فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
كيف نشأ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آباء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اِيمان عبد المطلب
أبناء عبد المطلب والذبيح منهم
الزواج الميمون
الميلاد الميمون
الوليد لدى جدّه وعمّه
وفاة عبداللّه
رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الرضاع الميمون
رضاعه من حليمة السعدية
قصّة شقّ الصدر !
وفود عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن
الاستسقاء برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وفاة اُم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وكفالة جدّه وعمّه له
سفر النبي صلى ‏الله ‏عليه ‏و ‏آله الأوّل مع عمّهِ الى الشام
كان اللّه يسلك بالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طريق المكارم
حرب الفجار
ميلاد علي عليه‏السلام
حلف الفضول
رعي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للغنم
السفر الثاني للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام ، وزواجه بخديجة
الخاطب أبو طالب
من تولّى تزويج خديجة ؟ !
خديجة تعرض نفسها على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
هل كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أجيراً لخديجة أو مضارباً ؟
أوهام واهية
دوافع زواج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عمر خديجة ومهرها
هل كانت خديجة متزوجّة ؟
أولاد خديجة من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
مولد فاطمة عليهاالسلام
عليٌّ عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

حلف الفضول :

وانتهى الفجار في شوال ، وفي ذي القعدة كان حلف الفضول(2) .
قال اليعقوبي «وكان سبب حلف الفضول : أن قريشاً تحالفت أحلافاً كثيرة على الحمية والمنعة : فتحالف المطيبّون ؛ وهم : بنو عبد مناف ، وبنو أسد ، وبنو زهرة ، وبنو «تيم» ، وبنو الحارث بن فهر ، على أن لا يسلموا الكعبة ، ما أقام جراء ، وثبير ، وما بلّ بحرٌ صوفة وصنعت عاتكة أو البيضاء بنت عبدالمطّلب طيباً


(1) مجلة العمران المصرية ، كما في كتاب : علي وليد الكعبة : 61 ولم يعين عدد المجلة ولا سنتها .
علّق الصحافي المصري عبد المسيح الأنطاكي بكلامه هذا على قصيدته «العلوية المباركة» الّتي تحتوي على خمسة آلاف بيت في حياة أمير المؤمنين عليه‏السلام من دون أن يستند في ذلك الى مصدر من حديث أو تأريخ ، واِنْ كان كلامه هذا ممّا يساعد عليه الاعتبار بسائر الأخبار المعتبرة .
وعلى المعتبر من الخبر في تأريخ ولادته عليه‏السلام يكون عمره عند بعثة الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عشر سنين ، وعلى ما رواه الطوسي عن ابن عياش وابن غياث يكون عمره في الثانية عشرة وعلى الأكثر في الثالثة عشرة ، وعند اِعلان الدعوة وتعميمها في الخامسة عشرة أو السادسة عشرة من عمره .
(2) مروج الذهب 2 : 270 .

(311)

فغمسوا أيديهم فيه (فسمّوا المطيّبين) .
وتحالفت اللعْقة ؛ وهم : بنو عبد الدار ، وبنو مخزوم ، وبنو جمح ، وبنو سـهم ، وبنو عدي ؛ على أن يمنع بعضهم بعضاً ويعقل بعضهم عن بعض ، وذبحوا بقرة فغمسوا أيديهم فى دمها ، (فسمّوا لَعَقة الدّم ، والأحلاف) .
فكانت قريش (أي الأحلاف) تظلم في الحرم الغريب ومن لا عشيرة له : حتّى أتى رجل من بني أسد بن خزيمة بتجارة فاشتراها رجل من بني سهم(1) فأخذها السهميّ وأبى أنْ يعطيه الثمن ؛ فكلّم قريشاً واستجار بها وسألها اعانته على أخذ حقّه فلم يأخذ له أحد بحقّه ؛ فصعد الأسدي أبا قبيس فنادى بأعلى صوته :

ياآل فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكّة نائي الأهل والنفر
إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ولا حرام لثوب الفاجر الغَدِر

وقيل : إنّ الرجـل كان قيس بن شيبة السّلمي باع متاعاً من أبي خلف الجمحي وذهب بحقّه ، فقال هذا الشعر . وقيل : بل قال :

يا آل قُصيّ كيف هذا في الحرم وحرمة البيت وأخلاق الكرم
اُظلمُ ، لا يُمنع منّي من ظَلَم(2) .

فكان أوّل من سعى في ذلك الزبير بن عبد المطّلب فمشى في قبائل


(1) صرح البلاذري في أنساب الأشراف 2 : 12 وكذلك المسعودي أ نّه : العاص بن وائل السهمي أبو عمرو بن العاص ، ولعلّ الرواة اتّقوه فكنّوا عنه ولم يصرّحوا به . ورواها ابن أبي الحديد 15 : 25 عن الزبير بن بكار وزاد في الشعر :

هل منصف من بني سهم فمرتجع ما غيبوا ، ام حلال مال معتمر

(2) اليعقوبي 2 : 17 .

 

(312)

قريش فاجتمعوا في دار الندوة ، وهم : بنو هاشم ، وبنو المطّلب ، وبنو زهرة ، وبنو تيم ، وبنو الحارث بن فهر ، فاتفقوا على أ نّهم ينصفون المظلوم من الظالم . ثمّ ساروا الى دار عبد اللّه بن جُدعان فتحالفوا هنالك . وقال الزبير ابن عبدالمطّلب في ذلك :

حلفت لنعقدَنْ حلفاً عليهم وان كنّا جميعاً أهل دار
نسمّيه الفضول اِذا عقدنا يَعُزّ به الغريب لدى الجوار
ويعلم مَن حوالي البيت أ نّا اُباة الضّيم نهجر كلّ عار(1)

ثمّ انصفوا الرجل التاجر الغريب من القرشي العاص بن وائل السهمي(2) .
فروى ابن اسحاق بسنده عن رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [و آله] وسلّم ـ أ نّه كان يقول لقد شهدت في دار عبداللّه بن جُدعان حلفاً ما اُحبّ أنّ لي به حمرَ النّعم ، ولو اُدعى به في الإسلام لأجبت»(3) .
ثمّ روى : أ نّه كان بين الحسين بن علي عليه‏السلام وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ والوليد يومئذ أمير على المدينة أمّره عليها عمّه معاوية بن أبي


(1) مروج الذهب 2 :
(2) البداية والنهاية 2 : 292 والسيرة الحلبية 1 : 132 وسيرة دحلان 1 : 53 .
(3) سيرة ابن هشام 1 : 141 وأنساب الأشراف 2 : 12 ـ 15 بخمسة طرق وألفاظ متقاربة واليعقوبي 2 : 17 والبداية والنهاية 2 : 293 وتأريخ الخميس 1 : 261 والسيرة الحلبية 1 : 131 والسيرة النبوية لدحلان 1 : 53 وروى البلاذري انّه قدم مكّة رجل تاجر من خثعم ومعه ابنة له يقال لها : القتول ، فعلقها نبيه بن الحجاج السّهمّي فلم يبرح حتّى نقلها الى منزله بالقهر والغلبة ! فدلّ أبوها على أهل حلف الفضول فأتاهم فأخذوها من نبيه ودفعوها الى أبيها (أنساب الأشراف 2 : 14) .

(313)

سفيان ـ منازعة في مال كان بينهما بذي المَرْوَة ـ قرية بوادي القرى ـ فكان الوليد تحامل على الحسين عليه‏السلام في حقّه ، فقال له الحسين : أحلف باللّه لتنصفنّي من حقّي أو لآخذنّ سيفي ثمّ لأقومن في مسجد رسول اللّه ، ثمّ لأدعونّ بحلف الفضول ! .
وكان عبداللّه بن الزبير عند الوليد فقال : وأنا أحلف باللّه لئن دعا به لآخذنّ سيفي ثمّ لأقومنّ معه حتّى يُنصف من حقه او نموتَ جميعاً ! .
وبلغ هذا المِسوَر بن مخَرمة بن نوفل الزُهري فقال مثل ذلك ! .
وبلغ ذلك الى عبدالرحمن بن عثمان التيمي فقال مثل ذلك ! .
فلمّا بلغ ذلـك الوليد بن عتبة اَنصف الحسين من حقه حتّى رضي عليه‏السلام (1) ثمّ روى : أن محمّد بن جبير بن مُطعم العدوي قدم على عبدالملك بن مروان ـ وكان محمّد بن جبير أعلم الناس بقريش ـ فقال له عبدالملك : يا أبا سعيد ألم نكن نحن وانتم ـ يعني بني عبد شمس وبني نوفل ابن عبد مناف ـ في حلف الفضول ؟ قال : أنت أعلم ، قال عبدالملك : لتخبرنّي يا أبا سعيد بالحق من ذلك . فقال : لا واللّه ، لقد خرجنا نحن وأنتم منه ! قال : صدقت(2) .
وقـد روى أبو هلال العسكري الخبر الّذي رواه ابن اسحاق عن تحامل الوليد على حقّ الإمـام الحسين عليه‏السلام في أرض له بذي المروة ، على


(1) سيرة ابن هشام 1 : 142 وأنساب الأشراف 2 : 14 والبداية والنهاية 2 : 293 والسيرة الحلبية 1 : 132 والسيرة النبوية لدحلان 1 : 53 والكامل لابن الأثير 2 : 42 .
(2) سيرة ابن هشام 1 : 143 والبلاذري في أنساب الأشراف 2 : 14 عن الواقدي والكلبي وشرح النهج للمعتزلي 15 : 227 عن الزبير بن بكار .

(314)

غير مارواه ابن اسحاق ، فقال : كان بين الحسين عليه‏السلام وبين معاوية كلام في أرض للحسين . فقال الحسين لابن الزبير : خيرّه في ثلاثة والرابعة الصّيلم ـ أي الصّدام المسـلّح ـ : أن يجعلك أو ابن عمر بيني وبينه ، أو يشتريه منّي ، أو يقرّ بحقّي ثمّ يسـألني أن أهبه له ، فإن أبى فوالذي نفسي بيده لأهتفنّ بحلف الفضول(1) .
وليس مفاد نداء ابن الزبير بحلف الفضول الى جانب الإمام الحسين عليه‏السلام أ نّه كان وفيّاً مخلصاً في ذلك ، بل كان الى معاوية وعامله الوليد أقرب منه الى الحسين عليه‏السلام ، ولكنّه كان يتعزّز بهذا وأمثاله .
فقد جـاء في رواية لأبي الفرج : أنّ معاوية قدم المدينة فلم يزره الإمام الحسين عليه‏السلام فأظهر معاوية انزعاجه من ذلك ، فأغراه به ابن الزبير ! فلم يستجب له معاوية ، فقال له ابن الزبير : أما واللّه انّي واِياه ليد عليك بحلف الفضول ! فقال له معاوية : من أنت وحلف الفضول ؟ !(2) .
وممّا ورد في قدوم محمّد بن جبير بن مطعم على عبد الملك بن مروان وسؤاله منه عن دخول بني عبد شمس في حلف الفضول ، يظهر أ نّهم كانوا بصدد تقرير هذا المعنى على الناس ، ولذلـك روى راويتهم أبو هريرة : أنّ بني اُمية كانوا في حلف الفضول ، وأنّ أبا سفيان كان ممّن دعا الناس اليه مع العباس بن عبد المطّلب ، ولعلّ حشر العباس معه لتبعيد التهمة عن الرواية . وإنْ كان لم يتابعه عليه أحد بل أنكره غير واحد من المؤرِّخين(3) .


(1) الأوائل 1 : 73 ، 74 .
(2) الأغاني 8 : 108 ط ساسي .
(3) السنن الكبرى للبيهقي . والبداية والنهاية 2 : 291 والسيرة الحلبية 1 : 131 والسيرة النبوية لدحلان 1 : 53 .

(315)

و قد قرر غير واحد من المؤرِّخين أنّ سببه كان عصيان العاص بن وائل السهمي على الرجل التاجر الغريب وحبسه حقّه ، وقد سبق أنّ بني سهم وبني عبد شمس كانوا من الأحلاف في لعقة الدّم ، فيكون معنى دعوة أبي سفيان اليه و دخول بني اُمية فيه أ نّهم دخلوا في حلف خلاف حلف الأحلاف في لعقة الدّم، و هذا ما لم يقله أحد .
و قد روى ابن اسحاق عن رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه قال : ما كان من حلف في الجاهلية فإنّ الإسلام لم يزده اِلاّ شدةً(1) .
و روى ابـن منظور هذا الحديث في «لسان العرب» فقال : يريد المعاقدة على الخير ونصرة الحقّ ، وبذا يجتمع هذا الحديث وحديث آخر له هو «لا حلف في الإسـلام» على أنْ يكون المراد من هذا الحديث الثاني النهي عمّا كانت تفعله الجاهلية من المحالفة على الفتن والقتال بين القبائل والغارات .
و قيل: اِنّ الحديث الثـاني و هو «لا حلف في الإسلام» جاء لاحقاً، قاله الرسـول ـ صلّى اللّه عليه [و آله] و سلّم ـ زمن الفتح، فهو ناسخ للحديث الأوّل(2).
ولعلّ خصوصية بعد الفتح أنْ يشمل اِمضاؤه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في هذا الحديث للحلف الّذي كان قد عقده جدّه عبد المطّلب مع جمع من خزاعة ، فلمّا قتلت قريش عدداً من خزاعة استنصروا النبيّ استناداً اليه فكان فتح مكّة مستنداً

 


(1) سيرة ابن هشام 1 : 140 وعن الترمذي 4 : 146 وفتح الباري 8 : 173 والمصنف للحافظ عبد الرزاق 10 : 370 وفي هامشه عن مسلم والدارمي .
(2) لسان العرب مادة حلف ، و عنه في هامش سيرة ابن هشام 1 : 140 .

 

(316)

اليه .
وهذا يدلّ على أنّ الإسلام بما أ نّه مع مقتضيات العقل والفطرة الطبيعية الإنسـانية لذلك يستجيب لكلّ ما ينسجم مع أهدافه السامية ممّا فيه خير الانسان وصلاحه . وقد أمضى هذين الحلفين من عبد المطّلب مع خزاعة والزبير في حلف الفضول لما فيهما من الفضل والعدل ، ولو كان هناك أي حلف آخر ينسجم مع أهدافه لأمضاه كذلك . أمّا ما رووه عنه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ممّا يدلّ على لزوم التمسك بكلّ الأحلاف الجاهلية فإنّما هي دعوة خبيثة مريضة في أغراضها اللاّ إسلامية .
أمّا عن علل استجابة من استجاب لهذا الحلف فبإمكاننا أنْ نعدّ ثلاثة عوامل :
أ ـ استجابة لنداء الوجدان الاخلاقي الانساني والدافع الفطّري وحكم عقولهم .
ب ـ حفاظاً على قدسية مكّة المكرمة وكرامة أهلها في نفوس العرب أي ثأراً لكرامتهم .
ج ـ دفاعاً عن منافعهم ومصالحهم المادية في قوافلهم ورحلاتهم التجارية ووفود العرب اليهم .

رعي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للغنم :

لم يروَ عن أئمة أهل البيت عليهم‏السلام أنّ رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان يرعى الأغنام ، اللهم اِلاّ ما رواه الشيخ الصدوق في (علل الشرائع) ، بسنده الى الامام الصادق عليه‏السلام أ نّه قال «ما بعث اللّه نبيّاً قطّ حتّى يسترعيه الغنم ، يعلّمه بذلك رعيه الناس» وأيضاً فيه عنه عليه‏السلام قال : «إنّ اللّه عزّوجلّ أحبّ

(317)

لأنبيائه من الأعمال : الحرث والرعي ، لئلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء»(1) ورواه الكـليني في (فروع الكافي) هكذا «إنّ اللّه جعل أرزاق أنبيائه في الزرع والضرع ، لئلا يكرهوا شيئاً من قطر السماء»(2) .
ورواه البخاري بسـنده الى أبي هريرة عنه أ نّه كان يقول «ما بعث اللّه نبياً اِلاّ رعى الغنم . فقال أصحابه : وأنت ؟ قال : نعم ، كنت أرعاها على قراريط ، لأهل مكّة»(3) وبما أنّ الخبر مشتمل على جملة «لأهل مكّة» لذلك ذكره البخاري في كتاب الإجارة ، ولذلك فسروا القراريط بأ نّها : أجزاء الدراهم والدنانير يشترى بها الحوائج الحقيرة !
ولكن في شرح الحديث في (فتح الباري) نقل عن اِبراهيم الحربي اَ نّه كان يقول : اِنّ العرب ما كانت تعرف القراريط ، وانّما هي اسم لمكان في مكّة . ويؤيد هذا أنّ لفظ الخبر في بعض رواياته : بالقراريط ، وفي اُخرى : بأجياد ، مِمّا يفيد أنّ القراريط وأجياداً اسم لمكان واحد او متداخل او

 


(1) علل الشرائع : 23 .
(2) فروع الكافي 1 : 403 أضف الى ذلك ما رواه الطبري في تأريخه بسنده عن محمّد ابن الحنفية عن أبيه علي عليه‏السلام قال : «سمعت رسول اللّه يقول : «قلت ليلة لغلام من قريش كان يرعى معي بأعلى مكّة ـ لو أبصرت لي غنمي حتّى أدخل مكّة ـ »(الطبري 2 : 279 ورواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج) .
وأضف اليه مانقله الشيخ الطبرسي في «إعلام الورى» عن علي بن ابراهيم القمّي في كتابه قال : «وكان بين الجبال يرعى غنماً لأبي طالب» (اعلام الورى : 36 والمناقب 1 : 43 وليس في تفسيره) .

 

(3) فتح الباري وبهامشه البخاري 4 : 363 وسيرة ابن هشام 1 : وعنه في السيرة الحلبية 1 : 125 وسيرة دحلان 1 : 51 .
(318)

متقارب . ولا يضّر لفظ : على قراريط ، اِذ هو اسـم جبلٍ كما نقله الطريحي في (المجمع) عن الجوهري قال «وأما القيراط الّذي جاء في الحديث فقد جاء تفسيره فيه : أ نّه مثل جبل اُحـد» فيكون المعنى : أ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد رعى الغنم على ذلك الجبل بأجياد ، وهذا هو الأوفق بالاعتبار فانّ الرعي لا يكون في سهل مكّة في البلد .
وحاول بعضهم أنْ يوجّه فهم البخاري للحديث بما نقل في (فتح الباري) عـن بعضهم قولهم : لا يعرف مكان في مكّة بهذا الاسم . وردّه السيد المرتضى العاملي بقوله : اِنّ عدم معروفيته الان لا يستلزم عدم معروفيته في ذلك الزمان(1) .

 

فلا يبقى اِلاّ أنْ نشك قوياً في أنْ يكـون صلى‏الله‏عليه‏و‏آله قد رعى لغير أهله بأجر ، ولا يجدي البخاري لفظ رواية عن أبي هريرة : لأهل مكّة ، فإنّ بعضها يقول : لأهلي .
واِذا كان الراوي هو أبو هريرة فلم يبق ما يعيّن معنى إجارة رسول اللّه نفسه لأهل مكّة .

 

على أنّ أبا هريرة ممّن لا يمكن الاعتماد عليه أصلاً .

 

هذا ، وقد روى اليعقوبي وابن كثير عن عمّار بن ياسر أ نّه قال : «أ نّه ما كان أجيراً لأحد قط»(2) .

 

وقد تقول في (فتح الباري) شرحاً لفلسفة رعيه للغنم ، وتبعه بعض


(1) الصحيح 1 : 109 .
(2) اليعقوبي 2 : 21 . والبداية والنهاية : 296 .
(319)

كتّاب السيرة كالحلبي وزيني دحلان(1) ولا نراه يتفق والقواعد العقائدية بشأن الأنبياء والمرسلين . فاِنْ صحّ رعيه للغنم أصلاً ـ وهو الصحيح ـ فلا علة له سوى ما جاء في رواية الشيخ الصدوق عن الإمام الصادق عليه‏السلام ، في كتابه (علل الشرائع) .
ويمكن تفصيل ذلك التعليل بما نقله السيد المرتضى العاملي من قول البعض : إنّ الرعي فيه تحمل مسـؤولية آحـاد متفرقة ، وهو يناسب المهمة الّتي سوف توكل اليه ، الأمر الّذي من شأنه أنْ يروِّض النفس ويزيدها اندفاعاً نحو طلب الخير للآخرين من رعايته لهم والحرص على ما ينفعهم . وقد كان اللّه تعالى يهتم في رفع مستوى تحمّل وملكات وقدرات نبيّه ليواجه المسؤولية العظمى ، ولكنْ بالطرق العادية والطبيعية ، كما هو معلوم»(2) .

السفر الثاني للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام ، وزواجه بخديجة :

روى القطب الراوندي في كتابه (الخرائج والجرائح) ، عن جابر أ نّه قال : كان سبب تزويج خديجة محمّداً : أنّ أبا طالب قال : يا محمّد : إني اُريد أنْ اُزوّجك ، ولا مال لي اساعدك به ، وإنّ خديجة قرابتنا ، وتخرج كلّ سنة قريشاً في مالها مع غلمانها ، يتجرّ الرجـل لها ويأخذ وقر بعير ممّا أتى به .


(1) فتح الباري 4 : 364 وسيرة دحلان 1 : 51 والسيرة الحلبية 1 : 126 وقال فيه : انّ رعي الغنم صعب لأنه أصعب البهائم ، وهو يوجب أن يستشعر القلب رأفة ولطفاً ؛ فاذا انتقل الى رعاية البشر كان قد هذّب أوّلاً من الحدة الطبيعية والظلم الغريزي ! .
(2) الصحيح 1 : 110 .

(320)

فهل لك أن تخرج ؟ قال : نعم .
فخرج أبو طالب اِليها وقال لها ذلك ، ففرحت وقالت لغلامها ميسرة : أنت وهذا المال كلّه بحكم محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله .

 

وربحا في ذلك السفر ربحاً كثيراً . فلمّا انصرفا قال ميسرة : لو تقدمت يا محمّد الى مكّة وبشّرت خديجة بما قـد ربحنا لكان أنفع لك ! فتقدّم محمّد على راحلته .

 

وكانت خديجة في ذلك اليوم جالسة في غرفة لها مع نسوة ، فظهر لها محمّد راكباً ، ونظرت خديجة الى غمامة عالية على رأسه تسير بسيره ! . فقالت : إنّ لهذا الراكب لشـأناً عظيماً ليته جاء الى داري ! فإذا هو محمّد قاصـد الى دارها ، فنزلت حافية الى باب الدار ! فلمّا رجع ميسرة حدّث : أ نّه مـا مرّ بشجرة ولا مدرة اِلاّ قالت : السلام عليك يا رسول اللّه ! ولمّا رأى بَحيرا الراهب الغمامة تسير على رأسه حيثما سار تظلله النهار ، خدَمَنا .

 

فقالت : يا محمّد اخرج واَحضرني عمّك أبا طالب الساعة .

 

ثمّ بعثت الى (ابن(1)) عمّها ورقة بن نوفل بن أسد : أن زوّجني من محمّد اذا دخل عليك .
فلمّا حضر أبو طالب قالت : اُخرجا الى (ابن) عمّي ليزوجني من محمّد ، فقد قلت له في ذلك ،

 


(1) فيه وفي الكافي 5 : 375 والسيرة الحلبية 1 : 129 أنّ ورقة كان عمّ خديجة ، وهو غير صحيح لأنّ ورقة هو ابن نوفل بن أسد وخديجة هي بنت خويلد بن أسد ، فهما ابنا عم .
(321)

فقاما ودخلا على (ابن) عمّها ، وخطبها أبو طالب منه(1) .
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch02-07.htm