فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن :

    وكان من ظلمِ اَبرهة اَنْ بعث الى أبي مرة يوسف بن ذي يزن وكان من أشراف اليمن فنزع منه امراته ريحانة بنت ذي جدن ، وكانت ذات جمال


(1) مرآة الإسلام لطه حسين : 29 .

(207)

وقـد ولدت لأبي مرّة مَعديكَرب ، فولدت لأبرهة : مسروق بن ابرهة . وهرب أبو مرة سيف بن ذي يزن(1) .

 

    فروى الطبري عن الكلبي : انّ أبا مرّة سيف بن ذي يزن خرج من اليمن فلحق بعمرو بـن المنذر من ملوك بني المنذر بالحيرة ، فسأله اَنْ يكتب له الى كسرى كتاباً يعلمه فيه بقدره وشرفه وما فزع اِليه فيه . فقال عمرو : لاتعجل ، فإنّ لي عليه في كلّ سنة وفادة ، وهذا وقتها .

 

    فأقام قِبَله حتّى وفد عليه معه ، فدخل عمرو بن المنذر على كسرى فذكر له شرف ذي يزن وحاله ، واستأذن له . فأذن له كسرى . فدخل ، فأوسع عمرو له فلمّا رأى كسرى ذلك عرف شرفه وقد كان ابن ذي يزن قال قصيدة بالحميرية في مدح كسرى ، فلمّا ترجمت له اُعجب بها ، فأقبل عليه ولطف به وسأله : ما الأمر الّذي نزع بك ؟ قال : أيّها الملك ! إنّ السودان قد غلبونا على بلادنا وركبوا منّا اموراً شنيعة اُجلّ الملك عن ذكرها ، فلو أنّ الملك تناولنا بنصره من غير أنْ نستنصره لكان بذلك حقيقاً لفضله وكرمه وتقدّمه على سائر الملوك ، فكيف وقد نزعنا اليه مؤمّلين له ، راجين أن يقصم اللّه عدوّنا وينصرنا عليهم وينتقم لنا به منهم ! فان رأى الملك أن يصدّق ظنّنا ويحقّق رجاءنا ، ويوجه معي جيشاً ينفون هذا العدو عن بلادنا فيزدادها الى ملكه فعل ، فانّها من أخصب البلدان وأكثرها خيراً ، وليست كما يلي الملك من بلاد العرب .

    فقال انوشيروان : قد علمت أنّ بلادكم كما وصفت ، فأيّ السّودان غلبوا عليها : الحبشة أم السند ؟ قال ابن ذي يزن : بل الحبشة .


(1) الطبري 2 : 130 عن ابن اسحاق و142 عن هشام الكلبي وعنه سائر الحديث .

(208)

    قال أنوشيروان : انّي لاحبّ اَنْ اْصدّق ظنّك واَْن تنصرف بحاجتك ، ولكنّ مسلك الجيش الى بلادك مسلك صعب أكره أنْ اُغرر جندي به ، وسأنظر فيما سألت .

    فلم يزل مقيماً عنده حتى هلك .

    ونشأ معديكرب بن ذي يزن مع اُمّه ريحانة في حجر اَبرهة ، وأخبرته اُمّه اَن أباه هو سيف بن ذي يزن ، واقتصّت عليه خبره ، فلبث حتّى مات الأشرم ومات ابنه يكسوم ، وتملّك اخوه مسروق ، فخرج ابن ذي يزن الى ملك الروم ، ولم يذهب اِلى كسرى لابطائه عن أبيه ، ولكنّه وجد قيصر أو هرقل لموافقته للحبشة في دينهم يحامي عنهم ، فانكفأ راجعاً الى كسرى ، فاعترضه يوماً ـ وقد ركب ـ فصاح به : أيّها الملك انّ لي عندك ميراثاً ! فدعا به كسرى وقال : من أنت ؟ وما ميراثك ؟ قال : أنا ابن الشيخ اليماني ذي يزن الّذي وعـدته أنْ تنصره فمات بحضرتك ، فتلك العدة حق لي وميراث يجب عليك الخروج لي منه . فقال له : أقم حتّى أنظر في أمرك .

    ثم اِنّ كسرى استشار وزراءه في توجيه الجند معه ، فقال المؤبدان(1) إنّ لهذا الغلام حقاً بوعدك لأبيه وموته ببابك وفزع هذا اليك . وفي سجون الملك رجال ذووا نجدة وبأس ، فلو أنّ الملك وجّههم معه ، فإنْ أصابوا ظفراً كان له ، واِنْ هلكوا كان قد استراح وأراح أهل مملكته منهم ، ولم يكن ذلك ببعيد عن الصواب .

    قال كسرى : هذا الرأي . وأمر بمن كان في السجون من هذا الضرب


(1) لقب عالم المجوس ، ومن هنا يظهر انّ الاستشارة كانت استفتاء شرعياً : هل يجب عليه شيء أو لا ؟

(209)

أن يحصوهم ، فأحصوا فبلغوا ثمانمائة نفر ، فقوّد عليهم قائداً من أساورته(1) يقال له : وهرز ـ أو بهروز ـ كانوا يعدلونه بألف اُستوار ، وقوّاهم وجهّزهم وأمر بحملهم في ثماني سفن في كلّ سفينة مائة رجل .

 

    فركبوا البحر فغرقت من السفن الثمانية سفينتان ، وسلمت ست سفن ، وخرجوا بساحل حضرموت ، فنزل وهرز على سِيف البحر فجعل البحر وراء ظهره . ولحق بمعديكرب بن سيف بشر كثير .

    وسار اليهم مسروق في مائة ألف من الحبشة وحمير والأعراب فلمّا نظر مسروق الى قلة من مع وهرز أرسل اِليه : ماجاء بك وليس معك اِلاّ من اَرى ، ومعي من ترى ؟ قد غرّرت بنفسك وأصحابك ، فإن أحببت اَذِنت لك فرجعت الى بلادك ، واِنْ أحببت أجّلتك حتّى تشاور أصحابك وتنظر في أمرك ، وانْ أحببت ناجزتك الساعة .

    ورأى وهرز انّه لاطاقـة له بهم ، فأرسل الى مسروق : بل تضرب بيني وبينك اَجلاً ، وتعطيني موثقاً وعهداً الاّ يقاتل بعضنا بعضا حتى ينقضي الأجل ونرى رأينا . ففعل مسروق ذلك .

    وأقام كلّ واحد منهما في عسكره حتّى مضت عشرة أيام ، وكان مع وهرز ابنه ، فخرج ذات يوم على فرس له حمله الى عسكرهم فقتلوه . فلمّا لم يبق من الأجل اِلاّ يوم واحد أمر بالسفن الّتي كانوا فيها فأُحرقت ، وأمر بما كان معهم من فضل كسوة فاُحرق ولم يدع منه اِلاّ ما كان على أجسادهم ، ثم أمر بفضل الزاد فأُلقيَ في البحر ، ثمّ قام فيهم خطيباً فقال : أمّا ما حرقت


(1) جمع الاسوار ، وهو كما يقال اليوم في الفارسية : الاستوار ، رتبة من الرتب العسكرية .

(210)

من سفنكم فأِني اَردت اَنْ تعلموا أ نّه لا سبيل الى بلادكم أبداً ، وأمّا ماحرّقت من ثيابكم فانّه كان يغيظني اِنْ ظفرت بكم الحبش اَن يصير ذلك اِليهم ، وأمّا ما أَلقيت من زادكم في البحر فأ نّي كرهت اَن يطمع اَحد منكم اَن يكون معه زاد يعيش به يوماً واحداً بعد اليوم ، فإنْ كنتم قوماً تقاتلون معي وتصبرون فاَعلموني ذلك . فقالوا : نقاتل معك حتّى نموت عن آخرنا أو نظفر !

 

    فلمّا كان صبح اليوم الّذي انقضى فيه الأجل عبأ أصحابه وأقبل عليهم يحضّهم على الصبر . وأمرهم أن يوتروا ويعدّوا قسيّهم ، ولم يكن لليمنيين نشّاب قبل ذلك اليوم ، فقال لأصحابه : اِذا اَمرتكم اَن ترموا فارموهم رشقاً بالپنجكان(1) .

    وأقبل مسروق في جمع لا يُرى طرفاه طويلاً يميناً ويساراً ، وهو على فيل وعلى رأسـه تاج وبين عينيه ياقوتة حمراء مثل البيضة . ثمّ نزل من الفيل فركب فرساً ، فأخرج وهرز نشّابة فوضعها في كبد قوسه وقال لهم : ارموا ، فرموا ، ورمى مسروقاً في جبهته فسقط عن دابته ، وقتل من ذلك الرشق الواحد جماعة كثيرة من جيش الأحباش ، ولمّا رأوا صاحبهم مسروقاً صريعاً انفضوا ، حتّى كان الاستوار يأخذ من الحبشة ومن حمير والأعراب الخمسين والستين فيسوقهم مكتّفين لايمتنعون منه ، ولكنّ وهرز قال لهم : اقصدوا قصد السودان فلا تبقوا منهم أحداً أمّا حمير والأعراب فكُفوا عنهم ، فقتل أكثر الحبشة ، وغنم الفرس من عسكرهم مالا يعدّ


(1) كلمة فارسية من پنج بمعنى الخمسة ، تعني : النشاب ذو شعب خمسة من النصال الحديدية .

(211)

ولايحصى كثرة .

 

    وأقبل وهرز حتّى دخل صنعاء وفرّق عماله في مخاليف اليمن فغلب على البلاد(1) وكان ذلك سنة 575 م(2) .

    قال المسعودي : فتوّج وهرز : معديكرب بن سيف بتاج كان معه والبسهُ بدنة(3) وقُفّازات من الفضة ورتّبه في ملكه على اليمن وكتب بالفتح الى اَنوشيروان .

 

    وأتت معديكرب الوفود تهنئه بعود الملك اليه ، من أشراف العرب وزعمائها ، وفيهم : عبد المطلب بن هاشم ، وأُميّة بن عبد شمس ، وخويلد بن أسد ، وأبو الصلت الثقفي ، فدخلوا اليه وهو في أعلى قصره بمدينة صنعاء ، المعروف بغمدان(4) وعلى يمينه ويساره أبناء المقاول والملوك .

    فتقدم عبد المطلب بن هشام فتمدّحه ، فرحّب بهم معديكرب بن سيف .

 

    وأقام معديكرب ملكاً على اليمن ، واصطنع عبيداً من الحبشة يمشون


(1) الطبري 2 : 142 ـ 147 .

(2) سيرة المصطفى : 23 .

(3) البدنة هنا : شيء شبه الدرع اِلاّ أ نّها تصير قدر البدن فقط .

(4) غمدان كعثمان ، قصر باليمن بناه يشرخ بن يحصب على أربعة وجوه : أحمر وأبيض وأصفر وأخضر ، وبنى في داخله قصراً بسبعة سقوف بين كل سقفين أربعون ذراعاً ، وجعل في أعلاه مجلساً بناه بالرخام الملوّن وجعل سقفه رخامة واحدة ، وجعل على كلّ ركن من أركانه تمثال أسد من شبه كانت الريح تدخل في دبره وتخرج من فيه فيسمع له صوت كالزئير ، وخربه عثمان بن عَفّان قاله المسعودي وقال : ورأيته قد انهدم بنيانه وصار تلاً عظيماً من تراب ، كأن لم يكن . مروج الذهب 2 : 229 .

(212)

بين يديه بالحراب ، فركب في بعض الأيام من باب قصره المعروف بغمدان بمدينة صنعاء ، فلمّا صار الى رحبتها عطفت عليه الحراب من الحبشة فقتلوه بحرابهم . وكان ملكه أربع سنين ، وهو آخر ملوك اليمن من قحطان ، فعدد ملوكهم سبعة وثلاثون ملكاً .

 

    ولما قتلت الحبشة معديكرب في الرحبة بحرابهم ، كان بصنعاء خليفة لوهرز في جماعة من العجم ، ممّن كان ضمهم وهرز الى معديكرب ، فركب وأتى على من كان هنالك من الحبشة وضبط البلد . وكتب بذلك الى وهرز وهو بباب أنوشيروان الملك(1) وذلك بمدائن طيسفون من أرض العراق ، فاعلم وهرز الملك بذلـك ، فسيّره في البر في أربعة آلاف من الأساورة وأمره اَن لايبقي على أحدٍ من بقايا الحبشة ولا على جعد قطط الشعر(2) شرك السودان في نسبه . فأتى وهرز اليمن حتّى نزل في صنعاء فلم يترك بها أحـداً من السودان اِلاّ قتلهم . وملّك اَنوشيروان وهرز على اليمن الى اَن هلك بصنعاء(3) .

    وعن الكلبي : اَ نّه لمّا بلغ انوشيروان موت وهرز بعث الى اليمن اُستواراً يُدعى «وين» وكان جبّاراً مسرفاً ، وكان ذلك في آخر ملك اَنوشيروان ، فلمّا مات اَنوشيروان وخلَفه إبنه هرمز عزل «وين» واستعمل


(1) مات اَبرهة لأربعين من ملك كسرى وملك يكسوم عشرين سنة ثم ملك مسروق ثلاث سنين ثم ملك معديكرب أربع سنين ، ومجموع ملك كسرى : ثمان وأربعون سنة ، فلا يتم التوفيق بين هذا كله .

(2) الجعد والقطط : قصر الشعر وفتله .

(3) مروج الذهب 2 : 57 ـ 62 ط بيروت .

(213)

مكانه المروزان(1) ، فلمّا ملك ابن هرمز : خسرو پرويز كتب الى المروزان : أن استخلف من شئت واَقبل الي ، فاستخلف المروزان ابنه خور خسرو على اليمن وسار فمات في الطريق وحُمل الى خسرو پرويز ، ثمّ بلغ خسرو پرويز اَنّ خور خسرو يتأدب بآداب العرب ويروي أشعارهم فعزله وولّى بمكانه بادان، وهو آخر من قدم من ولاة العجم(2) .

 

    وذكر المسعودي مساحة اليمن وحدوده فقال : وبلد اليمن طويل عريض، حدّه ممّا يلي مكّة الى الموضع المعروف بطلحة الملك سبع مراحل ـ والمرحلة من خمسةِ فراسخٍ الى ستة ـ ومن صنعاء الى عدن تسع مراحل، ومن وادي وحا الى ما بين مفاوز حضرموت وعمان عشرون مرحلة ، والوجه الآخر هو بحر اليمن وهو بحر الهند والصين والقلزم ، وجميع ذلك يكون : عشرين مرحلة في ست عشرة مرحلة(3) .

 



(1) الطبري 2 : 171 وأظنّ اَن اسمه : المهروزان وكان ملك كسرى انوشيروان ثمانياً وأربعين سنة كما في الطبري : 2 : 172 .

(2) الطبري 2 : 215 وجاء اسمه في الطبري 3 : 227 : بادام، وهو الراجح حسب المعنى في الفارسية، وهو الّذي بُعث رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله على عهده، وفي آخر السنة السادسة للهجرة بعث رسول اللّه الى خسرو پرويز كتاباً يدعوه فيه الى الاسلام، فغضب خسرو پرويز وبعث اِلى بادام هذا بأن يرسل إليه رسول اللّه مقيّدا، وبعث بادام رجالاً اِلى المدينة فأخبرهم رسول اللّه بهلاك خسرو پرويز فقيّدوا ذلك ولمّا رجعوا اِلى اليمن ووصل الرسول بهلاك خسرو پرويز أسلم بادام ومن معه من أبناء الفرس في اليمن وبعثوا باسلامهم الى رسول اللّه، فأقرّه رسول اللّه على عمله فكان عليه حتّى توفي رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله . راجع سيرة ابن هشام 2 : 71 .

(3) مروج الذهب 2 : 64 ط بيروت .

(214)

    وذكر اليعقوبيّ سواحل اليمن وهي : عدن ساحل صنعاء ، والمندب ، وغلافقة ، والحردة ، والشرجة ، وعثر ، والحمضة ، والسرين ، وحدّة (أو الحديدة) وقال : وتسمّى كور اليمن : المخاليف ، وهي : أربعة وثمانون مخلافاً . ثمّ أتى باسمائها وقال : هذه بلدان مملكة اليمن وبلادها . وكان ملوك اليمن في صدر عهدهم يدينون بعبادة الأصنام ، ثمّ إنّ احباراً من اليهود صاروا اليهم (مع تبّع تبان أسعد) فعلّموهم دين اليهودية فدانوا بدين اليهود وتلوا التوراة . ولم يكونوا يتجاوزون اليمن إلاّ أ نّهم ربّما أغاروا على بعض البلدان فيرجعون الى بلادهم ودار ملكهم(1) .

 

 

أسواقُ العرب :

     وكانت للعرب في اليمن وغيره أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ، ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم بخفارة خاصّة : فمنها سوق «عدن» كان يقوم في أوّل يوم من شهر رمضان وكان بخفارة الأبناء ـ أي أبناء الفرس حكام اليمن ـ وهم كانوا يعشّرونهم بها لقاء خفارتهم لهم ، ومنها كان يحمل الطيب الى سائر الآفاق .

    ثمّ سوق «صنعاء» كان يقوم في النصف من شهر رمضان بخفارة


(1) اليعقوبي 1 : 200 ، 201 . وقد علّقنا على هذا سابقاً بمعارضته لنقل القرآن الكريم بأنّ الهُدهد أخبر سليمانَ بن داود عنهم بقوله « انّي وَجَدْتُ امرأةً تملكهم . . . واِنّي وجدتها وقومها يسجدون للشّمسِ مِنْ دونِ اللّهِ » وان بلقيس قالت « اِني اسلمت مع سليمان لله ربّ العالمين » ونقل المؤرخون انّ سليمان بن داود حكم اليمن عشرين عاماً ثمّ ملّكها ابنه أرحبعم بن سليمان ، وان بلقيس كانت قبل تبّع تبان الأسعد بعشرة ملوك في سبعمائة سنة قريباً . فأظن الخبر هذا من الاسرائيليات .

(215)

الأبناء أيضاً .

 

    ثمّ سوق «الرابية» بحضرموت ، ولم يكن يوصل اِليها اِلاّ بخفارة خاصّة ، لأنها لم تكن أرض مملكـة ، فكان من عزّ بها بزّ ، وكانت الخفارة فيها لكندة .

    ثمّ سوق «عكاظ» بأعلى نجد ، كان يقوم في شهر ذي القعدة ، وكان أكثر من يحضرها من مضر وسائر قريش وقليل من سائر العرب ، وبها كانت مفاخرات العرب ومهادناتهم بعد حمالاتهم ـ أي دياتهم .

    ثمّ سوق «ذي المجاز» يرتحلون منها الى مكّة للحج .

    ومنها «دومة الجندل» كان يقوم في شهر ربيع الأول ، وكانت بين بني كلاب والغساسنة أيّهم غلب قام بها .

    ثمّ سوق «المشقر» في مدينة هَجَر ، كانت في جُمادى الأولى ، يقوم بها بنو تميم .

    ثمّ سوق «صحار» كان يقوم في أوّل يوم من رجب ، ولم تكن بحاجة اِلى الخفارة لأ نّها في الشهر الحرام .

    ثمّ سوق «رَيّا» بخفارة آل الجلندي وهو كان يعشّرهم بها لذلك .

    ثمّ سوق «الشُحْر» شُحْرُ مُهْره ، في ظل الجبل الذي عليه قبر هود النبي عليه‏السلام ، وكان يقوم بها بنو مهرة بلا خفارة خاصّة .

    وكان في العرب قوم يحضرون هذه الأسواق فيستحلّون بها المظالم ، ولذلك كانوا يسمّون (المحلّون)(1) كانوا من قبائل أسد وطيء وبني بكر وبني عامر . وكان من العرب من ينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك


(1) وبعد الإسلام انتقل هذا الإسم اِلى الخوارج .

(216)

الدماء وارتكاب المنكر يسـمّون (الذّادة المحرّمون) كانوا من بني عمرو بن تميم وبني حنظلة ، ومن هذيل ، وبني شيبان ، وبني كلب ، فكان هؤلاء يلبسون السلاح للدفاع عن الناس(1) .

 

    وكانت العرب تقيم الشعر مقام الحكمة والعلم ، فإذا كان في القبيلة الشاعر الماهر المميّز الكلام المصيب المعاني اَحضروه في أسواقهم هذه الّتي كانت تقوم لهم في السـنة حتّى تجتمع العشائر والقبائل فتسمع شعره ، ويجعلون ذلك فخراً من فخرهم وشرفاً من شرفهم ، وكانوا به يتفاضلون ويتناضلون ويمدحون ويعابون ، ويتمثلون ويختصمون . وقد عدّ اليعقوبي عدداً كثيراً من شعرائهم(2) .

 

    وكان للعرب حكّام يتحاكمون اِليهم في منافراتهم ومواريثهم ومياههم ودمائهم ، فكانوا يحكّمون اَهل الشرف والصدق والأمانة والرئاسة والسّن والمجد والتجربة ، اِذ لم يكن لهم دين يرجعون الى شرعه . وقد عدّ اليعقوبي عدداً غير قليل من هؤلاء الحكّام القضاة : قضاة التحكيم(3) .

 

    وكانت اَديان العرب مختلفة باختلاف المجاورات لأهل الملل : فدخل قوم من العرب في دين اليهود ، ودخل آخرون في النصرانية ، وتزندق منهم قوم فقالوا بالثنوية : فأمّا من تهوّد منهم فان قوماً من الأوس والخزرج بعد خروجهم من اليمن لمجاورتهم يهود خيبر وقريظة والنضير تهوّدوا ، وتهود قوم من بني الحارث بن كعب وقوم من بني غسّان ، وقوم من جذام ، وانّ


(1) اليعقوبي 1 : 270 ، 271 ط بيروت .

(2) اليعقوبي 1 : 262 ـ 269 .

(3) اليعقوبي 1 : 258 .

(217)

تبّع اليمني حمل حبرين من أحبار اليهود فأبطل الأوثان وتهوّد من باليمن(1) . وأمّا من تنصّر من اَحياء العرب : فقوم من قريش من بني أسد بن عبد العزّى منهم ورقة بن نوفل ، ومن بني تميم ، وبني تغلب ، ومن اليمن طيء ومذحج وبهراء وسليح وتنوخ وغسّان ولخم وتزندق جمع منهم حجر بن عمرو الكندي وغيره(2) .

 

    وروى الكليني في (فروع الكافي) بسنده عن الباقر عليه‏السلام قال : كان في أيديهم أشياء كثيرة من الحنيفية من تحريم الأُمهات والبنات وماحرّم اللّه في النكاح ، اِلاّ انّهم كانوا يستحلون امرأة الأب وابنة الأُخت والجمع بين الأُختين ، وكـان في أيديهم الحج والتلبية والغسل من الجنابة اِلاّ ما أحدثوا في تلبيتهم وفي حجّهم من الشرك(3) .

 

    وروى أيضا بسنده عن الصادق عليه‏السلام قال : انّ العرب لم يزالوا على شيء من الحنيفية : يَصِلون الرحم ، ويقرون الضيف ، ويحجّون البيت ، ويتّقون مال اليتيم ، ويكفّون عـن أشياء من المحارم مخافة العقوبة ، وكانوا يأخذون من لحاء شجر الحرم    فيعلقونه في أعناق الأبل فلا يجترئ أحـد اَن يأخذ من تلك الأبل حيثما ذهبت(4) .

 

 

 


(1) مرّ مفصّل هذا الخبر وعلّقنا عليه بأ نّه منافٍ لما في القرآن الكريم من سبق اليهودية الى اليمن على عهد بلقيس وسليمان أي قبل تبّع هذا بسبعة قرون .

(2) اليعقوبي 1 : 254 ـ 257 .

(3) فروع الكافي 1 : 223 .

(4) فروع الكافي 1 : 223 .

(218)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-15.htm