فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

حديث الإنذار :

    اللّهم اِلاّ أن نلتزم بأنّ الدعوة كانت بعد مقاطعة قريش للرسول وحصارهم اِيّاه وبني هاشم في شعب أبي طالب في حدود السنة السادسة للبعثة ، على ما رواه فرات بـن ابراهيم الكوفي في تفسيره مسندا عن أبي رافع ـ مولى العبّاس بن عبد المطّلب ـ قال : إنّ رسول اللّه جمع ولد عبد المطّلب في الشِعب ، وهم يومئذٍ ـ ولده لصلبه وأولادهم ـ أربعون رجلاً . فصنع لهم رجل شاة وثرد لهم ثريدة فصبّ عليه ذلك المرق واللحم ، ثمّ قدّموها اليهم فأكلوا منه حتّى شبعوا ، ثمّ سقاهم عُسّا واحدا من لبن فشربوا كلّهم من ذلك العُسّ حتّى رووا(1) .

    فقال أبو لهب : واللّه إنّ منّا نفرا يأكل أحدهم الجفرة(2) وما يصلحها فما تكاد تُشبعه ، ويشرب الفَرَق من النبيذ فما يرويه ، وانّ ابن أبي كبشة(3) دعانا على رِجل شاة وعُسّ من شراب فشبعنا وروينا ، إنّ هذا لهو السحر المبين !

 

    ثمّ دعاهم ، فقال لهم : اِنّ اللّه أمرني أن اُنذر عشيرتي الأقربين ورهطي المخلصين ، وانّكم عشيرتي الأقربون ورهطي المخلصون ، واِنّ اللّه لم يبعث نبيّا اِلاّ جعل له أخا من أهله ووارثا ووصيّا ووزيرا ، فأيّكم يقوم


(1) العُسّ : القدح الكبير .

(2) الجفرة مؤنث الجفر وهو من أولاد المعز ما فصل عن اُمّه وبدأ بالرعي بعد أربعة أشهر ، كما في النهاية للجزري .

(3) هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان ، شبّهوه به ، كما في النهاية للجزري .

(407)

فيبايعني على أ نّه أخي ووزيري ووارثي دون أهلي ، ووصيّي وخليفتي (في أهلي) ويكون منّي بمنزلة هارون مـن موسى غير أ نّه لا نبّي بعدي ؟ ! فأمسك القوم .

 

    فقال : واللّه ليقومنّ قائمكم أو لتكوننّ في غيركم ثمّ لتندمُنّ ! فقام علي عليه‏السلام وهم ينظرون اليه كلّهم ، فبايعه وأجابه الى ما دعاه اليه(1) .

    وقد يؤيِّد دعوى ابن أبي رافع بأن ذلك الجمع وتلك الدعوة كانت في الشعب أي بعد الإِعلان : أنّ أبا لهب يلتهب بمشاهدته المعجزة فيتهم الرسول بالسحر وينبزه بكنية ابن أبي كبشة ممّا اعتاد عليه المشركون بالنسبة اليه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فالحالة ليست حالة مفاجأة بعد سرّ وكتمان وانّما تناسب سابق خبر أو علم أو اعلان .

 

    وكذلك يؤيد كون ذلـك في الشعب بعد الإِعلان : أنّ الأمر أمر انذار لا إخبار ، والتبشير أنسب ببدء الإخبار من الإنذار ، وأنّ الرسول لم يبدأهم بالدعوة اليه والى رسالته ، بل الى بيعته ليكون خليفته بعده ، ثمّ أنذرهم : ليقومن قائمكم أو لتكون في غيركم ثمّ لتندمُنّ ! فالحالة والموقف ـ كذلك ـ ليس موقف مفاجأة ومبادأة بعد سرّ وكتمان ، بل تناسب سابق علم وإعلان .

    ولعلّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اُمر بهذه الدعوة في الشعب تحديا لكبرياء قريش ، ولما فيها من يأس للكافرين .

    والظاهر أنّ خبر أبي رافع خبر حاضر ناظر مباشر اِذ هو مولى العبّاس بن عبد المطّلب وهو من بني هاشم المدعوّين والمجتمعين ، فلعلّه كان مصطحبا لمولاه هذا ، ولا نجد فيما بأيدينا مباشرا غيره سوى علي عليه‏السلام ،


(1) تفسير فرات : 113 كما في البحار 18 : 212 .

(408)

ورجل من أصحاب النبيّ من ولد عبد المطّلب ، لم يُعرَّف بسوى هذا ـ روى عنه الخبر : السيد ابن طاووس في «سعد السعود» عن الجزء الخامس من تفسير محمّد بن العبّاس الحجّام بسنده عن مبارك بن فضالة والحسن البصري قالا :

 

    إنّ قوما خاضوا في أمر علي عليه‏السلام بعد الّذي كان من وقعة الجمل ، فقال رجل من أصحاب النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : ويلكم ما تريدون من أوّل سابق بالإيمان باللّه والإقرار بما جاء من عند اللّه ؟ لقد كنت عاشر عشرة من ولد عبد المطّلب إذ أتانا علي بن أبي طالب عليه‏السلام فقال : أجيبوا رسول اللّه الى غَداء غد في منزل أبي طالب .

    فلمّا ولّى تغامزنا وقلنا : أترى محمّدا أن يشبعنا اليوم ؟ وما منّا يومئذٍ من العشرة رجلاً اِلاّ وهو يأكل الجَذَعة(1) السمينة ويشرب الفَرَقَ(2) من اللبّن .

    فغدوا عليه في منزل أبي طالب ، واذا نحن برسول اللّه ، فحيّيناه بتحيّة الجاهلية وحيّانا هو بتحية الإِسلام : فأوّل ما أنكرنا منه ذلك . ثمّ أمر بجفنة من خبز ولحم فقُدّمت الينا ، ووضع يده اليمنى على ذروتها وقال : بسم اللّه ، كلوا على اسم اللّه . فتغيّرنا لذلك ثمّ تمسّكنا لحاجتنا الى الطعام ، وذلك أننا جوّعنا أنفسنا للميعاد بالأمس . فأكلنا حتّى أنهينا ، والجفنة كما هي مدفّقة ثمّ دفع الينا عُسّا من لبن ـ وكان عليّ يخدمنا ـ فشربنا كلّنا حتّى رُوينا والعُسّ


(1) الجذَعَة : الغنم له سنة تامة ـ مجمع البحرين .

(2) الفِرَق : بالفتح أو الكسر فالسكون : السقاء الممتلئ ، وكيل كبير للّبن ، من أكيال المدينة .

(409)

على حاله .

 

    حتّى اِذا فرغنا قال : يا بني عبد المطّلب : اِنّي نذير لكم من اللّه عزّ وجلّ ، اِنّي أتيتكم بما لم يأت به أحد من العرب ، فإن تطيعوني ترشدوا وتفلحوا وتنجحوا . اِنّ هذه مائدة أمرني اللّه بها فصنعتها لكم كما صنع عيسى بن مريم عليه‏السلام لقومه ، فمن كفر بعد ذلك منكم فإنّ اللّه يعذّبه عذابا لا يعذّبه أحدا من العالمين ، واتقوا اللّه واسمعوا ما أقول لكم . واعلموا ـ يا بني عبد المطّلب ـ أنّ اللّه لم يبعث رسولاً اِلاّ جعل له أخا ووزيرا ووصيا ووارثا من أهله ، وقد جعل لي وزيرا كما جعل للأنبياء قبلي ، وإنّ اللّه قد أرسلني الى الناس كافة وأنزل عليّ : « وأنذر عشيرتك الأقربين » وقد واللّه أنبأني به وسمّـاه لي ، ولكن أمرني أنْ أدعوكم وأنصح لكم واعرض لكم ، لئلا يكون لكم الحجة فيما بعد ، وأنتم عشيرتي وخالص رهطي ، فأيّكم يسبق اليها على أنْ يؤاخيني في اللّه ويؤازرني في اللّه عزّ وجلّ ، ومع ذلك يكون لي يدا على جميع من خالفني فأتّخذه وصيّا ووليّا ووزيرا يؤدّي عني ويبلّغ رسالتي ويقضي ديني من بعدي وعداتي مع أشياء أشترطها ؟ ! فسكتوا . فأعادها ثلاث مرات ويسكتون ، ويثب فيها علي عليه‏السلام فلمّا سمعها أبو لهب قال : تبّا لك يا محمّد ولما جئتنا به ، ألهذا دعوتنا ؟ !

    فقال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أمّا واللّه لتقومن أو يكون في غيركم !

    فوثب علي عليه‏السلام فقال : يا رسول اللّه أنا لها .

    فقال رسول اللّه : يا أبا الحسن أنت لها ، قضي القضاء وجفّ القلم ، يا علي اصطفاك اللّه بأوّلها وجعلك وليّ آخرها(1) .



(1) سعد السعود : 106 ط الحيدرية .

(410)

    فهذا خبر آخر عن مباشر آخر لم يُعرَّف بأكثر من انّه عاشر عشرة من المدعوّين من العشيرة الأقربين بني عبد المطّلب ، ومن أصحاب رسول اللّه . ويختلف عن خبر أبي رافع بإبدال موعد الدعوة من الشعب الى منزل أبي طالب ـ ولا يهمّ هذا بعد أن كان منزل أبي طالب في شِعبه لأكثر من عامين ـ ومـن عدد الأربعين الى العشيرة ، وسيأتي الجمع بينهما ، وبتفصيل أكثر أيضا .

 

    ولكنّه يشترك مع خبر أبي رافع في استبعاد أن تكون الدعوة للإِعلان بالنبوّة بعد الكتمان . بل تقريب أنْ تكون مسبوقة بالإعلان لا الكتمان ، فمقال الرسول لا زال لا يناسب ذلك .

    سوى علي عليه‏السلام وهذين الصحابيّين : أبي رافع ورجل من آل عبد المطّلب لانجد فيما بأيدينا من رواة الخبر مباشرا آخر . ولعلّه لدفع وهم عدم اشتهار القصّة قال الشيخ الطبْرسي في «مجمع البيان» : وقد فعل ذلك النبيّ واشتهرت القصّة بذلك عند الخاص والعام .

    ثمّ أورد عن الثعلبي في تفسيره الخبر المأثور عن البَراء بن عازب الأنصاري ـ وهو ثالث صحابيّ راوٍ للخبر غير مباشر فيه ـ قال : لمّا نزلت هذه الآية جمع رسول اللّه بني عبد المطّلب ـ وهم يومئذٍ أربعون رجلاً ـ الرجل منهم يأكل المسنّة (الجفرة) ويشرب العُس . فأمر عليّا عليه‏السلام برجل شاة فأدَّمها(1) ، ثمّ قال : ادنوا بسم اللّه ، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتّى صدروا ، ثمّ دعا بقعب(2) من لبن فجرع منه جرعة ثمّ قال لهم : اشربوا بسم


(1) أدّمها : صنع منها أداما أي طعاما .

(2) القعب : إناء من خشب للسوائل .

(411)

اللّه ، فشربوا حتّى رُووا .

 

    فبدرهم أبو لهب فقال : هذا ما سحركم به الرجل . فسكت يوَمئذٍ ولم يتكلّم . ثمّ دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب ، ثمّ أنذرهم رسول اللّه فقال : يا بني عبد المطّلب ! اِنّي أنا النذير اليكم ـ من اللّه عزّوجلّ ـ والبشير ، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا ، ثمّ قال : من يؤاخيني ويؤازرني ويكون وليي ووصيي بعدي وخليفتي (في أهلي) يقضي ديني ، فسكت القوم ، فأعادها ثلاثا كلّ ذلك يسكت القوم ويقول علي عليه‏السلام : أنا . فقال المرّة الثالثة : أنت . فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب : أطع ابنك فقد أمّره عليك ؟ !(1) .

    ولا يمتاز الخبر عن الأوّلين بشيء سوى ما يمكن أن يجمع به بين عددي المدعوّين في الخبرين : العشرة والأربعين ، وذلك أنّ ابن عازب قال : فدنا القوم عشرة عشرة . وقد قال من قال : وهم يومئذ أربعون رجلاً .

 

    وسوى الخبر السابق عن تفسير الحجّام لا نجد فيما بأيدينا أيّ خبر آخر عن أيّ رجل آخر من بني هاشم بل بني عبد المطّلب من العشيرة الأقربين للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله المدعوّين بهذه الدعوة الخاصّة ، حتّى عن العبّاس عمّه الحاضر في تلك الدعوة والمحجم عن الاستجابة لدعوة الرسول ، ممّا جعله علي عليه‏السلام سببا لوراثته من ابن عمّه النبيّ دون عمّه العبّاس ، إن صحّ التعبير بالوارثة ، وذلك :

    فيما رواه السيد ابن طاووس في «سعد السعود» عن تفسير الحجّام أيضا عن الحسين بن الحكم الجري بأسناده ومنها عن الطبري بسنده عن


(1) مجمع البيان للطبرسي 7 : 322 عن تفسير الثعلبي .

(412)

ربيعة بن ناجد : أنّ رجلاً قال لعلي عليه‏السلام : يا أمير المؤمنين لم ورثت ابن عمّك دون عمّك ؟ فقال علي عليه‏السلام : هاؤم ! ثلاث مرّات حتّى أشرأبّ الناس ونشروا آذانهم ثمّ قال : دعا رسول اللّه ، أو جمع بني عبد المطّلب ، كلّهم يأكل الجَذَعة ويشرب الفَرَق ، فصنع لهم مدّا من طعام فأكلوا حتّى شبعوا ، وبقي الطعام كما هو كأنه لم يُمَس ثمّ دعا بغُمَرٍ(1) فشربوا حتّى رَوُوا وبقي الشراب كأ نّه لم يُمس ولم يشربوا(2) ثمّ قال : يا بني عبد المطّلب إنّي بعثت إليكم خاصّة ، والى الناس عامّة ، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم ، فأيّكم يبايعني على أنْ يكون أخي وصاحبي ووارثي ؟ فلم يقم اليه أحد .

 

    فقمت ـ وكنت أصغر القوم سنّا ـ فقال : اجلِس . ثمّ قال (قوله) ثلاث مرّات كلّ ذلك أقوم اليه فيقول لي : اجلس حتّى كانت الثالثة ، فضرب يده على يدي . فلذلك ورثت ابن عمّي دون عمّي(3) .

    ورواه الصدوق في «علل الشرائع» بسنده عن ربيعة بن ناجد(4) . وكذلك الطبري في تأريخه(5) ولم نجد الخبر في كتاب الحبري المطبوع في طبعتين(6) .

 



(1) الغُمَر: القدح الصغير.

(2) التكملة من الطبري 2 : 321 .

(3) سعد السعود : 104 ، 105 ط الحيدرية . واسم الراوي في النسخة المطبوعة : أبي ربيعة بن ماجد ، وفي البحار 18 : 214 أبي ربيعة بن ناجد وفي علل الشرائع ربيعة ابن ناجد وكذلك في الطبري 3 : 321 وهو الصحيح .

(4) علل الشرائع : 67 كما في البحار 18 : 177 .

(5) تأريخ الطبري 2 : 321 .

(6) طبعة السيد أحمد الحسيني . وطبعة السيد محمد رضا الحسيني الجلالي .

(413)

    وهذا الخبر كالأخبار السابقة إنّما ينسجم مع كون الدعوة في الشعب أو بعد الإِعلان لا مع السّر والكتمان ، ولا سيّما بالنظر الى قوله صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «إنّي بعثت اليكم خاصّة ، والى الناس عامّة» . وهذه الجملة واِنْ كانت تنسجم مع المبادأة بالدعوة اِلاّ أنّ سـائر الجمل في كلام الرسول لا تنسجم وذلك . والخبر ليس فيه عدد المدعوّين ، ولكن . . .

 

    روى مختصره فرات بن ابراهيم في تفسيره مسندا عن علي عليه‏السلام قال : دعاهم فجمعهم على فخذة شاة وقعب من لبن ، وإنّ فيهم يومئذٍ ثلاثين رجلاً(1) .

    ونقله القميّ في تفسيره فقال : نزلت بمكّة فجمع رسول اللّه بني هاشم وهم أربعون رجلاً ، كلّ واحد منهم يأكل الجذَعَة ويشرب القربة ، فاتّخذ لهم طعاما يسيرا ، وأكلوا حتّى شبعوا ، فقال رسول اللّه : من يكون وصيّي ووزيري وخليفتي ؟ فقال لهم أبو لهب : جزما سحركم محمّد . فتفرّقوا .

 

    فلمّا كان اليوم الثاني أمر رسول اللّه ففَعل لهم مثل ذلك ، فقال لهم رسول اللّه : أيّكم يكون وصيّي ووزيري وخليفتي ؟ فقال أبو لهب : جزما سحركم محمّد . فتفرّقوا .

    فلمّا كان اليوم الثالث أمر رسول اللّه ففَعل لهم مثل ذلك فقال لهم رسول اللّه : أيّكم يكون وزيري وينجز عداتي ويقضي ديني ؟

    فقام علي عليه‏السلام فقال : أنا يا رسول اللّه . فقال رسول اللّه : أنت هو . وكان أصغرهم سنّا وأحمشهم ـ أي أدقّهم ـ ساقا وأقلّهم مالاً(2) .



(1) تفسير فرات : 111 و 112 ، كما في البحار 18 : 211 ، 212 .

(2) تفسير القمي 2 : 124 ط النجف الأشرف .

(414)

    وأوّل ما في هذا الخبر المختص بل المختزل بل المنقول بالمعنى لا النص هو أ نّه عبّر عـن المدعوّين ببني هاشم لا بني عبد المطّلب ، ففوّت المطعَن على ابن تيمية ومن شاكله ممّن طعن في الخبر بأنّ بني عبد المطّلب لم يبلغوا يومئذٍ أربعين رجلاً . ولكن الخبر كسوابقه إنّما ينسجم مع كون الدعوة في الشِعب أو بعد الإِعلان لا مع السرّ والكتمان ، ولا مع مبادأتهم بالدعوة .

 

    والطريق المسند للخبر عن علي عليه‏السلام غير منحصر بربيعة بن ناجد فالسيد كما رواه عنه في «سعد السعود» رواه في «الطُرَف» عن الأعمش(1) ، والصدوق الّذي رواه عن بن ناجد رواه أيضا بسند الأَعمش عن عبد اللّه ابن الحارث بن نوفل عن علي عليه‏السلام قال : لمّا اُنزلت « وأنذر عشيرتك الأقربين » أي رهطك المخلصين ، دعا رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بني عبد المطّلب وهم اِذ ذاك أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ، فقال : أيّكم يكون أخي ووارثي ووزيري ووصيّي وخليفتي فيكم بعدي ؟ فعرض عليهم ذلك رجلاً رجلاً ، كلّهم يأبى ذلك حتّى أتى عليّ فقلت : أنا يا رسول اللّه ، فقال : يا بني عبد المطّلب هذا أخي ووارثي ووصيّي ووزيري وخليفتي فيكم بعدي . فقام القوم يضحك بعضهم الى بعض ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أن تسمع وتطيع لهذا الغلام(2) .

    والخبر كسوابقه إنّما ينسجم مع كون الدعوة في الشِعب أو بعد الإِعلان لا مع السرّ والكتمان ، ولا مع مبادأتهم بالدعوة ، بل فيه تعريض بأبي طالب وكأنه عُرف بالسماع للرسول .

 


(1) علل الشرائع : 68 كما في البحار 18 : 178 .

(2) الطرف : 7 كما في البحار 18 : 179 .

(415)

    والسيد ابن طاووس والشيخ الصدوق قد اختصرا الخبر متنا وسندا ، وأكملهما : الشيخ الطوسي في أماليه بطريقين عن الأعمش عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل عن عبد اللّه بن عبّاس عن علي عليه‏السلام قال : لمّا نزلت هذه الآية « وأنذر عشيرتك الأقربين » على رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دعاني فقال لي : يا علي ، إنّ اللّه تعالى أمرني أن انذر عشيرتي الأقربين ، فضقت بذلك ذرعا وعرفت أ نّي متى اُباديهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره ، فصمتُّ على ذلك ، فجاءني جبرئيل فقال : يا محمّد انّك اِنْ لم تفعل ما اُمرت به عذّبك ربّك ! فاصنع لناَ يا علي ـ صاعا من طعام واجعل عليه رِجل شاة ، واملأ لنا عُسّا من لبن . ثمّ اجمع لي بني عبد المطّلب حتّى اكلّمهم واُبلّغهم ما اُمرت به .

    ففعلت ما أمرني به ثمّ دعوتهم أجمع ، وهم يومئذٍ أربعون رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ، فيهم أعمامه : أبو طالب وحمزة والعبّاس وأبو لهب . . . فلمّا اجتمعوا له دعاني بالطعام الّذي صنعت لهم ، فجئت به ، فلمّا وضعته تناول رسول اللّه جِذْمة(1) من اللحم فنتفها بأسنانه ثمَّ ألقاها في نواحي الصفحة ثمّ قال : خذوا بسم اللّه . فأكل القوم حتّى صدروا مالهم بشيء من الطعام حاجة ، وما أرى اِلاّ مواضع أيديهم . وأيمُ اللّه الّذي نفس عليّ بيده اِنْ كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدّمت لجميعهم . ثمّ جئتهم بذلك العُسّ فشربوا حتّى رووا جميعا ، وأيم اللّه اِن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله . فلمّا أراد رسول اللّه أنْ يكلّمهم بدره أبو لهب الى الكلام فقال : لشدّ ما سحركم صاحبكم ! فتفرّق القوم ولم يكلّمهم رسول اللّه .

    فقال لي من الغد : يا عليّ ، اِنّ هذا الرجل قد سبقني اِلى ما سمعت من


(1) الجِذمة : القطعة ، وفي الطبري : حِذيةً من اللحم : ما قطع طولاً .

(416)

القول فتفرّق القوم قبل أنْ اُكلّمهم . فعُدْ لنا من الطعام بمثل ما صنعت ثمّ اجمعهم لي . ففعلت ثمّ جمعتهم فدعاني بالطعام فقربته لهم ، ففعل كما فعل بالأمس ، وأكلوا حتّى مالهم به من حاجة ، ثمَّ قال : اسقهم ، فجئتهم بذلك العُسّ فشربوا حتّى رووا منه جميعا .

 

    ثمَّ تكلّم رسول اللّه فقال : يا بني عبد المطّلب اِنّي ـ واللّه ـ ما أعلم شابا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به ، اِنّي قد جئتكم بخير الدنيا والآخرة ، وقد أمرني اللّه عزّوجلّ أن أدعوكم اليه ، فأيّكم يؤمن بي ويؤازرني على أمري فيكـون أخي ووصيي ووزيري وخليفتي (في أهلي) من بعدي ؟

    فأمسك القوم وأحجموا عنها جميعا .

    فقمت . . . فقلت : أنا ـ يا نبي اللّه ـ أكون وزيرك على ما بعثك اللّه به . فأخذ بيدي ـ واِنّي لأحدثهم سنّا وأرمصهم عينا وأعظمهم بطنا وأحمشهم ساقا ـ ثمّ قال : اِنّ هذا أخي ووصيّي ووزيري وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا . . .

    فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب : قد أمرك أنْ تسمع لابنك وتطيع(1) .

    وانّما كنّى عليه‏السلام بدقّة الساق وعظم البطن ورمص العين أي وسخه عن صغر سنّه ويختلف هذا اللفظ من الخبر عن سوابقه بالنصّ على المبادأة بأمره معهم بهذه الدعوة . واِنْ كان ينقص عن خبر تفسير الحجام بعدم «انذار»


(1) امالي الطوسي : 20 ، 21 كما في البحار 18 : 191 ، 192 وروى مثله فرات بن اِبراهيم في تفسيره : 108 ، 109 .

(417)

فيه ، كسوابقه .

 

    ورواية الخبر عن عبد اللّه بن عبّاس نوع اعتراف بعدم اِسلام أبيه العبّاس يومذاك بهذه الدعوة الخاصّة المكررة ثلاثا ، بينما فيه ـ ما كان في الخبر السابق ـ من التعريض بأبي طالب وكأ نّه قد عُرف فيهم بالسمع والطاعة للرسـول ، كما فيه ـ وكما في سوابقه ـ معرفة أبي لهب السابقة عن النبيّ بما وصفه بالسحر ، فكأ نّه أمر قد عرف من قبل ، واِنْ كان نص الخبر بالمباد أة .

    وأحد الطريقين اللذين روى بهما الطوسي الخبر هو طريق الطبري الى ابن عبّاس(1) في تأريخه وتفسيره(2) واللفظ في الموضعين «وخليفتي فيكم» لا


(1) وطريق الطبري هكذا : حدثنا ابن حُميد قال : حدثنا سلمة قال : حدثني محمّد بن اِسحاق (صاحب المغازي) عن عبد الغفّار بن القاسم ، عن المنهال بن عمرو ، عن عبد اللّه بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطّلب ، عن عبد اللّه بن عبّاس ، عن علي بن أبي طالب قال . . . ولكنّ الخبر لا يوجد في سيرة ابن هشام بصفته تهذيبا( !) لسيرة ابن اِسحاق .

    ولكن نقل نص ابن اِسحاق القاضي النعمان المصري في كتابه : شرح الأخبار 1 : 106 ، 107 لا بلفظ المتكلّم عن علي عليه‏السلام بل بلفظ حكاية الغائب وقول أبي لهب فيه هكذا : لو لم تستدلوا على سحر صاحبكم اِلاّ بما رأيتموه صنع في هذا الطعام واللبن لكفاكم . وهذا يدلّ على سابق معرفتهم باتّهام النبيّ بالسحر . وقول الرسول فيه «وخليفتي فيكم» وليس خليفتي في أهلي .

(2) تأريخ الطبري 3 : 319ـ 321 وتفسيره 19 : 74 ، 75 ط بولاق ولكنّه في تفسيره حذف جملة «خليفتي فيكم» واستبدلها بجملة «كذا وكذا» في الموضعين فقال في الموضع الأوّل : «فأيّكم يؤازرني على هذا الأمر على أنْ يكون أخي وكذا وكذا» ! وفي الموضع الثاني : «اِنّ هذا أخي وكذا وكذا» ! أمّا ابن كثير الشامي فكأ نّه استكثر هذه الجملة على علي عليه‏السلام فمع اعتماده في تأريخه على تأريخ الطبري مع ذلك لم يعتمد عليه هنا بل عوّل على تفسيره كما فعل ذلك في تفسيره 3 : 315 والبداية والنهاية 3 : 40 والسيرة النبوية له 1 : 459 .

    وجاء في «فلسفة التوحيد والولاية» للمرحوم الشيخ محمّد جواد مغنية ما معناه : أنّ من القدماء الّذين رووا نص النبي على علي بالخلافة عندما دعا عشيرته وبلغهم رسـالة ربه كل من : ابن حنبل في مسنده وابن الأثير في كامله . ومن المتأخرين : محمّد عبد اللّه عنّان في «تأريخ الجمعيات» ومحمّد حسين هيكل في الطبعة الاُولى من «حياة محمّد» ولكنّه في الطبعة الثانية فما بعد في مقابل «خمسمائة جنيه» ! أخذها من «جماعة» حرّف منه جملة «خليفتي من بعدي» الى «خليفتي في أهلي» وبهذا قد مسخ الحديث المذكور . انظر : فلسفة التوحيد والولاية : 179 و 132 .

    وجاء في التعليقة على «أعيان الشيعة» أنّ الدكتور هيكل في مقابل شراء الف نسخة من كتابه قد حرف الحديث ومسخه في الطبعة الثانية منه واقتصر على جملة : أيّكم يؤازرني على هذا الأمر .

    هذا ما حكاه السيد الحسني في «سيرة المصطفى : 13 ، 131» . والصحيح ما في «الصحيح» : أن هيكل بعد أن ذكر في الطبعة الاُولى من حياة محمّد : 104 نص الطبري في التأريخ : عاد في الطبعة الثانية 1354 هـ صفحة : 139 فحذف «خليفتي فيكم» واقتصر على قوله : «ويكون أخي ووصيي» أمّا الخمسـمائة جنيه فإنّها كانت ثمن الف نسخة من كتابه كلّ نسخة بنصف جنيه . فلا منافاة ولا خلاف ، ولكنه الاعتساف وخلاف الشرع والإِنصاف .

(418)

«خليفتي في أهلي» والواسطة بين الطوسي والطبري : جماعة عن أبي المفضل عن الطبري ، فمن أضاف أو حرّف ؟ ليت شعري !

 

    وقد مرّ عن الطبْرسي أ نّه روى الخبر في تفسيره «مجمع البيان» عن تفسير الثعلبي عن البراء بن عازب .

    ورواه في «إعلام الورى» عـن تفسيري الثعلبي النيسابوري وأبي

(419)

سعيد الخرگوشي ، بعنوان : ممّا ذكره الرواة ، من دون تعيين راوٍ خاص قال :

 

    جمع بني عبد المطّلب في دار أبي طالب وهم أربعون رجلاً يومئذٍ يزيدون رجلاً أو ينقصون رجلاً ، وكان قد صنع لهم فخذ شاة مع مدّ من البر وأعدّ لهم صاعا من اللبن ، وقد كان الرجل منهم يأكل الجَذَعة في مقام واحد ويشرب القربة من الشراب . ثمّ أمر بتقديمه لهم ، فقدم وأكلت الجماعة من ذلك اليسير حتّى عَلوا منه ، ولم يبيّن فيه ما أكلوه وما شربوه منه .

    ثمّ قال لهم بعد أن شبعوا ورووا : يا بني عبد المطّلب اِنّ اللّه قد بعثني الى الخلق كافة ، وبعثني اِليكم خاصّة فقال : « وأنذر عشيرتك الأقربين » وأنا أدعـوكم الى كلمتين خفيفتين في الميزان تملكون بها العرب والعجم وتنقاد لكم بهما الاُمم وتدخلون بهما الجنة وتنجون بهما مـن النار : شهادة أنْ لا اِله الاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه . فمن يجيبني الى هذا الأمر ويؤازرني على القيام به حتّى يكون أخي ووصيي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي ؟ ! فلم يجب أحد منهم . فقام علي عليه‏السلام وقال : أنا يا رسول اللّه اؤازرُك على هذا الأمر ، فقال : اجلِس فأنت أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي ، فنهض القوم وهم يقولون لأبي طالب : يهنك اليوم أنْ دخلت في دين ابن أخيك وقد جعل ابنك أميرا عليك(1) .

    ولم يذكر الطبْرسي لهذه الرواية اسم راوٍ خاص ، وقد يكون نقلاً بالمعنى دون لفظ خاصّ ، ومهما كان فإن هذا اللفظ ينسجم مع المبادأة بالدعوة ، ويشترك مع سوابقه في عدم الإنذار فيه اللّهم اِلاّ مفهوم قوله : «وتنجون بهما من النار» بلا بيان النار أيّ نار هي ؟ وأيضا في أخره ما


(1) اِعلام الورى : 162 ، 163 .

(420)

يُشعر باستشعار القوم الميل الى دينه من أبي طالب رضى‏الله‏عنه فنهوه عن ذلك .

 

    أمّا ابن شهر آشوب في «المناقب» فقد أشار الى ما ذكره الطبري في تأريخه وقبله محمّد بن اِسحاق في كتابه وأحمد في مسنده وفضائل الصحابة والخرگوشي في تفسيره عن أبي رافع والبراء بن عازب وابن عبّاس وربيعة ابن ناجد وأضاف ابن جبير ، وأدخل أخبارهم بعضها في بعض ثمّ نقل نظم الخبر في شعر دعبل الخزاعي وستة مقاطع من شعر الحميري ومقطعين من العوني(1) .

    هذا ما ذكره بعنوان «مسابقته في البيعة» في فضائل علي عليه‏السلام ، ولكنّه قبل ذلك في مبعث النبيّ قال : روى أ نّه لمّا نزل قوله : « وأنذر عشيرتك الأقربين » صعد رسول اللّه ذات يوم الصفا فقال : يا صباحاه ! فاجتمعت اليه قريش فقالوا : مالك ؟ قـال : أرايتكم اِنْ أخبرتكم أنّ العدوّ مصبحكم أو ممسيكم ما كنتم تصدقونني ؟ قالوا : بلى . قال : فإنّي نذير لكم بين يدي عذاب شديد ! فقال أبو لهب : تبّا لك ألهذا دعوتنا ! فنزلت سورة تبّت(2) واكتفى المجلسي في باب المبعث(3)من «المناقب» بهذا الفصل وهذا النقل فقط ، فبدا وكأن هذا كل مايرويه ابن شهر اشوب في هذه الآية .

 

    بينما الخبر مرسل ، أوّل ما فيه أ نّه ليس اِنذرا للأقربين بل لقريش فهو على خلاف لفظ الآية .


(1) المناقب 1 : 24ـ 26 . وذكر مختصر الخبر الاربلي في «كشف الغمّة 1 : 327 ـ 328 عن ابن البطريق في «العمدة» وقال : «سبق ذكره أبسط من هذا» . ولكنّي لم أجده فيه قبل هذا .

(2) المناقب 1 : 46 .

(3) البحار 18 : 197 .

(421)

    ولعلّه لهذا قدّم الطبري في تأريخه حول الآيـة رواية ابن عبّاس ثمّ ابن ناجد السابقين ، وقد نقل الأوّل عن ابن اِسحاق ، ثمّ عاد فنقل عنه ـ وجعله ثالثا وآخر مـا نقل حول الآية ـ عن الحسن البصري قال : لمّا نزلت هذه الآية على رسول اللّه : « وأنذر عشيرتك الأقربين » قام رسول اللّه بالأبطح ثمّ قال : يا بني عبد المطّلب ، يا بني عبد مناف ، يا بني قصي ، ثمّ فخّذَ قريشا قبيلة قبيلة حتّى مرّ على آخرهم فقال : إِنّي أدعوكم الى اللّه واُنذركم عذابه(1) .

    ولكنّ الطبري ـ كالمازندراني ـ لم يذكر ما في مثل هذا النقل من ضعف الإِرسال في السند ومن الإِشكال في متنه ودلالته ، وكأ نّهما لم يريا بين معنى الآية وما نقلاه من عمل الرسول بها أيّ تناف أو خلاف .

 

    والظاهر أنّ ما أرسله ابن شهر آشوب هو ما في «الدر المنثور» عن البخاري وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه وابن أبي حاتم وسعيد بن منصور عن ابن عبّاس . وعلى هذا فتكون الرواية عن ابن عبّاس على صورتين : الاُولى عنه عن علي عليه‏السلام في يوم الدار والدعوة ، والثانية هذه الموقوفة عليه من دون اسناد عن أبيه العبّاس أو علي عليه‏السلام ، فالاُولى هي الأَولى بالقبول سندا وموافقة للكتاب ، والثانية مقطوعة مخالفة لظاهر الآية : «الأقربين» فهي هُراء .

    وأظهر منها هُراءً ما في «الدر المنثور» أيضا عن أحمد والبخاري ومسلم والترمذي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في «شعب الإِيمان» وفي «الدلائل» عن أبي هريرة قال : لمّا نزلت


(1) الطبري 3 : 322 والخبر في التفسير 19 : 75 ط بولاق .

(422)

هذه الآية « وأنذر عشيرتك الأقربين » دعا رسول اللّه قريشا وعمَّ وخصَّ فقال : يا معشر قريش أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرا ولا نفعا . يا معشر بني كعب بن لؤي . . . يا معشر بني قصي . . . يا معشر بني عبد مناف . . . يا بني عبد المطّلب . . . ـ في كلّها يقول : أنقذوا أنفسكم من النار فإنّي لا أملك لكم ضرّا ولانفعا ـ وفي آخر الخبر : يا فاطمة بنت محمّد انقذي نفسك من النار فإنّي لا أملك لكِ ضرّا ولا نفعا ، اِلاّ أنّ لكم رحما وساُبلّها ببلالها !

 

    فهذه الرواية أبعد ما تكون من الآية حيث تقول : إنّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله جعل يدعو قريشا قبيلة قبيلة ، فكأن أبا هريرة يعمّم الإنذار قريشا عامة ، بينما الآية تصرّح بالعشيرة الأقربين ، وهم إمّا بنو عبد المطّلب أو بنو هاشم .

    وكأنَّ أبا هريرة ـ أو من أجرى هذا الهراء على لسانه ـ كان ناظرا الى هذا الإشكال بالخلاف بين عمل الرسول بالتعميم ومفاد الآية بالتخصيص ، فقال : «وعمّ وخصّ» وهو لا يرفع الإِشكال . ثمَّ كيف دعاهم فجمعهم فأنذرهم بهذا ؟ وكيف جمع معهم ابنته فاطمة وكم كان عمرها يومئذ ؟ واين كان أبو هريرة يوم نزول الآية وقد أسلم قبل وفاة النبيّ ببضع سنين والخبر مقطوع عليه . فهو مردود .

    وأبعد من ذلك في الابتعاد بمفاد الآية عن الإمام علي عليه‏السلام وفضله وسبقه ما في «الدر المنثور» أيضا عن الطبراني وابن مردويه عن أبي امامة قال : لمّا نزلت « وأنذر عشيرتك الأقربين » جمع رسول اللّه بني هاشم فأجلسهم على الباب ، وجمع نساءه وأهله فأجلسهم في البيت ، ثمّ اطّلع عليهم فقال : يا بني هاشم اشتروا أنفسكم من النار ، واسعوا في فكاك رقابكم وافتكّوها بأنفسكم من اللّه فإنّي لا أملك لكم من اللّه شيئا . ثمّ

(423)

أقبل على أهل بيته فقال : يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا اُمّ سلمة ويا فاطمة بنت محمّد ، ويا اُمّ الزبير عمّة رسول اللّه ، اشتروا (كذا) أنفسكم من اللّه واسعوا في فكاك رقابكم فإنّي لا أملك لكم من اللّه شيئا ولا اُغني !

 

    نقل كلّ ذلك العلاّمة الطباطبائي في تفسيره «الميزان» وعلّق على هذه الرواية الثالثة فقال : فقوله تعالى : « وأنذر عشيرتك الأقربين » آية مكيّة في سورة مكيّة ، ولم يقل أحد بنزول الآية بالمدينة ، فأين كانت يوم نزولها عائشـة وحفصة واُمّ سلمة ولم يتزوج النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بهنَ اِلاّ في المدينة ؟ ثمّ قال : فالمعتمد من الروايات ما يدلّ على أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خصّ بالإِنذار يوم نزول الآية بني هاشم أو بني عبد المطّلب . ثمّ يقول : ومن عجيب الكلام قول الآلوسي بعد نقل الروايات : واذا صحّ الكلّ (بنقل الصحاح) فطريق الجمع أن يقال بتعدد الانذار !(1) .

    ومن نافلة القول أَنْ نقول : لا يرد عندنا أيّ احتمال في افتعال هذه الأقوال حول هذه الآية ، سوى الابتعاد بمفادها حسب الخبر الصحيح عمّا في ذلك من الدليل على سبق علي عليه‏السلام في الإِيمان وسبق قول الرسول له : «أنت أخي ووصيي ووارثي وخليفتي من بعدي» .

 

    ولكنْ لاحافظة لكذوب :

 ومهما تكن عند امرى‏ءٍ من خليقة  واِنْ خالها تخفى على الناس تُعلم

    نعم من الرواة من لم يكن يفكر في شيء سوى الفخر بأسلافه ، فلم يأبه بذكر شيء سوى ذلك .


(1) الميزان 15 : 333 ـ 335 .

(424)

    نجد مثال ذلك في هذا الموضوع عند اليعقوبي حيث روى الخبر عن الفضل بن عبدالرحمن الهاشمي من ولد ربيعة بن الحارث بن عبد المطّلب . قال : أمره اللّه عزّوجلّ أنْ ينذر عشيرته الأقربين ، فوقف على «المروة» ثمَّ نادى بأعلى صوته : يا آل فهر ؛ فاجتمعت اليه بطون قريش حتّى لم يبق أحد منهم ، فقال له أبو لهب : هذه فهر ، فنادى : يا آل غالب فانصرف غيرهم (وهكذا . . . حتّى نادى) يا آل هاشم فأقام بنو عبدالمطّلب ، فقال أبو لهب : هذه هاشم قد اجتمعت . فجمعهم في دار الحارث بن عبد المطّلب( !) وكانوا أربعين رجلاً يزيدون رجلاً أو ينقصونه . فصنع لهم طعاما فأكلوا عشرة عشرة حتّى شبعوا ، وكان جميع طعامهم رجل شاة وشرابهم عُسّا من لبن ، وانّ منهم من يأكل الجَذَعة ويشرب الفَرِق . ثمّ أنذرهم وأعلمهم تفضيل اللّه اِيّاهم واختصاصه لهم اذ بعثه بينهم وأمره أنْ ينذرهم ( !)

    فقال أبو لهب : خذوا على يد صاحبكم قبل أَنْ يأخذ على يده غيركم ، فإنْ منعتموه (أي حاميتموه) قُتِلتم ، واِنْ تركتموه ذللتم !

    فقال أبو طالب : يا عورة ؛ واللّه لننصرنّه ثمّ لنعيننّه . يابن أخي اِذا أردت أنْ تدعو الى ربّك فأعلمنا حتّى نخرج معك بالسلاح .

    وأسلم يومئذٍ جعفر بن أبي طالب ، وعتبة بن الحارث(1) .

    أمّا علي فلا كلام عنه ! وأمّا هذه الدعوة بهذه الكيفية فقد انفرد بها اليعقوبي ، وهي عجيبة غريبة ، بعيدة عن الحكمة والمعقول ، فهي مردودة .

 

    ولا يفوتني فيالخاتمة أَنْ الفت نظر القرّاء الكرام الى أنّ ما عدا هذا الخبر الأخير من أخبار الإِنذار في يوم الدار للأقربين من العشيرة ، تكاد


(1) اليعقوبي 2 : 27 .

(425)

تُجمع على أنّ المعدّ للطعام وطابخه لهم هو علي عليه‏السلام دون سواه لا خديجة ولا جواريها ولا فاطمة بنت أسد . . . قد يكون في ذلك سرٌ إِلهي . . . وقد يكون ذلك ممّا يؤيّد كون الدعوة أيام المحاصرة في شعب أبي طالب رضى‏الله‏عنه .

 

(426)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch03-05.htm