فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

يثرب بين اليهود والأوس والخزرج :

    نقلنا فيما مرّ رواية المسعودي في سبب انتشار العرب من اليمن بعـد


(1) فروع الكافي 4 : 211 .

(2) وتجده كذلك في سائر كتب اللغة ومنها : المنجد .

(189)

سيل العرم ، ونزول الأوس والخزرج يثرب «المدينة» وهنا ننقل خبر اليعقوبي في ذلك لما فيه من التفصيل الخاص بهذا الصدد : قال اليعقوبي : اِنّ تفرق أهل اليمن في البلاد وخروجهم عن ديارهم كان بسبب سيل العرم ، وكان رئيس القوم عمرو بن عامر بن حارثة بن امرى‏ء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد ، وكان كاهناً ، فتكهن أنّ بلاد اليمن تغرق ، فأظهر غضبه على بعض ولده وباع مرباعه وخرج هو وأهل بيته ، فصاروا الى بلاد «عك» ثم ارتحلوا اِلى «نجران» فحاربتهم مذحج ، ثم ارتحلوا عن نجران فمرّوا «بمكّة» وبها يومئذ «جرهم» فحاربوهم حتّى أخرجوهم عن البلد ، فصاروا الى «الجحفة» ثم ارتحلوا الى «يثرب» فتخلّف بها الأوس والخزرج اِبنا حارثة ابن ثعلبة بن عمرو بن عامر ، ولحق بهما جماعة من الأزد من غير اِبني حارثة فصاروا حلفاء لهم .

 

    وكانت يثرب منازل اليهود ، وكانوا أكثر من الأزد والأوس والخزرج فغلبوهم وقهروهم ، حتّى كان الرجل من اليهود ليأتي منزل الأوسي أو الخزرجي أو الأزدي فلا يمكّنه دفعه عن ماله وأهله(1) ، وكان رجل يقال له «الفطيون» قد تملّك على اليهود فتملّك على الأزد والأوس والخزرج فسامهم سوء العذاب .

    فخرج مالك بن العجلان الخزرجي الى تبّع أبي كرب تبّان أسعد بن ملكليكرب(2) فأعلمه بغلبة قريظة والنضير عليهم(3) فسار أبو كرب اليمني اليهم


(1) اليعقوبي 1 : 203 ، ونؤكّد أيضاً ما قدّمناه في عنوان : مبدأ العرب : 107 .

(2) تبّان أسعد اسم مركب كمعد يكرب ، وتبّان من التبانة بمعنى الفطانة .

(3) اليعقوبي 1 : 197 .

(190)

بجيشه حتّى قتل من اليهود مقتلة عظيمة(1) وخلّف فيهم ابناً له بين اَظهرهم فقتله اليهود ، فزحف اِليهم وحاربهم(2) .

 

    وروى الطبري وابن هشام عن ابن اِسحاق : أنّ تبّان أسعد قد أقبل من قبل المشرق على المدينة وخلّف بين أظهرهم ابناً له فقتل غيلة . فقدِمها مرةً أُخرى لاستئصال اَهلها وهدمها .

 

    وكان في المدينة من أحبار اليهود حبران عالمان راسخان في العلم من بني قريظة أحدهما كعب والآخر أسد ، فلمّا سمعا بما يريده تبّان أسعد من هلاك أهل المدينـة وهدمها جاءا اليه فقالا له : أيّها الملك ! لاتفعل ذلك ، فانك اِن أبيت الاّ ماتريد حيل بينك وبينها ولم نأمن عليك عاجل العقوبة ! فقال لهما : ولِمَ ذلك ؟ فقالا : هي مُهاجَر نبيّ يخرج من هذا الحرم من قريش في آخـر الزمان تكون داره وقراره ! فتناهى عند ذلك عمّا كان يريد بالمدينة .

    وكان تُبّع تبّان أسعد وقومه أصحاب أوثان يعبدونها ، فلمّا سمع منهما ذلك أعجبه فاتّبع دينهما اليهودية وانصرف عن المدينة واصطحبهما معه(3) .

    وروى ابن شهر آشوب في (المناقب) عن ابن اِسحاق : أن تبّع الأول لمّا سار في الآفاق فوصل الى مكّة فلم يعظّمه أهلها ، غضب عليهم ، فقال له وزيره عمياريسا : اِنّهم جاهلون ومعجبون بهذا البيت ! فعزم الملك على أن يخرّب البيت ، فأخـذه اللّه بالصداع وبدأ ينزل من اُذنيه وعينيه وأنفه وفمه


(1) اليعقوبي 1 : 204 .

(2) اليعقوبي 1 : 197 .

(3) تهذيب سيرة ابن هشام 1 : 20 والطبري 2 : 105 .

(191)

ماء نتن ، وعجز أطباؤه عنه ، فلمّا أمسى جـاء عالم من العلماء الّذين كانوا معه الى وزيره واستأذن منه على الملك ، فاستاذن له الوزير ، فلمّا خلا بالملك قـال له : هل أنت نويت في هذا البيت أمراً ؟ قال : أجل ، فقال العالم : تُبْ من ذلك ولك خير الدنيا والآخـرة ! فقال : قد تبت ممّا كنت نويت . فعوفي في الساعة ! فآمن باللّه وبإبراهيم الخليل ، وخلع على الكعبة سبعة أثواب . وهو أول من كسا الكعبة .

 

    ثمَّ خرج الى يثرب ـ وهي أرض فيها عين ماء ـ فاعتزل أربعمائة عالم من الذين كانوا معه وجاؤا الى باب الملك وقالوا : اِنّا خرجنا من بلداننا وطفنا معك زماناً حتّى جئنا الى هذا المكان ، والآن نحن نريد المقام هنا الى آخر أعمارنا ! فسـألهم الوزير عن حكمة ذلك ؟ قالوا : أيّها الوزير ! اِنّ شرف البيت بمكة بشرف محمد صاحب القبلة اِليها وصاحب القرآن والمنبر واللواء ، مولده بمكّة وهجرته اِلى ها هنا ، وإنّا على رجـاء اَنْ ندركه أو يدركه أولادنا ! فلمّا سمع الملك ذلك أذن لهم وبنى لهم دوراً(1) .

    وهذا الخبر واِن لم يصرح بكـون العلماء الذين كانوا مع تبّع اليمنيّ الأوّل يهودا فالظاهر منه أ نّهم كانوا يهوداً وأنّ نبأهم بمولد رسول اللّه ومهاجره كـان من بشائر شريعة موسى عليه‏السلام وأيضاً لم ينص الخبر على يهودية تبّع بل فيه أ نّه لمّا تاب ممّا كان قد نواه من هدم البيت وعوفي آمن باللّه وبابراهيم الخليل ، لكن يظهر من اصطحابه لعلماء اليهود مكرماً لهم سامعاً منهم أنّ المقصود بإيمانه باللّه انّه كان قبل ذلك فاسقاً غير مؤمن في العمل بدينه . وعلى هذا فهذا الخبر أكثر انسجاماً مع ما أخبر به القرآن


(1) المناقب 1 : 15 ط قم المقدسة .

(192)

الكريم من سبق اليهودية الى اليمن على عهد بلقيس وسليمان وهم قبل تبّع بسبعة قرون تقريباً ، بينما الخبر المعروف في أكثر التواريخ بأن تبّع الأول كان أوّل من آمن باليهودية بدعوة علماء اليهود في مدينة يثرب وأنه أوّل من دعا أهل اليمن الى ذلك ، لا يوافق كتاب اللّه كما يأتي .

 

    بل روى الصدوق عن ابن عباس انّه كان يقول : لايشتبهنّ عليكم أمر تبّع فإنه كان مسلماً ، وروي عن الصادق عليه‏السلام أ نّه قال : إنّ تبّع قال للأوس والخزرج : كونوا ها هنا حتّى يخرج هذا النبي ، فأمّا أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه(1) .

    وروى الطبرسي عن سهل بن سعد عن النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله أ نّه قال : لاتسبّوا تبعاً فإنّه كان قد أسلم(2) .

 

    فقرّب النفر الّذين أشاروا عليه من هذيل فقطّع أيديهم وأرجلهم ، ثم مضى حتّى قدم مكّة ، فطاف بالبيت وحلق رأسه ، وأقام بمكّة ستة أيام ينحر بها للناس ويطعم أهلها ويسقيهم .

 

    وأمره ولاة البيت من جرهم بتطهيره ، وأن لايقرّبوه دماً ولا ميتة ، وجعل له باباً ومفتاحاً ، وكسـاه ثياباً يمنية . ثمّ خرج متوجهاً الى اليمن بمن معه من جنوده والحبرين .

    فلمّا وصل الى اليمن دعا قومه الى الدخول في اليهودية . وكانت باليمن نار يتحاكمون اِليها فيما يختلفون فيه ، فتأكل الظالم ولا تضرّ المظلوم . فأبوا عليه اليهودية حتّى يحاكموه الى النار . فخرج رجال من قومه بأوثانهم


(1) اِكمال الدين : 168 ط النجف .

(2) مجمع البيان 9 : 66 ، وبه قال البيضاوي في أنوار التنزيل 2 : 419 .

(193)

ومايتقرّبون به في دينهم حتّى قعدوا للنار عند مخرجها الّتي تخرج منه ، وخرج الحبران متقلّدين مصاحفهما في اَعناقهما حتّى قعدوا عند مخرج النار ، فخرجت النار اِليهم فأكلت الأوثان وماقربوا معها ومن حملها من رجال حمير ، ولمّا أقبلت نحو الحبرين هابوها وحادوا عنها ، فذمرهم من حضرهم من الناس وأمروهم بالصبر لها ، فصبروا حتّى غشيتهم ، وخرج الحبران بمصاحفهما في أعناقهما تعرق جباههما ولم تضرّهما . فأجمعت عند ذلك حمير على اليهودية .

 

    فكذلك كان أصل اليهودية باليمن(1) .

    ولا يظهر من خبر تبّع تبّان أسعد بن كليكرب هذا وتهود اليمن معه أكان قبل نسخ اليهودية بشريعة عيسى عليه‏السلام أو بعد ذلك ، اِلاّ انّه كان بعد بلقيس وسليمان بن داود ـ وهو من أنبياء بني اِسرائيل بعد موسى ـ كان بعدهم بسـبعة قرون تقريباً كما في التواريخ ، وبعد تبّع تبّان أسعد هذا بمدة غير قصيرة اِستولى على اليمن الثالث من أولاده بعد حسّان وعمرو : زرعة ابن تبّان أسعد ، يكنى ذا نؤاس ، وشاع أتباع دين المسيح عليه‏السلام على عهده في مدينة نجران ، فجعل يطلبهم ويحرّقهم بالاخدود . وروى ابن هشام عن ابن

(1) تهذيب سيرة ابن هشام 20 ، 21 . والطبري 2 : 105 ـ 108 كذا ، وتبّع هذا هو الملك العشرون من ملوك اليمن المعروفين المعدودين في كتب التاريخ ، والعاشر هي بلقيس ثمّ سليمان بن داود ثم ابنه أرحبعم بن سليمان . وسليمان من أنبياء بني اِسرائيل من بعد موسى ، والبعد الزمني بين بلقيس وسليمان وتبّع هذا حسب كتب التأريخ سبعة قرون تقريباً ، ومعنى هذا أنّ اليمن كانت مسبوقة باليهودية كما حكى القرآن الكريم «

(194)

اِسحاق(1) والطبري عنه وعن الكلبي(2) : انّ زرعة ذا نؤاس تهوّد فتسمّى يوسف والتبس هذا على المسعودي فذكره : يوسف ذو نؤاس بن زرعة(3) .

 

 

أصحاب الاخدود :

    روى القميّ في تفسيره بسنده عن عطاء عن ابن عباس : أنّ ذا نؤاس ـ وهو آخر من ملك اليمن من حمير ـ تهوّد ، واجتمعت معه حمير على اليهودية ، وسمّى نفسه يوسف ، وأقام على ذلك حيناً من الدهر . ثمّ أخبر أنّ بنجران بقايا قوم على دين النصرانية ، وكانوا على دين عيسى عليه‏السلام وعلى حكم الانجيل ورأس ذلك الدين : عبد اللّه بن بريا(4) فحمله أهل دينه على


(1) سيرة ابن هشام 1 : 31 ، 32 .

(2) الطبري 2 : 119 .

(3) مروج الذهب 2 : 52 .

(4) تفسير القميّ : 2 : 414 . وروى العياشي في تفسيره بإسناده عن جابر عن الامام الباقر عليه‏السلام أ نّه قال : أرسل علي عليه‏السلام الى اُسقف نجران يسأله عن أصحاب الاخدود ، فأخبره بشيء : فقال عليه‏السلام : ليس كما ذكرت ، ولكن ساخبرك عنهم : اِنّ اللّه بعث رجلاً حبشياً نبيّاً ـ وهم حبشية ـ فكذبوه فقاتلهم فقتلوا أصحابه وأسروهم وأسروه ثمَّ بنوا له حيراً ثم ملؤوه ناراً ، ثمَّ جمعوا الناس فقالوا : من كان على ديننا وأمره فليعتزل ، ومن كان على دين هؤلاء فليرم نفسه في النار ! فجعل أصحابه يتهافتون في النار ! فجاءت امرأة معها صبيّ لها ابن شهر ، فلمّا هجمت هابت ورقّت على ابنها ، فنادى الصبيّ لاتهابي وارميني ونفسك في النار ، فانّ هذا ـ واللّه ـ في اللّه قليل ! فرمت بنفسها في النار وصبيّها .

    رواه العلامة الطباطبائي في تفسيره ثم قال : ورواه السيوطي في الدر المنثور عن علي عليه‏السلام بطريقين وعن الحسن عليه‏السلام أيضاً (الميزان 20 : 257) .

    وروى ذيل الخبر عن المرأة وطفلها المسعودي في (مروج الذهب 2 : 78) .

    وروى الطبرسي في (مجمع البيان) عن سعيد بن جبير : أنّ اهل اسفندهان كانوا مجوساً فلمّا انهزموا قال عمر : ماهم يهود ولا نصارى فليسوا من أهل الكتاب . فقال علي عليه‏السلام : بلى قد كان لهم كتاب رفع ، وذلك أنّ ملكاً لهم سكر فوقع على ابنته أو قال : على اخته فلمّا أفاق قال لها : كيف المخرج ممّا وقعت فيه ؟ قالت : تجمع أهل مملكتك وتخبرهم أ نّك ترى نكاح البنات وتأمرهم أنْ يحلّوه ! فجمعهم فأخبرهم ! فأبوا أنْ يتابعوه ، فخدّ لهم اُخدوداً في الأرض ، وأوقد فيه النيران وعرضهم عليها فمن أبى قبول ذلك قذفه في النار ، ومن أجاب خلّى سبيله . رواه الطباطبائي . . . في (الميزان 20 : 256) ثمّ قال ورواه السيوطي في (الدرالمنثور) .

    وقيل : انّ الذين خدّوا الاخدود ثلاثة : تبّع صاحب اليمن ، وقسطنطين بن هلائي حين صرف النصارى عن التوحيد الى عبادة الصليب ، ونبوخذنصر ملك بابل حين ادعى الربوبية وأمر الناس أن يسجدوا له فامتنع دانيال وأصحابه ، فألقاهم في النار ! نقله محققو سيرة ابن هشام 1 : 32 .

    واحتمل التعدد العلامة الطباطبائي في تفسيره (الميزان 2 : 257) .

    وقال السيد هاشم الحسني في كتابه (سيرة المصطفى : 22) «ذلك ـ ويقصد به خبر اخدود اليمني ـ جاء في بعض التفاسير ولكن لاتُؤكده التفاسير الموثوقة ، وليس بعيداً أنْ يكون من الاسرائيليات التي أدخلها كعب الأحبار وأمثاله» .

    من هنا يظهر انّ السيد الحسني سامحه اللّه لم يحسن النظر في روايات أخبار القصّة ، والاّ فليس في طريق أيّ رواية من أخبارها كعب الأحبار وأمثاله ، نعم اِحدى روايات ابن اِسحاق تنتهي الى وهب بن منبّه اليماني ، وهو مثل كعب الأحبار ، ولكنّ هذا الخبر لايتناسب أن يعدّ من الاسرائيليات ، فانّه ليس لصالح بني اِسرائيل واليهود بل لصالح النصارى على اليهود ، فكيف يكون من الإسرائيليات ؟ !

(195)

اَنْ يسير اليهم ويحملهم على اليهودية ويدخلهم فيها ، فسـار حتّى قدم نجران ، فجمع من كـان بها على دين النصرانية ثمّ عرض عليهم دين

(196)

اليهودية والدخول فيها ، فأبوا عليه ، فجادلهم وحرص الحرص كله فأبوا عليه وامتنعوا من اليهودية والدخول فيها واختاروا القتل فخدّ لهم اخدوداً جعل فيه الحطب وأشعل فيه النار ، فمنهم من أحرق بالنار ومنهم من قتل بالسيف ، ومثّل بهم كلّ مُثلة . فبلغ عـدد من قتل وأحرق بالنار عشرين الفاً .

 

    وأفلت منهم رجل يدعى دوس ذو ثعلبان على فرس له(1) . ـ أو جبار ، أو حيار ، أو حيّان ، ابن فيض ، أو قيض(2) ـ حتّى قدم على صاحب الروم فأخبره بما بلغ ذو نؤاس منهم ، واستنصره عليه . فقال له قيصر : بعدت بلادك من بلادنا ونأت عنّا ، فلا نقدر على اَنْ نتناولها بالجنود ، ولكنّي سأكتب لك الى ملك الحبشة ـ فانّه على هذا الدين وهو أقرب الى بلادكما منّا ـ فينصرك . وكتب معه قيصر الى ملك الحبشة يأمره بنصرهم على من بغى عليهم . هذا على رواية ابن اِسحاق(3) .

    وعلى رواية هشام الكلبي : قدم على ملك الحبشة رأساً ، ومعه إنجيل قد أحرقت النار بعضه ، فأعلمه ما ركبه ذو نؤاس منهم . فقال له : الرجال عندي كثير وليست عندي سفن ، وأنا كاتب الى قيصر أنْ يبعث اليَ بسفن أحمل فيها الرجال . فكتب الى قيصر بذلك وبعث اليه بالإنجيل المحرّق . فبعث اِليه قيصر بسفن كثيرة(4) .

 



(1) تفسير القميّ 2 : 414 ط النجف الأشرف .

(2) الطبري 2 : 137 .

(3) الطبري 2 : 124 .

(4) الطبري 2 : 124 .

(197)

    فوجّه النجاشي الى اليمن أربعة آلاف رجل عليهم أرياط بن أصحمة(1) فعبرت الحبشة الى اليمن من بلاد ناصع والزّيلع ـ وهو ساحل الحبشة ـ الى بلاد غلافقة من ساحل زبيد من أرض اليمن(2) وعرض البحر بين الساحلين : مسيرة ثلاثة أيام ، وهو أقل المواضع في البحر عرضاً ، وبين الساحلين جزيرة الى جانب الحبشة تسمّى سقطرة ، واُخرى الى جانب اليمن تسمّى العقل(3) .

 

    فسار اِليهم ذو نؤاس ، فلمّا التقوا افترق قومه وانهزموا بعد حروب طويلة ، فلمّا رأى ذو نؤاس ضرب فرسه فاقتحم به البحر فأغرق نفسه خوفاً من العار(4) .

 

    وهو الّذي أخبر اللّه تعالى عنه في كتابه فقال : « قتل أصحاب الاُخـدود النار ذات الوقود اِذْ هم عليها قعـود وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهـود ومانقموا منهم اِلاّ أنْ يؤمنوا باللّه العزيز الحميد الّذي له مـلك السموات والأرض واللّه على كلّ شيء شهيد »(5) .

 



(1) الطبري 2 : 132 بخمسة أسانيد عن ابن عباس وعطاء بن يسار وغيرهما . وذكر العدد عن الكلبي وابن اِسحاق سبعين ألفاً والأول أوفق بوسائط النقل القديمة قطعاً ، والثاني أبعد جداً . أما الاسم : أرياط بن أصحمة ، فهو كما في تهذيب سيرة ابن هشام 1 : 24 ومروج الذهب 2 : 52 ، وفي اليعقوبي 1 : 200 : أرياط فقط.

(2) مروج الذهب 2 : 52 .

(3) مروج الذهب 1 : 439 .

(4) تهذيب سيرة ابن هشام 1 : 24 واليعقوبي 1 : 199 ومروج الذهب 2 : 52 .

(5) البروج 4 : 9 . وورد خبره في سيرة ابن هشام عن ابن اسحاق 1 : 37 . وفي الطبري عنه أيضاً 2 : 123 ، وعن هشام الكلبي 2 : 19 . واليعقوبي 1 : 200 . والمسعودي 2 : 51 . وكان هذا بدء نفوذ الأحباش النصارى في اليمن وتهامة وماجاورها سنة 525 م .

(198)

 

أرياط أو أبرهة :

    روى ابن هشام(1) والطبري(2) عن ابن اِسحاق ، وعن غيره بخمسة طرق(3) واليعقوبي(4) والمسعودي(5) : أنّ الذي بعثه النجاشي على الأحباش الى اليمن هو أرياط بن أصحمة . وأ نّه أقام باليمن في سلطانه سنين ، ثّم نازعه في أمر الحبشة باليمن اَبرهة الحبشي ، وكان في جنده ، حتّى تفرّقت الحبشة عليهما ، فانحاز اِلى كلّ واحدٍ منهما طائفة منهم ، واستعدوا للحرب بينهم(6) .

    وروى الطبري بالطرق الخمسة : انّ أرياط لمّا غلب على اليمن أعطى الملوك ـ ويعني بهم شيوخ العشائر والقبائل اليمنية ـ واستذل الفقراء . فقام رجل من الحبشة يقال له : اَبرهة أبو يكسوم ، فدعا الى طاعته فأجابوه ، فقاتل أرياط(7) .

 

    وروى عن هشام الكلبي : أنّ النجاشي لمّا بلغه ماكان من ذي نؤاس جهّز اِليه سبعين ألفاً عليهم قائدان : أحدهما اَبرهة ـ ولم يذكر الآخر ـ فلمّا


(1) سيرة ابن هشام 1 : 41 .

(2) الطبري 2 : 125 .

(3) الطبري 2: 137.

(4) اليعقوبي 1 : 173 .

(5) مروج الذهب 2 : 78 .

(6) الطبري 2 : 128 .

(7) الطبري 2 : 137 .

(199)

صاروا الى صنعاء ورأى ذو نؤاس اَنْ لا طاقة له بهم ركب فرسه واقتحم البحر فكان آخر العهد به ذلك . وأقام اَبرهة ملكاً على اليمن ، ولكنّه لم يبعث الى النجاشي بشيء فقيل للنجاشي : إنّه قد خلع طاعتك ورأى أ نّه استغنى بنفسه عنك . فوجه اِليه جيشاً عليه رجل من أصحابه يقال له : أرياط فلمّا حلّ بساحته بعث اِليه اَبرهة : أنه يجمعني واِياك البلاد والدين ، والواجب عليَ وعليك اَنْ ننظر لأهل بلادنا وديننا ممّن معي ومعك ، فإن شئت فبارزني ، فأيّنا ظفر بصاحبه كان الملك له ، ولم تقتل الحبشة فيما بيننا ؟ ! فرضي أرياط بذلك ، فاتّعدوا موضعاً يلتقيان فيه .

 

    وعزم ابرهة على المكر بأرياط فأكمن له عبداً له يقال له : ارنجدة ، في وهدة قريبة من الموضع الّذي التقيا فيه ، فلمّا التقيا سبق أرياط فطعنه بحربته يريد رأسه ، وزالت الحربة عن رأس ابرهة ولكنها شرمت أنفه ، فلُقّب بالأشرم من ذلك . ونهض ارنجدة من الحفرة فزرَق بحربته المزرَاق رأس أرياط فأنفذها فيه فقتله بها . وكتب الى النجاشي بما رضي به عنه وأقرّه على عمله(1) .

وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون اللّه » (النمل : 24) لا الأوثان والعجب اَنْ لم اَجد من المؤرخين من تنبّه لذلك أو تعرض له .


فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-13.htm