فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
مرحلة الدعوة العلنية العامّة
خُطَبُ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للدعوة العلنية
من هم المقتسمون ؟
ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»ما نزل من القرآن قبل «فاصدع»
ثالثة السور ـ «المزمّل»
رابعة السور ـ «المدّثّر»
السورة الخامسة ـ «الفاتحة»
سادسة السور ـ «المسد»
السورة الثامنة ـ «الأعلى»
السورة العاشرة ـ «الضحى»
السورة الثانية عشرة ـ «الشرح»
السورة الثالثة عشرة ـ «العصر»
السورة الرابعة عشرة ـ «العاديات»
السورة الخامسة عشرة ـ «الكوثر»
السورة السادسة عشرة ـ «التكاثر»
السورة السابعة عشرة ـ «الماعون»
السورة الثامنة عشرة ـ «الكافرون»
السورتان العشرون والواحدة والعشرون ـ «المعوّذتان»
السورة الثانية والعشرون ـ «التوحيد»
السورة الثالثة والعشرون ـ «النجم» ومعراج الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
إسلام حمزة عمّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
فرض الصلواتفرض الصلوات
اِيمان أبي طالباِيمان أبي طالب
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

خُطَبُ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للدعوة العلنية :

    بعد أَنْ حكى القميّ في تفسيره قصّة هلاك المستهزئين قال : «فخرج رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقام على «الحجْر» فقال :

    «يا معشر قريش ، يا معشر العرب ، أدعوكم الى شهادة أن لا اله اِلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام ، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم ، وتكونوا ملوكا في الجنة» .

    فاستهزأوا منه وقالوا : جُنّ محمّد بن عبد اللّه . ولم يجسروا عليه

(444)

لموضع أبي طالب(1) .

 

    فالخطاب لقريش عامّة وللعرب بالأعم ، والمُقام الّذي اختاره لخطابه العام هذا هو حجر اِسماعيل حول البيت في مطاف المسجد الحرام أي أجمع مجامع الحجّ وأشرف مواقفه فكان كما روى ابن هشام عن ابن اِسحاق : وصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلّها(2) .

 

    وهذا هو ما كان يحذره اُولئك المستهزئون المهدّدون لمنعه عن الإعلان بدعوته في ذلك الموسم العام .

 

    ولكنْ هل كان هذا هو البيان الأوّل العام لدعوته العلنية العامّة ؟

    أمّا اليعقوبي فيقول : وأقام رسول اللّه بمكّة ثلاث سنين . . . يدعو الى توحيد اللّه عزّوجلّ وعبادته ، والاقرار بنبوّته ويكتم أمره . . . حتّى قالت قريش : اِنّ فتى ابن عبد المطّلب ليُكلَّم من السماء . . . ثمَّ أمره اللّه أنْ يصدع بما أرسله به فأظهر أمره وقام «بالأبطح» فقال :

    «اِنّي رسول اللّه ، أدعوكم الى عبادة اللّه وحده وترك عبادة الأصنام الّتي لا تنفع ولا تضر ، ولا تخلق ولا ترزق ، ولا تحيي ولا تميت» فاستهزأت به قريش وآذته .

    وكان المؤذون له جماعة منهم : أبو لهب ، والحكم بن أبي العاص ، وعُقبة بـن أبي مُعيط ، وعدي بن حمراء الثقفي ، وعمرو بن الطلاطلة الخزاعي .


(1) تفسير القميّ 1 : 379 . وعنه في اِعلام الورى : 39 .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 291 .

(445)

    وكان المستهزئون به : العاص بن وائل السهمي والحارث بن قيس بن عدي السهمي ، والأسود بن المطّلب بن أسد ، والوليد بن المغيرة المخزومي ، والأسود بن عبد يغوث الزُهْري . وكانوا يوكلون به صبيانهم وعبيدهم فيلقونه بما لا يحب(1) .

    فهو يروي أوّل خطبة له بالأبطح لا الحجر ، فلعله قبل الموسم . ثمّ هو يرى قصة المستهزئين بعـد الصدع بالأمر ، وكأ نّه يرى صدعه بالأمر بمعنى أ نّه «عاب عليهم آلهتهم ، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا كفارا»(2) أو هو مرحلة ما بعد الصدع .

 

    ثمَّ هو يرى فرقا بين المؤذين له وهم خمسـة والمستهزئين به وهم خمسة آخرون . فلعلَّ محمّد بن ثور الّذي عدّهم سبعة عشر رجلاً قد خلط بينهم .

    وقبله قال ابن اِسحاق : فلمّا بادى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قومه بالإِسلام ـ وصدع به كما أمره اللّه ـ لم يبعد منه قومه ولم يردّوا عليه حتّى ذكر آلهتهم وعابها ، فلمّا فعل ذلـك أعظموه وناكروه وأجمعوا على خلافه وعداوته اِلاّ من عصم اللّه منهم بالإِسلام(3) .

    فهل يعني ذلك أ نّه لمّا بادى قومه لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه حتّى صدع بأمره كما أمره اللّه فذكر آلهتهم وعابها ، فأنكروا ذلك وأعظموه وعادوه وأجمعوا على خلافه ؟ لعلّه يعني ذلك .

 


(1) اليعقوبي 2 : 24 .

(2) اليعقوبي 2 : 24 .

(3) سيرة ابن هشام 1 : 22 .

(446)

    وإذا كان كذلك فلعلّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بعد مرحلة الدعوة السرية ، وبعد مرحلة الدعوة الخاصّة للأربعين للأقربين من العشيرة بني عبد المطّلب أو بني هاشم ، بادى قومه بدعوته العامّة العلنية دون هذا المعنى من الصدع بالأمر ، فبدأ بخطبته على «الصفا» الخالية من هذا المعنى من الصدع بالأمر أي عيب الآلهة وذكرها بالسوء كما في «المناقب» لابن شهر آشوب قال : رُوي أ نّه لمّا نزل قوله « وأنذر عشيرتك الأقربين » (أي بعد هذه المرحلة) صعد رسول اللّه ـ ذات يوم ـ الصفا ، فقال : يا صباحاه ! فاجتمعت اليه قريش فقالوا : مالك ؟ قال : أرأيتكم اِنْ أخبرتكم أنّ العدو مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدّقونني ؟ قالوا : بلى ، قال : فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد .

    قال قتادة : ثمّ إنّه خطب فقال : أيّها الناس ، اِنّ الرائد لا يكذب أهله ، ولو كنت كاذبا لما كذبتكم ، واللّه الّذي لا اله اِلاّ هو ، اِنّي رسول اللّه اِليكم حقّا خاصّة والى الناس عامّة ، واللّه لتموتون كما تنامون ، ولتبعثون كما تستيقظون ، ولتحاسبون كما تعملون ، ولتجزوْنَ بالإِحسان اِحسانا وبالسوء سوءا ، واِنّها الجنة أبدا أو النار أبدا . واِنّكم أوّل من اُنذرتم(1) .

    وهذه الجملة الأخيرة من هذه الخطبة على «الصفا» هي الّتي تحملنا على القول : بأ نّها أوّل خطبة ، فالخطبة «بالأبطح» ثمّ الخطبة «بالحجر» في الموسم . فلعلّ هذا هو وجه الجمع المعقول بين الخطب الثلاث .

 

 

من هم المقتسمون ؟

    وكأننا نجد فيما رواه الطوسي ثمّ الطبْرسي في تفسيرهما عن ابن عبّاس


(1) المناقب 1 : 46 ، 47 .

(447)

ومقاتل ، نجد فيه المتمّم لأمر هذا الموسم ، فقد قال مقاتل في قوله سبحانه : « كما أنزلنا على المقتسمين الّذين جعلوا القرآن عضين »(1) إنّهم هم الّذين اقتسموا طرق مكّة يصدون عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والايمان به .

 

    وقال ابن عبّاس : اِنّهم كانوا ستة عشر رجلاً بعثهم الوليد بن المغيرة «أيّام الموسم» يقولون لمن أتى مكّة : لاتغترّوا بالخارج منا المدّعي النبوة . فأنزل اللّه بهم عذابا فماتوا شرّ ميتة .

    وجعلوا القرآن عضين أي جزّؤوه أجزاءً فقالوا : سحر ، وقالوا : مفترى ، وقالوا : أساطير الأوّلين(2) وكذلك روى الطبْرسي في «مجمع البيان» عن الكلبي : أنّ المقتسمين كانوا ستة عشر رجلاً خرجوا الى عقاب مكّة أيّام الحج على طريق الناس (الحجاج) على كلّ عقبة أربعة منهم ، ليصدّوا الناس عن النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، واذا سألهم الناس عمّا اُنزل على رسول اللّه قالوا : أحاديث الأوّلين وآباطيلهم(3) .

    فلعلّ الوليد في بدايات الموسم بعث هؤلاء الستة عشر رجلاً على طرق مكّة مقتسمينها فيما بينهم يصدّون من اَتى مكّة عن الإِيمان برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ولكنّهم كما اقتسموا طرق مكّة فيما بينهم قد اقتسموا القول في القرآن بين مكذّب وقائل : إنّه سحر وقائل إنّه أساطير الأوّلين .

 

    ثمّ إنّ الوليد جمع اليه هؤلاء النفر من قريش وقال لهم : اجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ويرد قولكم بعضه بعضا .


(1) الحجر : 90 ، 91 .

(2) مجمع البيان 6 : 531 .

(3) مجمع البيان 6 : 549 .

(448)

فقالوا : فأنت يا أبا عبد شمس فقل وأقم لنا رأيا نقول به . . . ثمّ قال لهم : إنّ أقرب القول فيه أنّ تقولوا هو ساحرٌ جاء بقول هو سحر يفرّق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجـه وبين المرء وعشيرته . فتفرّقوا عنه بذلك ، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حين قدموا الموسم لا يمرّ بهم أحد اِلاّ حذّروه إيّاه وذكروا لهم أمره ، فأنزل اللّه فيه قوله : « ذرني ومن خلقت وحيدا . . . »(1) .

 

    ثمّ نزل فيه خاصّة وفي خمسـة من أصحابه : « إنّا كفيناك المستهزئين » ولعلّ سائر السبعة عشر رجلاً الّذين عدّهم محمّد بن ثور في تفسيره عن ابن عبّاس وابن جبير ـ على رواية ابن شهر آشوب ـ من المستهزئين ، هم من المقتسمين مع المستهزئين ، الّذين روى الطبْرسي هنا عن ابن عبّاس أ نّهم كانوا سـتة عشر رجلاً بعثهم الوليد ، فمعه يكونون سبعة عشر رجلاً . وقد ذكر عذاب ثلاثة منهم عدا المستهزئين واِنْ كان لم يذكر عذاب الجميع اِلاّ بالاجمال ، دون التفصيل .

 

    والموسم ـ كما لاحظتهم ـ ذُكر في كلا الأمرين : المقتسمين ، والمستهزئين ، من دون تفريق بينهما ممّا يحمل بظاهره على أوّل موسم بعد اِعلان الدعوة العامّة ، فإن كانت طبيعة الاُمور تقتضي فاصلاً زمنيّا أطول من موسم واحد بين الأمرين ـ كما هو ظاهر الحال ـ فمن المحتمل أن يكون الاقتسام في الموسم الأوّل ، ثمّ محاولة الاعتبار بالتجربة من اختلاف آرائهم وأقوالهم في الرسول والقرآن ، فالسعي في توحيد آرائهم وأقوالهم فيهما في الموسم الثاني ، وأنّ ما نزل في الوليد والمستهزئين والمقتسمين في سورتي


(1) سيرة ابن هشام 1 : 288 ، 289 .

(449)

الحجر والمدثِّر كان في الموسم الثاني بعد اِعلان الدعوة لا الأوّل .

 

 

ما نزل من القرآن قبل «فاصدع» :

    إذ وقفنا على الحوادث المشار اِليها بقوله سبحانه « كما أنزلنا على المقتسمين الّذين جعلوا القرآن عضين »(1) وقوله سبحانه « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين اِنّا كفيناك المستهزئين »(2) والآيات من أواخر سورة الحجر ، وهي الرابعة والخمسون في ترتيب النزول(3) أي يسبقها من القرآن في النزول ست وخمسون سورة ، ولنا فيها آيات واشارات الى ما يسبق ما اُشير اِليه في هذه الآيات الأخيرة من سورة الحجر ممّا يدخل في تأريخ الإِسلام ، فلنقف عليها على ترتيبها على التوالي :

    رتّبوا في ترتيب النزول بعد سورة العلق : سورة القلم الّتي تفتتح بالآيـة : « ن والقلم وما يسطرون مـا أنت بنعمة ربّك بمجنون » ممّا يوحي اِلى أنّ هذه الجملة اِنّما هي تنزيه لـه عمّا اتّهمه به المشركون من الجنون ، كما في الآية بعدها : « فستبصر ويبصرون بأيّكم المفتون » وكما في الآية بعدها : « فلا تطع المكذّبين » و« ولا تطع كلّ حـلاّف مهين همّاز مشّاء بنميم منّاع للخير معتـد أثيم عُتلّ بعد ذلك زنيم أن كـان ذا مال وبنين اذا تتلى عليه آياتنا قـال أساطير الأوّلين »(4) وليس من التأويل اذا بحث الدارس لهذه


(1) الحجر : 90 ، 91 .

(2) الحجر : 94 ، 95 .

(3) التمهيد : 1 : 105 وتلخيصه 1 : 98 .

(4) القلم : 10 ـ 15 .

(450)

الآيات عن الشخص المعيّن المعنيّ بها ، بل الظاهر من الآيات هو ذلك وما عداه خلاف الظاهر .

 

    ونقل الطبْرسي ثلاثة أقوال في ذلك : قيل يعني الوليد بن المغيرة فإنّه عرض على النبيّ المال ليرجع عن دينه . وقيل يعني : الأخنس بن شُريق الثقفي . وقيل : يعني : الأسود بن عبد يغوث(1) بينما لم نجد خلافا في المعنيّ بأوصاف سورة المدثّر : « ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا » أ نّه الوليد . وحقا وجدناه الوحيد الّذي يوصف في الأخبار التأريخية بذلك الوصف في المال والبنين ليس سواه ولم يوصف الآخران معه بذلك الوصف في المال والبنين ، فهو الأولى أن يكون المقصود عند الإطلاق والترديد .

    أمّا متى تليت عليه الآيات ؟ وأيّ آيات ؟ ومن تلى ؟ وكيف ؟ وما هو تفصيل عرضه المال على الرسول ليرجع عن دينه أو عن الإعلان به ودعوته اليه ؟ وكيف منع عن هذا الخير ؟ فلم يبق لنا من تفسير المفسّرين الأوائل ، ولا الأخبار التأريخية اِلاّ هذه الأقوال الثلاثة على الترديد فقط ، فضلاً عمّا يحلّ لنا التنافي بين هذه الآيات من القرآن ودور الكتمان .

    وأسطع من ذلك ما في أواسط السورة من قوله سبحانه : « إنّ للمتّقين عنـد ربهم جناتِ النعيم أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون »(2) فهل يمكننا أن نحكم أنّ هذا أيضـا من القرآن في دور الكتمان ؟ ! بل هو إعلام واِعلان .


(1) مجمع البيان 10 : 501 .

(2) القلم : 34ـ 36 .

(451)

    بل روى ابن شهر آشوب في «المناقب» عن ابن عبّاس : أنّ الوليد ابن المغيرة أتى قريشا فقال : اِنّ الناس يجتمعون غدا بالموسم وقد فشا أمر هذا الرجل في الناس ، وهم يسألونكم عنه فما تقولون ؟ فقال أبو جهل : أقول اِنّه مجنون ، وقال أبو لهب : أقول اِنّه شاعر ، وقال عُقبة بن أبي مُعيط : أقول اِنّه كاهن . فقال الوليد : بل أقول هو ساحر يفرّق بين الرجل والمرأة وبين الرجل وأخيه وأبيه . فأنزل اللّه تعالى : « ن والقلم وما يسطرون »(1) .

    وفي العلق قبل القلم قـالوا : إنّ المعنيّ بالآية : « أرأيت الّذي ينهى عبدا إذا صلّى » هو الوليد أيضا اِذ كان ينهى الناس عن أن يطاع رسول اللّه وعـن الصلاة(2) وقيل : هو أبو جهل ، فإنه حاول أنّ يطأ رقبة الرسول في سـجدته في الصلاة في المسجد الحرام(3) ولكنّي عبرته الى القلم ، اِذ قالوا اِنّ النازل من العلق قبل القلم اِنّما هي الآيات الخمس الأوائل ، وأمّا هذه الآية فهي متأخرة في النزول عن تلك ، فلعلّنا نعود اليها فيما بعد .

 

    وثالثة السور ـ «المزمّل» :

    وعاشرة آياتها : « واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميـلاً وذرني والمكذّبين اُولي النعمة ومهّلهم قليلاً »(4) قال في «المجمع» : قيل : نزلت في صناديد قريش والمستهزئين(5) وأليس من الإِعلان الآيات التالية في السورة : « إنّا أرسلنا اليكم رسولاً شاهدا عليكم كما أرسلنا الى فرعون


(1) مناقب ابن شهر آشوب 1 : 48 .

(2) تفسير القميّ 2 : 430 .

(3) مجمع البيان 10 : 782 عن صحيح مسلم .

(4) المزمّل : 10 ، 11 .

(5) مجمع البيان 10 : 573 .

(452)

رسولاً . . . فكيف تتقون إن كفـرتم يوما يجعـل الولدان شيبا . . . إنّ هذه تذكرة فمن شاء اتّخذ الى ربّه سبيلا »(1) .

 

    ورابعة السور ـ «المدّثّر» :

 

    وفيها الآيات بشأن الوليد بن المغيرة المخزومي ، وقد مرّ خبره مع المستهزئين . وقد مرّ قبل خبر جابر بن عبد اللّه الأنصاري عن الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّها أوّل سورة نزلت عليه بعد الفترة بعد حراء ، وعليه تكون ثانية السور لا الرابعة ، ويمكن الجمع بينهما بمثل الكلام في سورة العلق ، بأنّ ما نزل ثانيا بعد الفترة هي حتّى الآية العاشرة ، أي الى ما قبل ما يتعلق بالوليد ، ثمّ نزل باقيها ـ بعد المزمّل ـ رابعا .

    وبهذا الصدد قال العلاّمة الطباطبائي «والسورة مكيّة من العتائق النازلة في أوائل البعثة وظهور الدعوة» لكنّه قال بعد هذا : واحتمل بعضهم أنْ تكون السورة أوّل ما نزل على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عند الأمر بإعلان الدعوة بعد إخفائها مدّة في أوّل البعثة . ثمّ قال «وهذا لا يتعدّى طور الإحتمال»(2) فما معنى قوله «في أوائل البعثة وظهور الدعوة» ؟ أمّا أنْ تكون هي أوّل سورة نزلت من القرآن فقد قال : يكذّبه نفس آيات السورة الصريحة في سبق قراءته القرآن عـلى القوم وتكذيبهم به وإعراضهم عنه ورميهم له بأ نّه «سحر يؤثر»(3) ويصدق مثل ذلك في سابقتيه المزمّل والقلم ، ولم يقل بمثل


(1) المزمل : 15 ـ 19 .

(2) الميزان 20 : 79 .

(3) الميزان 20 : 79 .

(453)

هذا هنـاك . بل قبل أن تكون العلق أوّل سورة كاملة(1) . وفيها « أرأيت الّذي ينهى عبـدا اذا صلّى أرأيت اِنْ كذّب وتولّى . . . كلاّ لئن لم ينته لنسفعا بالناصية ناصية كاذبة خاطئة فليدع ناديه » أفليست هذه أيضا كتلك الآيات صريحة في سبق أمره بالتقوى وتكذيبهم له واعراضهم عنه ؟ ولم يقل مثل ذلك هنا ، والأمر واحد .

 

    السورة الخامسة ـ «الفاتحة» :

    فقد قال اليعقوبي : إنّها الفاتحة(2) والظاهر أ نّها هي رواية جابر بن زيد(3) أمّا خبر ابن عبّاس فلم يعرض للفاتحة . ومرّ ترجيح أن تكون الفاتحة ـ كما هو معنى الفاتحة ـ فاتحة كتاب اللّه . وقد يوجَّه عدم ذكر ابن عبّاس للفاتحة بأنّ العلق فما بعد من القرآن في دور الإعلان والفاتحة كانت نازلة من قبل . وهي السورة الوحيدة ـ في عداد هذه السور الأوائل ـ الّتي ليس فيها ما يقتضي أو يستدعي سبق شيء من القرآن أو الإِسلام قبلها .

    سادسة السور ـ «المسد» :

    سـورة تبّت أو أبي لهب أو المسد ، قال القميّ في تفسيرها : إنّ اُمّ جميل بنت صخر بن حرب «أبي سفيان»(4) كانت تنمّ على رسول اللّه أي تنقل أحاديثه الى الكفّار ، ولمّا اجتمع زوجها أبو لهب مع قريش في «دار


(1) الميزان 20 : 322 .

(2) اليعقوبي 2 : 33 .

(3) التمهيد 1 : 103 وتلخيصه 1 : 95 .

(4) كذا في القميّ ، وهو غلط ، فهي بنت حرب اُخت ابي سفيان كما يأتي عن مجمع البيان .

(454)

الندوة» وبايعهم على قتل محمّد رسول اللّه ، نزلت السورة(1) وهذا يعني أنّ السورة نزلت بعد مؤتمر قريش بقتل الرسول ، وهذا لايتّفق مع كونها السورة السادسة أي الأوائل ، فهو مردود .

 

    ومـن الطبرسي يعلم أنّ ما قاله القميّ في معنى «حمّالة الحطب» هو قول عن ابن عبّاس(2) أمّا في سبب نزولها فقد روى عن البخاري عن سعيد ابن جبير عن ابن عبّاس قال : صعد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ذات يوم الصفا فقال : يا صباحاه ! فأقبلت اليه قريش فقالوا له : مالك ؟ فقال : أرأيتم لو أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم أمّا كنتم تصدّقوني ؟ قالوا بلى . فقال : فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! فقال أبو لهب تبّا لك ، ألهذا دعوتنا جميعا ؟ ! فأنزل اللّه هذه السورة(3) .

    وهذا كما ترى صريح في حصر ما نزل من القرآن في دور الكتمان في السور الخمس الأوائل السابقة على المسد ، وأمّا المسد فهي أوّل سورة من دور الإِعلان . والخبر مروي عن ابن جبير عن ابن عبّاس ، وعنهما روى خبر الإِنذار في يوم الدار للعشيرة الأقربين أي الدعوة الخاصّة بين الكتمان والإِعلان كما مرّ ، وذلك لا يتّفق مع هذا عنهما .

 

    ولكن لا ريب أنّ سورة اللهب لا تناسب الكتمان أيضا ، فكيف التوفيق ؟

    وروى الطبْرسي أيضا في قوله سبحانه « وأنذر عشيرتك الأقربين »


(1) تفسير القميّ 2 : 448 .

(2) مجمع البيان 10 : 852 .

(3) مجمع البيان 10 : 851 .

(455)

عن ابن عبّاس قال : لمّا نزلت هذه الآية صعد رسول اللّه على الصفا فقال : يا صباحاه ! فاجتمعت اليه قريش ، فقالوا : مالك ؟ فقال . . . فقال أبو لهب : تبّا لك ألهذا دعوتنا جميعا ؟

 

    فأنزل اللّه تعالى : « تبّت يدا أبي لهب وتبّ » الى آخر السورة(1) وهذا أيضا كذلك يتنافى مع الدعوة الخاصّة ليوم الدار للأقربين من العشيرة من ناحية ، وأيضا من ناحية اُخرى يتنافى مع خبر ابن عبّاس في ترتيب النزول اِذ يقتضي نزول المسد بعد الشعراء أو العكس أو استثناء آية الإِنذار وما يلازمها من الشعراء ولم ينقل ذلك عنه .

    ولكن روى الطبْرسي أيضا ما يصلح شأنا لنزول السورة من دون هذه الملازمات ، قال : عن سعيد بن المسيّب قال : كانت لاُمِّ جميل بنت حرب اُخت أبي سفيان قلادة فاخرة من جوهر فقالت : لاُنفقنّها في عداوّة محمّد ! قال الطبْرسي : ولمّا أنذر النبيّ أبا لهب بالنار قال : إن كان ما تقول حقّا فإنّي أفتدي بمالي وولدي(2) فأنزل اللّه : « ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارا ذات لهب وامـرأته حمّالة الحطب في جيدها حبل من مسـد » بدل القلادة . وهذا لا يسـتلزم ما كان يستلزمه الخبران عن ابن عبّاس ، ولكنّه يستلزم سبق الإِعلان والمجاهرة حتّى حدّ العداء الحادّ من أبي لهب وامرأته .

    وقـد روى الطبْرسي أيضا في شدّة عدائه ونصبه للنبيّ ما يدلّ على ذلك في أوائل الإِعلان : عن طارق المحاربي قال : بينا أنا بسوق ذي المجاز ،


(1) مجمع البيان 8 : 323 .

(2) مجمع البيان 10 : 852 .

(456)

إذْ أنا بشابّ (كذا) يقول : أيّها الناس قولوا : لا اله اِلاّ اللّه تفلحوا . وإذا برجل خلفه يرميه قد أدمى ساقيه وعرقوبيه ويقول : يا أيّها الناس إنّه كذّاب فلا تصدّقوه . فقلت : مَن هذا ؟ فقالوا : هو محمّد يزعم أ نّه نبيّ ، وهذا عمّه أبو لهب يزعم أ نّه كذّاب(1) .

 

    فقوله : هو محمّد يزعم أ نّه نبيّ ، في جواب : مَن هذا ، يُشعر بأنّ هذا كان في بداياته .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch04-02.htm