلت هذه الآية عند ذلك(4) وكأنّ في قولهما عليهماالسلام «اذ كان بمكّة» إشعار بأن ذلك كان في حالة خاصة ، وليس مطلقا .

 

    والى هذه الرواية من العياشي يشير الطبْرسي يقول : روي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهماالسلام : أن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان اذا صلّى فجهر في صلاته تَسَمَّعَ له المشركون وذلك بمكّة في أوّل الأمر ، فيؤذونه ويشتمونه ، فأمره سبحانه بترك الجهر(5) .

    وروى الطوسي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس : أنّ النبيّ كان اذا صلّى جهر في صلاته بمكّة في أوّل الأمر ، فيسمعه المشركون فيشتمونه ويؤذونه وأصحابه ، فأمر اللّه بترك الجهر(6) ورواه عن ابن عباس ابن


(1) مجمع البيان 6 : 678 ، 679 . ورواه السيوطي في الدر المنثور 3 : 202 وكذلك رواه سببا لنزول الآيتين 7 و8 من سورة الفرقان 5 : 63 ، وكلاهما عن ابن عبّاس والقصّة واحدة .

(2) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 55 .

(3) الإسراء : 110 .

(4) تفسير العياشي 2 : 318 .

(5) مجمع البيان 6 : 689 .

(6) التبيان 6 : 534 .

(525)

اسحاق في سيرته(1) .
(526)
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch04-08.htm