فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الفصل الاول

 

 

 

 

 

 

 

 

البيئة العربية والظروف العالمية

 

 

 

قبيل ظهور الإسلام

 

(67)

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الجاهلية فى القرآن الكريم :

    قلنا : إنّ البداية الطبيعيّة لتأريخ الإسلام تفرض علينا أنْ نتعرّف أوّلاً على حالة العرب قبل الإسـلام كي نتعرّف على المناخ والجو الذي انطلقت فيه الدعوة إلى الإسلام ، وخير كلام في هذا المقام كلام الإمام العلاّمة الطباطبائي في تفسيره «الميزان» قال :

    إنّ القرآن يسمّي عهد العرب المتّصل بظهور الإسلام بالجاهليّة ، وليس إلاّ إشارة منه إلى أنّ الحاكم فيهم يومئذ الجهل دون العلم ، وأنّ المسيطر عليهم في كلّ شيء الباطل دون الحق ، وكذلك كانوا ، على مايقصّ القرآن من شؤونهم :

    قال تعالى : « يظنّون باللّه غير الحقّ ظنّ الجاهليّة »(1) .

    وقال « أفحكم الجاهليّة يبغون »(2) .

 



(1) آل عمران : 154 .

(2) المائدة : 50 .

(69)

    وقال : « إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحميّة حميّة الجاهليّة »(1) .

 

    وقال : « ولا تبرّجن تبرّج الجاهليّة الاُولى »(2) .

 

    كانت العرب يومئذٍ تجاور في جنوبها الحبشة وهي نصرانيّة ، وفي مغربها إمبراطوريّة الروم وهي نصرانيّة أيضا ، وفي شمالها الفرس وهم مجوس ، وفي غير ذلك مصر والهند وهما وثنيّتان ، وفي أرضهم طوائف من اليهود . وهم وثنيّون يعيش أكثرهم عيشـة القبائل ، وهذا كلّه هو الذي أوجد لهم اجتماعا همجيّا بدويّا فيه أخلاط من رسوم اليهوديّة والنصرانيّة والمجوسيّة ، وهم سكارى في جهالتهم .

 

    وكانت العشائر البدو على ما لهم من خسـاسة العيش ودناءته يعيشون بالغزوات وشنّ الغارات واختطاف ما في أيدي الآخرين من متاعٍ أو عرض ، فلا أمن بينهم ولا أمانة ، ولا سلم ولا سلامة ، والأمر لِمَن غلب ، والملك لِمَن وضع يده عليه «ومن عزّ بزّ» .

    أمّا الرجال فالفضيلة بينهم سفك الدماء والحميّة الجاهليّة والكبر والغرور واتّباع الظالمين وهضم حقوق المظلومين ، والتعادي والتنافس ، والقمار وشرب الخمر والزنا ، وأكل الميتة وحشف التمر .

    وأمّا النساء فقد كنّ محرومات من مزايا المجتمع الإنساني لا يملكن من أنفسـهنّ إرادة ولا من أعمالهنّ عملاً ، ولا يملكن ميراثا ، ويتزوّج بهنَّ الرجال من غير تحديد بحدّ ، كما عند اليهود وبعض الوثنيّين ، ومع ذلك فقد كنّ يتبرّجن بالزينة ويدعن من أحببن إلى أنفسهنّ ، وفشا فيهنّ الزنا والسفاح حتّى المحصنات المزوّجات منهنّ ، ومن عجيب بروزهن أ نّهنّ ربَّما


(1) الفتح : 26 .

(2) الأحزاب : 33 .

(70)

كنّ يطفن بالبيت ليلاً عاريات من ثيابهنّ (لأ نّهنّ لا يجدن إحراما طاهرا) .

 

    وأمّا الأولاد فكانوا يُنسَبون إلى الآباء لكنّهم لا يُورَّثون صِغارا ويذهب الكبار بالإرث ، ومن الإرث زوجة المتوفّى ، ويُحرَم الصغار ـ ذكورا أو إناثا ـ والنساء . نعم لو ترك المتوفّى صغيرا ورثه ولكنّ الأقوياء يتولّون أمر اليتيم ويأكلون ماله ، ولو كان اليتيم بنتا تزوّجوها وأكلوا مالها ثمّ طلّقوها وخلّوا سـبيلها ، فلا مال تقتات به ولا راغب في نكاحها ينفق عليها . والإبتلاء بأمر الأيتام من أكثر الحوادث المبتلى بها بينهم لدوام الحروب والغارات والغزوات فطبعا كان القتل شائعا بينهم .

    وكان من شقاء أولادهم أنّ بلادهم الخربة وأراضيهم القفرة البائرة كان يسرع إليها الجدب والقحط ، فكان الرجل يقتل أولاده خشية الإملاق : « ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق »(1) وكانوا يئدون البنات : « وإذا الموؤدة سُئلت بأيِّ ذنبٍ قُتلت »(2) وكان من أبغض الأشياء أنْ يبشَّر الرجل بالاُنثى : « وإذا بُشِّر أحدهم بالاُنثى ظلّ وجهه مُسودّا وهو كظيم يتوارى من القوم من سـوء ما بُشِّر به أيمسكه على هُونٍ أم يدسُّه في التراب ألا سـاء مايحكمون »(3) .

    وأمّا وضع الحكومة بينهم : فأطراف الجزيرة وإن كانت ربَّما ملك فيها ملوك تحت رعاية أقوى الجيران وأقربها كإيران لنواحي الشمال ، والروم لنواحي الغرب ، والحبشة لنواحي الجنوب ، إلاّ أنّ قرى الأوساط كمكّة ويثرب والطائف وغيرها كانت تعيش في وضع أشبه بالجمهوريّة وليس بها ،


(1) الإسراء : 31 .

(2) التكوير : 8 ، 9 .

(3) النحل : 58 ، 59 .

(71)

والعشائر في البدو بل حتّى في داخل القرى كانت تدار بحكومة رؤسائها وشيوخها ، وربَّما تبدّل الوضع بالسلطنة .

 

    وهـذا هو الهرج (الفُوضى) العجيب الذي كان يبرز في كلّ عدّة معدودة منهم بلون ، ويظهر في كلّ ناحية من أرض شبه الجزيرة بشكل مع الرسوم العجيبة والاعتقادات الخرافيّة الدائرة بينهم . أضف إلى ذلك بلاء الاُميّة وفقدان التعليم والتعلُّم في بلادهم فضلاً عن العشائر والقبائل .

    وكلُّ هذا الذي ذكرناه من أحوالهم وأعمالهم والعادات والمراسيم الدائرة بينهم هو مِمّا يُستفاد من سياق الآيات القرآنيّة والخطابات التي تخاطبهم بها ، أوضح إفادة ، فتدبّر في المقاصد التي ترومها الآيات والبيانات التي تلقيها إليهم بمكّة أوّلاً ، ثمّ بعد ظهور الإسلام وقوّته بالمدينة ثانيا ، وفي الأوصاف التى تصفهم بها ، والاُمور التي تذمّها منهم وتلومهم عليها ، والنواهي المتوجّهة إليهم في شدّتها وضعفها . . إذا تأمّلت كلّ ذلك تجد صحّة ما ذكرناه . والتأريخ كذلك يذكر كلّ ذلك ويعرض من تفاصيله ما لم نذكره ، لإجمال الآيات الكريمة وإيجازها القول فيه . وأوجز كلمة وأوفاها لإفادة مجمل هـذه المعاني ما سمّى القرآن به هذا العهد «الجاهليّة» فقد أجمل في معناها كلّ هذه التفاصيل . هذا حال عالم العرب ذلك اليوم .

    وأمّا العالم المحيط بهم ذلك اليوم من الفرس والروم والحبشة والهند وغيرهم ، فالقرآن يُجمل القول فيه أيضا .

    أمّا أهل الكتاب منهم أعني اليهود والنصارى ومن يلحق بهم (من المجوس والصابئة) فقد كانت مجتمعاتهم تدار بالأهواء الاستبداديّة والتحكّمات الفرديّة من الملوك والرؤساء والحكّام والعمّال ، فكانت مقتسمة طبعا إلى طبقتين : طبقـة حاكمة فعّالة لِما تشاء ، تعبث بالنفس والعرض

(72)

والمال وطبقة محكومة مستعبدة مستذلّة لا أمن لها في مالٍ ولا عرض ولا نفس ولا حرّيّة ولا إرادة إلاّ ما وافق من يفوقها . وقد كانت الطبقة الحاكمة استمالت علماء الدين وحملة الشـرع وائتلفت بهم ، وأخذت مجامع قلوب العامّة وأفكارهم بأيديهم ، فكانت بالحقيقة هي الحاكمة في دين الناس ودنياهم ، تحكم في دين الناس كيفما أرادت بلسان العلماء وأقلامهم ، وفي دنياهم بالسوط والسيف .

 

    هذا وقد انقسمت الطبقة المحكومة أيضا حسب قوتها في السطوة والثروة فيما بينهم ، إلى طبقتي الأغنياء المترفين والضعفاء و العجزة والعبيد ، وإلى ربّ البيت ومربوبيه من النساء والأولاد ، وكذا إلى الرجال المالكين لحرّيّة الإرادة والعمل في جميع شؤون الحياة وإلى النساء المحرومات من جميع ذلك والتابعات للرجال محضا والخادمات لهم فيما أرادوه منهنّ من غير استقلال ولو يسيرا .

    ومجمل هذه الحقيقة يظهر من قوله سبحانه : « قل يا أهل الكتـاب تعالوا إلى كلمةٍ سواء بيننا وبينكم أنْ لا نعبد إلاّ اللّه ولا نُشرك به شيئا ولا يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون اللّه فإن توَلّوا فقولوا اشهدوا بأ نّا مسلمون »(1) وكذا قوله سبحانه : « يا أيّها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ واُنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتَعارَفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم »(2) وقوله في النساء : « إنّي لا اُضيع عمل عاملٍ منكم من ذكرٍ أو اُنثى بعضكم من بعض »(3) وفيما أوصى به في التزويج بالفتيات والإماء : « بعضكم من بعض فانكحوهنّ


(1) آل عمران : 64 .

(2) الحجرات : 13 .

(3) آل عمران : 195 .

(73)

بإذن أهلهنّ »(1) .

 

 

الجاهليّة في نهج البلاغة :

    وبعد استعراض هذه الآيات من القرآن الكريم بشأن الجاهليّة يكفينا أنْ نتذكّر بعض ماجاء عن علي عليه‏السلام في «نهج البلاغة» في ذلك :

    «وأنتم معشر العرب على شرّ دين وفي شرّ دار ، مُنيخون بين حجارة خُشن وحيّات صُمّ ، تشربون الكَدِر وتأكلون الجَشِب ، وتسفكون دماءكم وتقطعون أرحامكم ، الأصنام فيكم منصوبة والآثام فيكم معصوبة»(2) .

    «والناس ضُلاّل في حيرة ، وحاطبون في فتنة ، قد استهوتهم الأهواء واستزلّتهم الكبرياء واستخفّتهم الجـاهليّة الجهلاء ، حيارى في زلزالٍ من الأمر وبلاءٍ من الجهل»(3) .

 

    «والأحوال مضطربة ، والأيدي مختلفة ، والكَثرة متفرّقة ، في بلاء ازل وإطباق جهل : من بنات موؤدة وأصنام معبودة وأرحام مقطوعة وغارات مشنونة»(4) .

 

 

معنى الجاهليّة :

    ومن مصاديق الحميّة الجاهليّة ما حاوله البعض أنْ يحرّف في معنى الجاهليّة من معنى عدم العلم وفقدان المعرفة لديهم إلى أ نّها من الجهل بمعنى الحميّة والغضب ، كما قـد يقال : جهل زيد على عمرو بمعنى غضب عليه ،


(1) النساء : 25 . الميزان 4 : 151 ـ 154 .

(2) نهج البلاغة ، الخطبة : 91 .

(3) الخطبة : 95 .

(4) الخطبة : 187 .

(74)

وأ نّها ليست من الجهل بمعنى عدم العلم والمعرفة .

 

    وهذا التوجيه ليس ـ كما قلنا ـ إلاّ مصداقا من مصاديق الحميّة الجاهليّة ، فإنّ الظاهر من إطلاق الجهل ليس إلاّ بمعنى ما يقابل العلم والمعرفة ، ولا تحمل على معنى الحميّة والغضب إلاّ مجازا بقرينة ما ، كما فيما يستشهدون به من قولهم جهل عليه ، فإنّ تعدية الجهل إلى المفعول بلفظة «على» أجلى قرينة لفظية لذلك ، وإلاّ فلا تحمل الكلمة إلاّ على ما يقابل العلم فقط .

    وليت شعري ما يقول أصحاب هذا التوجيه غير الوجيه في معنى ما جاء في الآيات الكريمة الأربع «ظنّ الجاهليّة» و«حكم الجاهليّة» و«الحميّة الجاهليّة» و«تبرّج الجاهليّة» فهل يصحّ أنْ تفسّر الجاهليّة في هذه الآيات بمعنى الغضب ؟

    وقد رأينا أمير المؤمنين عليه‏السلام وصف الجاهليّة بالجهلاء تأكيدا للمعنى المعروف مـن الجاهليّة ، ثمّ قال : «وبلاء من الجهل» و«إطباق جهل» ممّا يؤكّد ذلك أيضا ويدفع أيّ ترديدٍ فيه .

    «لقد أوضح لنا الإمام أمير المؤمنين عليه‏السلام في كلماته المتقدّمة حالة العرب ومستواهم العلمي والثقافي ، وأ نّهم كانوا يعيشون في ظلمات الجهل والحيرة والضّياع . .

    وهذا يكذّب كلّ ما يدّعيه الآخرون ـ كالآلوسي وغيره ـ من أنّ العرب كانوا قد تميّزوا ببعض العلوم : كعلم الطبّ والأنواء والقيافة والعيافة . . .»(1) .

    ويقول ابن خلدون بهذا الصدد «إنّ الملّة ـ العربيّة ـ في أوّلها لم يكن


(1) الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلى‏الله‏عليه‏و‏آله 1 : 48 .

(75)

فيها علم ولا صناعة ، وذلك لمُقتضى أحوال السذاجة والبداوة . . فالقوم يومئذٍ عرب لم يعرفوا أمر التعليم والتأليف والتدوين ، ولا دفعوا إليه ، ولا دعتهم إليه حاجة . . فالاُمّيّة يومئذٍ صفة عامّة»(1) .

 

    ويقول عـن علم الطب عند العرب : « . . طب يبنونه ـ في غالب الأمر ـ على تجربة قاصرة على بعض الاشخاص متوارثا عن مشايخ الحيّ وعجائزه ، وربّما يصحّ منه البعض إلاّ أ نّه ليس على قانون طبيعي ولا على موافقة المزاج . وكان عند العرب من هذا الطب كثير ، وكان فيهم أطبّاء معروفون كالحارث بن كلدة وغيره»(2) .

 

    ويكفي أنْ نذكر هنا ما رواه البلاذري في اُميّتهم : إنّ الإسلام دخل وفي قريش سبعة عشر رجلاً ، وفي الأوس والخزرج في المدينة إثنا عشر رجلاً يعرفون القراءة والكتابة(3) .

 

    ويقول ابن خلدون عن نوعية الخطّ عندهم «وكانت كتابة العرب بدوية وكان الخط العربي لأوّل الإسلام غير بالغ إلى الغاية من الإحكام والإتقان والإجادة ولا إلى التوسط ، ذلك لمكان العرب من البداوة والتوحّش وبعدهم عن الصنائع . واُنظر ما وقع ـ لأجل ذلك ـ في رسمهم المصحف حيث رسمه الصحابة بخطوطهم وكانت غير مستحكمة في الإجادة فخالف الكثير من رسومهم ما اقتضته رسوم صناعة الخط عند أهلها ، ثمّ اقتفى التابعون من السلف رسمهم فيها تبرّكا بما رسمه اصحاب الرسول»(4) .

 

    بل ربّما كـانوا يعتبرون القراءة والكتابة عيبا ، فقد قال عيسى بن


(1) مقدمة ابن خلدون : 543 .

(2) مقدّمة ابن خلدون : 493 .

(3) فتوح البلدان ق 3 : 580 .

(4) مقدّمة ابن خلدون : 419 .

(76)

عمر : قال لي ذو الرّمة : ارفع هذا الحرف . فقلت له : أتكتب ؟ فقال بيده على فيه اي اكتم عليّ ، فإنّه عندنا عيب(1) .

 

    وقال ابن خلدون بهذا الصدد : «مع مايلحقهم من الأنفة عن انتحال العلم حينئذ ، لأ نّه من جملة الصنائع ، والرؤساء ـ أبدا ـ يستنكفون عن الصنائع والمهن وما يجرّ إليها»(2) .

 

    فالذي رواه الرواة والمؤرخون يفيد نفي وجود أي لون من ألوان التعليم ، أو وجوده ولكن بنسبة صغيرة جدّا حيث لا يتجاوز عدد المتعلمين عدد أصابع اليدين والرجلين في كلّ بلدان الحجاز وحواضره .

 

    ذهب بعض المتأخرين من المؤرخين العرب ـ منهم محمد عزة دروزة في كتابه : القرآن المجيد ـ إلى أنّ هناك في المدن الحجازية فئة من المتعلمين بنسبة لا يمكن تجاهلها . وكلّ ما سجّله هؤلاء في كتبهم لتأييد رأيهم هو : ـ أنّ البيئة الحجازية ـ ولا سيّما مكة والمدينة ـ كانت بيئة تجارية ـ ، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في سورة قريش ، فكانت ـ بحكم عملها وطبيعتها ـ على اتّصال وثيق ومستمر مع البلاد المجاورة من الشام واليمن والعراق والتي كانت على جانب لا بأس به من العلم والثقافة .

    وكانت البيئة الحجازية تضم فئات كتابيّة : يهودية ومسيحية اصيلة ونازحة من البلاد المجاورة ، والتي كانت تتداول ما بينها الكتب الدينية وغيرها قراءة وكتابة .

    هذا من جهة ، ومن جهة اُخرى فقد ورد في القرآن العزيز أطول آية في سورة البقرة تطلب من الناس تسجيل كافة المعاملات والتصرفات


(1) الشعر والشعراء لابن قتيبة : 334 .

(2) مقدّمة ابن خلدون : 544 ، فصل «أنّ حَمَلَة العلم في الإسلام أكثرهم العجم» .

(77)

وكتابتها نقـدا أو ديناً صغيرة أو كبيرة(1) فكيف تطلب هذه الآيات من الناس تحقيق كلّ ذلك دون وجود قسم من المتعلمين في صفوفهم يكتبون ويدوّنون عن أنفسهم أو الآخرين .

 

    هذا بالاضافة إلى أنّ كتبة الوحي بين يدي الرسول صلى‏الله‏عليه‏و‏آله بلغ عددهم أكثر مـن أربعين رجلاً ، وأنّ كثيراً منهم كانوا مكيّين ، وهم الذين كتبوا القسم المكّي من القرآن قبل هجرته صلى‏الله‏عليه‏و‏آله إلى المدينة ، فهذا دليل على وجود المتعلمين في مكة وإنْ كانوا قليلين ، سواء ممّن كتب الوحي من هؤلاء ومن لم يسلم بعد .

    كما إنّ الأسرى الفقراء من قريش الذين وقعوا في قبضة المسلمين في معركة بدر الكبرى في العام الثاني للهجرة ، والذين لم يستطيعوا أنْ يقدّموا فدية نقديّة لإطلاق سراحهم ، كلف كلّ واحد منهم ـ ممّن يجيد القراءة والكتابة ـ تعليم عشرة من أطفال المسلمين في المدينة القراءة و الكتابة لقاء إطلاق سراحهم ، ويحدّثنا البلاذري : انّ كثيرين منهم قاموا بما كلّفوا به من تعليم الأطفال في المدينة وأصبحوا بعدها أحراراً عادوا إلى مكة ، كما أسلم بعضهم بعدما لمسوا عدالة الإسلام وسماحته فكيف يعقل هنا أنْ يجيد قسم من الفقراء ومعدمي القرشيّين القراءة والكتابة ولا يتقنها أغنياؤهم وتجّارهم وأرباب السلطان منهم !(2) .

    وخلاصة القول في جواب هؤلاء هو أنْ نقول : إنّ الجهل كان هو الحاكم المطلق ولا نلاحظ نحن فيهم أي شيء من العلوم قبل الإسلام بل لا نرى إلاّ جهلاً وحيرة وضياعاً . أمّا ما اسـتشهد به هؤلاء فلا يعدو أنْ


(1) البقرة : 282 .

(2) لمحات من تاريخ القرآن للسيد محمد علي الاشيقر ، ط النجف : 36 و 37 .

(78)

يكون ممّا قام به الإسلام لمحو الاُمية .

 

    أمّا أولوية أنْ يكون ذوو الغنى والسلطان منهم يقرأون ويكتبون فقد عرفت فساده ممّا سبق عن ابن خلدون . وأمّا عدد كتّاب الوحي فقد فنّد أكثر العدد العلاّمة السيد ابو الفضل مير محمدي في كتابه القيّم «بحوث في تأريخ القرآن وعلومه» .

    ولا يفوتنا هنا أنْ ننوّه إلى : أنّ اُميّتهم هذه كانت السبب في قوة حافظتهم التي امتازوا بها ، فأصبح الكثير منهم حفظة القرآن الكريم وأحاديث الرسول العظيم .

    لكن مستواهم الثقافي هذا كان السبب الطبيعي في أنْ ينظروا إلى أهل الكتاب عموما واليهود خصوصاً نظرة التلميذ إلى معلّمه فتكون لهم الهيمنة الفكـرية عليهم ، ممّا بقيت آثاره في أخبار رواتهم فيقول الطبري : «عن بعض أهل العلم من أهل الكتاب» .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01.htm