فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل الرابع

 

 

 

 

 

 

 

إعلان الدعوة

 

(428)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

مرحلة الدعوة العلنية العامّة :

    روى الصدوق في «إكمال الدين» بإسناده عن عبد اللّه بن علي الحلبي عن الصادق عليه‏السلام قال : مكث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمكّة بعد ما جاءه الوحي عن اللّه تبارك وتعالى ثلاث عشرة سنة ، مستخفيا منها ثلاث سنين ، خائفا لايظهر حتّى أمر اللّه عزّوجلّ أنْ يصدع بما اُمر ، فأظهر حينئذٍ الدعوة(1) .

    وروى العياشي في تفسيره عن الحلبي عن الصادق عليه‏السلام قال : اكتتم رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بمكّة سنين ليس يظهر ، وعليّ معه وخديجة ، ثمّ أمره اللّه أنْ يصدع بما يؤمر ، فظهر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فجعل يعرض نفسه على قبائل العرب ، فإِذا أتاهم قالوا : كذّاب ، امض عنّا(2) .

 

    وروى الصدوق في «معاني الأخبار» و«الخصال» بسنده عن أبان بن


(1) اِكمال الدين : 197 كما في البحار 18 : 177 .

(2) تفسير العياشي 2 : 253 .

(429)

عثمان الأحمر البجلي الكوفي قال : كان المستهزئون (برسول اللّه) خمسة من قريش : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن عبد يغوث الزُهْري ، والأسود بن المطّلب ، والحارث بن الطلاطلة الثقفي(1) . ورواه العياشي بزيادة : فلمّا قال اللّه تعالى : « إنّا كفيناك المستهزئين » علم رسول اللّه أ نّه قد أخزاهم ، فأماتهم اللّه بشرّ ميتات(2) .

 

    وقال القميّ في تفسيره : اِنّ النبوة نزلت على رسول اللّه يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء ثمّ أسلمت خديجة زوج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، ثمَّ دخل أبو طالب الى النبيّ وهو يصلّي وعلي بجنبه ، وكان مع أبي طالب جعفر ، فقال له أبو طالب : صلّ جناح ابن عمّك ، فوقف جعفر على يسار رسول اللّه ، فبدر رسول اللّه من بينهما . فكان رسول اللّه يصلّي ، وعلي وجعفر وزيد بن حارثة وخديجة يأتمون به .

 

    فلمّا أتى لذلك ثلاث سنين أنزل اللّه عليه « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين اِنّا كفيناك المستهزئين »(3) .

    والمستهزئون برسول اللّه خمسة : الوليد بن المغيرة ، والعاص بن وائل السهمي ، والأسود بن المطّلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن طلاطلة الخزاعي .

 

    أمّا الوليد : فكان رسول اللّه دعا عليه ـ لما كان يبلغه من اِيذائه واستهزائه ـ فقال : اللهم اعم بصره واثكله بولده ! فعمي بصره . . . ومرّ


(1) الخصال 1 : 278 ، 279 .

(2) تفسير العياشي 2 : 252 .

(3) الحجر : 94 ـ 95 .

(430)

برجل من خزاعة وهو يريش نبالاً له فوطأ على بعضها فأصاب عقبه قطعة من ذلك فدميت . فمرّ برسول اللّه ومعه جبرئيل فقال جبرئيل : يا محمّد ، هذا الوليد بن المغيرة ، وهو مـن المستهزئين بك ؟ قال : نعم ، فلمّا مرّ أشار جبرئيل الى ذلك الموضع (من النبل في عقبه) فرجع الوليد الى منزله ونام على سريره ، فسال منه الدم حتّى صار الى فراش ابنته ، فانتبهت فقالت : انحلّ وكـاء القربة ! قال الوليد : ما هذا وكاء القربة ولكنه دم أبيك ، فاجمعي لي ولدي وولد أخي فإنّي ميت . فجمعتهم .

 

    فقال لعبد اللّه بن أبي ربيعة : اِنّ عُمارة بن الوليد بأرض الحبشة بدار مَضيعة ، فخذ كتابا من محمّد الى النجاشي أن يردّه ! ثمّ فاضت نفسه .

    ومرّ ربيعة بن الأسود(1) برسول اللّه ، فأشار جبرئيل الى بصره فعمي ومات .

    ومرّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار جبرئيل الى بطنه فلم يزل يستسقي حتّى انشق بطنه .

    ومرّ العاص بن وائل فأشار جبرئيل الى رجليه ، فدخل عود في أخمص قدميه وخرج من ظاهره ومات .

    ومرّ به الحارث بن طلاطلة فأشار جبرئيل الى وجهه ، فخرج الى جبال تهامة فأصابته من السماء ديم فاستسقى حتّى انشق بطنه . فهذا هو قول اللّه : « انّا كفيناك المستهزئين » .

    فخرج رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقام على الحجر فقال : «يا معشر قريش ،


(1) كذا ، ولم يذكر كذلك من قبل ، والظاهر أنّ ربيعة هنا مصحّف : أبي زمعة الأسود بن المطّلب !

(431)

يا معشر العرب ، ادعوكم الى شهادة أنْ لا اله اِلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ، وآمركم بخلع الأنداد والأصنام ، فأجيبوني تملكوا بها العرب وتدين لكم العجم ، وتكونوا ملوكا في الجنة» .

 

    فاستهزأوا به وقالوا : جُن محمّد بن عبد اللّه . ولم يجسروا عليه لموضع أبي طالب(1) .

    وظاهر هذا الأخير هو المبادأة بالدعوة العلنية ، بعد ثلاث سنين من نزول النبوة عليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كما صرّح به في أوّل مقاله ، وكما مرّ في الخبر الأوّل عن تفسير العياشي عن الصادق عليه‏السلام .

 

    وأيضا ظاهر الأخير من كلام القميّ أنّ ذلك كان بعد هلاك المستهزئين به لا قبله ، ولكنّ مقاله خلو من الاجابة على أن هؤلاء المستهزئين بماذا كانوا يستهزئون في مرحلة الكتمان ؟

    أمّا طلب الوليد من عبد اللّه بن ربيعة أن يأخذ من محمّد كتابا الى النجاشي بأرض الحبشة أنْ يردّ عمارة بن الوليد الى مكّة ، فلا يلازم سابق الإِعلان فقط بل يستلزم أنْ يكون ذلك بعد الهجرة الى الحبشة واكتشاف ميل النجاشي الى الدين الجديد ! والقميّ في مقاله هذا مرّ عليه مرور الكرام وكأ نّه لم يلتفت الى هذه المفارقة الواضحة ، وكذلك كلّ من نقل عنه مقاله هذا .

    أمّا الطبْرسي في تفسيره فقد قال : « فاصدع بما تؤمر » عن ابن عبّاس وابن جريج ومجاهد وابن زيد والزجاج : أي أظهر وأعلن وأبنْ وصرّح بما اُمرت به غير خائف . وقال الزجاج : والصدع في الزجاج


(1) تفسير القميّ 1 : 379 .

(432)

والجدار بينونة بعضه عن بعض . وعن أبي مسلم : « وأعرض عن المشركين » أي لا تلتفت اليهم ولا تخف منهم . « اِنّا كفيناك المستهزئين » أي شرّ المستهزئين واستهزاءهم بأنْ أهلكناهم .

 

    فعن ابن عبّاس وابـن جبير : أ نّهم كانوا خمسة نفر من قريش : العاص بن وائل ، والوليد بن المغيرة ، وأبو زمعة الأسود بن المطّلب ، والأسود بن عبد يغوث ، والحرث بن قيس .

    وعن محمّد بن ثور : كانوا ستة رهط ، وسادسهم : الحارث بن الطلاطلة .

    قالوا : أتى جبرئيل النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والمستهزئون يطوفون بالبيت ، فقام جبرئيل ورسول اللّه الى جنبه ، فمرّ به الوليد بن المغيرة المخزومي فأومى بيده الى ساقه ، فمرّ الوليد على قين لخزاعة وهو يجرّ ثيابه فتعلّقت بثوبه شوكة ، فمنعه الكِبْر أن يخفض رأسه فينزعها ، وجعلت تضرب ساقه فخدشته ، فلم يزل مريضا حتّى مات .

    ومرّ به العاص بن وائل السهمي فأشار جبرئيل الى رجله فوطأ العاص على شوكة فدخلت في أخمص رجله فلم يزل يحكّها حتّى مات .

    ومرّ به الأسود بن المطّلب بن عبد مناف فأشار الى عينه فعمي .

    وقيل : رماه بورقة خضراء فعمي وجعل يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك .

    ومرّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار الى بطنه فاستسقى حتّى مات .

    وقيل : أصابته السَّموم فصار أسود ، فأتى أهله فلم يعرفوه فطردوه فمات .

    ومرّ به الحارث بن الطلاطلة فأومى الى رأسه فامتخط قيحا فمات .

(433)

    وقيل : اِنّ الحرث بن قيس أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فما زال يشرب حتّى انقدّ بطنه فمات(1) .

    ولئن كان الطبْرسي صاحب التفسير هذا قد لخّص بعض الأخبار عن غير الأئمة الأطهار عليهم‏السلام بشأن هؤلاء المستهزئين ، في كتابه هذا «مجمع البيان» تبعا للشيخ الطوسي في كتابه «التبيان» واِنْ كانت رواية ابن عبّاس فيما رواه مقطوعة عليه دون أن يسندها الى علي عليه‏السلام فإنْ الطبْرسي الآخر صاحب «الاحتجاج» قد روى بشأن المستهزئين خبرا مبسوطا عن الإِمام الكاظم عن جده الحسين عليه‏السلام فيما أجاب به علي عليه‏السلام حَبْرا يهوديا شاميا جاء الى مجلس فيه أصحاب رسول اللّه : أبو معبد الجهني وعبد اللّه بن مسعود وعبد اللّه بن عبّاس(2) ممّا يكشف لنا عن مصدر خبر ابن عبّاس عن ذلك .

 

    ولئن كان الخبر في «الاحتجاج» مرسلاً مرفوعا فقد رواه الصدوق في كتابيه «معاني الأخبار» و«الخصال» مسندا ، قال : فأمّا المستهزئون فقال اللّه عزّوجلّ له : « اِنّا كفيناك المستهزئين » فقتل اللّه خمستهم ، قد قتل كل واحد منهم بغير قِتلةِ صاحبهم ، في يوم واحد :

    أمّا الوليد بن المغيرة : فإنّه مرّ بنبل لرجل من بني خزاعة قد راشه في الطريق ، فأصابته شظية منه فانقطع أكحله(3) حتّى أدماه فمات وهو يقول : قتلني ربّ محمّد .


(1) مجمع البيان 6 : 533 ، 534 .

(2) الاحتجاج 2 : 314 ـ 322 .

(3) الاكحل : عرق الحياة في اليد ـ القاموس .

(434)

    وأمّا العاص بن وائل السهمي : فإنّه قد خرج في حاجة إلى كَداء(1) فتدهده(2) تحته حجر فسقط فتقطّع قطعة قطعة فمات وهو يقول : قتلني ربّ محمّد .

    وأمّا الأسود بن عبد يغوث : فإنّه خرج يستقبل ابنه زمعة ومعه غلام له ، فاستظلّ بشجرة تحت كداء ، فأتاه جبرئيل عليه‏السلام فأخذ رأسه فنطح به الشجرة فقال لغلامه : امنع هذا عني : فقال : ما أرى أحدا يصنع بك شيئا اِلاّ نفسك ! فقتله وهو يقول : قتلني ربّ محمّد .

    قال الصدوق : وفي خبر آخر قول آخر : أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد دعا عليه أن يعمي اللّه بصره وأنْ يثكله ولده ، فلمّا كـان ذلك اليوم جاء حتّى صار الى كَداء فأتاه جبرئيل عليه‏السلام بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي ، وبقي حتّى أثكله اللّه بولده يوم بدر ثمّ مات .

    وأمّا الحارث بن الطُلاطلة : فإنه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا فرجع الى أهله فقال : أنا الحارث فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول : قتلني ربّ محمّد .

    وأمّا الأسود بن المطّلب : فإنّه أكل حوتا مالحا فأصابه غلبة العطش فلم يزل يشرب الماء حتّى انشق بطنه فمات وهو يقول : قتلني ربّ محمّد .

    وذلك أ نّهم كانوا بين يدي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقالوا له : يا محمّد ننتظر بك الى الظهر فإن رجعت عن قولك واِلاّ قتلناك !

    فدخل النبيّ منزله فأغلق عليه بابه مغتمّا بقولهم . فأتاه جبرئيل عليه‏السلام


(1) كداء ـ كسَماء ـ جبل بأعلى مكّة. القاموس ومراصد الإطلاع.

(2) تدهده : تدحرج .

(435)

ساعة فقال له : يا محمّد ، السلام يقرئك السلام وهو يقول : « فاصدع بما تؤمر » أظهر أمرك لأهل مكّة وادع ، « وأعرض عن المشركين » قال : يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما أوعدوني ؟ قال له : « إنّا كفيناك المستهزئين » قال : يا جبرئيل كانوا عندي الساعة بين يدي ؟ فقال : قد كُفيتهم . فأظهر أمره عند ذلك(1) .

 

    أمّا هذا المقطع الأخير من الخبر فهو صريح في أنّ قوله سبحانه : « فاصدع بما تؤمر » ليس بداية مرحلة الدعوة العلنية ، بل كان بادئا بها من قبل مواجها ومقابلاً بها المشركين ومنهم هؤلاء المستهزئون ، قد بلغت المواجهة بعد الاستهزاء اِلى حد التهديد بالقتل إنْ لم يرجع عن قوله ، وأن قوله سبحانه « فاصدع بما تؤمر » ليس اِلاّ اِخبارا برفع المانع بعد وجود المقتضي كما يقولون ، لا اِيجادا للمقتضي . فكيف التوفيق ؟ وعلى هذا فمعنى الإعراض عن المشركين هنا هو عدم الاعتناء والاعتداد بتهديدهم . ومعنى قوله « فاصدع » هو عدم ترتيب الأثر على تهديدهم بدخول الدار وغلق الباب والامتناع عن الدعوة بالرسالة ، وليس البدء بها .

 

    وقـد مرّ في خبر الطبْرسي : قالوا : أتى جبرئيل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله والمستهزئون يطوفون بالبيت . . . ولا نجد هذا في خبر الكاظم عن علي عليه‏السلام ، ومتى كان ذلك هل قبل نزول الآية أم بعدها ؟

    نجد جواب ذلك فيما رواه الراوندي في «الخرائج والجرائح» قال : روي أ نّه لمّا نزل « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين اِنّا كفيناك المستهزئين » بشّر النبيّ أصحابه : أن اللّه كفاه أمرهم يعني خمسة نفر ، فأتى


(1) الخصال 1 : 279 ، 280 .

(436)

الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله البيت والقوم في الطواف وجبرئيل عن يمينه .

 

    فمرّ الأسود بن المطّلب ، فرمى (جبرئيل) بورقة في وجهه خضراء فأعمى اللّه بصره وأثكله بولده .

    ومرّ به الأسود بن عبد يغوث فأومأ الى بطنه فاستسقى ماء فمات حبنا(1) .

    ومرّ به الوليد بن المغيرة فأومأ الى جرح كان في أسفل رجله فانتقضَ بذلك فقتله .

 

    ومرّ به العاص بن وائل السهمي فأشار الى أخمص رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فدخلت في (أخمص رجله) شوكة فقتلته .

    ومرّ به الحارث بن طلاطلة فأومأ اليه فتقيّأ قيحا فمات(2) .

    إذن فإتيان جبرئيل بالرسول الى البيت ومرور هؤلاء المستهزئين به في طوافهم حول البيت ، واِيماء الرسول اليهم بالتعريف واِيماء جبرئيل اليهم بالعذاب ، كان بعد نزول جبرئيل عليه بالآيات وتبشيره لأصحابه بها وبهلاك المستهزئين حسب ما جاء فيها .

 

    أمّا ما اختصره الطبْرسي في تفسيره عن ابن عبّاس وابن جبير ومحمّد ابن ثور ، فقد نقله ابن شهر آشوب عنهم فقال : كان المستهزئون به جماعة منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، والأسود بن عبد يغوث الزهري ، وأبو زمعة الأسود بن المطّلب ، والعاص بن وائل السهمي ، والحرث بن قيس السهمي ، وعقبة بن أبي معيط وقهيلة بن عامر الفهري ، والأسود بن الحرث ،


(1) حبنا : من عظم البطن تورما من الاستسقاء .

(2) البحار 18 : 240 .

(437)

وأبو اُجيحة سعيد بن العاص ، والنضر بن الحرث العبدي ، والحكم بن العاص بن اُمية ، وعتبة بن ربيعة ، وطعيمة بن عدي ، والحرث بن عامر بن نوفل ، وأبو البختري العاص بن هاشم بن أسد ، وأبو جهل ، وأبو لهب . وكلّهم قد أفناهم اللّه بأشد نكال .

 

    وكانوا قالوا له : يا محمّد ننتظر بك الى الظهر ، فإن رجعت عن قولك واِلاّ قتلناك ! فدخل منزله وأغلق عليه بابه ، فأتاه جبرئيل ساعته فقال له : يا محمّد ، السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول : « اصدع بما تؤمر » وأنا معك وقد أمرني ربّي بطاعتك .

    فلمّا أتى البيت رمى الأسود بن المطّلب في وجهه بورقة خضراء وقال : اللهم اعم بصره واثكله بولده . فعمي وأثكله اللّه بولده .

    وروى : أ نّه أشار الى عينه فعمي فكان يضرب رأسه على الجدار حتّى هلك .

    ثمّ مرّ به الأسود بن عبد يغوث فأومى الى بطنه فاستسقى ماء ومات حَبنا .

    ومرّ به الوليد فأومى الى جرح اندمل في بطن رجله من نبل فتعلقت به شوكة فنن فخدشت ساقه ولم يزل مريضا حتّى مات .

    ومرّ به العاص فعابه ، فخرج من بيته فلفحته السموم ، فلمّا انصرف الى داره لم يعرفوه فباعدوه فمات غما . وروى أ نّهم غضبوا عليه فقتلوه .

    وروى أ نّه وطأ على شَبْرقَةٍ(1) فدخلت في أخمص رجله فقال : لُدغت فلم يزل يحكّها حتّى مات .


(1) الشبرق : نبت حجازي يؤكل وله شوكة .

(438)

    ومرّ به الحارث بن طلاطلة فأومى الى رأسه فتقيّأ قيحا . ويقال : لدغته الحية . ويقال : خرج الى كَداء فتدهده عليه حجر فتقطع .

    وأمّا الأسود بن الحارث : فإنّه أكل حوتا مالحا فأصابه العطش فلم يزل يشرب الماء حتّى انشقت بطنه .

    فأمّا قهيلة بن عامر : فخرج يريد الطائف ففُقد ولم يوجد .

    وأمّا عيطلة : فإنّه اُتي بشوك فأصاب عينيه فسالت حدقته على وجهه . وقيل : استسقى فمات .

    وأمّا أبو لهب : فإنّه (مات بعد بدر والخبر عن أبي رافع قال) سأل أبا سفيان عن قصّة بدر (ونحن حضور) فقال : اِنّا لقيناهم فلقينا رجالاً بيضا على خيل بُلق بين السماء والأرض لا يقوم لها شيء ، وأيم اللّه مع ذلك ما مكث الناس ، لقيناهم فمنحناهم أكتافنا فجعلوا يقتلوننا ويأسروننا كيف شاؤوا .

    (قال أبو رافع) فقلت لاُمّ الفضل زوجة العبّاس : تلك الملائكة (فسمعني أبو لهب) فجعل يضربني ، فضربتْ اُمّ الفضل على رأسه بعمود الخيمة ، ففلقت رأسه بشجة منكرة ، ورماه اللّه بالعدسة (الطاعونية) فعاش سبع ليال (ومات) وكانت قريش تتقي العدسة ، فتركه ابناه ثلاثا لا يدفنانه ، حتّى رمته قريش على جدار بأعلى مكّة وقذفوا عليه الحجارة حتّى واروه بها(1) .

    وروى ابن اِسحاق خبر المستهزئين عن عروة بن الزبير قال : كان عظماء المستهزئين خمسة نفر من ذوي الأسنان والشرف في قومهم :

 


(1) المناقب 1 : 73 ـ 75 .

(439)

    من بني أسد بن عبد العزّى : الأسود بن المطّلب .

    ومن بني زهرة : الأسود بن عبد يغوث .

    ومن بني مخزوم : الوليد بن المغيرة .

    ومن بني سهم : العاص بن وائل .

    ومن بني خزاعة : الحارث بن الطلاطلة .

    فلمّا تمادوا في الشرّ وأكثروا برسول اللّه الاستهزاء ، أنزل اللّه تعالى عليه « فاصدع بما تؤمر » وأتى جبرئيل رسول اللّه وهم يطوفون بالبيت ، فقام وقام رسول اللّه الى جنبه ، فمرّ به الأسود بن عبد المطّلب فرمى في وجهه بورقة خضراء فعمي . ومرّ به الأسود بن عبد يغوث فأشار الى بطنه فاستقى بطنه فمات حَبنا (أي انتفاخا) ومرّ به الوليد بن المغيرة فأشار الى أثر جُرحِ بأسفل كعب رجله كان قد أصابه قبل ذلك بسنين ، فانتقض به فقتله . ومرّ به العاص بن وائل فأشار الى أخمصَ رجله فخرج على حمار له يريد الطائف فربض به على شبارقة (شجرة) فدخلت في أخمص رجله شوكة فقتلته . ومرّ به الحارث بن الطلاطلة فأشار الى رأسه فامتخط قيحا فقتله(1) .

    والخبر السابق نقله ابـن شهر آشوب عن تفسير محمّد بن ثور وهو عن التابعي سعيد بن جبير وعن ابن عبّاس مقطوعا عليه ، واِنّما جاء اسم أبي رافع في أخر الخبر ، ولعلّه هو الراوي المعاصر الناقل لابن عبّاس . وقد مرّ في خبر الصدوق عن الكاظم عن علي عليهماالسلام أنّ ابن عبّاس كان حاضرا في المجلس سامعا للخبر عن علي عليه‏السلام ، فلعلّ ما بين الخبرين من خلاف جاء من رواية أبي رافع أو ادخال ابن عبّاس للخبرين بعضهما في بعض .

 


(1) سيرة ابن هشام 2 : 50 ـ 52 .

(440)

    والمستهزئون في هذا الخبر سبعة عشر رجلاً فصّل مقتل تسعة منهم وأجمل الباقين ، وآخر المذكورين بالتفصيل أبو لهب مع التصريح بمقتله بعد بدر ، والمومى اليه منهم خمسة فحسب فلعلّ هذا هو وجه الجمع المعقول بين الخبرين ، ولعلّه هو وجه اختصار الخبر عند الطبْرسي .

    وإذا استثنينا خبر تفسير القميّ بما فيه ممّا يلازم حدوثه بعد الهجرة الى الحبشة ، فلا يبقى في سائر الأخبار اِلاّ عدم وضوح باعث الاستهزاء في حال اختفاء الدعوة ، ممّا لم نجد الجواب المقنع عنه ،اللهم اِلاّ أنْ نقول ـ كما في خبر الصدوق وابن عبّاس ـ بأنّ الصدع بالأمر لم يكن بداية اِعلان بل كان عن امتناع وقع للتهديد الأكيد من هؤلاء المستهزئين كما مرّ ، وهو المتعيّن الراجح .

    وقد مرّ في خبر الراوندي في «الخرائج» والطبْرسي في «المجمع» وابن شـهر آشوب في «المناقب» عن ابن عبّاس وابن جبير وتفسير محمّد بن ثور : أنّ الرسـول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أتى البيت ومعه جبرئيل عن يمينه والقوم في الطواف . فأيّ طواف كان هذا لهم جميعا بعد تهديدهم اِيّاه ؟

    لعلّنا نجد جواب هذا فيما رواه ابن هشام عن ابن اِسحاق في سيرته : أنّ نفرا من قريش اجتمعوا الى الوليد بن المغيرة ـ وكان ذا سنّ فيهم وقد حضر الموسم ـ فقال لهم : يا معشر قريش ! اِنّه قد حضر هذا الموسم . وإنّ وفود العرب ستقدم عليكم فيه ، وقد سمعوا بأمر صاحبكم هذا ، فأجمعوا فيه رأيا واحدا ولا تختلفوا فيكذّب بعضكم بعضا ، ويردّ قولكم بعضه بعضا(1) .

    لنا مـن هذا النص التصريح بأنّ مناسبة عقد هذا المؤتمر بل المؤامرة


(1) سيرة ابن هشام 1 : 288 .

(441)

على الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كانت هي حضور موسم الحج أو العمرة ووفود العرب اِليهم لذلك وهم قد سمعوا بأمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

    وتختلف صورة الخبر لدى القميّ في تفسيره قال : كان الوليد بن المغيرة شيخا كبيرا مجرّبا من دُهاة العرب . . . وكان له مال كثير وحدائق (في الطائف) وكان له عشرة بنين بمكّة ، وعشرة عبيد عند كلّ عبد ألف دينار يتّجر بها ـ وتلك هي القنطار في ذلك الزمان ـ ولذا كان قد قال لقريش : أنا أتوحّد بكسوة البيت سنةً وعليكم في جماعتكم سنة ، ولذلك سمّـاه اللّه « ذرني ومن خلقت وحيدا »(1) .

    وكان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يقعد في الحجر فيقرأ القرآن . . .

 

    فاجتمعت قريش الى الوليد فقالوا : يا أبا عبد شمس ، ما هذا الّذي يقول محمّد ؟ أشعر هو ؟ أم كهانة ؟ أم خُطَبٌ ؟ فقال : دعوني أسمع كلامه .

    فدنا من رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقال : يا محمّد أنشدني من شعرك ! قال : ما هو شعر ، ولكنّه كلام اللّه الّذي ارتضاه لملائكته وأنبيائه . فقال : اتل عليّ منه شيئا . فقرأ رسول اللّه « حم السجدة » فلمّا بلغ الى قوله : « فان أعرضوا فقـل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود »(2) اقشعرّ الوليد وقامت كلّ شعرة في رأسه ولحيته . ومرّ الى بيته ولم يرجع الى قريش من ذلك .

    فمشوا الى أبي جهل (عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي) فقالوا له : يا أبا الحـكم ، اِنّ أبا عبد شمس قد صبا الى دين محمّد ، أما تراه لم يرجع الينا !


(1) المدّثر : 11 .

(2) فصّلت : 13 .

(442)

    فغدا أبو جهل اليه فقال له : يا عمّ ، نَكَّسْتَ رؤوسنا وفضحتنا وأشمتَّ بنا عدوّنا وصبوتَ الى دين محمّد ؟ !

    فقال : ما صبوت الى دينه ولكنّي سمعت منه كلاما صعبا تقشعرّ منه الجلود ! فقال له أبو جهل : أخُطَبٌ هو ؟ قال : لا ، اِنَّ الخُطَبَ كلام متصل ، وهذا كلام منثور ولا يشبه بعضه بعضا . قال : أفشعر هو ؟ قال : لا ، أما اِنّي قد سمعت أشعار العرب بسيطها ومديدها ورملها ورجزها ، وما هو بشعر . قال : فما هو ؟ قال : دعني اُفكر فيه !

    فلمّا كان من الغد قالوا : يا أبا عبد شمس ، ما تقول فيما قلناه ؟ قال : قولوا : هو سحرٌ فإنّه آخِذٌ بقلوب الناس .

    فأنزل اللّه على رسوله في ذلك : « ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالاً ممدودا وبنين شهودا ومهّدت له تمهيدا ثمّ يطمع أنْ أزيـد كلاّ اِنّه كان لآيـاتنا عنيدا ساُرهقه صعـودا اِنّه فكر وقدّر فقتل كيف قدّر ثمّ قتـل كيف قدّر ثمّ نظـر ثمّ عبس وبسـر ثمّ أدبر واستكبر فقـال إنْ هذا اِلاّ سحـرٌ يؤثـر إنْ هذا اِلاّ قول البشـر ساُصليه سقر وما أدراك ما سقر . . . »(1) وكان من المستهزئين برسول اللّه(2) .

    وعلى هذا فقوله سبحانه : « ساُصليه سقر » و« ساُرهقه صعودا » كان تصعيدا في تهديده وإنذاره قبل تبشير الرسول بكفاية شرّه بهلاكه والمستهزئين معه بقوله « إنا كفيناك المستهزئين » وهذا أيضا ممّا يلازم كون الصدع بأمره قبلَ هذا بغير قليل ، حتّى تكون وفود العرب في الموسم ـ كما


(1) المدثّر : 11 ـ 27 .

(2) تفسير القميّ 2 : 393 ، 394 وعنه في اِعلام الورى : 41 ، 42 .

(443)

قال الوليد ـ قد سمعوا بأمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فإنّ الدعوة السريّة أو غير العلنية لا يبلغ صداها هذا الحد أبدا ، بحيث يحتار المشركون في كيفية مواجهتهم لهم في الموسـم . وَلعلّ الوليد بعد موقفه هذا ونزول هذه الآيات فيه بالتهديد قابل هو وأصحابه النبيّ بالتهديد الشديد والأكيد لتحديد دعوته دون حضور الموسم ، ثمّ حضروا طواف الموسم فوسمهم جبرئيل بعذاب اللّه الشديد في الدنيا قبل الآخرة ، وبذلك كفى رسول اللّه شرّهم وشرّ استهزائهم له ولرسالته . فانطلق الرسول بخطبته العامّة في الموسم على حجر اِسماعيل حول البيت في مطاف المسجد الحرام .

 

    وممّا يؤيّد ذلك تعبير الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في تلك الخطبة ، إذ هي بالإِضافة الى مخاطبة قريش تحتوي على الخطاب للعرب ، وهو اذا ضُمّ الى مخاطبة قريش ـ مثلاً ـ دلّ على العرب ممّا عداهم لا هم .

    فلننظر الى نصّ الخطاب :

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch04-01.htm