فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل الثالث

 

 

 

 

 

 

 

 

البعثة النبويّة المباركة

 

 

(358)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله منذ بدء أمره محدَّثاً مسدّداً :

    روى الشريف الرضيّ في «نهج البلاغة» عن علي عليه‏السلام أ نّه قال في وصف الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «ولقد قرن اللّه به من لدن أن كان فطيماً أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره»(1) .

    وروى ابن أبي الحـديد في شرحه : أن بعض أصحاب الإمام الباقر عليه‏السلام سأله عن قول اللّه تعالى : « اِلاّ من ارتضى مِنْ رسول فإنّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً »(2) فقال عليه‏السلام : «يوكلّ اللّه تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم ، ويؤدّون اليهم تبليغهم الرسالة . ووكّل بمحمّد ملكاً

(1) نهج البلاغة ، الخطبة القاصعة : 292 / المقطع : 118 عن مسعدة بن صدقة عن الباقر

(2) الجن : 27 .

(359)

عظيماً منذ فُصل عن الرضاع يرشده الى الخيرات ومكارم الأخلاق ، ويصدّه عن الشرّ ومساوى‏ء الأخلاق»(1) .

 

    ولعلّ من مصاديق ذلك ما رفعه ابن اسحاق يقول : ذُكر لي : أنّ رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ كان ممّا يحدّث به عمّا كان اللّه يحفظه به في صغره وأمر جاهليته ! أ نّه قال : «لقد رأيتني في غلمان قريش ننقل الحجارة لبعض ما نلعب به ، فإنّي اُقبل معهم واُدبر ، وكلّنا قد أخذ إزاره فجعله على عاتقه ليحمل عليه الحجارة فتعرّى ! اِذ لكمني لاكم ثمّ قال : شدّ عليك إزارك ، وما أراه فأخذته وشددته عليّ ، ثمّ جعلت أحمل الحجارة على رقبتي وإزاري عليّ من بين أصحابي»(2) .

 

    واِنْ كـان الطبري يروي في تأريخه بسنده عن محمّد بن الحنفية عن أبيه عليّ عليه‏السلام قال : «سمعت رسول اللّه يقول : ما هممتُ بشيء مِمّا كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرّتين ، كلّ ذلك يحول اللّه بيني وبين ما اُريد من ذلك ، ثمّ ما هممت بسوء حتّى أكرمني اللّه برسالته .

 

    قلتُ ليلةً لغلامٍ من قريش كـان يرعى معي بأعلى مكّة : لو أبصرتَ لي غنمي حتّى أدخل مكّة فأسمر بها كما يسمر الشباب( !) فخرجت اُريد ذلك ، حتّى اِذا جئت أول دار من دور مكّة ، سمعت عَزْفاً بالدّف والمزامير ، فقلت : ما هذا ؟ قالوا : هذا فلان تزوّج ابنة فلان . فجلست أنظر اليهم ، فضرب اللّه على اُذني فنُمت ، فما أيقظني اِلاّ مسّ الشمس ، فرجعت اِلى صاحبي ، فقال : ما فعلتَ ؟ فقلت : ما صنعتُ شيئاً ، ثمّ أخبرته الخبر .


(1) شرح النهج 13 : 207 .

(2) ابن هشام 1 : 194 .

(360)

    ثمّ قلت له ليلة اُخـرى مثل ذلك ، فقال : افعل ، فخرجت فسمعت حين دخلت مكّة مثل ما سمعت حين دخلتها تلك الليلة ، فجلست أنظر ، فضرب اللّه على اُذني ، فما أيقظني اِلاّ مسّ الشمس ، فرجعت الى صاحبي فأخبرته الخبر ، ثمّ ما هممت بعدها بسوء حتّى أكرمني اللّه برسالته»(1) .

    هذا من مصاديق التسديد في السيرة ، وأمّا في الفكرة : فمنه ما رواه الصدوق في «اِكـمال الدين» بسنده عن العباس بن عبد المطّلب عن أبي طالب في خبر بحيرا الراهب أ نّه قال للنبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : «يا غلام ! أسألك بحق اللات والعُزّى . . . فزعموا أنّ رسول اللّه قال له : لا تسألني باللات والعزّى ، فواللّه ما أبغضتُ شيئاً قط بُغضَهما»(2) .

 

    أمّا قوله في الخبر السابق : «لكمني لاكم ثمّ قال : شدّ عليك إزارك ، وما أراه» فنفهم منه أ نّه ـ بناءً على ذلك وعلى ما ورَد في كثير من الأخبار ـ كان محدَّثاً ، من ذلك : ما رواه الصفّار (ت 290 هـ) في كتابه «بصائر الدرجات» بسنده عن زرارة قال : سألت أبا جعفر عليه‏السلام : مَن الرسول ؟ من النبيّ ؟ من المحدَّث ؟ فقال : «الرسول : الّذي يأتيه جبرئيل فيكلّمه قُبلاً كما يرى أحدكم صاحبه الّذي يكلّمه ، فهذا الرسول» الى قوله : «وأمّا المحدَّث ، فهو : الّذي يسمع كلام المَلَك فيحدّثه ، من غير أنْ يراه ، ومن غير أنْ يأتيه في النوم»(3) .

 



(1) الطبري 2 : 279 ورواه عنه ابن أبي الحديد 13 : 207 .

(2) اِكمال الدين : 178 ـ 185 . وابن هشام 1 : 193 عن ابن اِسحاق مرفوعاً .

(3) كما في البحار 18 : 270 عن بصائر الدرجات : 109 . ونحوه خبر آخر فيه عنه عن الباقر عليه‏السلام أيضاً وآخر عنه عن الصادق عليه‏السلام .

(361)

    وما رواه الكليني في «اُصول الكافي» بسنده عن الأحول قال : سألت أبا جعفر عن الرسول والنبيّ والمحدَّث ؟ قال : «الرسول : الّذي يأتيه جبرئيل قُبلاً فيراه ويكلّمه ، فهذا الرسول» الى قوله : «وأمّا المحدَّث ، فهو : الّذي يحدَّث فيسمع ، ولا يعاين ، ولا يرى في منامه»(1) .

 

 

ثمّ كان نبيّاً مُبشَّراً :

    وفي نفس الخبرين عـن معنى النبوة المجرّدة أي بلا رسالة ، قال في الخبر الأول : «والنبيّ : الّذي يؤتى في النوم ، نحو رؤيا اِبراهيم عليه‏السلام ، ونحو ما كان يأخذ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من السُبات اِذا أتاه جبرئيل في النوم . فهكذا النبيّ» وقال في الخبر الثاني : «وأمّا النبيّ فهو : الّذي يرى في منامه نحو رؤيا اِبراهيم عليه‏السلام ، ونحو ما كان رأى رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من أسباب النبوة قبل الوحي ، حتّى أتاه جبرئيل من عند اللّه بالرسالة» .

    وروى ابن أبي الحديد في «شرح النهج» عن الإمام الباقر عليه‏السلام : «وكّل (اللّه) بمحمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ملكاً عظيماً منذ فُصل عن الرضاع ، يرشده الى الخيرات ومكارم الأخلاق ، ويصدّه عن الشرّ ومساوى‏ء الأخلاق . وهو الّذي كان يناديه : السلام عليك يا محمّد يا رسول اللّه وهو شابّ لم يبلغ درجة الرسالة بعد ، فيظن أنّ ذلك من الحجر والأرض ، فيتأمل فلا يرى شيئاً»(2) .

    وفي التفسير المنسوب الى الإِمام الحسن العسكري عليه‏السلام عن أبيه قال :


(1) اُصول الكافي 1 : 176 ونحوه خبران آخران فيه عنه وعن الرضا عليه‏السلام .

(2) شرح نهج البلاغة 13 : 207 .

(362)

«إِنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمّا ترك التجارة الى الشام ، وتصدّق بكل ما رزقه اللّه تعالى من تلك التجارات ، كان يغدو كلّ يوم الى حِراء يصعده وينظر من قُلله الى آثار رحمة اللّه ، والى أنواع عجائب رحمته وبدائع حكمته ، وينظر الى أكناف السماء وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي ، فيعتبر بتلك الآثار ، ويتذكر بتلك الآيات ، ويعبد اللّه حقّ عبادته»(1) .

 

    وقال القطب الراوندي في «قصص الأنبياء» : ذكر علي بن اِبراهيم وهو من أجلّ رواة أصحابنا قال : «اِنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لمّا أتى له سبع وثلاثون سنة ، كان يرى في نومه كأنّ آتياً أتاه فيقول : يا رسول اللّه ! وكان بين الجبال يرعى غنماً (لأبي طالب) ، فنظر الى شخص يقول له : يا رسول اللّه ، فقال له : من أنت ؟ قال : أنا جبرئيل ، أرسلني اللّه اليك ليتّخذك رسولاً . وكان رسول اللّه يكتم ذلك ، فأنزل جبرئيل بماء من السماء فقال : يا محمّد قم فتوضأ ، فعلّمه الوضوء على الوجه واليدين من المرفق ، ومَسح الرأس والرجلين الى الكعبين وعلّمه الركوع والسجود»(2) .

 

    ونقل ذلك ابن شهر آشوب في كتابه «المناقب» وقبل ذلك بدأ فصل المبعث ببيان درجـات البعثة فقال : «ولبعثته درجات : أوّلها : الرؤيا


(1) التفسير المنسوب الى الإِمام الحسن العسكري عليه‏السلام كما في البحار 18 : 205 .

(2) قصص الأنبياء : 318 وليس في تفسير القميّ فالظاهر أنّ الطبرسي نقله عن الراوندي في «إعلام الورى» : 36 ، وعنه ابن شهر آشوب في المناقب 1 : 43 ولعلّه لهذا نقله المجلسي عن المناقب . وفي آخر خبر الطبرسي : فلمّا تمَّ له أربعون سنة أمره بالصلاة وعلّمه حدودها ، ولم ينزّل عليه أوقاتها فكان يصلي ركعتين ركعتين في كلّ وقت» .

(363)

الصادقة ، والثـانية : ما رواه الشعبي ، وداود بن عامر(1) : أنّ اللّه قرن جبرئيل بنبوة نبيّه ثلاث سنين يسمع حسّه ولا يرى شخصه ، ويعلّمه الشيء بعد الشيء ، ولا ينزل عليه القرآن . فكان في هذه المدّة مبشَّراً غير مبعوث الى الاُمّة» .

 

    ويقصد بمـا رواه الشعبي : ما رواه ابن سعد في «الطبقات» عن الواقدي بسنده عنه قال : قُرن اِسرافيل بنبوة رسول اللّه ثلاث سنين ، يسمع حسّه ولا يرى شخصه ، ثمّ كان بعد ذلك جبرئيل عليه‏السلام (2) .

    ويقصد بما رواه داود عن عامر الشعبي أيضاً : ما رواه عنه الطبري أيضاً قال : اُنزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة ، فقرن بنبوّته اِسرافيل ثلاث سنين ، فكان يعلّمه الكلمة والشيء ، ولم ينزل القرآن على لسانه . فلمّا مضت ثلاث سنين قرن بنبوته جبرئيل عليه‏السلام . فنزل القرآن على لسانه عشر سنين بمكّة ، وعشر سنين بالمدينة(3) .

 

    وقـال الطبري بعد هذا : فلعلّ الّذين قالوا : كان مُقامه بمكّة بعد الوحي عشراً ، عدّوا مُقامه بها من حين أتاه جبرئيل بالوحي من اللّه عزّوجلّ ، وأظهر الدعاء الى التوحيد وعدَّ الّذين قالوا : كان مُقامه ثلاث عشرة سنة ، من أوّل الوقت الّذي استنبى‏ء فيه ، وكان المقرون به اِسرافيل ، وهي السنون الثلاث الّتي لم يكن أُمر فيها بإِظهار الدعوة(4) .

 



(1) كذا في المناقب 1 : 41 والصحيح : مارواه داود عن عامر الشعبي .

(2) الطبقات 1 : 191 والطبري 2 : 386 عنه .

(3) الطبري 2 : 387 .

(4) الطبري 2 : 387 ورواه ابن سعد في الطبقات 1 : 127 وابن كثير في البداية والنهاية 3 : 4 واليعقوبي 2 : 23 مرسلاً . وروى الحاكم في المستدرك 2 : 61 عن سعيد بن المسيب أنّ القرآن نزل على الرسول وهو ابن ثلاث وأربعين .

(364)

    ولكن يبقى أنّ ابن شهر آشوب بدّل جبرئيل بإِسرافيل سهواً .

 

    أمّا من طرقنا فلا أقلّ ممّا ذكره الشيخ المفيد في «الاختصاص» قال : «قُرن اِسرافيل برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ثلاث سنين ، يسمع الصوت ولا يرى شيئاً ، ثمّ قرن به جبرئيل عليه‏السلام عشر سنين ، وذلك حيث اوحي اليه ، فأقام بمكّة عشر سنين ثمّ هاجر اِلى المدينة فأقام بها عشر سنين(1) .

    وهذا يعني أنّ تلك السنوات الثلاث كانت منذ بدء البعثة في الأربعين مـن عمره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الثالث والأربعين ، كما نصّ عليه داود بن عامر في خبره . وابن داود لم يذكر أ نّه لم يكن يرى شخصه ، وانّما نصّ عليه خبر الشعبي ومـا ذكره الشيخ المفيد وابن شهر آشوب . فعلى ماذا كان قبل البعثة ؟

 

    قبل أنْ نقف واِيّاكم على مختلف الأخبار في هذا المضمار ، لنعد فنعيد النظرة على واقع حال الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فيما قبل البعثة من حيث العبادة والدّيانة .

    والحقيقة هي أنّ واقع الحال في البعثة وما قبلها غير بيّن ، فالقرآن الكريم يقول : « ماكنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان »(2) فحيث لم يكن يدري قبل بعثته ما الكتاب ولا الإيمان فهل لم يكن كذلك يؤمن ويتدّين بكتاب أو دين كما هو ظاهر لفظ القرآن الكريم ؟ أم ماذا ؟

    وأقدم ما نعلم من السابقة التأريخية لهذا التساؤل ـ مع الأسف ـ ليس


(1) الاختصاص : 130 ، و لا نؤكد نسبة الاختصاص الى الشيخ المفيد .

(2) الشورى : 52 .

(365)

عصر الرسـول نفسه أو المعصومين من عترته عليهم‏السلام ، بل حتّى بعد عصر الغيبة الصغرى وفي بدايات الغيبة الكبرى ، فقد طرح هذا السؤال نفسه ضمن مسائل علم الاُصول ، واليك نماذج من ذلك :

 

    السيد المرتضى علم الهدى رضى‏الله‏عنه يقول في كتابه «الذريعة الى اُصول‏الشريعة» : «قد استقصينا هذا الكلام وفرّغناه في كتاب « الذخيرة »(1) ويقرّره كذلك في «الذريعة» فيقول : «هل كان رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله متعبّداً بشرائع من تقدّمه من الأنبياء عليهم‏السلام ؟ في هذا الباب مسألتان : اِحداهما : قبل النبوة ، والاُخرى : بعدها . وفي المسألة الاُولى ثلاثة مذاهب : احدها : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ما كان متعبداً قطعاً . والآخر : أ نّه كان متعبّداً قطعاً . والثالث : التوقف . وهذا هو الصحيح . والّذي يدلّ عليه : أنّ العبادة بالشرائع تابعة لما يعلمه اللّه تعالى من المصلحة بها في التكليف العقلي ، ولا يمتنع أنْ يعلم اللّه تعالى أنْ لا مصلحة للنبيّ قبل نبوته في العبادة بشيء من الشرائع ، كما أ نّه غير ممتنع أنْ يعلم أنّ له في ذلك مصلحة ، واذا كان كلّ واحد من الأمرين جائزاً ، ولا دلالة توجب القطع على أحدهما ، وجب التوقف .

    وليس يقتضي علمه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأنْ غيره نبيّ أن يتعبّد بشريعته ، بل لابد من أمر زائد على هذا العلم . ولو ثبت أ نّه حج أو اعتمر قبل نبوّته لقُطع به على أ نّه كـان متعبداً ، وبالتظنيّ لا يثبت مثل ذلك . ولم يثبت أ نّه تولى


(1) حقق الكتاب المحقق السيد أحمد الحسيني ، وطبع في مؤسسة النشر الإسلامي بقم المقدّسة سنة 1411 هـ في 607 صفحة ، يبدأ فيه باب النبوات من 322 الى 408 ولم أجد الكلام المذكور فيه ولا في سائر أبواب الكتاب ، بل التحويل على الذخيرة لا يوجد في الذريعة أيضا 2 : 595 ط جامعة طهران .

(366)

التذكية بيده ، ولو ثبت أ نّه ذكّى بيده لجاز أنْ يكون من شرع غيره في ذلك الوقت أنْ يستعين بغيره في الذكاة فذكّى على سبيل المعونة لغيره ، ولا شبهة في أنّ أكل لحم المذكّى غير موقوف على الشرع ، لأ نّه بعد الذكاة يصير مثل كلّ مباح .

 

    وليس لمن قطع على أ نّه ما كان متعبداً أنْ يتعلّق بالقول : بأ نّه لو كان تَعبَّد بشيء من الشرائع لكان فيه متّبعاً لصاحب تلك الشريعة ومقتدياً به ، وذلك لا يجوز ، لأ نّه أفضل الخلق ، واتّباع الأفضل للمفضول قبيح .

    ذلك أ نّه غير ممتنع أنْ يوجب اللّه تعالى عليه بعض ما قامت عليه الحجة به من بعض الشرائع المتقدمة لا على وجه الاقتداء بغيره فيها ولا الاتّباع»(1) .

    وقال المحقّق أبو القاسم الحلّي ـ طيّب اللّه رمسه ـ في اُصوله : «لو كان متعبّداً بشرع من قبله لكان طريقه الى ذلك إمّا الوحي أو النقل ، ويلزم من الأوّل : أنْ يكون شرعاً له لا شرعاً لغيره ، ومن الثاني : التعويل على نقل اليهود ، وهو باطل ، لأ نّه ليس بتواتر ، لما تطرق اِليه من القدح المانع من إفادة اليقين . ونقل الآحاد منهم لا يوجب العمل ، لعدم الثقة .

 

    ولو كان متعبّداً بشرع غيره لوجب عليه البحث عن ذلك الشرع ، لكنّ ذلك باطل ، لأ نّه لو وجب لفعله ، ولو فعله لاشتهر ، ولوجب على الصحابة والتابعين والمسلمين الى يومنا هذا متابعته على الخوض فيه ، ونحن نعلم من الدّين خلاف ذلك»(2) .



(1) الذريعة الى اُصول الشريعة 2 : 595 ، 596 ط جامعة طهران .

(2) كما في البحار 18 : 275ـ 276 باختصار . أما في كتابه «معارج الاُصول» المطبوع فكما يلي : فائدة : اختلف الناس في النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هل كان متعبداً بشرع من قبله ؟ أم لا ؟ وهذا الخلاف عديم الفائدة ، لأنا لا نشك في أن جميع ما أتى به لم يكن نقلاً عن الأنبياء عليهم‏السلام ، بل عن اللّه تعالى بواسطة الملك ، ونُجمع على أنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أفضل الأنبياء ، واِذا أجمعنا على ثمرة المسألة فالدخول بعد ذلك فيها كلفة : 121 . انتهى ، وقد ذكر العلاّمة الطهراني للمحقق كتاباً آخر في الاُصول باسم «نهج الوصول» الذريعة 24 : 426 ، 427 فلعل المجلسي نقل كلامه من ذلك الكتاب ، ولم يسمّه .

(367)

    فالسيد المرتضى توقّف ، والمحقّق نفى وأنكر ، ولكنّ تلميذه العلامة عاد فتوقف : فقد قـال ـ قدّس اللّه روحه ـ في شرحه على «مختصر الاُصول» لابن الحاجب : «اختلف الناس في أنّ النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هل كان متعبداً بشرع أحد مـن الأنبياء قبله قبل النبوة ؟ أم لا ؟ فذهب جماعة اِلى أ نّه كان متعبداً . ونفاه آخرون .

 

    والمثبتون اختلفوا : فذهب بعضهم اِلى أ نّه : كان متعبّداً بشرع نوح ، وآخرون : بشرع اِبراهيم ، وآخرون : بشرع موسى ، وآخرون : بشرع عيسى ، وآخرون : بما ثبت أ نّه من الشرع» .

    ولم يتكلم العلاّمة فيه بما ينمّ عن مختاره وانّما قرّر مختار ابن الحاجب الشافعي (ت 646 ه ) بأ نّه كان متعبداً بما ثبت بالتواتر أ نّه من شرع قبله ، عيسى بل موسى عليهماالسلام ، فإنّ شريعة عيسى هي شريعة موسى عليه‏السلام في الأعم الأغلب .

    وقرّر استدلاله لذلك «بما نقل نقلاً ـ يقارب التواتر ـ أ نّه كان يصلّي ويحجّ ويعتمر ويطوف بالبيت ، ويتجنّب الميتة ويذكّي ويأكل اللحم ، ويركب الحمار ( !) وهذه اُمور لا يدركها العقل ، فلا مصير اليها اِلاّ من الشرع» .

    ولكنّه ردّ استدلال غيره على هذا المذهب نفسه : «بأنّ عيسى كان

(368)

مبعوثاً اِلى جميع المكلّفين ، والنبيّ كان من المكلّفين ، فيكون عيسى مبعوثاً اليه» فقال : «لا نسلّم عموم دعوة من تقدّمه» .

 

    ولكنّه قـال : إنّ الشرع المنقول اليه إن كان آحاداً فهو غير مقبول وأمّا اِذا كان متواتراً فقد كان يعمل به من دون لزوم المخالطة لأرباب تلك الشريعة ، حتّى يلزم عدم تعبده به من عدم مخالطة لهم . فالنتيجة : أ نّه كان يعمل بما ثبت بالتواتر اَ نّه شرع قبله ، بدليل نقلي يقارب التواتر كما قال .

    وقد تقدّم من السيد المرتضى : أ نّه لو ثبت لقُطع به على أ نّه كان متعبداً ، ولكنّه لم يثبت عنه ، التظنّي لا يُثبت مثل ذلك .

    أمّا النصوص المتقدمة فإنّما دلّت على أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان في فكره وسلوكه الديني العقائدي العقلي والعملي محدَّثاً مسدّداً .

    وبخصوص الصلاة فقد مرّ خبر القطب الراوندي عن علي بن اِبراهيم القمّي : أ نّه بعد ما «أتى عليه سبع وثلاثون سنة . . . نزل عليه جبرئيل وأنزل عليه ماءً من السماء وعلّمه الوضوء والركوع والسجود»(1) فقط ، لا الصلاة بحـدودها وأوقاتها ففي تمام الخبر : «فلمّا تمَّ له أربعون سنة علّمه حدود الصلاة ولم ينزّل عليه أوقاتها ، فكان يصلي ركعتين ركعتين في كلّ وقت»(2) ممّا يدلّ عليه كثير من معتبر الأخبار ، في تفصيل تشريع الصلوات في أبواب عديدة من «وسائل الشيعة» وكذلك لدى العامة أيضاً .

    وأمّا شأنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في كثير من المناسك والمناهي والتروك فليكن كشأن آبائه وأجـداده الأمجاد ممّا دلّ عليه كثير من الأخبار التأريخية وغيرها كما


(1) قصص الأنبياء : 317 ، 318 .

(2) اِعلام الورى : 36 ط النجف الأشرف .

(369)

مرّ في محلّه ، أمّا أكثر من ذلك التحنّث بالحنيفية «الإِبراهيمية» فلا نصّ يصرّح به ، ولا دليل عليه .

 

    واِنْ كـان المولى المجلسي ـ قدس اللّه سره ـ قال : «إنّ الّذي ظهر لي من الأخبار المعتبرة والآثار المستفيضة هو : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان قبل بعثته ـ منذ أكمل اللّه عقله في بدو سنّه ـ نبيّاً مؤيّداً بروح القدس ، يكلّمه الملك ويسمع الصوت ، ويرى في المنام . . . وكان يعبد اللّه بصنوف العبادات إمّا موافقاً لما أمر به الناس بعد التبليغ ، وهو أظهر ، أو على وجه آخر ، اِمّا مطابقاً لشريعة اِبراهيم عليه‏السلام أو غيره ممّن تقدّمه من الأنبياء ، لا على وجه كونه تابعاً لهم وعـاملاً بشريعتهم ، بل بأنّ ما اُوحي اليه كان مطابقاً لبعض شرائعهم ، أو على وجه آخـر ، نسخ بما نزل عليه بعد الإرسال . ولا أظن أنْ يخفى صحة ما ذكرت على ذي فطرة مستقيمة وفطنة غير سقيمة . . . ولنذكر بعض الوجوه لزيادة الاطمئنان ، على وجه الإجمال» ثمَّ ذكر وجوها ستة(1) .

    ولنعد لنَستثني من نفينا لنصّ صريح في الإِجابة على السؤال بهذا الشـأن : ما رواه الكليني في «اُصول الكافي» بسنده عن أبي حمزة الثمالي قال : «سألت أبا عبداللّه عليه‏السلام عن العلم أهو شيء يتعلمه العالم [ منكم ] من أفواه الرجال ؟ أمْ في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه ؟

 

    قال : الأمرُ أعظم مِنْ ذلك وأوجب ، أمّا سمِعت قول اللّهِ عزّوجل : « وَكذلك أَوْحَيْنا اِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أمْرِنـا ما كُنْتَ تَدْري مَا الكِتابُ وَلا الايمانُ »(2) ثمّ قال : أيّ شيء يقول أصحابكم في هذه الآية ؟ أيقرّون أ نّه


(1) بحار الأنوار 18 : 277 ـ 281 .

(2) الشورى : 52 .

(370)

كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان ؟ فقلت : لا أدري ـ جعلت فداك ـ ما يقولون ، فقال : بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان ، حتّى بعث اللّه ـ عزّوجلّ ـ الروح الّتي ذكر في الكتاب ، فلمّا أوحاها اليه علم بها العلم والفهم ، وهي الروح الّتي يعطيها اللّه ـ عزّوجلّ ـ من شاء ، فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم»(1) .

 

    فسؤال الثمالي في هذا الخبر من الإمام الصادق عليه‏السلام واِنْ كان عن مصدر العلم للعالم الإلهي الرّباني ، ولم يكن السؤال عن حال الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قبل البعثة مـن حيث الديانة والعبادة اِلاّ أنّ الإمام أجابه بما اشتمل على ذلك اِذ قال : بأنّ مصدر العلم للعالم الإلهي الرّباني هي الروح الّتي يعطيها اللّه من شاء من عباده ، فإذا أعطاها عبداً علّمه الفهم ، بعد ما كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الايمان ، كما في نصّ القرآن .

 

    ولكنّ المولى المجلسي فسّر الروح هنا بروح القـدس وقال كما مرّ : «كان منذ أكمل اللّه عقله في بدو سنّه نبيّاً مؤيداً بروح القدس» ولذلك أجاب عـن الاستدلال بالآية يقول : «وأمّا استدلالهم بقوله تعالى : « ما كُنْتَ تَدْري ما الكتابُ وَ لا الايمانُ » فلا يدلّ اِلاّ على أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان في حال لم يكن يعلم القرآن وبعض شرائع الإيمان ، ولعلّ ذلك كان في حال ولادته قبل تأييده بروح القدس ، كما دلّت عليه رواية أبي حمزة وغيرها»(2) .

    اِذن يبقى علينا أنْ نبيِّن معنى الروح :

 

    قـد روى الكليني في «اُصول الكافي» بسنده عن أبي بصير قال :


(1) اُصول الكافي 1 : 273 ، 274 .

(2) البحار 18 : 281 .

(371)

سألت أبا عبداللّه عليه‏السلام عن قول اللّه تبارك وتعالى : « وكذلك أوحينا اليك روحاً من أمـرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإِيمان » ؟ قال : «خلق من خلق اللّه أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يخبره ويسدّده ، وهو مع الأئمة من بعده»(1) .

 

    وروى فيه بسنده عنه أيضاً قال : سألت أبا عبد اللّه عليه‏السلام عن قول اللّه عزّوجلّ : « يَسألوُنَكَ عَن الـرُوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبّي »(2) قال : «خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل ، كان مع رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهو مع الأئمة ، وهو من الملكوت»(3) .

 

    وروى فيه بسنده عنه أيضاً قال : سمعت أبا عبد اللّه عليه‏السلام يقول : « يسألونك عن الـروح قل الروح من أمر ربّي » قال : خلق أعظم من جبرئيل وميكائيل ، لم يكن مع أحد ممَّن مضى غير محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وهو مع الأئمة يسدّدهم ، وليس كلّ من طلب وجد»(4) .

 

    وروى فيه بسنده عن المفضل بن عمر قال : سألته عن علم الإِمام بما في أقطار الأرض وهو في بيته ، مُرخى عليه ستره ؟ فقال : «يا مفضّل ، اِنّ اللّه تبارك وتعالى جعل في النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله خمسة أرواح : روح الحياة فبه دبّ ودرج ، وروح القوة فبه نهض وجـاهد ، وروح الشهوة فبه أكل وشرب ، وأتى النساء من الحلال ، وروح الإِيمان فبه امن وعدل ، وروح القدس فبه


(1) اُصول الكافي 1 : 273 .

(2) الإِسراء : 85 .

(3) اُصول الكافي 1 : 273 .

(4) اُصول الكافي 1 : 273 .

(372)

حمل النبوة ـ فإِذا قبض النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله انتقل روح القدس فصار اِلى الإِمام ـ وروح القدس لا ينام ولا يغفل ولا يلهو ولا يسهو ـ والأربعة الأرواح تنام وتغفل وتلهو وتسهو ـ وروح القدس كان يَرى به»(1) .

 

    ونقله المجلسي وقال في بيانه : «أي كان يرى النبيّ والإِمام بروح القدس ما غاب عنه في أقطار الأرض والسماء وما دون العرش»(2) .

 

    فإِذا ضممنا الى ذلـك أ نّه لم يكن يرى جبرئيل ولا أيّ ملك قبل نزول وحي القرآن عليه وإنّما كان يسمع ويحسّ ولا يرى الشخص ، كما مرَّ في الخبر المعتبر ، أنتج : أنّ هذا الروح ـ روح القدس ـ أيضاً لم يكن معه قبل نزول وحي القرآن عليه ، وإنّما اُوتيه بعـد ذلك أو معه ، لا قبله منذ اكتمال عقله في بدوّ سنّه كما ذهب اليه المولى المجلسي ـ قدّس اللّه سره ـ .

 

    وتعليق الكلام على الوصف اِنْ كان مُشعراً بالعلّية ـ كما هو الحقّ ـ فقد علّق الإِمام عليه‏السلام وجود هذه الروح على وصف الرسالة : «كان مع رسول اللّه» في الخبرين الأوّلين ، وليس حتّى النبوة ، ممّا يشعر بأنّ هذه الروح ـ روح القدس ـ كانت مصاحبة مع وصف الرسالة ومتزامنة في البداية معها ، لا قبلها ، حتّى مع النبوة ، فضلاً عمّا قبلها . ولا يقـدح في هذا خلوّ الخبر الثالث من هذا التعليق ، فانّه بصدد النفي عن غيره لا الإثبات له .

    وبعد كلّ ما تقدم ، فإن ما نستطيع الجزم به هو : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان مؤمناً موحداً يعبد اللّه ويلتزم بمـا ثبت له أ نّه شرع اللّه تعالى ، وبما يؤدّي اِليه عقله الفطري السليم ، والمؤيد المسدّد ، فكان أفضل الخلق واكملهم خلقاً


(1) اُصول الكافي 1 : 273 .

(2) بحارالأنوار 1 : 264 .

(373)

وخلقاً وعقلاً . . . وعليه فما يذكر عنه ممّا يتنافى مع التسديد وفقاً لشرع اللّه ، لا أساس له من الصحة . . . كالخبر عن استلامه الأصنام ! ذلك ما نقله القاضي عياض في كتابه «الشفا في أحوال المصطفى» ثمّ نقل عن أحمد بن حنبل : أ نّه حديث موضوع(1) .

 

    مع أنّ المؤرخين ـ ومنهم المسعودي ـ عدّوا عدداً من العرب الجاهليين لم يشاركوا الجاهلية في شركها ، كقِسّ بن ساعدة الإيادي ، واُميّة بن أبي الصلت الثقفي ، وزيد بن عمرو بن نُفَيل العدوي ، وأبيه عمرو بن نُفيل أخي الخطّاب بن نُفيل أبي عمر بن الخطاب ، وكان زيد يرغب عن عبادة الأصنام ويعيبها ، فأولع به عمّه الخطاب سفهاء مكّة وسلّطهم عليه فآذوه ، فصار اِلى الشام يبحث عن الدّين فسمّته النصارى ومات بالشام(2) .

 

    فعدّوا ابنه سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة بالجنة(3) وعدّوه من الحنفاء حتّى أ نّهم رووا : أنّ زيداً مرّ على النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وهو يأكل مع سفيان ابن الحرث من سفرة قدّمت لهما فيها شاة ذبحت لغير اللّه تعالى ، فدعواه الى الطعام فرفض زيد وقال : أنا لا آكل ممّا تذبحون على أنصابكم ، ولا آكل اِلاّ ما ذكر اسم اللّه عليه ! فمنذ ذلك اليوم لم يُر النبيّ يأكل ممّا ذبح على النُصُب حتّى بُعث !(4) .

 



(1) كما في السيرة الحلبية 1 : 125 و 270 . والسيرة النبوية لدحلان 1 : 51 . راجع الصحيح 1 : 158 .

(2) مروج الذهب 1 : 82 ـ 89 .

(3) مروج الذهب 1 : 84 .

(4) صحيح البخاري 5 : 50 و 7 : 118 وفي شرحه : فتح الباري في شرح صحيح البخاري 7 : 108 و 109 . ومسند أحمد 1 : 189 . والسيرة الحلبية 1 : 123 . والروض الاُنف 1 : 256 .

    والأخير تنبّه الى تساوءل فطرحه يقول : «كيف وفّق اللّه زيداً الى ترك ما ذُبح على النُصُب وما لم يذكر اسم اللّه عليه ، ورسوله ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ كان أولى بهذه الفضيلة في الجاهلية ؛ لما ثبت من عصمة اللّه له» .

    ولكنّه تساهل في الجواب على هذا التساؤل فقال يعتذر لذلك : «ليس في الرواية أ نّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ قد أكل من السفرة ( !) وعلى فرض أ نّه قد أكل فإن شرع اِبراهيم عليه‏السلام اِنّما جاء بتحريم الميتة لا بتحريم ما ذُبح لغير اللّه تعالى ( !) أمّا زيد فلعلّه امتنع عن أكل ما ذُبح لغير اللّه برأي رآه ، لا بشرع متقدم» !

    وكذلك رجّح العسقلاني في «فتح الباري في شرح صحيح البخاري» أنّ زيداً قد أدرك ذلك برأيه( !)

    ونقول : لئن أدرك ذلك زيد برأيه ولم يدرك النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ذلك ، فلقد كانت النبوّة بزيد أليق منها به صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، والعياذ بالله من فضيلة لابن عمّ الخليفة تمحق حتّى فضيلة النبوة ! .

(374)

عليه‏السلام .


فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch03-01.htm