فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

فترة الوحي :

    في تفسير القميّ عن أبي الجارود عن الباقر عليه‏السلام في قوله سبحانه : « ما ودّعك ربّك وما قلى » قال : ذلك أنّ أوّل سورة نزلت كانت « اِقرأ باسم ربّك الّذي خلق » ثمّ أبطأ جبرئيل عـن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقالت خديجة : لعلّ ربّك قد تركك فلا يرسل اليك ؟ فأنزل اللّه تبارك وتعالى : « ما ودّعك ربّك وما قلى »(2) .

    وهذا اللفظ المروي هنا في هذا الخبر عن خديجة عليهاالسلام أخفّ وطأةً والأمر فيه أيسر ممّا رواه الطبريّ بسنده عن عبد اللّه بن شدّاد قال : ثمّ أبطأ عليه جبرئيل فقالت له خديجـة : ما أرى ربّك اِلاّ قد قلاك( !) فأنزل اللّه عزّوجلّ : « والضحى »(3) وقد خلا عنه ما رواه ابن اِسحاق والطبري عنه عن عبد اللّه بن الحسن عن اُمّه فاطمة بنت الحسين عن جدّتها خديجة في بدء نبوة الرسول(4) بل كأنّ ابن اِسحاق أراد أن يبرّى‏ء خديجة عن نسبة تلك المقولة اليها فبدأ برواية خبر عن عبد اللّه بن جعفر عن رسول اللّه قال :

 

    اُمرتُ أنْ اُبشّر خديجة ببيت من قصب (أي ذهب) لا صخب فيه ولا


(1) التمهيد 1 : 80 ـ 83 .

(2) تفسير القميّ 2 : 428 .

(3) الطبري 2 : 300 ، والتفسير 30 : 162 .

(4) سيرة ابن هشام 1 : 255 ، والطبري عنه 2 : 303 .

(396)

نصب . وقال : حدّثني من أثق به : أنّ جبرئيل عليه‏السلام أتى رسول اللّه فقال : أقرى‏ء خديجة السلام من ربّها . فقال رسول اللّه : يا خديجة ، هذا جبرئيل يُقرئك السلام من ربّك . فقالت خديجة : اللّه السلام ومنه السلام وعلى جبرئيل السلام . ثمَّ قال ابن اِسحاق :

 

    ثمّ فتر الوحي عن رسول اللّه فترة من ذلك حتّى شقّ ذلك عليه فأحزنه ، فجاءه جبرئيل بسورة الضحى : يُقسم له ربّه ـ وهو الّذي أكرمه بما أكرمه به ـ أ نّه ما ودّعه ومـا قلاه ، ويقول : ما صرمك فتركك وما أبغضك منذ أحبّك ، وما عندي من مرجعك اِليّ خير لك ممّا عجّلتُ لك من الكرامة في الدّنيا « ولسوف يعطيك ربّك » من الفُلُج(1) في الدنيا والثواب في الآخرة « فترضى » ثمَّ يعرّفه اللّه ما ابتدأه به مـن كرامة في عاجل أمره ومنّه عليه في يُتمه وعيلته وضلالته ، واستنقاذه مـن ذلك كلّه برحمته « وأمّا بنعمة ربّك » بما جاءك من اللّه من نعمته وكرامته من النبوة فاذكرها وادعُ اليها . فجعل رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ يذكر ما أنعم اللّه به عليه وعلى العباد به من النبوة سرّا الى من يطمئن اليه من أهله(2) .

    ولو كان كذلك فلا ينسجم هذا مع ما رواه الطبْرسي عن ابن عبّاس قال : احتبس الوحي عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خمسة عشر يوما ، فقال المشركون : اِنّ محمّدا قد ودّعه ربّه وقلاه ، ولو كان أمره من اللّه لتتابع الوحي عليه ، فنزلت السورة(3) .

 



(1) الفُلُج : الفوز والغلبة .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 257 ـ 259 .

(3) مجمع البيان 10 : 764 .

(397)

    وهذا لاينسجم مع ما روى الطبري عن ابن عبّاس أيضا في سنوات البعثة اِذ قال : بعث رسول اللّه لأربعين سنة ، فمكث بمكّة ثلاث عشرة سنة(1) فهل عنى بذلك أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قرأ القرآن على المشركين معلنا لهم الدعوة منذ بدء البعثة حتّى اِذا احتبس عنه الوحي خمسة عشر يوما قالوا فيه ذلك ؟

 

    وروى الطبري عـن ابن شهاب عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال : قال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو يحدث عن فترة الوحي : بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الّذي جاءني بحِراء جالسٌ على كرسيّ بين السماء والأرض . قال رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ : فجئثت منه فَرقا(2) وجئت فقلت : زمّلوني ، زمّلوني ! فدثروني فأنزل اللّه عزّوجلّ : « يا أيّها المدّثّر قم فأنذر وربّك فكبّرْ »(3) الى قوله : « والرجز فاهجر » قال : ثمَّ تتابع الوحي(4) .

    وحسب تعبير الخبر فان جابرا يصف حديث رسول اللّه أ نّه كان يحدث عن فترة الوحي ، والفترة من الفتور ، وهو لا يكون في الوحي اِلاّ بين وحيين ، فلا يكون اِلاّ بعد بدء الوحي ، وفي نفس الخبر نص بالإِشارة الى سبق نزول ملك الوحي اِليه في حراء : «فإذا الملك الّذي جاءني بحِراء جالس على كرسيّ» وفي آخر الخبر : «ثمّ تتابع الوحي» في مقابل «فتر الوحي» .

 


(1) الطبري 2 : 292 بطريقين .

(2) جُئثت : خِفتُ وفزعت ، وفرقا . خوفا وفزعا .

(3) المدّثّر : 1 ـ 3 .

(4) الخبر في التفسير 29 : 90 ط بولاق وفي التأريخ 3 : 306 ط دار المعارف . ونقله الطوسي في التبيان 10 : 171 .

(398)

    فالخبر اِذن لا يدلّ على أنّ الآيات من سورة المدّثّر هي أوّل ما نزل عليه(1) وإن نُقل ذلك عن جابر نفسه ، كما في ما روى الطبري عن ابن شهاب عن ابن سلمة قال :

    سألت جابر بن عبد اللّه : أيّ القرآن اُنزل أوّل ؟ فقال : « يا أيّها المدّثّر » فقلت : « إقرأ باسم ربّك الّذي خلق » فقال : لا اُخبرك اِلاّ ما حدثنا النبيّ قال : جاورت في حراء فلمّا قضيت جواري هبطت فاستبطنت الوادي فنوديت فنظرت عن يميني وعن شمالي وخلفي وقدّامي فلم أر شيئا ، فنظرت فوق رأسي فإذا هو جالس على عرش بين السماء والأرض . . .» .

    وفي لفظ آخر : «فنظرت عن يميني فلم أر شيئا ، وعن شمالي فلم أر شيئا ، ونظرت امـامي فلم أرَ شيئا ، ونظرت خلفي فلم أر شيئا ، فرفعت رأسي فرأيت شيئا . . .» .

    نعم ليس في هذين اللفظين من الخبر ما مرّ في اللفظ الأسبق «فإِذا الملك الّذي جاءني بحراء» وأيضا ليس فيهما مـا كان في الأسبق أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يحدّث عن فترة الوحي ، مع أنّ الراوي هو أبو سلمة بن عبد الرحمن نفسه ، وهذا غريب ! والراوي عنه هو الزهري ، ولكنّه لم يفهم من الخبر ما ادّعاه أبو سلمة بل ونسبه الى جابر في اللفظين المتأخرين من الخبر دون الأوّل ، ولذلـك فإنّ الزهري فيما رواه عنه الطبري في حديثه عن فترة الوحي روى اللفظ الأوّل للخبر ثمّ قال : وكان أوّل شيء أنزل عليه « إقرأ باسم ربّك الّذي خلق » حتّى بلغ « ما لم يعلم »(2) فقـد عوّل على الخبر


(1) كما في الميزان 20: 83.

(2) الخبر في التفسير 29 : 90 ط بولاق وفي التأريخ 3 : 304 ـ 306 . وفي البخاري 1 : 4 وفي صحيح مسلم 1 : 98، 99 .

(399)

بلفظه الأوّل لا الأخيرين ، كما فعل البخاري فرواه دونهما ، وان كان مسلم قد رواهما معا .

 

    فالمعوّل على اللفظ الأوّل للخبر دون الآخـرين ، حيث أقر راوي الخبر أبوسلمة بنقله عن جابر من دون القول بأن أوّل ما نزل سورة المدّثّر ، واِنْ كان قد أضاف ذلك اِليه في اللفظين الأخيرين (فالعهدة) فيهما على الراوي دون جابر ، فليس من باب الظن والاجتهاد من جابر ، كما في «التمهيد»(1) وعلى هذا فليس القول بإنّ أوّل ما نزل هو سورة المدّثّر من جابر ، بل هو من نسبة أبي سلمة الى جابر ، دون ثبات على هذه النسبة فقد روى هو عنه خلافها أيضا .

    نعم لا يمكن تأييد ما في الخبر عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه قال : «فجئثت منه فرقا» أي خفت منه خوفا أو فزعت منه فزعا ، لأ نّه بظاهره يتنافى مع ما رواه العياشي في تفسيره عن زرارة قال : قلت لأبي عبد اللّه عليه‏السلام : كيف لم يخَفْ رسول اللّه فيما يأتيه من قبل اللّه أنْ يكون ذلك ممّا ينزغ به الشيطان ؟ فقال عليه‏السلام : «إنّ اللّه اذا اتّخذ عبدا رسولاً أنزل عليه السكينة والوقار ، فكان يأتيه من قبل اللّه عزّوجلّ مثل الّذي يراه بعينه»(2) .

    وروى الصدوق في «التوحيد» بسنده عن محمّد بن مسلم ومحمّد بن مروان عن أبي عبد اللّه الصادق عليه‏السلام قال : «ما عَلِمَ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أنّ


(1) التمهيد 1 : 94 .

(2) تفسير العياشي ـ وعنه في البحار 18 : 262 .

(400)

جبرئيل عليه‏السلام من قبل اللّه اِلاّ بالتوفيق»(1) .

 

    إذن فالتوفيق الإلهيّ بالوقار والسكينة المنزلة على رسول لا يتركه لِيَفزع خوفا من النظر الى ملك الوحي جبرئيل حتّى ولو كان بصورته الأصلية إنْ صحّ التعبير .

 

    أمّا اليعقوبي فقد قال في نزول سورة المدّثّر : وبُعث رسول اللّه لمّا استكمل أربعين سنة . . . وعلى جبرئيل جُبّة سندس ، وأخرج له درنوكا من درانيك الجنة ، فأجلسه عليه ، وأعلمه أ نّه رسول اللّه وبلّغه عن اللّه وعلّمه : « إقرأ باسم ربّك الّذي خلق » وأتاه من غد وهو متدثر فقال : « يا أيّها المدّثّر قم فأنذِر »(2) .

 

هل نزل القرآن في دور الكتمان ؟

    وممّا يؤيّد عدم نزول القرآن في دَور الكتمان أننا لا نجد من آيات القرآن ، ممّا لا خلاف في نزوله قبل سورة الحجر الّتي في أواخرها قوله سبحانه : « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين »(3) وهي السورة الرابعة والخمسون في ترتيب النزول ، وقبلها في النزول سورة الشعراء وهي السابعة والأربعون الّتي في أواخرها قوله سبحانه : « وأنذِرْ عشيرتك الأقربين »(4) لا نجد في كلّ ذلك ما يتناسب مع مرحلة الكتمان ، بل من خصائص السور


(1) التوحيد : 242 وعنه في البحار 18 : 256 .

(2) تأريخ اليعقوبي 2 : 23 .

(3) الحجر : 94 .

(4) الشعراء : 214 .

(401)

المكّية ـ ومنها هذه السور ـ خطابها المشركين وجدالها معهم في شركهم وكفرهم وجحودهم للمبدأ والمعاد ، ممّا لا يتناسب بظاهره مع الكتمان بل الإِعلان .

 

    فسور النمل والقصص والإسراء ويونس وهود ويوسف وحتّى الحجر ، وهي السور النازلة بعد الشعراء وقبل الحجر ، هي سور تساور المشركين وتحاورهم في كثير من آياتها ، وسورة الحجر بالخصوص تقول في بدايتها : « ربّما يوّد الّذين كفـروا لو كانوا مسلمين ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ومـا أهلكنا من قرية اِلاّ ولهـا كتابٌ معلوم ما تسبق من اُمّة أجلها وما يستأخرون وقالوا يا أيّها الّذي نُزّل عليه الذكر انّك لمجنون لو ما تأتينا بالملائكة إنْ كنت من الصادقين »(1) فهل هي من الكتمان في شيء ؟ !

    بل قال العلاّمة الطباطبائي في تفسيره في التعريف بسورة الحجر : «تشتمل السورة على الكلام حول استهزاء الكفّار بالنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ورميه بالجنون ، ورمي القرآن الكريم بأ نّه من أهذار الشياطين . ففيها تعزية للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وأمر بالصبر والثبات والصفح عنهم وتطييبٌ لنفسه الشريفة واِنذار وتبشير .

 

    وتشتمل السورة على قوله تعالى : « فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين » والآية تقبل الانطباق على ما ضبطه التأريخ أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اكتتم في أوّل البعثة ـ ثلاث سنين أو أربعا أو خمسا ـ لا يعلن دعوته ، لا شتداد الأمر عليه ، فكـان لا يدعو اِلاّ آحادا ممّن يرجو منهم الإِيمان ، يدعوهم خفية ويُسِرّ اليهم الدعوة ، حتّى أذن له ربّه في ذلك وأمره أنْ يعلن دعوته .


(1) الحجر : 2 ـ 7 .

(402)

    وتؤيّده الروايات المأثورة من طرق الشيعة وأهل السنة : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يكتتم في أوّل بعثته سنين لا يظهر فيها دعوته لعامّة الناس حتّى أنزل اللّه عليه : « فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين اِنّا كفيناك المستهزئين » فخرج الى الناس وأظهر الدعوة . فالسـورة مكّية نازلة في أوّل الدعوة العلنية»(1) .

    ثمّ لم يبيّن أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اذا كان ـ كما قال ـ لا يدعو اِلاّ آحادا خفيةً وسرا ممّن يرجو منهم الإِيمان ، فأين كان المستهزئون وبماذا كانوا يستهزئون ؟ وكيف كان استهزاؤهم حتّى انّ الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله دعا عليهم فكفاه اللّه شرّهم وشرّ استهزائهم ؟ واذا كان آخر هذه السورة بداية الإِذن بالإِعلان فما معنى أنْ تكون السورة لتعزية الرسول وصبره ؟ !

 

    ولا يختص هذا الإِشكال بالعلاّمة الطباطبائي ، فقد درج الجميع على هذا القول بلا بيان لهذا الإِجمال .

    ولعلّه التفاتا الى هذا الإِشكال ودفعا له قال السيد المرتضى في «الصحيح» : بعد أن أنذر عشيرته الأقربين انتشر أمر نبوته في مكّة ، وبدأت قريش تتعرض لشخصه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بالاستهزاء والسخرية وأنواع التهم(2) .

    ومن قبله السيد الحسني فقال في «سيرة المصطفى» : لقد تحدث ـ بعد دعوته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عشيرته الأقربين ـ جميع الناس في مكّة عن دعوته ، وتسرّبت أنباؤها لخارج مكّة ولم يعد أمرها خافيا على أحـد من سكان مكّة


(1) الميزان 12 : 95 ، 96 .

(2) الصحيح 2 : 26 .

(403)

وجوارها بعد أن أعلنها بصراحة على بني عمومته وعشيرته(1) .

 

    ومعنى ذلـك أنّ الأمر اختلف بعد دعوة العشيرة عمّا قبلها فإنّما تسرّبت الدعوة بعد ذلك أمّا ما قبلها فالسر والكتمان . ولكننا لا نجد فيما اُوحي قبل ذلك ما يختلف عما بعده بل نجد الأمر نفسه قبله .

 

    فنجد بداية سورة الشعراء تقول : « لعلّك باخع نفسك أن لا يكونوا مؤمنين إن نشأ نُنزّل عليهم من السماء آية فظلّت أعناقهم لهـا خاضعين وما يأتيهم من ذكر من الرّحمن محدَث اِلاّ كـانوا عنه معرضين فقد كذّبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزؤن »(2) .

    وتقول في أواخرها : « نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسـان عربيّ مبين وإنّه لفي زبر الأوّلين أو لم يكن لهم آيةً أنْ يعلمه علماء بني إسرائيل ولـو نزّلناه على بعض الأعجمين فقرأه عليهم مـا كانوا بـه مؤمنين كذلك سلكناه في قلوب المجرمين لا يؤمنون به حتّى يروا العذاب الأليم فيأتيهم بغتةً وهم لا يشعرون فيقولوا هـل نحـن منظـرون أفبعذابنا يستعجلون أفرأيت اِن متّعناهم سنين ثمّ جاءهم ما كانوا يوعَدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتّعون وما أهلكنا من قرية اِلاّ لهـا منذرون ذكرى وما كنّا ظالمين وما تنزّلت به الشياطين وما ينبغي لهم وما يستطيعون إنّهم عن السمع لمعزولون فـلا تدع مع اللّه إلَها آخر فتكون من المعذَّبينَ وأنذِر عشيرتك الأقربين واخفض جناحك لمن اتّبعك من المؤمنين »(3) .

 



(1) سيرة المصطفى : 133 .

(2) الشعراء : 3 ـ 6 .

(3) الشعراء : 193 ـ 215 .

(404)

    فماذا يعني كلّ هذا الخطاب والعتاب بل التهديد بالعذاب والاعذار بالانذار ؟ وهل كلّ هذا من الكتمان في شيء ؟ والآية الأخيرة هل تعني أن يخفض جناحه لمن اتّبعه من المؤمنين بالدعوة الخاصّة ، خاصّةً ؟ أم مع من يؤمن به من عشيرته الأقربين في هذه الدعوة الخاصّة فحسب ؟ أو يؤخذ باطلاق الآية وعمومها ؟

 

    والعلاّمة الطباطبائي في تفسيره قال في بيان الغرض من هذه السورة : « غرض هذه السورة تسلية النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قبال ما كذّبه قومه وكذّبوا بكتابه النازل عليه من ربّه . وقد رموه تارة بأ نّه مجنون واُخرى بأ نّه شاعر ، وفيها تهديدهم مشفّعا ذلك بإيراد قصص جمع من الأنبياء وهم : موسى واِبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم‏السلام ، وما انتهت اليه عاقبة تكذيبهم ، لتتسلى به نفس النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولا يحزن بتكذيب أكثر قومه ، وليعتبر المكذبون . والسورة من عتائق السور المكية وأوائلها نزولاً ، وقد اشتملت على قوله تعالى : « وأنذر عشيرتك الأقربين » »(1) .

    ثمَّ لم يبيّن متى كان تكذيب أكثر قومه له ؟ وأين كان المكذّبون ؟ وبماذا كانوا يكذّبون ؟ وبماذا يعتبرون ؟ وهو بعد لم يدع عشيرته الأقربين واِنّما يدعوهم بعد نزول الآية في آخر هذه السورة نفسها ! فكيف التوفيق ؟ !

 

    والسورة الّتي تسبق الشعراء في ترتيب النزول هي سورة الواقعة ، وهي في أوائلها تثلّث الناس يوم القيامة : « وكنتـم أزواجا ثَلثَة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة والسابقون السابقون اُولئك المقرّبون في جنات النعيم » ثمّ تقسّم هؤلاء السابقين من


(1) الميزان 15 : 249 ، 250 .

(405)

أصحاب اليمين الى : « ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين »(1) وتعود فتقول : « لأصحاب اليمين ثلة من الأوّلين وثلّة من الآخـرين وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظلّ من يحموم لا بارد ولا كريم »(2) وتتابع النعوت والأوصاف فتقول : « فأمّا إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيـم وأمّا اِن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحـاب اليمين وأمّا ان كان من المكذّبين الضّالّين فنزل من حميم وتصلية جحيم »(3) فما معنى الأوّلين والآخرين من السابقين من أصحاب اليمين ؟ فهل كلّ ذلك فيمن استجاب للدعوة الخاصّة السرّية ؟ ومن هم ؟ وكم هم ؟ وما معنى أصحاب الشمال ولم تشملهم الدعوة ؟ وكذلك سائر السور الّتي سبقت الواقعة .

 

    ولكن في مقابل كلّ ذلك ممّا يؤيّد سرّية المرحلة الاُولى من الدعوة ونزول القرآن فيها : هو ـ من جانب ـ التناسب الكمّي فيما بين ما نزل من القرآن الى سورة الحجر مع تلك الفترة ، ومن جانب آخر : عدم التناسب أو على الأقل استبعاد أن تكون دعوة العشيرة الأقربين قد حصلت حسب آية : « وأنذر عشيرتك الأقربين » من سورة الشعراء السابعة والأربعين في ترتيب النزول مـن دون أن تكون المرحلة السابقة سرّية مكتومة ، أي بعد أن تمرّ على الدعوة زهاء ثلاث سنين من الدعوة العلنية العامّة ، ممّا لا يتناسب ودعوة العشيرة خاصّة بعد كل هذه المدة الطويلة من الدعوة العامّة .


(1) الواقعة : 13 ـ 14 .

(2) الواقعة : 38 ـ 44 .

(3) الواقعة : 88 ـ 94 .

(406)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch03-04.htm