(1) إعلام الورى : 48 .

(484)

الصيد ، وكـان اِذا رجع من ذلك لم يصل اِلى أهله حتّى يطوف بالكعبة ، وكان اِذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش اِلاّ وقف وسلّم وتحدث معهم ، وكان أعزّ فتى في قريش وأشد شكيمة . وكان رسول اللّه قد رجع الى بيته . فلمّا مرّ حمزة بمولاة ابن جُدْعان قالت له : يا أبا عُمارة لو رأيت مالقي ابن أخيك محمّد آنفا من أبي الحكم بن هشام : وجده هاهنا جالسا فآذاه وسبّه وبلغ منه ما يكره ثمّ انصرف عنه ، ولم يكلّمه محمّد ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ .

 

    فاحتمل حمزة الغضب . . . فخرج يسعى ولم يقف على أحد ، مُعدا لأبي جهل اذا لقيه أن يوقع به . فلمّا دخل المسجد نظر اليه جالسا في القوم فأقبل نحوه ، حتّى اِذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجّه شجّةً منكَرةً ثمّ قال : أتشتمه وأنا على دينه أقول ما يقول ، فرُدّ ذلك عليّ إن استطعت ! فقامت رجال من بني مخزوم الى حمزة لينصروا أبا جهل ، فقال أبو جهل : دعوا أبا عُمارة فإنّي واللّه قد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا .

    فلمّا أسلم حمزة عرفت قريش أنّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ قد عزّ وامتنع ، وأنّ حمزة سيمنعه ، فكفّوا عن بعض ما كانوا ينالون منه(1) .

    وزاد المقدسي يقول : «عزّ به النبيّ ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ وأهل الإِسلام ، فشقّ ذلك على المشركين فعدلوا عن المنابذة الى المعاتبة ، وأقبلوا يرغّبونه في المال والأنعام ، ويعرضون عليه الازواج»(2) .

 



(1) سيرة ابن هشام 1 : 311 ، 312 .

(2) البدء والتأريخ 4 : 148 ، 149 و5 : 98 .

(485)

    أمّا اِسلام عثمان : فقد قال ابن اسحاق : بلغني أ نّه أسلم بعد أبي بكر(1) . وروى ابن عبد البرّ في «الاستيعاب» عن المدائني عن عمر بن عثمان عن أبيه : أ نّه دخل على خالته أروى بنت عبد المطّلب ، فدخل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ فجعل ينظر اليه وقد ظهر شأنه ، فجرى له معه حديث وقرأ عليه بعض الآيات ثمَّ قام فخرج . قال عثمان : فخرجت خلفه فأدركته وأسلمت(2) .

 

    وخبر ابن اِسحاق يتضمّن الدلالة على سبق اِسلام أبي بكر ، كما عدّه هو فيمن أسلم بعد علي عليه‏السلام وخديجة وزيد بن حارثة ، وأ نّه أسلم بعد عثمان : الزبير بن العوام ، وعبد الرحمن بن عوف الزُهْري ، وسعد بن أبي وقّاص الزهْري ، وطلحة بن عبيداللّه التيمي وأ نّهم استجابوا لأبي بكر فجاء بهم الى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فأسلموا وصلّوا .

 

    وحيث جاء في عبارة ابن اِسحاق أ نّهم استجابوا لأبي بكر فجاء بهم الى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بينما لم يصرّح ابن اِسحاق بأ نّهم أسلموا بدعوة أبي بكر ، لذلك اضاف ابن هشام هذه الكلمة : «بدعائه» ثمّ نبّه عليه فقال : قوله «بدعائه» عن غير ابن اِسحاق(3) وهذا من أمانته ، ولكنّه اجتهاد من ابن هشام ، ولا دليل عليه ، بل ظاهر قول ابن اِسحاق أ نّهم اِنّما استجابوا لأبي بكر ليأتوا الى الرسول ، وأ نّهم اِنّما أسلموا على يد الرسول نفسه ، فالعبارة لا تدلّ على أ نّهم أسـلموا بدعوة أبي بكر اِيّاهم ، بل هي في خلاف ذلك


(1) سيرة ابن هشام 1 : 267 .

(2) الاستيعاب 4 : 225 .

(3) سيرة ابن هشام : 266 ـ 269 .

(486)

أظهر كما هو واضح .

 

    وكما روى ابن عبـد البرّ في «الاستيعاب» ما دلّ على عدم اِسلام عثمان بدعوة أبي بكر بل بدعوة الرسول نفسه ، كذلك روى المقدسي في «البدء والتأريخ» رواية مفادها أنّ طلحة ذهب بنفسه الى الرسول فأسلم ، وقالوا : إنّه كان في بُصرى الشام ، فسمع من راهب فيه خروج نبيّ في ذلك الشهر اسمه «أحـمد» فلمّا قدم مكّة سمع الناس يقولون : تنبّأ محمّد بن عبد اللّه ، فأتى الى أبي بكر فسأله فأخبره ثمّ أدخله على رسول اللّه فأسلم(1) .

    روى تفصيله الطبْرسي عن «دلائل النبوة» بسنده عن اِبراهيم بن محمّد بـن طلحة ، عن أبيه عن جدّه طلحة بن عبيد اللّه التيمي قال : حضرت سوق بصرى فإذا راهب في صومعته قال : سلوا أهل هذا الموسم : أفيهم أحد من أهل الحرم ؟ فقلت : نعم ، أنا . فقال : قد ظهر أحمد أم بعد ؟ قال : قلت : ومن أحمد ؟ قال : ابن عبداللّه بن عبد المطّلب ، هذا شهره الّذي يخرج فيه ، وهو آخر الأنبياء ، مخرجه من الحرم ومُهاجَره الى حَرّةٍ وسَباخٍ ونخلٍ . قال طلحة : فوقع في قلبي ما قال ، فخرجت سريعا حتّى قدمت مكّة فقلت : هل كان من حدث ؟ قالوا : نعم ، محمّد بن عبد اللّه الأمين قد تنبّأ ، وقد تبعه ابن أبي قحافة . قال : فخرجت حتّى دخلت على أبي بكر فقلت : اتبعت هذا الرجل ؟ قال : نعم فانطلق اليه وادخل عليه فإنّه يدعو الى الحقّ . قال طلحة : فأخبرته بما قال الراهب . فخرج بي أبو بكر فدخل بي على رسول اللّه فأسلمت وأخبرته بما قال الراهب ، فسرّ رسول اللّه بذلك .

 

    قال الراوي : فلمّا أسلم أبو بكر وطلحة أخذهما نوفل بن خويلد بن


(1) البدء والتأريخ 5 : 82 والبداية والنهاية 3 : 29 ومستدرك الحاكم 3 : 369 .

(487)

العدوية فشدّهما في حبل واحد فلم يمنعهما بنو تيم(1) فهذا يؤيّد قول ابن اِسحاق دون ابن هشام . وقال المقدسيّ في «البدء والتأريخ» في اِسلام سعد ابن أبي وقاص : كان سبب اِسلامه أ نّه قال : رأيت في المنام كأ نّي في ظلام فأضاء قمر فاتبعته ، فإِذا أنا بعلي وزيد ـ وروى : فإذا أنا بزيد وأبي بكر ـ قد سبقاني اليه . ثمّ بلغني أنّ رسول اللّه يدعو الى الإِسلام مستخفيا ، فلقيته بأجياد فأسلمت(2) .

 

    وأمّا الزبير بن العوّام : فقد نقل ابن أبي الحديد في «شرح النهج» عن «نقض العثمانية» لأبي جعفر الإِسكافي أ نّه قال : اِنّ الزبير كان قد أسلم قبل أبي بكر(3) .

 

    وعلى هذا فلم يبق مِمّن أسماهم ابن اِسحاق أو ابن هشام سوى عبد الرّحمن بن عوف فقط . وقد نقل ابن اِسحاق قسما من أخبار الإِسراء والمعراج عن عبد اللّه بن مسعود وأبي سعيد الخُدْري ، ممّا يدلّ على سبق اِسلامهما أيضا(4) .

فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
مرحلة الدعوة العلنية العامّة
خُطَبُ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للدعوة العلنية
من هم المقتسمون ؟
ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»
ثالثة السور ـ «المزمّل»
رابعة السور ـ «المدّثّر»
السورة الخامسة ـ «الفاتحة»
سادسة السور ـ «المسد»
السورة الثامنة ـ «الأعلى»
السورة العاشرة ـ «الضحى»
السورة الثانية عشرة ـ «الشرح»
السورة الثالثة عشرة ـ «العصر»
السورة الرابعة عشرة ـ «العاديات»
السورة الخامسة عشرة ـ «الكوثر»
السورة السادسة عشرة ـ «التكاثر»
السورة السابعة عشرة ـ «الماعون»
السورة الثامنة عشرة ـ «الكافرون»
السورتان العشرون والواحدة والعشرون ـ «المعوّذتان»
السورة الثانية والعشرون ـ «التوحيد»
السورة الثالثة والعشرون ـ «النجم» ومعراج الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام حمزة عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
فرض الصلواتفرض الصلوات
اِيمان أبي طالباِيمان أبي طالب
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
 (1) مجمع البيان 10 : 261 .

(2) النجم : 11 ، 12 .

(3) النجم : 33 ـ 35 .

(482)

ويتصدق من ماله ، فقال له أخوه من الرضاعة : عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح : ما هذا الّذي تصنع ؟ يوشك أن لا يبقى لك شيء ! فقال عثمان : اِنّ لي ذنوبا وانّي أطلب بما أصنع رضا اللّه وأرجو عفوه . فقال له عبد اللّه : أعطني ناقتك وأنا أتحمّل عنك ذنوبك كلّها ! فأعطاه وأشهد عليه وأمسك عن الصدقة ، فنزلت : « أفرأيت الّذي تولّى وأعطى قليلاً » ثمّ قطـع نفقته ، الى قوله : « وأنّ سعيه سوف يُرى »(1) .

 

    وهذا الخبر دلّ ـ فيما دلّ ـ على اِسلام عثمان ، كما دلّ الخبر السابق عن تفسير القميّ في إسراء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على اِسلام حمزة أيضا ، كما دلّ خبر ابن اِسحاق عن اُمّ هانيء بنت أبي طالب على اِسلامها واِسلام بيتها وزوجها أبي هبيرة المخزومي . واذا لم يكن للأخير خبر في تأريخ الإِسلام فلنمرّ على أخبار اِسلام حمزة وعثمان .

 

 

إسلام حمزة عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    أمّا اِسلام حمزة : فكذلك فعل الطبْرسي في «اعلام الورى» اِذ جعله الخبر السابق لخبر إسرائه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى بيت المقدس ، نقلاً عن علي بن اِبراهيم ابن هاشم باسناده قال : كان أبو جهل قد تعرض لرسول اللّه وآذاه بالكلام ، واجتمعت بنو هاشم وكان حمزة في الصيد فأقبل ونظر الى اجتماع الناس فقال : ما هذا ؟ فقالت له امرأة :يا أبا يعلى إنّ عمرو بن هشام (أبا جهل) قد تعرض لمحمّد وآذاه . فغضب حمزة ومرّ نحو أبي جهل وأخذ قوسه فضرب


(1) مجمع البيان 9 : 271 وقبله الزمخشري في الكشاف 4 : 33 . وبعده الواحدي في أسباب النزول : 335 ، 336 ط الجُميلي .

(483)

بها رأسه ثمّ احتمله فجلد به الأرض . واجتمع الناس فقالوا : يا أبا يعلى صبوت الى دين ابن أخيك ؟ قال : نعم ، أشهد أن لا اله اِلاّ اللّه وأنّ محمّدا رسول اللّه . على جهة الغضب والحمية . ورجع الى منزله .

 

    وغدا على رسول اللّه فقال : يابن أخ أحقّ ما تقول ؟ فقرأ عليه رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله سورة من القرآن فاستبصر ، وثبت على دين الإِسلام ، وفرح رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وسُر أبو طالب بإسلامه وقال في ذلك :

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

السورة الثالثة والعشرون ـ «النجم» ومعراج الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    قال القميّ : النجم رسول اللّه و« اذا هوى » أي لمّا اُسري به الى السماء . فهو قسم برسول اللّه وردّ على من أنكر المعراج(1) .

    ولعلّه أخذ ذلك من خبر رواه الطبْرسي عن الصادق عليه‏السلام قال : ان محمّدا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمّا نزل من السماء السابعة ليلة المعراج(2) مع ما بين النصين من الفرق .

 

    وروى القمي عن الصادق عليه‏السلام قال : بينا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله راقد بالأبطح وعلى يمينه علي عليه‏السلام وعن يساره جعفر وحمزة بين يديه . . . اِذ أدركه اِسرافيل بالبراق وأسرى به اِلى بيت المقدس وعرض عليه محاريب الأنبياء وآيـات الأنبياء ، فصلّى فيها ، وردّه من ليلته الى مكّة . فمرّ في رجوعه بعير لقريش وإذا لهم مـاء في آنية فشرب منه وأهرق باقي ذلك . وقد كانوا أضلوا بعيرا لهم وكانوا يطلبونه .

    فلمّا أصبح صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال لقريش : اِنّ اللّه قد أسرى بي في هذه الليلة الى بيت المقدس ، فعرض عليّ محاريب الأنبياء وآيات الأنبياء ، واِنّي مررت بعير لكم في موضع كذا وكذا واذا لهم ماء في آنية فشربت منه وأهرقت باقي ذلك ، وقد كانوا أضلوا بعيرا لهم .

    فقال أبو جهل ـ لعنه اللّه ـ : قد أمكنكم الفرصة من محمّد ، سلوه كم الأساطين فيها والقناديل . فقالوا : يا محمّد اِنّ ها هنا من قد دخل بيت


(1) تفسير القمي 2 : 333 . وجاء في اللغة : هوى في الجبل أي صعد فيه ، فهوى من الأضداد .

(2) مجمع البيان 10 : 261 .

(477)

المقدس ، فصف لنا كم أساطينه وقناديله ومحاريبه ؟ فجاء جبرئيل فعلّق صورة البيت المقدس تجاه وجهه فجعل يخبرهم بما سألوه . فلمّا أخبرهم قـالوا : حتّى تجيء العير ونسألهم عمّا قلت . فقال لهم : وتصديق ذلك أنّ العير تطلع عليكم مع طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر .

 

    فلمّا أصبحوا أقبلوا ينظرون الى العقبة ويقولون : هذه الشمس تطلع الساعة . فبينا هم كذلك اِذا طلعت العير مع طلوع الشمس يقدمها جمل أحمر . فسألوهم عمّا قال رسول اللّه ، فقالوا : لقد كان هذا : ضلّ جمل لنا في موضع كذا وكذا ، ووضعنا ماءً باردا وأصبحنا وقد اهريق الماء . فلم يزدهم ذلك اِلاّ عتوا(1) .

    رواه القميّ مرسلاً بلا اِسناد ، ورواه الصدوق في أماليه عن أبيه عن القميّ عن أبيه عن ابن أبي عمير عن أبان بن عثمان بن الأحمر البجلي عن الصادق عليه‏السلام (2) .

 

    هذا الخبر كما مرّ ذكر الإسراء من مكّة الى المسجد الأقصى وهو بيت المقدس فقط ولم يذكر عروجه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منه الى السماوات العلى .

 

    وقال الطبرسي : فمن جملة الأخبار الواردة في قصّة المعراج ما روى : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قال : أتاني جبرئيل عليه‏السلام وأنا بمكّة فقال : قم يا محمّد . فقمت معه وخرجت الى الباب فإذا جبرئيل ومعه ميكائيل واِسرافيل ، فأتى جبرئيل عليه‏السلام بالبراق . . . فقال : اركب ، فركبت ومضيت حتّى انتهيت الى


(1) تفسير القميّ 2 : 13 ، 14 ورواه الطبرسي في إعلام الورى : 49 .

(2) أمالي الصدوق : 363 . وروى بعده خبرا باسناده الى عبد الرحمن بن غنم في الإسراء والمعراج ، قريب من سابقه . وفي : 480 روى خبرا آخر عن الباقر عليه‏السلام .

(478)

بيت المقدس . ثمَّ ساق الحديث الى أنْ قال : ثمَّ أخذ جبرئيل عليه‏السلام بيدي الى الصخرة فأقعدني عليها ، فإذا معراج الى السماء لم أر مثلها حسنا وجمالاً ، فصعدت الى السماء الدنيا ورأيت عجائبها وملكوتها . . . ثمَّ صعد بي جبرئيل الى السماء الثانية . . . ثمَّ صعد بي الى السماء الثالثة . . . ثمّ صعد بي الى السماء الرابعة . . . ثمّ صعد بي الى السماء الخامسة . . . ثمّ صعد بي الى السماء السادسة . . . ثمّ صعد بي الى السماء السابعة . . . ثمّ جاوزناها متصاعدين الى أعلى عليّين . ووصف ذلك الى أن قال : ثمّ كلّمني ربّي وكلّمته ، ورأيت الجنة والنار ، ورأيت العرش ، وسدرة المنتهى .

 

    ثمَّ رجعت اِلى مكّة ، فلمّا أصبحت حدثت به الناس فكذّبني أبو جهل والمشركون ، وقال مطعم بن عدي : أتزعم أ نّك سرت مسيرة شهرين في ساعة ؟ ! أشهد أ نّك كاذب ! ثمّ قالوا : أخبرنا عمّا رأيت . فقال مررت بعير بني فلان وقد أضلوا بعيرا لهم وهم في طلبه وفي رحلهم قعب مملوء من ماء فشربت الماء ثمّ غطيته كما كان . قال : ومررت بعير بني فلان فنفرت بكرة فلان فانكسرت يدها قالوا : فأخبرنا عن عيرنا . قال : مررت بها بالتنعيم يتقدّمها جمل أورق (أي أحمر) عليه قرارتان محيطتان ، ويطلع عليكم عند طلوع الشمس .

    قالوا : فخرجوا يشتدون نحو الثنيّة وهم يقولون : لقد قضى محمّد بيننا وبينه قضاءً بيّنا وجلسوا ينتظرون متى تطلع الشمس فيكذِّبوه . فقال قائل : واللّه اِنّ الشمس قد طلعت ، وقال آخر : واللّه هذه الإِبل قد طلعت يقدمها بعير أورق . فبُهتوا ولم يؤمنوا(1) .



(1) مجمع البيان 6 : 609 ، 610 .

(479)

    ورواه محمّد بن اِسحاق عن اُمّ هانى‏ء بنت أبي طالب ـ رضي اللّه عنهما ـ قالت : اِنّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ ليلة اُسري به صلّى العشاء الآخرة في بيتي ثمّ نام عندي تلك الليلة في بيتي ونمنا . فلمّا كان قُبيل الفجر أيقظنا رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ ، فلمّا صلّى الصبح وصلّينا معه قال : يا اُمّ هانى‏ء لقد صلّيت معكم العشاء الآخرة كما رأيتِ بهذا الدار ثمّ ذهبت الى بيت المقدس فصلّيت فيه ثمّ ها أنا قد صليت معكم الآن صلاة الغداة كما ترين . ثمّ قام ليخرج ، فأخذ بطرف ردائه فقلت له : يا نبيّ اللّه لاتحدث بهذا الناس فيكذّبوك ويؤذوك ! قال : واللّه لاُحدثنّهم به .

 

    فقلت لجارية لي حبشية : ويحكِ اتّبعي رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ حتّى تسمعي ما يقول الناس وما يقولون له . فقالت : لمّا خرج رسول اللّه الى الناس أخبرهم فعجبوا وقالوا : ما آية ذلك يا محمّد ؟ فإنّا لم نسمع بمثل هذا قط ! قال : آية ذلك : أ نّي مررت وأنا متوجه الى الشام بعير بني فلان بوادي كذا وكذا فانفرهم حسّ الدابّة فشذّ عنهم بعير فدللتهم عليه . ثمّ أقبلتُ حتّى اذا كنت بوادي ضَجَنان (على بريد من مكّة بوادي تهامة) مررت بعير بني فلان فوجدت القوم نياما ، ولهم إناء فيه ماء قد غطّوا عليه بشيء ، فكشفت غطاءه وشربت ما فيه ثمّ غطّيت عليه كما كان ، وآية ذلك أنّ عيرهم الآن تصوب من البيضاء ثنيّة «التنعيم» يقدمها جمل أورق (بين الغبرة والسواد) عليه غرارتان : احداهما سوداء والاُخرى بألوان مختلفة .

    قالت (اُمّ هانى‏ء عـن جاريتها) فابتدر القوم الثنيّة فلم يلقهم شيء قبل الجمل كما وصف لهم ، وسألوهم عن الإِناء فأخبروهم أ نّهم وضعوه

(480)

مملوءا ماءً ثمّ غطّوه وأ نّهم هبّوا (من نومهم) فوجدوه مغطّى كما غطّوه ولم يجدوا فيه ماءً ، وسألوا الآخرين وهم بمكّة ، فقالوا : صدق واللّه ، لقد اُنفِرنا في الوادي الّذي ذكر ، وندّ لنا بعير ، فسمعنا صوت رجل يدعونا اليه حتّى أخذناه(1) .

 

    وفي تمام الخبر السابق عن الصادق عليه‏السلام قال : لمّا نزلت السورة واُخبر بذلك عتبة بن أبي لهب فجاء الى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتفل في وجهه وقال : كفرت بالنجم وبرب النجم ، وطلّق ابنته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . فدعا عليه وقال : اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك .

 

    فخرج عتبة الى الشام فنزل في بعض الطريق ، وألقى اللّه عليه الرعب فقال لأصحابه : أنيموني بينكم ليلاً . ففعلوا ، فجاء أسد فافترسه من بين الناس .

    وفي ذلك قال (بعد ذلك) حسّان :

 سائلْ بني الأصفر إنْ جئتهم  ما كان أنباء بني واسع
 لا وسّع اللّه له قبره  بل ضيّق اللّه على القاطع
 رمى رسول اللّه مـن بينهم  دون قريش ، رمية القاذع
 واستوجب «الدعوة» منه بما  بُيّن للناظر والسامع
 فسلّطَ اللّه به «كلبَه»  يمشي الهوُينا مِشية الخادع
 والتقم الرأس بيافوخه  والنحر منه قفزة الجائع
 من يرجع العام الى أهله ؟  فما «أكيل السبع» بالراجع


(1) سيرة ابن هشام 2 : 43 ، 44 .

(481)

 قد كان هذا لكم عبرة  للسيد ا لمتبوع والتابع(1) .
    وعن قولهم له : صف لنا بيت المقدس وأخبرنا عن عيرنا في طريق الشام وغير ذلك ، ممّا جادلوه به عبّر اللّه تعالى بقوله سبحانه : « ما كذَب الفؤاد ما رأى أفتمارونه على ما يرى »(2) وفي السورة قوله سبحانه : « أفرأيت الّذي تولى وأعطى قليلاً وأكدى أعنده علم الغيب فهو يرى »(3) وقد مرّ في الخبر السابق عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه سمّى من المكذّبين لحديثه عن إسرائه ومعراجه : أبا جهل ومطعم بن عدي . ثمّ مرّ خبر عتبة بن أبي لهب وأ نّه كان أشدهم تكذيبا له . فهل الآية تشير الى أحد هؤلاء المكذّبين ؟

 

    سمّى المفسّرون أحد ثلاثة أشخاص من صناديد مشركي قريش مصداقا لهذه الآية ، وخبرا رابعا تسمي مسلما مصداقا معيّنا لها . ليس اِلاّ واحدا من الثلاثة المشركين مذكورا في المكذّبين لحديث الرسول عن إسرائه ومعراجه هو أبو جهل ، فيما نقله الطبرسي عن محمّد بن كعب القرظي : أنّ الآية في أبي جهل ، وذلك أ نّه قال : واللّه ما يأمرنا محمّد اِلاّ بمكارم الأخلاق ! فذلك قوله سـبحانه : « وأعطى قليلاً وأكدى » أي أعطى قليلاً من نفسه تصديقا ثمّ لم يؤمن . وعن السدّي قال : نزلت في العاص بن وائل السهمي وذلـك أ نّه كان يوافق رسول اللّه في بعض الاُمور . وعن مجاهد وابن زيد قالا : نزلت في الوليد بن المغيرة .

    وعن الكلبي عن السدي عن ابن عباس : أنّ عثمان بن عفان كان ينفق


 
 فصبْرا أبا يعلى على دين أحمد  وكن مُظهرا للدين ـ وفُقّت ـ صابرا
 وحُطْ من أتى بالدين من عند ربّه  بصدق وحقّ ، لا تكن ـ حمزُ ـ كافرا
 فقد سرّني اذ قلت : اِنّك مؤمن  فكن لرسول اللّه ـ في اللّه ـ ناصرا
 و نـاد قـريشا بالّذي قـد اتيته  جهارا وقل : ما كان أحمد ساحرا(1) .
    وروى الخبر ابن اِسحاق عن رجل من أسْلَمْ قال : إنّ أبا جهل مرّ برسول اللّه عند الصفا فآذاه وشتمه ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه والتضعيف لأمره ، فلم يكلّمه رسـول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . ثمّ انصرف عنه فعمد الى نادٍ من قريش عند الكعبة فجلس معهم .

 

    وكانت مولاة لعبد اللّه بن جُدعان في مسكن لها تسمع ذلك . فلم يلبث أبو جهل حتّى أقبل حمزة بن عبد المطّلب متوشحا قوسه راجعا من


 
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch04-05.htm