فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
كيف نشأ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آباء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اِيمان عبد المطلب
أبناء عبد المطلب والذبيح منهم
الزواج الميمون
الميلاد الميمون
الوليد لدى جدّه وعمّه
وفاة عبداللّه
رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الرضاع الميمون
رضاعه من حليمة السعدية
قصّة شقّ الصدر !
وفود عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن
الاستسقاء برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وفاة اُم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وكفالة جدّه وعمّه له
سفر النبي صلى ‏الله ‏عليه ‏و ‏آله الأوّل مع عمّهِ الى الشام
كان اللّه يسلك بالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طريق المكارم
حرب الفجار
ميلاد علي عليه‏السلام
حلف الفضول
رعي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للغنم
السفر الثاني للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام ، وزواجه بخديجة
الخاطب أبو طالب
من تولّى تزويج خديجة ؟ !
خديجة تعرض نفسها على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
هل كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أجيراً لخديجة أو مضارباً ؟
أوهام واهية
دوافع زواج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عمر خديجة ومهرها
هل كانت خديجة متزوجّة ؟
أولاد خديجة من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
مولد فاطمة عليهاالسلام
عليٌّ عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الخاطب أبو طالب :

    وروى الكـليني في (فروع الكافي) بسنده عن أبي عبداللّه الصادق عليه‏السلام أ نّه قال :

    لمّا أراد رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أن يتزوج خديجة بنت خويلد ، أقبل أبو طـالب في أهل بيته ومعه نفر من قريش حتّى دخل على ورقة بن نوفل (ابن) عمّ خديجة ، فابتدأ أبو طالب بالكلام فقال :

    «الحمد لربّ هـذا البيت ، الّذي جعلنا من زرع اِبراهيم وذرية اِسماعيل ، وأنزلنا حرماً آمناً ، وجعلنا الحكّام على الناس ، وبارك لنا في بلدنا الّذي نحن فيه .

    ثمّ اِنّ ابـن أخي هذا ـ يعني رسول اللّه ـ لا يوزن برجل من قريش اِلاّ رجح ، ولا يقاس بأحد منهم اِلاّ عظم عنه ، ولا عِدل له في الخلق ، وان كـان مُقلاًّ في المال ، فإنّ المال رفد جار وظل زائل . وله في خديجة رغبة ولها فيه رغبة . وقد جئناك لنخطبها اليك برضاها وأمرها . والمهر عليّ في مالي ، الّذي سألتموه ، عاجله وآجله . وله ـ وربّ هذا البيت ـ حظّ عظيم ودين شائع ورأي كامل» ثمّ سكت أبو طالب .

    فتكلّم ابن عمّها وتلجلج ، وقصر عـن جواب أبي طالب وأدركه القطع والبَهَر ، وكان رجلاً من القسّيسين(2) .



(1) البحار16 : 3 و 4 عن الخرائج : 140 بتصرف .

(2) وعليه فلا يصح ما رواه في البحار 16 : 19 عن الكازروني في كتابه (المنتقى) عن الواقدي قال : فلمّا أتمّ أبو طالب خطبته تكلّم ورقة بن نوفل فقال : «الحمد للّه الّذي جعلنا كما ذكرت ، وفضّلنا على ما عدّدت ، فنحن سادة العرب وقادتها ، وأنتم أهل ذلك كلّه ، لا تنكر العشيرة فضلكم ، ولا يردّ أحد من الناس فخركم وشرفكم . وقد رغبنا بالاتصال بحبلكم وشرفكم . فاشهدوا عليَّ ـ معاشر قريش ـ بأ نّي قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمّد بن عبد اللّه على أربعمائة دينار» ثمّ سكت ورقة .

    وتكلّم أبو طالب وقال : قد احببت أن يشركك عمّها ، فقال عمّها : اشهدوا عليَ ـ يا معشر قريش ـ أني قد أنكحت محمّد بن عبداللّه خديجة بنت خويلد ،وشهد عليّ بذلك صناديد قريش . فأمرت خديجة جواريها أنْ يرقصن ويضربن بالدفوف ! وقالت : يا محمّد مر عمّك أبا طالب ينحر بكرة من بكراتك واطعم الناس على الباب ! وهلمّ فنم القيلولة مع أهلك ! .

(322)

    فقالت خديجـة مبتدئة : يا (ابن) عمّاه انّك واِنْ كنت أولى بنفسي منيّ في (الغياب) فلست أولى بي من نفسي في الشهود . قد زوّجتك يا محمّد نفسي ، والمهر عليَ في مالي ، فأمر عمّك فلينحر ناقة فليولم بها ، وادخل على أهلك .

 

    فقال أبو طالب : اشهدوا عليها بقبولها محمّداً ، وضمانها المهر في مالها .

    فقال بعض قريش : وا عجباه ! المهر على النساء للرجال ؟ !

    فغضب أبو طالب غضباً شديداً وقام على قدميه وقال : اذا كانوا مثل ابن أخي هذا طُلبت الرجـال بأغلى الأثمان وأعظم المهر ، واذا كانوا أمثالكم لم يزوّجوا اِلاّ بالمهر الغالي !

    ونحر أبو طالب ناقة . ودخلَ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأهله(1) .

 


(1) البحار 16 : 13 ، 14 عن فروع الكافي 5 : 374 .

(323)

 

من تولّى تزويج خديجة ؟ !

    وروى الصدوق في : (كتاب من لا يحضره الفقيه) مرسلاً : أ نّه لمّا تزوج النبيّ خديجة بنت خويلد خطبها أبو طالب اِلى أبيها ـ ومن الناس من يقول الى عمّها ـ ثمّ روى الخطبة ثمّ قال : فتزوجها ودخل بها من الغد ، فكان أوّل ما حملت ولدت عبداللّه بن محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله (1) .

    وروى ابن اسحاق في سيرته : أنّ خديجة بنت خويلد عرضت على رسول اللّه أن يخرج في مالها الى الشام تاجراً مع غلامها ميسرة ، فقبل رسول اللّه وخرج حتّى قدم الشام ، فباع سلعته واشترى ما أراد ، ثمَّ أقبل قافلاً اِلى مكّة ومعه ميسرة ، فلمّا قدم مكّة على خديجة حدّثها ميسرة عن قول الراهب وعمّا كان يرى من اِظلال الملكين اِياه .

 

    فلمّا أخبرها ميسرة بما أخبرها به بعثت الى رسول اللّه فقالت له : يابن عمّ ، اِنّي قد رغبت فيك لقرابتك وسِطَتِكَ في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك . ثمّ عرضت عليه نفسها .

    فلمّا قالت ذلك لرسول اللّه ذكر ذلك لأعمامه . فخرج معه عمّه حمزة


(1) البحار عن كتاب من لا يحضره الفقيه 3 : 397 ح 4398 وروى الخطبة الطبرسي في اِعلام الورى : 140 وابن شهر آشوب في المناقب 1 : 41 ، 42 عن الجويني في السيرة عن الحسن والواقدي وأبي صالح والعتبي ، وعن ابن بطة في الابانة ، وعن الزمخشري في ربيع الابرار وفي تفسيره ، وعن الخرگوشي في شرف المصطفى وروى الخطبة اليعقوبي في تأريخه عن عمّار بن ياسر2 : 20 والأوائل 1 : 162 . والسيرة الحلبية 1 : 139 .

(324)

ابن عبد المطّلب حتّى دخل على خويلد بن أسد ، فخطبها اليه فتزوجها(1) .

 

    بل مرّ أنّ الّذي نهض معه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هو أبو طالب ، وهو الّذي خطب خطبة النكاح ، وكان أسنّ من حمزة ، وهو الّذي كفل محمّداً ، فلم يكن حمزة ليتزعم الأمر دون أبي طالب ، وأبو طالب هو أخو عبد اللّه لاُمّه دون سائر إخوانه أبناء عبد المطّلب . وحمزة لا يكبر النبي اِلاّ بسنتين أو أربع .

 

    وانفرد ابن اِسـحاق بأنّ خويلداً أبرم هذا الزواج ، أمّا غير ابن اِسحاق فقد ذكروا أنّ خويلداً كان قد قُتل في حرب الفجار أو مات في عامه(2) وأنّ الّذي زوج خديجة ابن عمّها ورقة بن نوفل بن أسد كما مرّ ، أو


(1) سيرة ابن هشام 1 : 199ـ 201 وليس في سيرة ابن هشام ما رواه الحلبي في سيرته 1 : 138 عن ابن اِسحاق : أنّ خديجة قالت له : يا محمّد اَلا تتزوج ؟ قال من ؟ قالت : أنا ! قال : ومن لي بك ؟ أنت أيم قريش وأنا يتيم قريش ! وتردّه الأخبار المعتبرة في الباب سيّما ما في خطبة أبي طالب من نعت النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وبني هاشم .

(2) الخبر في طبقات ابن سعد 1 : 132 ، 133 عن الواقدي قال : الثبت عندنا المحفوظ عن أهل العلم من حديث عروة بن الزبير عن عائشة ، وعن عكرمة عن ابن عباس : أنّ عمّها عمرو بن أسد زوّجها رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم وأنّ أباها مات قبل الفجار . وذكره الطبري 2 : 282 . والكامل 1 : 25 ونقل أصل خبر وفاته في عام الفجار المجلسي في البحار 16 : 19 عن الكازروني في المنتقى عن الواقدي أيضاً . وذكر الخبر اليعقوبي 2 : 20 . وتأريخ الخميس 1 : 264 . والسيرة الحلبية 1 : 138 . وكشف الغمّة 2 : 139 عن كتاب معالم العترة النبوية للجنابذي الحنبلي عن ابن عباس أيضاً . وذكر الطبرسي مثل ابن اِسحاق في إعلام الورى : 139 ثمّ قال : وقيل : زوّجها عمّها عمرو بن أسد .

(325)

عمّها عمرو بن أسد(1) ، أو أخوها عمرو بن خويلد بن أسد ، كما في (الروض الاُنف) و(شرح المواهب) .

 

 

خديجة تعرض نفسها على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    وجـاء في رواية اليعقوبي عن عمّار بن ياسر ما يفيد أنّ خبر سفر النبيّ بأموال خديجة الى الشـام وأنّ خديجة احبّته حيث حدّثها غلامها ميسرة بأخباره ، وأ نّها بعثت الى النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فعرضت نفسها عليه . . . كان هذا قد شاع في الناس يومذاك فكانوا يقولون : إنّها استاجرته بشيء من أموالها ، وكان عمّار بن ياسر يقول «أنا أعلم الناس بتزويج رسول اللّه خديجة بنت خويلد . . . اِنّه ما كـان ممّا يقول الناس انّها استأجرته بشيء ، ولا كان اجيراً لأحد قط . . .

    بل كنّا نمشي يوماً بين الصفا والمروة اِذ بخديجة بنت خويلد واختها هالة ، فلمّا رأت رسول اللّه جاءتني هالة اختها فقالت : يا عمّار ما لصاحبك حاجة في خديجة ؟ قلت : واللّه ما أدري . فرجعت فذكرت ذلك له ، فقال : ارجع فواضعها وعدها يوماً نأتيها فيه ، ففعلت .

    فلمّا كان ذلك اليوم أرسلت الى عمرو بن أسد (عمّها) وطرحت عليه حِبَراً ودهنت لحيته بدهن أصفر . . .

    ثمّ جاء رسول اللّه في نفر من أعمامه ، يتقدّمهم أبو طالب ، فخطب أبو طالب فقال . ثمّ روى الخطبة المذكورة ثمّ قال : فتزوجها وانصرف(2) .



(1) المصادر السابقة في الهامش 1 .

(2) اليعقوبي 2 :20 والبداية والنهاية : 295 .

    ونقل الخبر محقق البحار المرحوم الرباني الشيرازي بهامش البحار 16 : 19 وعلّق عليه يقول : «قلت : فيها غرابة وشذوذ ، ولم يرد ذلك من طرق الإمامية بل ورد من طريق لا يعتمد عليه» وذلك لأ نّه يشتمل على أنّ خديجة سقته ذلك اليوم ، أي الخمر ، فلمّا أصبح أنكر ثمّ أمضاه !

(326)

    هـذا ، ولم يرد لفظ الاستيجار فيما نعلم من الأخبار اِلاّ في أخبار ثلاثة :

 

    الأوّل : ما رواه الصدوق في (اِكمال الدين) بسنده الى بكر بن عبد اللّه الأشجعي عن آبائه : أن رفاق رسول اللّه في سفره الى الشام قالوا لابي المويهب الراهب عنه : اِنّه يتيم أبي طالب أجير خديجة(1) .

    ورواه ابن شهر آشوب في (المناقب)(2) .

 

    الثاني : ما ساقه ابن شهر آشوب في «المناقب» أيضاً قال : كانت خديجة قد استأجرت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على أن تعطيه بكرين ويسير مع غلامها ميسرة الى الشام(3) .

 

    الثالث : ما رواه الدّولابي الحنفي في «الذرية الطاهرة» بسنده عن الزهري قال : لمّا استوى رسول اللّه وبلغ أشدّه ـ وليس له كثير مال ـ استأجرته خديجة ـ بنت خويلد الى سوق حُباشة ـ وهو سوق بتهامة واستأجرت معه رجلاً آخر من قريش . فقال رسول اللّه : ما رأيت من صاحبة لأجير خيراً من خديجة(4) ورواه الطبري في تأريخه عن ابن سعد


(1) كشف الغمة 2 : 135 ، 136 . وذكر مثله الطبرسي في اعلام الورى : 139 .

(2) اِكمال الدين : 186 .

(3) مناقب آل أبي طالب 1 : 41 ط قم .

(4) الذرية الطاهرة: 49 ورواه الاربلي في كشف الغمّة 2: 135، 136 ط تبريز عن كتاب «معالم العترة النبوية» للجنابذي الحنبلي بسنده عن الزهري أيضاً. وذكر مثله الطبرْسي في إعلام الورى: 139 ط النجف.

(327)

صاحب الطبقات بسنده عن الزهري أيضاً ، لكنّه عقّبه يقول : «قال محمّد بن سعد : قال الواقدي : فكلّ هذا مخلط»(1) .

 

 

هل كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أجيراً لخديجة أو مضارباً ؟

    ولئن كان ما افتتحنا به الفصل من خبر (الخرائج) عن جابر لا يعيّن نوع المعـاملة وانّما يقول «يتّجر الرجل لها ويأخذ وقر بعير ممّا أتى به» ممّا هو أعمّ من الإجارة والوكالة والمضاربة ؛ فانّ ما جاء في التفسير المنسوب الى الإمام الحسن العسكري عن أبيه الهادي عليهماالسلام يصرّح بذلك فيقول : انّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يسافر الى الشام مضارباً لخديجة بنت خويلد(2) وكذلك ابن اسـحاق يقول «كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات مال وشرف ، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم اِياه بشيء تجعله لهم منه»(3) .

    وعلى هذا فقد يكون سـفره صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام لا لكونه أجيراً لخديجة ،


(1) الطبري 3 : 281 ، 282 .

(2) التفسير المنسوب الى الإمام العسكري عليه‏السلام : 16 كما في البحار 17 : 308 .

(3) سيرة ابن هشام 1 : 199 ورواه عنه الطبري 2 : 280 وعنه الجنابذي الحنبلي في معالم العترة النبوية كما في كشف الغمّة 2 : 134 . وعلّق المحقق في سيرة ابن هشام يقول : المضاربة المقارضة . وقال الإمام الخميني في تحرير الوسيلة 1 : 608 «وتسمّى المضاربة قراضاً ، وهي عقد واقع بين شخصين على أن يكون رأس المال في التجارة لأحدهما والعمل من الآخر ، ولو حصل ربح يكون بينهما» ولعلّ الأمر قد التبس على المحقق .

(328)

بل مضارباً بأموالها .

 

    ومجمل القول : إنّ رواية اليعقوبي عن عمّار بن ياسر تنفي أنْ يكون النبيّ أجيراً لأحد حتّى خديجة ، كما تنفي أنْ يكون قد رعى الغنم لأحد من المكيين ، كما ادّعي عن أبي هريرة .

    والعمل لا يتنافى مع العبقريات والنبوات ، ولا يضع من شأن الانسان مهما كـان ، بل هو من أفضل الطاعات اذا كان في سبيل العيال والأولاد وخير الناس ، ولكنّ تأريخ محمّد منـذ ولادته الى أنْ بلغ سنّ الرجولة وأصبح زوجاً لخير امـرأة عرفها تأريخ المرأة ، ومواقف جدِّه ثمّ عمّه والمراحل الّتي عاش فيها معهما عزيزاً موفور الكرامة ، لا يفارقهما في ليل أو نهار ، يبذلان في سبيل راحته واطمئنانه الغالي والنفس ، من تتبّع ذلك وأدرك أنهما منذ طفولته كانا يترقبان له مستقبلاً يهز العالم من أقصاه الى أقصاه ويحدث تحولاً في تأريخ البشـرية ، وأنهما كانا يخافان عليه دعاة الأديـان وطواغيت العرب . . لابدّ وأن يقف على أقل التقادير موقف المشكك من تلك المرويات الّتي تنصّ على أ نّه كان يرعى الغنم للمكيين بالقراريط ، ويذهب بعد ذلك أجيراً الى الشام في تجارة خديجة بقسم من الأرباح ، سيّما بعد رواية اليعقوبي عن عمّار بن ياسر أ نّه لم يكن أجيراً لأحد من الناس ، وأنّ زواجه من خديجة لم يكن مسبوقاً بمعاملة بينهما ، بل كان بناءً على رغبتها بعد أن وجدت فيه الرجل الّذي يمكن أنْ ترتاح اليه ، وقد بلغت الأربعين ، وأشراف قريش يطمعون في زواجها بالطمع في ثرائها . أمّا محمّد بن عبد اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فقد وجدت فيه حسب المعلومات الّتي توفرت لديها عنه ضرباً آخر من الرجال لا تستغويه متعة الدنيا ، فطلبته الى نفسها وأرسلت اليه من يشجعه على خطبتها من عمّها أو ابن عمّها .

(329)

    وليس بغريب على المرأة الفاضلة كخديجة أنْ تطلب لنفسها محمّد بن عبد اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وتفضله على سـادة مكّة وأشرافها ، فلقد كان في القمّة في صفاته الّتي لم يعرف العرب لها مثيلاً ماضيهم وحاضرهم . واجتهد خصومه أنْ يجدوا في حياته ولو نزوة تخدش تأريخه المجيـد ، أو مغمزة منه لنيل جاه أو اصطياد ثروة أو انحراف مع غرائز الشباب الّتي تثور وتتمرد أحياناً على العقل والخلق والحكمة ، فلم يجدوا شيئاً من ذلك . وكان قد جمع اِلى ذلك من صباحة الوجه وجمال التركيب ما لم يتوفر في أحد سواه كما وصفوه :

    فقد جاء في رواية عمرو بن شمر عن جابر أ نّه قال : قلت لأبي جعفر محمّد بن علي الباقر صف لي رسول اللّه . قال : كان نبيّ اللّه أبيض الوجه مشرباً بحمرة ، أدعج العينين ، مقرون الحاجبين ، شثن الأطراف كأن الذهب اُفرغ على براثنه ، عظيم مشاشة المنكبين . اذا التفت التفت جميعاً من شدّة استرساله . سربته سائلة من لُبّته الى سرته كأنها وسط الفضة المصفّاة ، وكأن عنقه الى كاهله إبريق فضّة ، يكاد أنفه اِذا شرب الماء أن يرد الماء . واذا مشى تكفّأ كأنه ينزل من صبب ، لم ير مثل نبيّ اللّه قبله ولا بعده(1) .

    إذن ، فليس بغريب اِذا خطبته خديجة لنفسها ، وظلّت تشاطره آلامه وتناصره بقلبها وعقلها ومالها حتّى لحقت بربّها قبل هجرته اِلى المدينة بسنة أو سنتين عن خمسة وستين عاماً(2) .

 

 

 


(1) الكافي 1 : 443 .

(2) انظر سيرة المصطفى : 62 ، 63 .

(330)

 

أوهام واهية :

    ولكنْ ليس معنى هذا أن نصدّق ما نقله الحلبي في سيرته : أ نّه دخل على خديجة قبل التزويج ، فأخذت يده فضمته الى صدرها !(1) كما لا نشكّ في كذب ما نقله : أنّ عمّها كان يأنف من أن يزوّجها من محمّد يتيم أبي طالب فاحتالت عليه هي حتّى سقته الخمر ، فزوّجها في حال سكره ، فلمّا أفاق ووجد نفسه أمام الأمر الواقع لم يجد بدّاً من القبول(2) ممّا يتناقض وأخلاق الرسول الكريم وخديجة اُمّ المؤمنين ، ولا نراه اِلاّ كذباً موضوعاً لم يُقصد به سـوى الحطّ والوضع من كرامة النبيّ الكريم وتنقيصه من قبل أعداء الاسلام أو الحمقى والمغفّلين . ونعوذ باللّه من هذا الهراء(3) .

    واِنّ كون خديجة هي الّتي عرضت نفسها على النبيّ ، وأ نّه لم يكن هو الّذي تقدّم بطلب يدها ، لخير جواب لِما جـاء في كلمات بعض المستشرقين من اتّهام باطل بأ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اِنّما تزوج خديجة طمعاً في مالها .

 

    ولم يبق هذا التقدير والحبّ من خديجة للنبيّ من طرف واحد ، بل قابله النبيّ بالحبّ والتقدير لها في أيـام حياتها وبعد مماتها ، حتّى لقد كان ذلك يثير بعض أزواجه . ويرى الشيخ آل ياسين هذا دليلاً آخر على بطلان هذه الدعوى الواهية(4) .



(1) السيرة الحلبية 1 : 140 .

(2) السيرة الحلبية 1 : 138 ، 140 .

(3) انظر الصحيح للسيد المرتضى 1 : 117ـ 119 .

(4) كتاب النبوة : 63 .

(331)

    بل إنّ حياة النبيّ من بدايتها الى نهايتها لخير شاهد على أ نّه ما كان يقيم للمال أيّ وزن ! وقـد انفقت خديجة أموالها برغبتها في سبيل اللّه والدعوة الى دينه وليس على النبي وملذّاته .

 

    وهكذا تفعل الحرة العاقلة اللبيبة كما فعلت خديجة ، فلا تغرها بهرجة الدنيا وزخرفها وزبرجها ، ولا تبحث عن المال والشهرة ، ولا عن اللذة والشهوة . . وانّما يكون نظرها الى الأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة ، لأنها هي الّتي تسخّر المال والجاه والقوة في سبيل الانسانية(1) .

 

دوافع زواج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    والماديّون الّذين ينظرون الى كلّ شيء من ناحية المال والمادة ، يزعمون : أنّ خديجة بما أ نّها كانت ذات مال تتاجر به ، كانت أحوج ما تكون الى رجل «أمين» لإدارة اُمور تجارتها ، لذلك اندفعت للزواج بمحمّد «الصادق الأمين» وكان النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يعلم بوضعها المالي وحياتها الكريمة لذلك قبل خطوبتها مع ما بينهما من تفاوت العمر !

    اِلاّ أنّ الّذي نراه في التأريخ هو أنّ دوافع خديجة للزواج بالصادق الأمين كانت دوافع معنوية لا مادية ، والشاهد لذلك :

    1 ـ ما رواه ابن اسحاق قال : وكانت خديجة قد ذكرت لورقة بن نوفل بن أسد ـ ابن عمّها ـ . ما ذكر لها غلامها ميسرة من قول الراهب ، وما كان يرى منه اذ كان الملكان يظلاّنه . وكان ورقة نصرانياً قد تتبّع الكتب وعلم من علم الناس فقال لها : لئن كان هذا حقّاً يا خديجة فانّ محمّداً لنبيّ


(1) انظر : الصحيح للسيد المرتضى 1 : 119 ، 120 .

(332)

هذه الامة ، وقد عرفت اَ نّه كائن لهذه الاُمة نبيّ ينتظر ، هذا زمانه(1) .

 

    2 ـ اِنّ سبقها الى الإيمان بالإسلام ورسالة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بحيث كانت أوّل امرأة آمنت به ، لما يشهد في صفحات التأريخ بأنّ زواجها كان منبعثاً مـن اِيمانها وبطهارة الصادق الأمين ، واِنّ حياة خديجة وما ورد بشـأنها من الروايات والأحاديث لما يوضّح هذا الموضوع بما لا يدع فيه أيّ شبهة ، على من أراد التفصيل في ذلك أن يراجع الروايات الواردة في فضلها وفضيلتها .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch02-08.htm