فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
كيف نشأ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آباء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اِيمان عبد المطلب
أبناء عبد المطلب والذبيح منهم
الزواج الميمون
الميلاد الميمون
الوليد لدى جدّه وعمّه
وفاة عبداللّه
رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الرضاع الميمون
رضاعه من حليمة السعدية
قصّة شقّ الصدر !
وفود عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن
الاستسقاء برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وفاة اُم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وكفالة جدّه وعمّه له
سفر النبي صلى ‏الله ‏عليه ‏و ‏آله الأوّل مع عمّهِ الى الشام
كان اللّه يسلك بالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طريق المكارم
حرب الفجار
ميلاد علي عليه‏السلام
حلف الفضول
رعي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للغنم
السفر الثاني للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام ، وزواجه بخديجة
الخاطب أبو طالب
من تولّى تزويج خديجة ؟ !
خديجة تعرض نفسها على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
هل كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أجيراً لخديجة أو مضارباً ؟
أوهام واهية
دوافع زواج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عمر خديجة ومهرها
هل كانت خديجة متزوجّة ؟
أولاد خديجة من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
مولد فاطمة عليهاالسلام
عليٌّ عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

سفر النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الأوّل مع عمّهِ الى الشام :

روى الصدوق في (اِكمال الدين) بسنده اِلى ابن عباس عن أبيه العباس بن عبدالمطّلب عن أبي طالب قال : خرجت الى الشام تاجراً سنة ثمان من مولد النبي ، وكان في أشدّ ما يكون من الحر ، فلمّا أجمعت على المسير قال لي رجال من قومي ما تريد أن تفعل بمحمّد ؟ وعلى من تخلّفه ؟


(1) المناقب 1 : 35 ـ 36 .

(289)

فقلت : لا اُريد أن أخلفه على أحد من الناس ، اُريد أن يكون معي . فقيل : غلام صغير في حرّ مثل هذا تخرجه ؟ فقلت : واللّه لا يفارقني حيث ما توجهت أبداً ، فإني لاُوطّى‏ء له الرحل . فذهبت فحشوت له حشية كساءً وكتاناً . وكنّا ركباناً كثيراً ، فكان واللّه البعير الّذي عليه محمّد أمامي لا يفارقني فكان يسبق الركب كلّه ، فكان اِذا اشتدّ الحرّ جاءت سحابة بيضاء مثل قطعة ثلج فتقف على رأسه لا تفارقه وهي تسير معنا(1) وفي التفسير المنسوب الى الأمام الحسن العسكري عن أبيه الهادي عليهماالسلام قال : انّ رسول اللّه كان يسافر الى الشام مضارباً لخديجة بنت خويلد ، وكان من مكّة الى بيت المقدس مسيرة شهر ، فكانوا في حمارّة القيظ يصيبهم حرّ تلك البوادي وربما عصفت عليهم فيها الرياح وسفت عليهم الرمال والتراب وكان اللّه تعالى في تلك الأحوال يبعث لرسول اللّه غمامة تظلّه فوق رأسه تقف بوقوفه وتزول بزواله ، اِن تقدم تقدمت واِن تأخّر تأخرت واِن تيامن تيامنت واِن تياسر تياسرت ، فكانت تكفّ عنه حرّ الشمس من فوقه . وكانت تلك الرياح المثيرة لتلك الرمال والتراب تسفيها فى وجوه قريش ورواحلها حتّى اِذا دنت من محمّد صلى‏الله‏عليه‏و‏آله هدأت وسكنت ولم تحمل شيئاً من رمل ولا تراب وهبّت عليه ريحاً باردة ليّنة ، حتّى كانت قوافل قريش يقول قائلها : جوار محمّد أفضل من خيمة ، فكانوا يلوذون به ويتقربون اِليه ، فكان الرَوح يصيبهم بقربه وان كانت الغمامة مقصورة عليه(2) . وفي رواية الصدوق عن ابن عباس عن أبي طالب قال فلمّا قربنا من


(1) اِكمال الدين : 178 .

(2) تفسير الإمام : 60 كما في البحار 17 : 308 .

(290)

بصرى الشام(1) اِذا نحن بصومعة ، فنزلنا تحت شجرة عظيمة قريبة من الراهب قليلة الأغصان ليس لها حمل ، كان الركبان ينزلون تحتها ، فلمّا رأى بحيرا الراهب(2) ذلك اتّخذ طعاماً ثمّ جاء به فأكل وأكلنا معه . ثمّ قال : يا غلام أسألك عن ثلاث خصال بحق اللات والعزّى اِلاّ أخبرتنيها . فغضب رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عند ذكر اللات والعزّى وقال : لا تسألني بهما ، فواللّهِ ما أبغضت شيئاً كبغضهما ، وإنهما صنمان من حجارة لقومي . فقال بَحيرا : هذه واحدة . ثمّ قال : فباللّه اِلاّ ما أخبرتني . فقال : سل عمّا بدا لك ، فأ نّك قد سألتني بإلهي والهك الّذي ليس كمثله شيء . فقال : أسـألك عن نومك وهيئتك واُمورك ويقظتك . فأخبره عن نومه وهيئته واُموره وجميع شأنه ، فوافق ذلك ما عند بَحيرا من صفته الّتي عنده . فانكب عليه بَحيرا فلم يزل يقبّل يديه مرّة ورجليه مرّة ويقول فيما يقول : أنت دعوة اِبراهيم وبشرى عيسى ، أنت المقدّس المطهّر من أنجاس الجاهلية . ثمّ التفت اليَ وقال : ما يكون هذا الغلام منك فإنّي أراك لا تفارقه ؟ قال أبو طالب : فقلت : هو ابني ، فقال : ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون والده الّذي ولده حياً ولا أُمّه . فقال : قلت : اِنّه ابن أخي وقد مات أبوه واُمّه حاملة به ، وماتت اُمّه وهو ابن ست سنين . فقال : صدقت ، هكذا هو ، ولكن أرى لك اَنْ تردّه اِلى بلده عن هذا الوجه ، فلئن رأوا هذا الغلام وعرفوا منه الّذي عرفت أنا لابتغوه شراً ، وأكثر ذلك هؤلاء اليهود !


(1) بصرى هي مدينة حوران ، فتحت صلحاً لخمس بقين من ربيع الأوّل سنة ثلاث عشرة ، وهي أوّل مدينة فتحت بالشام . وردَها رسول اللّه مرّتين : هذه هي الاُولى .

(2) حسبه المسعودي من عبد قيس من عرب الشام ، مروج الذهب 2: 102.

(291)

قال أبو طالب : فقلت : كلاّ ، لم يكن اللّه ليضيّعه ! . ثمّ خرجنا به الى الشام فلمّا توصّلنا الشام اِزدحم الناس ينظرون الى وجه رسـول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وجاءَ حَبر عظيم كان اسمه نسطورا ينظر اِليه لا يتكلم بشيء ، فعل ذلك ثلاثة أيام متوالية ، فلمّا كان اليوم الثالث دار خلفه كأنه يلتمس منه شيئاً ، فقلت له : يا راهب كأ نّك تريد منه شيئاً ؟ فقال : أجل اِنّي اُريد منه شيئاً ، ما اسمه ؟ قلت : محمّد بن عبداللّه ، فتغيّر لونه ثمّ قـال : فترى أن تأمره أن يكشف لي عن ظهره لانظر اليه ، فكشف عن ظهره فلمّا رأى الخاتم(1) انكبّ عليه يقبّله ويبكي ، ثمّ قـال : يا هذا اسرع بردّ هذا الغلام الى موضعه الّذي ولد فيه ، فانّك لو تدري كم عدّوا له في أرضنا لم تكن بالّذي تقدمه معك . وروى بسنده الى يعلى بن سيابة(2) قال : كان مع رسول اللّه سنة خروجه الى الشام : خالد بن أُسيد بن أبي العاص وطليق بن أبي سفيان بن اُميّة ، فكانا يحكيان أ نّهما لمّا توسطا سوق بُصرى اِذا بقوم من الرهبان قالوا لهم : نحبّ اَنْ تأتوا كبيرنا هاهنا في الكنيسة العظمى . فذهبنا معهم حتّى دخلنا معهم الكنيسة العظيمة البنيان ، فإذا كبيرهم قد توسطهم وحوله تلامذته وقد نشر كتاباً بين يديه فأخذ ينظر اِلينا مرة وفي الكتاب مرّة ، ثمّ قـال لأصحابه : ما صنعتم شيئاً ، لم تأتوني بالّذي اُريد ، وهو الآن ها هنا !


(1) روى السهيلي في (الروض الاُنف) خبراً عن الخاتم هذا يفيد أ نّه كان كبيض الحمام على غضروف كتفه الأيسر حوله نقاط من الخال عليها شعرات . وقال ابن هشام كان مثل أثر محجمة الحجامة القابضة على اللحم ، كما في سيرته 1 : 193 ، متناً وهامشاً .

(2) في اِكمال الدين : يعلى النسابة ، والصحيح عن المناقب 1 : 40 .

(292)

ثمّ قال لنا : من أنتم ؟ فقلنا : رهط من قريش ، فقال : من أي قريش ؟ فقلنا من بني عبد شـمس ، فقال لنا : معكم غيركم ؟ فقلنا : بلى (كذا) معنا شاب من بني هاشم نسمّيه يتيم بني عبد المطّلب ، فقام واتكى على صليب من صلبانه وهو يفكر ، وحوله ثمانون رجلاً من البطارقة والتلامذة ، فقال لنا : فيجب عليكم اَنْ تُرونيه ، فقلنا له : نعم فجاء معنا . وفي سوق بُصرى اِذا نحن بمحمّد قائم في السوق ، فأردنا اَنْ نقول للقسّ : هو هذا ، فإذا هو سبقنا فقال : هو هو ، قد عرفته والمسيح ، فدنا منه وقبّل رأسه وقال : أنت المقدّس ، ثمّ أخذ يسأله عن أشياء من علاماته ، فأخذ يخبره النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله فسمعناه يقول : لئن ادركت زمانك لأعطين السيف حقّه ! ثمّ قال لنا : أتعلمون ما معه ؟ معه الحياة والموت ، من تعلق به حيي طويلاً ، ومن زاغ عنه مات موتاً لا يحيى بعد أبداً هذا الّذي معه الذبح الأعظم ! ثمّ قبّل رأسه ورجع راجعاً(1) . وقد نقل ابن اِسحاق خبر بَحيرا بلا اسناد فقال فيه : كان في بصرى من أرض الشام صومعة لم يزل فيها أبداً راهب كان اليه علم النصرانية عن كتاب لهم يتوارثونه كابراً عـن كابر ، فكان فيها اِذ ذاك راهب يقال له


(1) اِكمال الدين : 178 ـ 185 بتصرف واختصار . وخبر بَحيرا رواه ابن شهر آشوب في المناقب 1 : 38 ، 39 عن الطبري والظاهر انّه الطبري الامامي صاحب (دلائل الإمامة) والاّ فالخبر لا يطابق ما في تأريخ الطبري . واختار الطبرسي أن يرويه عن ابن اِسحاق : إعلام الورى : 17 ، 18 . وكذلك الاربلي في كشف الغمة 1 : 22 نقل ما ذكره ابن اِسحاق . والخبر في سيرة ابن هشام 1 : 191 ـ 194 . وفي الطبري 2 : 277 ـ 278 . وأشار اليه اليعقوبي 2 : 11 واختصره المسعودي 1 : 89 . وقال : واسم بحيرا في النصارى سِرجيس ، وكان للنبيّ اثنتا عشرة سنة .

(293)

بَحيرا ، كانوا كثيراً ما يمرّون به قبل ذلك ، فلا يكلّمهم ولا يعرض لهم ، حتّى خرج أبو طالب في ركب ذلك العام تاجراً اِلى الشام ، وتعلّق به رسول اللّه فرقّ له أبو طالب فخرج به معه ، فلمّا كان الركب قريباً من صومعة بحيرا ، كان قد رأى ـ وهو في صومعته ـ رسول اللّه وقد أظلّته من بين الركب غمامة ، ونزلوا في ظل شجرة قريباً منه ، فاظلّت الغمامة الشجرة وتدلّت أغصانها على رسول اللّه . فلمّا رأى ذلك بَحيرا نزل من صومعته وصنع لهم طعاماً كثيراً ثمّ ارسل اليهم فقال : يا معشر قريش اني قد صنعت لكم طعاماً فاُحبّ اَنْ تحضروه كلكم كبيركم وصغيركم حرّكم وعبدكم ! فانتم ضيف وقد أحببت اَن اكرمكم وأصنع لكم طعاماً تأكلون منه . فاجتمعوا اِليه وتخلّف رسول اللّه من بين القوم في رحال القوم تحت الشجرة ، فقال بَحيرا : يا معشر قريش ! لا يتخلّفن أحد منكم عن طعامي . قالوا له : يا بَحيرا ! ما تخّلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك ، إلاّ غلام أحدث القوم سنّاً تخلف في رحالهم ، فقال : ادعوه فليحضر هذا الطعام معكم ، فقام اِليه رجل منهم فاحتضنه حتّى أجلسه مع القوم . فلمّا رآه بَحيرا جعل يلحظه لحظاً شديداً وينظر الى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته ، حتّى اذا فرغ القوم من طعامهم وتفرّقوا قام اِليه بحيرا فقال له : يا غلام ! أسألك بحق اللات والعزّى اِلاّ ما أخبرتني عمّا أسـألك عنه . فقال رسول اللّه : لا تسألني باللات والعزّى ، فو اللّه ما أبغضت شيئاً قطّ كبغضهما ! فقال بحيرا : فباللّه اِلاّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه ، فقال له : سلني عمّا بدا لك ، فجعل يسأله عن أشياء من حاله في نومه وهيئته واُموره ، وجعل رسول اللّه يخبره ، فكان يوافق ذلك ما عند بحيرا من صفته . ثمّ نظر الى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من

(294)

صفته الّتي عنده . فلمّا فرغ أقبل على عمّه أبي طالب فقال له : ما هذا الغلام منك ؟ قال : ابني ، قال بحيرا : ما هو بابنك ، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيّاً ! قال : فانّه ابن أخي . قال : فما فعل أبوه قال : مات واُمّه حبلى به . قال : صدقت ، فارجع بابن أخيك الى بلده واحذر عليه اليهود ، فو اللّه لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغُنّه شرّاً ، فانّه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم ، فاسرع به الى بلاده . فلمّا فرغ عمّه من تجارته خرج به حتّى أقدمه مكّة(1) . هكذا ينتهي الخبر عند ابن اِسحاق ، وهكذا نقله عنه الطبري في تأريخه ، ولكنّه روى بعده رواية اُخرى أسندها الى أبي موسى الأشعري الأنصاري ـ المدني ـ من دون اَن يسـندها الى أحدٍ قبله ، قال في آخرها : فلم يزل يناشده حتّى ردّه ، وزوّده الراهب بزيت وكعك وبعث معه أبو بكر بلالاً !(2) . ورواه الدياربكري في كتابه (تأريخ الخميس) ثمّ نقل عن الحافظ الدمياطي أ نّه أشكل على هذا الخبر ـ اِرسال أبي بكر بلالاً مع الرسول ـ بأنّ أبا بكر لم يكن يومئذ يملك بلالاً بل كان يملكه اُميّة بن خلف ، واِنّما اشتراه أبو بكر بعد ثلاثين عاماً ! ثمّ ذهب اِلى اَنّ أبا بكر لم يكن في ذلك السفر


(1) سيرة ابن هشام 1 : 191 ـ 194 والخبر فى السيرة بلا سند ، وأسنده الطبري اليه عن عبداللّه بن أبي بكر . وذكر مثله الكازروني في (المنتقى) بسند طويل الى داود بن الحصين (البحار 15 : 409) .

(2) الطبري 2 : 277 ـ 272 ط المعارف وص 34 ط الإستقامة . والسيرة الحلبية 1 : 120 وسيرة دحلان 1 : 49 والبداية والنهاية 2 : 285 والثقات لأبن حبّان 1 : 44 .

(295)

أصلاً ! ولذلك قال الذهبي بشأن هذا الخبر : اظنّه موضوعاً ، بعضه باطل(1) ورواه الترمذي في سننه ثمّ قال : حسن غريب ! وقد نقل الطبري عن الكلبي : اَنّ أبا طالب خرج برسول اللّه الى بصرى وهو ابن تسع سنين(2) . والمعروف أنّ أبا بكر كان أصغر من النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بأكثر من سنتين ، فكيف يكون ما ذكر ؟ ! وقد ألمح الى التشكيك فيها جماعة من المؤرخين ـ كما سبق ـ منهم أبو الفداء في تأريخه الكبير ، وجاء فيه : اِنّ أحد رواتها هو أبو بكر بن أبي موسى عن أبيه الأشعري ، وقد دخل في الإسلام في السنة السابعة من الهجرة ، ولابدّ أنْ تكون حينئذ من مرسلات الصحابة . وشكك في الرواية : أ نّها اشـتملت على أنّ أبا طالب أرجع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ـ كما زعم الرواي ـ مع بلال الحبشي وأبي بكر ، وقد كانا يوم ذاك أصغر منه سناً ، حيث إنّ أبا بكر في ذلك الوقت لم يتجاوز العاشرة ، وبلال الحبشي كان أقلّ من ذلك فكيف يصح أنّ يردّه أبو طالب الى مكّة من تلك المسافة البعيدة وفي تلك الصحراء المخيفة مع طفلين صغيرين ؟ !(3)

 

ثمّ الرواية ـ كما مرّ ـ عن أبي موسى الأشعري ، وهو أنصاري مدنيّ ، والمعروف أ نّه ولُد قبلَ البعثة بثماني سنين ، وقدم الى المدينة بعد الهجرة بسبع سنين ، ورحلة الرسول مع عمّه أبي طالب الى الشام كانت قبل البعثة باثنتين وثلاثين سنة ، وقبل الهجرة بخمس وأربعين سنة ، وقبل أتصال أبي موسى


(1) تأريخ الخميس 1 : 259 والسيرة الحلبية 1 : 120 وسيرة مغلطاي : 11 .

(2) الطبري 2 : 278 . (3) البداية والنهاية 2 : 285 . (3) نزهة المجالس 2 : 147 .

 

(296)

بالرسول بأكثر من خمسين سنة ، فكيف روى هذا الخبر بلا اسناد الى أحدٍ قبله ؟ ! والرواية الاُولى نقلناها عن الصدوق في (اكمال الدين) بسنده الى ابن عباس ، وكانت تنتهي بقول أبي طالب : وعجلت به حتّى رددته الى مكّة(1) . وقد ذكر الدياربكري الرواية عن ابن عباس أيضاً ولكنّه جاء في آخرها : فوقع في قلب أبي بكر اليقين والتصديق قبل ما نبى‏ء(2) وعلى هذا يكون اِيمان أبي بكر قـد سبق نبوة النبي فضلاً عن ميلاد علي عليه‏السلام ! ولهذا قال الصفوري الشافعي : وكان إسلامه قبل اَنْ يولد علي بن أبي طالب(3) وتوهم النووي أن سنّ أبي بكر في هذه السفرة كان خمس عشرة ، بل عشرين سنة ، فقال كـان أبوبكر أسبق الناس اِسلاماً ، أسلم وهو ابن عشرين سنة وقيل : خمس عشرة سنة(4) وقد مرّ أنّ خبر ابن عباس كان خليّا عن هذه الاضافة ، وانّ المعروف انّ أبا بكر كان أصغر من النبي بأكثر من سنتين ، ولم يكن مع النبي في رحلته هذه ، كما ذهب اليه مغلطاي في سيرته(5) والدمياطي كما في ( تأريخ الخميس )(6) ولا أظنّه اِلاّ موضوعاً باطلاً كما ذهب اِليه الذهبي(7) من موضوعات معاوية كما روى خبرها ابن أبي


(1) اِكمال الدين : 182 .

(2) تأريخ الخميس 1 : 261 .

 

(4) الغدير 7 : 272 .

(5) سيرة مغلطاي : 11 .

(6) تأريخ الخميس 1 : 259 .

(7) تأريخ الخميس 2 : 259 والسيرة الحلبية 1 : 120 . وقال الحسني في سيرته : ولكنّ تلك المرويات على كثرتها وشهرتها بين المؤرخين والمؤلفين فى سيرته لايكاد يثبت منها شيء عند عرضها على اُصول علم الدراية ، كما أشرنا الى بعض عيوبها في كتابنا (الموضوعات في الآثار والأخبار) : (سيرة المصطفى : 49) ولكنّه عاد في ص 56 فقال «واِذا كنت قد وقفت موقف المتصلب في كتابي (الموضوعات) من بعض المرويات الّتي يرويها المدائني عن بعض من تستّروا بصحبة النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ورواها غيره من المؤرخين (كما رواها الصدوق فى (اِكمال الدين واِتمام النعمة) فإني لا أقف نفس الموقف من حديث بَحيرا الراهب ، فمن الجائز أنْ يكون قد رأى النبي ولكن دوره معه لا يعدو أن يكون دور من يرقب له النبوة عندما وجد فيه بعض العلامات الّتي وصفته بها الكتب القديمة كالتوراة والانجيل وغيرهما . . أمّا بقية الأحداث والخوارق الّتي روتها كتب التأريخ والحديث وادّعت وقوعها في تلك الرحلة ، فلو صحت لتركت أثراً في مكّة وما جاورها بل في شبه الجزيرة بكاملها ، ولم يحدث شيء من ذلك» .

وفصّل هذا المعنى فقال : «اِنّ تلك الأحداث والكرامات الّتي يدّعيها الرواة ، وبخاصّة ما كان منها في طريقه الى الشام مع تلك الحشود لم تترك أثراً على المكيين الّذين رافقوه في تلك الرحلة ، فلا محمّد قد احتج بها عليهم يوم كانوا يطاردونه من بيت الى بيت وفي شعاب مكّة وبطاحها ، ولا حدّث أحد من المؤرخين بانّ رفاقه في تلك الرحلة كانوا يتحدثون بها لمن رجعوا اِليهم في مكّة وما جاورها ، كلّ ذلك مما يرجّح استبعادها» .

وقال : «نبهت في كتابي (الموضوعات) على ما يرويه المحدثون والمؤرخون ممّا جرى له في طريقه الى الشام وهو في قافلةٍ تتألف من مائة وثمانين من التّجار ومعاونيهم : كحديث الغمامة الّتي كانت تظلله ، والمياه الّتي كانت تتفجر من بطون الصحراء الّتي كانت تتعرض فيها حياة العشرات من المسافرين للموت عطشاً ، والأشجار اليابسة الّتي كانت تعود اليها الحياة فتثمرُ من ساعتها أنواعاً من الثمار ، الى كثير من أمثال ذلك» .

هذا ، ولم يكن فيما رويناه اِلاّ تظليل الغمامة اِذا اشتدّ الحرّ ، وعند نزوله عند الشجرة .

(297)

(298)

الحديد في شرحه لنهج البلاغة عن المدائني .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch02-05.htm