فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الفصل الثاني الفصل الثاني
كيف نشأ النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
آباء النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
اِيمان عبد المطلب
أبناء عبد المطلب والذبيح منهم
الزواج الميمون
الميلاد الميمون
الوليد لدى جدّه وعمّه
وفاة عبداللّه
رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الرضاع الميمون
رضاعه من حليمة السعدية
قصّة شقّ الصدر !
وفود عبد المطّلب على سيف بن ذي يزن
الاستسقاء برسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
وفاة اُم النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، وكفالة جدّه وعمّه له
سفر النبي صلى ‏الله ‏عليه ‏و ‏آله الأوّل مع عمّهِ الى الشام
كان اللّه يسلك بالنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله طريق المكارم
حرب الفجار
ميلاد علي عليه‏السلام
حلف الفضول
رعي النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله للغنم
السفر الثاني للنبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الشام ، وزواجه بخديجة
الخاطب أبو طالب
من تولّى تزويج خديجة ؟ !
خديجة تعرض نفسها على النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
هل كان النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أجيراً لخديجة أو مضارباً ؟
أوهام واهية
دوافع زواج النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
عمر خديجة ومهرها
هل كانت خديجة متزوجّة ؟
أولاد خديجة من النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
مولد فاطمة عليهاالسلام
عليٌّ عند النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله :

    روى المجلسي عن الكازروني في (المنتقى) عن برّة الخزاعية : اَن أوّل من أرضع رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ ثويبة ـ مولاة أبي لهب عمّ النبي ـ بلبن ابنٍ لها يقال له مسروح ، قبل أن تقدم حليمة ، أياماً . وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبدالمطّلب وأرضعت بعده أبا سلمة بن


(1) البحار 15 : 124 ، 125 عن المنتقى في مولد المصطفى لمحمد بن مسعود الكازروني وفي ص 116 نقل عن كتاب العدد : اَنه ورث ذلك عن اُمه .

(2) إعلام الورى : 9 ط النجف .

(3) كشف الغمة 1 : 16 ط تبريز .

(4) الطبري 2 : 165 ط المعارف .

(260)

عبد الأسد المخزومي .

 

    وكانت ـ ثويبة ـ تدخل على رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ فيكرمها ، وكان يبعث اِليها رسول اللّه بعد الهجرة بكسوة وصلة ، وكانت قد اَسلمت ، فماتت بعد فتح خيبر(1) .

    وروى عن الكليني في (فروع الكافي) بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : اِنّ علياً ذكر لرسول اللّه ابنة حمزة ، فقال رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : أما علمت انّها ابنة أخي من الرضاعة . ثمّ قال الصادق عليه‏السلام : وكان رسول اللّه وعمّه حمزة قد رضعا من امرأة(2) .

 

    وقال اليعقوبي : كان أوّل لبن شربه بعد اُمّه لبن «ثويبة» مولاة أبي لهب . وقد أرضعت ثويبة هذه حمزة بن عبد المطّلب ، وجعفر بن أبي طالب ، وأبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي(3) .

 

    والطبري روى الخبر نفسه الّذي رواه الكازروني ، بسنده الى برّة ابنة أبي تجزأة عن طريق الواقدي(4) .

 

    وقال الطبرسي في (اِعلام الورى) : وكانت ثويبة مولاة أبي لهب بن عبد المطّلب أرضعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بلبن ابنها مسروح ، قبلَ أنْ تقدم حليمة ، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة ، ومات ابنها قبلها . وكانت ثويبة


(1) البحار 15 : 384 عن المنتقى في مولد المصطفى لمحمّد بن مسعود الكازروني .

(2) البحار 15 : 340 عن فروع الكافي 2 : 41 و 42 ورواه الصدوق في الفقيه 3 : 260 والطوسي في التهذيب 7 : 292 . وراجع مفتاح الكتب الأربعة 14 : 340 و 343 .

(3) اليعقوبي 2 : 9 .

(4) الطبري 2 : 158 .

(261)

قد أرضعت قبل حمزة بن عبد المطّلب عمّه ، فلذلك قال رسول اللّه لابنة حمزة : انّها ابنة أخي من الرضاعة . وكان حمزة أسنّ من رسول اللّه بأربع سنين(1) .

 

    وروى ابن شهر آشوب رواية الطبري(2) .

 

    وقال الاربلي في (كشف الغمة) : أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب ، قبل قدوم حليمة أياماً بلبن ابنها مسروح ، وتوفيت ثويبة مسلمة سنة سبع من الهجرة ، ومات ابنها قبلها . وكانت ثويبة قد أرضعت قبله عمّه حمزة رضى‏الله‏عنه ، فلهذا قال صلى‏الله‏عليه‏و‏آله وقد حودث في التزويج بابنة حمزة : اِنّها ابنة أخي من الرضاعة . وكان حمزة أسنّ منه بأربع سنين(3) .

 



(1) اِعلام الورى : 6 ط النجف . ويقال : انه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله لما افتتح مكّة سأل عنها وعن ابنها فاخبر انهما ماتا ، كما عن الاستيعاب والروض الانف وشرح المواهب .

(2) المناقب 1 : 173 ط قم .

(3) كشف الغمة 1 : 15 ، والعبارة هي عبارة الطبرسي في إعلام الورى بدون اسناد . وقد ثقل على بعض غلاة ولاة أئمة أهل البيت عليهم‏السلام اَن يقرّوا لمولاة ابي لهب اَن تكون أوّل من أرضعت النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، فلم يسلّموا لها بذلك ، ثمّ حاولوا اَن يسدّوا هذا الفراغ الزمني بعد ميلاده وقبل دفعه الى حليمة السعدية بما رواه الكليني قدس‏سره بسنده الى عليّ بن أبي حمزة البطائني عن أبي بصير عن الصادق عليه‏السلام أ نّه قال : لمّا ولد النبي مكث أياماً ليس له لبن ، فألقاه أبو طالب على ثدي نفسه فأنزل اللّه فيه لبناً فرضع منه أياماً ! حتّى وقع أبو طالب على حليمة السعدية فدفعه اليها (اُصول الكافي 1 : 448) هذا ، وقد روى الكشي في رجاله في ذم علي بن أبي حمزة البطائني أخباراً كثيرة تتهمه بالكذب وتلعنه ، فلعنة اللّه عليه . غفر اللّه للكليني وابن شهر آشوب والمجلسي اِذ رووا هذا الكذب ، ورحم اللّه الشيخ الرباني الشيرازي محقق البحار (15) اِذ علّق على هذا الكذب بقوله : الحديث لايخلو عن غرابة ، وفي اسناده جماعة لايحتج بحديثهم (البحار 15 : 340) .

(262)

 

 

الرضاع الميمون

 

 

رضاعه من حليمة السعدية :

     روى ابن اِسحاق بسنده الى عبداللّه بن جعفر بن أبي طالب عن حليمة بنت اَبي ذؤيب السعدية اَنها كانت تقول : اِنّها خرجت من بلدها مع زوجها الحارث بن عبد العزّى من بني هوازن ومعها رضيعها عبد اللّه بن الحارث ، ومعها نسوة من بني سعد كلّ واحدة منهن تلتمس رضيعاً ترضعه ترجو المعروف من أبيه . وذلك في سنة مجدبة لم تبق لهم شيئاً ، وما أرض أجدب من بلاد بني سعد . فما كان في ثدييها ما يغني صبيّها الرضيع حتّى كانوا ما ينامون ليلهم من بكائه من الجوع ، ومعها ناقة لها مسنّة ما ترشح بشيء يغذيهم ، وكانت هي على أتان يتخلف عن الركب ضعفاً وهزالاً .

    حتّى قدموا الى مكّة ، فما بقيت امرأة ممّن مع حليمة اِلاّ أخذت رضيعاً لها سوى حليمة وكلمّا كـان يعرض رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على امرأة منهن يقال لها اِنّه يتيم ، كـانت تأباه ليتمه . وبقيت حليمة لم تأخذ رضيعاً ، ولم يبق رضيع سوى رسـول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ، قالت حليمة : فقلت لزوجي : واللّه اِنّي لأكره اَن اَرجع واَنا بين صواحبي لم آخذ رضيعاً ، واللّه لاذهبنّ اِلى ذلك اليتيم فلاخذنّه ، قال صاحبي : لا عليك اَن تفعلي عسى اللّه ان يجعل لنا فيه بركة . قالت : فذهبت اِليه فأخذته ـ وما حملني على أخذه اِلاّ اَ نّي لم أجد غيره ـ ورجعت به الى رحـلي ووضعته في حجري وأقبل عليه ثدياي بما

(263)

شاء من لبن فشرب حتّى روي ، وشرب معه أخوه فروي . وقام زوجي الى ناقتنا فإذا ضرعها مليء باللبن فحلب ما شرب وشربت معه حتّى روينا ، فقال لي صاحبي : يا حليمة لقد اَخذت نسمة مباركة ، فقلت واللّه اِني لأرجو ذلك .

 

    ثمّ قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد ، فلم نزل نتعرّف من اللّه الزيادة والخير ، و كانت غنمي ترجع الينا بعد العصر شباعاً قد اِمتلأ ضرعها من اللبن ، وترجع غنم القوم جياعاً لا ترشح بقطرة لبن . وكان رسول اللّه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ يشبّ ما لا يشبه الغلمان ، فلم يبلغ سنتيه من الرضاعة حتّى غلظ واشتدّ جسمه ، حتّى اِذا مضت سنتاه وفصلته ، فقدمنا به على اُمّه ونحن أحرص شيء على مكثه فينا لِما نرجو من بركته ، فكلمنا اُمّه فلم نزل بها حتّى ردته معنا فرجعنا به .

    قالت حليمة : وبعد مقدمنا به بأشهر اِحتملناه فقدمنا به على اُمّه .

    فقالت آمنة : ما أقدمك به وقد كنت حريصة عليه وعلى مكثه عندك ؟

    فقلت : قد بلغ اللّه بابني وقضيت الّذي عليّ ، وتخوفت الأحداث عليه ، فأديته اليك كما كنت تحبّين .

    فقالت : افتخوفت عليه الشـيطان ؟ قالت : قلت : نعم . قالت : كلاّ واللّه ما للشيطان عليه من سبيل . ثمّ أخبرتها بما رأته منه حين حمله ووضعه .

    قال ابن اسحاق : حدثني بعض أهل العلم : انّ ممّا هاج اُمّه السعدية على رده الى اُمّه : اَن نفراً من نصارى الحبشـة رأوه فنظروا اِليه وسألوها عنه وقلبوه ثمّ قـالوا لها : اِنه يكون لهذا الغلام شأن نحن نعرف أمره ،

(264)

وأرادوا اَن يأخذوه الى بلدهم ، حتّى كادت اَنْ لا تنفلت به منهم .

 

    قال ابن اِسحاق : يتحدث الناس : اِنّها لمّا قدمت به الى مكّة نحو اَهله افتقدته في الناس ، وكلّما التمسته لم تجده ، فأتت عبد المطلب فقالت له : اِنّي قـد قدمت بمحمد البارحة ، فلمّا كنت بأعلى مكّة افتقدته فو اللّه ما أدري أين هو ؟

    فقام عبد المطّلب عند الكعبة يدعو اللّه اَن يردّه عليه ، فوجده رجلان من قريش أحدهما ورقة بن نوفل بن أسد ـ ابن عمّ خديجة ـ فأتيا به عبد المطّلب فقالا له : هذا ابنك وجدناه بأعلى مكّة . فأخذه عبد المطّلب فجعله على عنقه وطاف به الكعبة يعوّذه ويدعو له ثمّ أرسل به اِلى اُمّه آمنة(1) .

 

قصّة شقّ الصدر !

    اِنّ خبر رضاع النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله من حليمة السعدية من المسلّم به من أخبار التأريخ اِجمالاً ، اِلاّ انّ عمدة ما ورد بتفصيل الخبر فيه خبران ذكرهما الطبري :

    الخبر الأوّل : رواية ابن اِسحاق عن الجهم بن أبي الجهم عن عبد اللّه ابن جعفر بن اَبي طالب ، عن حليمة السعدية . وقد رواها الطبري عن ابن


(1) سيرة ابن هشام 1 : 171 ـ 177 بتصرف ورواه عنه الطبري 2 : 158 ، 160 ، ورواه عنهما ابن أبي الحديد في شرح النهج 3 : 252 ، 253 وروى المجلسي عن الكازروني في (المنتقى) : اَنّ رسول اللّه لمّا تزوّج بخديجة سمعت به حليمة فقدمت على رسول اللّه فشكت اِليه جدب البلاد وهلاك الماشية . فكلّم رسول اللّه خديجة فأعطتها أربعين شاة وبعيراً ، فانصرفت الى أهلها . وبعد الإسلام قدمت عليه فاستأذنت عليه ، فقال : اُمّي اُمّي ، وعمد اِلى ردائه فبسطه لها فقعدت عليه (البحار 15 : 401) .

(265)

اِسحاق يصف الجهم بأ نّه مولى عبد اللّه بن جعفر ، بينما رواها عنه ابن هشام في سيرته يصف الجهم بأ نّه مولى الحارث بن حاطب الجمحي . وفي الخبر عن حليمة أ نّها قالت : اِنّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان ـ بعد رجوعنا به من اُمّه بأشهر ـ مع أخيه ـ عبد اللّه بن الحارث السعدي ـ في بُهم(1) لنا خلف بيوتنا اِذ أتانا أخوه يشتدّ ويقول : انّ أخي القرشي قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض ، فأضجعاه فشقّا بطنه و . . . ! فخرجت أنا وأبوه نحوه فوجدناه قائماً منتقعاً وجهه ! فقلنا له : ما لك يا بني ؟ قال : جاءني رجلان عليهما ثياب بيض فأضجعاني وشقّا بطني فالتمسا فيه شيئاً لا أدري ما هو !(2) .

 

    والخبر الثاني : رواية الطبري أيضا بسنده عن ثور بن يزيد الشامي ، عن مكحول الشامي ، عن شدّاد بن أوس . والظاهر أنّ هذا الخبر هو ما رواه ابن اِسحاق عن ثور بن يزيد أيضاً اِلاّ أ نّه نسي ما بعد ثور من السند فقال «عن بعض اَهل العلم ، ولا أحسبه اِلاّ عن خالد بن معدان الكلاعي» ثمّ اختصره وتصرّف فيه مـا قد نسيه كالسند ، فقرّب فيه من الخبر السابق اِذ قال فيه عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اَ نّه قال : استرضعت في بني سعد ، فبينا أنا مع أخ لي خلف بيوتنا نرعى بهما لنا ، اِذ أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطست من ذهب مملوؤة ثلجاً ، ثمّ أخذاني فشقّا بطني ، واستخرجا قلبي فشقّاه ، فاستخرجا منه علقة سـوداء فطرحاها ، ثمّ غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتّى أنقياه(3) .

 



(1) البُهم : الصغار من الغنم .

(2) سيرة ابن هشام 1 : 171 ـ 174 ، والطبري 2 : 158 ـ 160 .

(3) سيرة ابن هشام 1 : 175 .

(266)

    بينما نرى في رواية الطبري . بسنده عن ثور بن يزيد نفسه عن مكحول الشامي عن شدّاد بن أوس عن النبي ـ صلّى اللّه عليه [ وآله [ وسلّم ـ اَ نّه قال : وكنت مسترضعاً في بني ليث بن بكر ، فبينا أنا ذات يوم منتبذ من أهلي في بطن واد مع أتراب لي من الصبيان نتقاذف بالجَلة(1) اِذ أتانا رهط ثلاثة معهم طست من ذهب مليء ثلجاً ، فأخذوني من بين أصحابي ، فخرج أصحابي هرّابا حتّى انتهوا الى شفير الوادي . . . ثمّ انطلقوا هرّابا مسرعين الى الحيّ يؤذنونهم ويستصرخونهم على القوم . فعمد أحدهم فأضجعني على الأرض . . . ثمّ شقّ ما بين مفرق صدري الى منتهى عانتي . . . ثمّ أخرج أحشاء بطني فغسلها بذلك الثلج . . . ثمّ أعادها مكانها . ثمّ قام الثاني منهم . . . ثمّ أدخل يده في جوفي فأخرج قلبي ، فصدعه ثمّ أخرج منه مضغة سوداء فرمى بها . . . فإذا أنا بخاتم في يده . . .

 

    فختم به قلبي فامتلأ نوراً وذلك نور النبوة والحكمة ، ثمّ أعاده مكانه فوجدت برد ذلك الخاتم في قلبي دهراً . ثمّ قام الثالث . . . فأمرّ يده ما بين مفرق صدري الى منتهى عانتي فالتأم ذلك الشقّ بإذن اللّه ، ثمّ أخذ بيدي فأنهضني(2) .

    فنرى رواية الطبري هذه عن شداد بن أوس تختلف عن رواية ابن اِسحاق في : المكان الّذي جرى فيه الحادث ، وفي : عدد الأشخاص الّذين جاؤوه ، وفي : الكيفية الّتي وقع عليها ، اِلى غير ذلك ممّا اشتملت عليه رواية


(1) الجَلّة بالفتح : بعر البعير ، ومنه الإبل الجلاّلة ، والحيوان الجلاّل ، وهذا ما يبعدنا عن تصديق الخبر أيضاً .

(2) الطبري 2 : 160 ـ 162 .

(267)

الطبري من الخصوصيات التفصيلية الّتي لم تتفق معها رواية ابن اسحاق ، مع أن كلتيهما تمرّان بثور بن يزيد الكلاعي الشامي المتوفى في 155 كما في كتب الرجال ومنها «تهذيب التهذيب» ، ولذلك نرى ابن اِسحاق يسحق موارد الخلاف في هذا الخبر باختصاره للتفصيلات الواردة فيه ، وبالتصرف في عدد الملائكة ، فبينما نجد خبر ثور بن يزيد عن شدّاد بن أوس يذكر عدد الملائكة الحاضرين للقيام بالعملية على رسول اللّه : ثلاثة ، نجد ابن اِسحاق قد أعاد العدد الى اثنين كي يتوافق العدد فيه مع ما في خبر الجهم عن عبد اللّه بن جعفر .

 

    وكذلك في عدد من معه ، فبينما نجد خبر ثور عن شداد يذكر «مع أتراب لي من الصبيان» نرى ابن اِسحاق قد أعاد العدد الى فرد بنفس النسبة الّتي في خبر الجهم عن ابن جعفر «مع أخ لي» ، وكذلك بالتصرف في المكان الّذي جرى فيه الحادث ، فبينما نجد خبر ثور عن شداد يذكر مكان الحـادث «منتبذ من أهلي في بطن واد» نرى ابن اِسحاق قد أعاده الى «خلف بيوتنا» .

    وكذلك بالتصرف في حال الرسول حينئذ : فبينما نرى خبر ثور عن شـدّاد يذكر «نتقاذف بالجَلة» نرى ابن اِسحاق قد أبى على النبي اللعب بالجَلة ولو في صغره وأصرّ على تكرير مافي خبر الجهم «نرعى بُهما لنا» أي نرعى الصغار مـن الغنم ، وليت شعري اِذا كان الّذي أو الّذين معه أترابه وهو كما في خبر الجهم بعد أشهر من فصاله فكيف يرعى الغنم ؟ !

    واِنّ هذا لعمري لدليل على وضع الخبر وقصر حبل الكذب ! وهذا الإختلاف بذاته لمن الدواعي الّتي تثير الشكوك حول هذه الحادثة ، وبخاصة اِذا نظرنا الى أسانيد هذه الروايات وعرضناها على الاُصول الّتي لابد من

(268)

توفّرها لقبول الرواية ، واِنْ كان لم يقنع بهذا القدر من التشكيك كثير من كتّاب السيرة(1) .

 

    وحينما نراجع تراجم الرجال نجد انّ اَرباب التراجم قد رجموا ثور ابن يزيد بأ نّه : شاميّ كان يرى القدر ، أي هو من القدرية وأنا أرى أنّ القدرية الّتي ينسب اليها الشاميون في شعاع أفكار الأمويين هي أنّ أعمال العباد بقدر مقدّر قد قضى به اللّه ، لا القدر بمعنى يجتمع مع اِرادة الإنسان واختياره .

 

    وعلى هذا فهو متهم بوضع مـا يؤيد به مذهبه القدري الجبري ، كما قال السيد المرتضى العاملي :

    «ألا تعني هذه الرواية اَ نّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان مجبَراً على عمل الخير ، وليس لارادته فيه أيّ أثر أو فعّالية أو دور ؟ ! لأن حظّ الشيطان قد اُبعد عنه بشكل قطعي وقهريّ ، وبعملية جراحية ، وهل اذا كـان اللّه يريد أنْ لا يكون عبده شرّيراً اِحتاج في اِعمال قدرته الى عمليات جراحية كهذه على مرأى من الناس ومسمع ؟ !»(2) هذا الى خمس نقاط اُخرى نقد بها السيد المرتضى هذا الخبر . ولعلّه أخذ هذا المعنى عن رواية جاهلية عن اُمية بن أبي الصلت : أ نّه دخل على اُخته فنام على سرير في ناحية البيت ، فانشق جانب من السقف في البيت ، واِذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه ، فشقّ الواقع على صدرِه صدرَه ، فأخرج قلبه ، فقال الطائر الواقف للطائر الّذي على صدره : أوعى ؟ قال : وعى ، قال : اَقبِل ؟


(1) السيد الحسني في كتابه : سيرة المصطفى : 46 بعد اَنْ اعترف بما في ذلك من التشكيك .

(2) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله 1 : 86 .

(269)

قال : أبى ، ثمّ ردّ قلبه بموضعه(1) .

 

    هذا ، وقد روى المجلسي في بحاره هذا الخبر عن الكازروني في كتابه (المنتقى في مولد المصطفى) بنفس السند ثمّ علّق عليه الكازروني يقول : هذا حديث حسن غريب بهذا السياق ، يعدّ في أفراد محمّد بن يعلى ، وكان يلقّب بزنبور ، وليس بذاك ، ولمكحول عن شداد أحاديث غير اَ نّها مرسلة . ثمّ علّق المحقق الرباني الشيرازي يقول : محمّد بن يعلى ضعّفه ابن حجر في «التقريب» وحكى عن أبي حاتم اَ نّه قال : متروك ، وقال الخطيب : يتكلم فيه . توفّي 205(2) .

 

    أمّا الخبر الأوّل عن عبدالله بن جعفر فهو عن مولاه الجهم بن أبي الجهم ، وان كان عبد اللّه بن جعفر يخالط بني اُميّة بجسده ولا يخالطهم بفكره وعقيدته ، فما مولاه من ذلك ببعيد(3) .

 

    ولا يحضرني ألآن كتاب عبد الكريم الخطيب اذ نقل عنه السيد المرتضى : اَ نّه ناقش في كتابه سـند رواية ابن اِسحاق اِذ قال «عن بعض أهل العلم»(4) . وكذلك محمد حسين هيكل في كتابه(5) .

 



(1) كما في الأغاني 3 : 188 ـ 190 .

(2) البحار 15 : 396 ـ 400 .

(3) ولعلّه هو مولاه أبو اللسلاس الّذي روى فيه الطبري عن أبي مخنف : اَ نّه دخل على مولاه والناس يعزّونه بمقتل الحسين عليه‏السلام ، فقال : هذا ما لقينا ودخل علينا من الحسين ! فحذفه عبداللّه بن جعفر بنعله وقال : يا بن اللخناء اللحسين تقول هذا ! (الطبري 5 : 466) .

(4) الصحيح 1 : 84 عن كتاب : النبي محمد : 196 .

(5) حياة محمّد : 73 .

(270)

    وقد ناقش هذا الخبر الشيخ أبو ريّة ، نقاشاً موضوعياً سليماً في كتابه القيّم «أضواء على السّنة المحمّدية» فنقل تشكيك استاذه الشيخ محمّد عبده في تفسيره اِذ قال «والمحقَق عندنا اَ نّه ليس للشيطان سلطان على عباد اللّه المخلصين ، وخيرهم الأنبياء والمرسلون . أمّا ما ورد في حديث اِزالة حظّ الشيطان من قلبه ـ صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم ـ فهو من الأخبار الظنية ، لأ نّه من رواية الآحاد ، ولمّا كان موضوعها عالم الغيب ، والايمان بالغيب من قسم العقائد ، وهي لا يؤخذ فيها بالظّن ، لقوله تعالى « اِنّ الظن لا يغني من الحقّ شيئاً » كنّا غير مكلّفين بالايمان بمضمون تلك الأحاديث في عقائدنا»(1) .

 

    والشيخ عبده اِذ ينفي سلطان الشيطان على المخلصين من عباد اللّه يستند الى ما جاء في سورة الحجر من الكتاب العزيز في قوله سبحانه « قـال ربّ بمـا أغويتني لازيننّ لهـم في الأرض ولاُغوينّهم أجمعين اِلاّ عبادك منهم المخلصين قـال هذا صـراط عليّ مستقيم اِنّ عبادي ليس لك عليهم سلطان اِلاّ من اتّبعك من الغاوين »(2) وقد جاء أبو ريّة بهذه الآيات ثمّ قال : فكيف يدفعون الكتاب بالسنّة ، أو يعارضون المتواتر الّذي يفيد اليقين ، بأحاديث الآحاد الّتي لا تفيد الاّ الظن اِن صحّت(3) .

 

    وقال : وقد نصّت هذه الروايات على اَنّ صدره ـ صلوات اللّه عليه ـ


(1) تفسير القرآن الحكيم 3 : 291 ، 292 كما في الأضواء : 188 .

(2) الحجر : 39 ـ 42 .

(3) أضواء : 188 .

(271)

قد شُقّ واُخرجت منه العلقة السوداء ! وحظّ الشيطان كما يقولون ، وكأنّ العملية الاُولى لم تنجح فاُعيد شقّ صدره ، ووقع ذلك مرّات عديدة بلغت خمساً ، أربع منها بإتفاق كما يقولون : في الثالثة من عمره ، وفي العاشرة ، وعند مبعثه ، وعند الإسراء ، ومرّة خامسة فيها خلاف . وقد قالوا : اِنّ تكرار الشق اِنّما هو زيادة في تشريف النبي(1) .

 

    وفي تفسير الآية الاُولى من سورة الإسراء وبمناسبة حديث الإسراء قال الشيخ الطبرسي في تفسيره «وقد وردت روايات كثيرة في قصّة المعراج في عروج نبينا الى السماء ورواها كثير من الصحابة . وتنقسم جملتها الى أربعة وجوه» الى اَنْ قال «ورابعها : ما لا يصحّ ظاهره ولا يمكن تأويله اِلاّ على التعسّف البعيد ، فالأَولى اَن لا نقبله» اِلى اَنْ قال «وأمّا الرابع : فنحو ما روي أنه شُقّ بطنه وغسلته الملائكة ، ذلك لانه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله كان طاهراً مطهّراً من كلّ سوء وعيب ، وكيف يطهر القلب وما فيه من الاعتقاد ، بالماء(2) .

 

    ولهذا لم يذكر هذا الخبر ضمن أخباره عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله في كتابه (إعلام الورى) .

 

    وفي نفس الوقت نرى البعض يعتبر هذا الخبر من اِرهاصات النبوة ومثار اِعجاب وتقدير خُصّ به نبينا صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ولم يحصل لأيّ من الأنبياء السابقين كالحلبي في كتابه : (اِنسان العيون في سيرة الأمين المأمون)(3)


(1) اضواء : 187 .

(2) مجمع البيان 6 : 69 ط بيروت .

(3) المعروف بالسيرة الحلبية 1 : 368 .

(272)

والبوطي في كـتابه : (فقه السيرة)(1) والسيد الحسني في كتابه : (سيرة المصطفى) مع الإعتراف بضعف مستنده(2) .

 

    وعلّق عليه السيد المرتضى فقال متسائلاً : ولِمَ اختص نبينا بهذه العملية ولم تحصل لأي من الانبياء السابقين ؟ ! أفهل يعقل اَن يكون هو بحاجة الى هذه العملية فقط دون سائر الانبياء ؟ اِذن فكيف يكون أكملهم وأفضلهم ؟ ! أم يقولون : قد كان فيهم للشيطان حظّ أيضاً ولكنّه لم يقتطع منهم بعملية جراحية كهذه ، ولذلك أصبح هذا أفضلهم وأكملهم ؟ !(3) .

 

    ولا تخلو كتب السيرة والحديث عند غير الإمامية عن هذه الرواية غالباً حتّى بعض الصحاح كصحيح مسلم ، فقد روى بسنده عن أنس بن مالك قال : اِنّ رسول اللّه أتاه جبرئيل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه وصرعه فشقّ عـن قلبه فاستخرج القلب فاستخرج منه علقة فقال : هذا حظّ الشيطان منك ، ثمّ غسله في طست من ذهب بماء زمزم ، ثمّ لأمه ثمّ أعاده الى مكانه . وجاء الغلمان يسعون الى اُمّه ـ يعني ظئره ـ فقالوا : اِنّ محمّداً قد قتل ، فاستقبلوه وهو منتقع اللون ! قال اَنس : وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره(4) . وهي عند الإمامية قصّة لم يصحّحها حديث ولا اعتبار ، وهم برآء من هذه وأمثالها . وقد نقلها المحدث المجلسي في بحاره عن كتاب (فضائل شـاذان بن جبرئيل القميّ) نقلاً عمّن يسـمّيه الواقدي . ثمّ


(1) فقه السيرة : 53 .

(2) سيرة المصطفى : 46 .

(3) الصحيح في السيرة 1 : 86 .

(4) صحيح مسلم 1 : 101 ـ 102 بأربعة طرق .

(273)

قال المجلسي : أقول : هذا الخبر ـ وان لم نعتمد عليه كثيراً ، لكونه من طرق المخالفين ـ اِنّما أوردته لما فيه من الغرائب !

 

    وعلّق عليه المحقق الربّاني الشيرازي يقول : نحن في غنى من اَنْ نسرد كلّ ما عثرنا عليه ممّا جاء في فضائله من المعاجز وخوارق العادات كما كان كاتبو سيرته مـن القدماء يفعلون ذلك ، فنحن لا نحتاج في اِثبات عظمته اِليها ، بعد ما ملأت فضائله الآفاق(1) .

    وأين هذه الصورة عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله عن ذلك الوصف الّذي يصفه به صنوه وصهره وأخوه ثمّ وصيه علي عليه‏السلام اِذ قال في كلام له «ولقد قرن اللّه به من لدن اَن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ليله ونهاره»(2) .

 

    وروى ابـن أبي الحديد : انّ بعض أصحاب الامام الباقر عليه‏السلام سأله عن قوله سبحانه « اِلاّ من ارتضى من رسول فانّه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً »(3) ؟ فقال عليه‏السلام : «يوكّل اللّه تعالى بأنبيائه ملائكة يحصون أعمالهم ويؤدّون اِليهم تبليغ الرسالة ، ووكّل بمحمّد ملكاً عظيماً منذ فصل من الرضاع ، يرشده الى الخيرات ومكارم الأخلاق ، ويصدّه عن الشر ومكاره الأخلاق»(4) .

 



(1) البحار 15 : 353 ـ 357 ـ الهامش .

(2) نهج البلاغة ، القسم الأوّل : الخطبة القاصعة : 192 ، المقطع 118 عن مسعدة بن صدقة عن الامام الباقر عليه‏السلام .

(3) الجن : 27 .

(4) شرح النهج للمعتزلي 13 : 207 ، وعنه في البحار 15 : 361 .

(274)
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch02-03.htm