فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

سائر ملوك الحيرة ومصيرها :

    قال المسعودي : «ثم ملك الحيرة جماعة من الفرس ، حتى بلغ عدد الملوك بالحيرة ثلاثة وعشرين ملكاً من بني نصر وغيرهم من العرب والفرس ، وكان مدّة ملكهم ستمائة واثنتين وعشرين سنة وثمانية أشهر . وبدأ عمران الحيرة من أوائل المائة الثانية من هؤلاء الملوك فكان عمرانها من

(177)

بدوه اِلى أن بنيت الكوفة فتناقص عمرانها : خمسمائة وبضعاً وثلاثين سنة(1) ، ثمّ لم يزل عمرانها يتناقص اِلى أيام المعتضد حيث استولى عليها الخراب . وكان جماعة من خلفاء بني العباس كالسفّاح والمنصور والرشيد وغيرهم ينزلونها ويطيلون المقام بها ، لطيب هوائها وصفاء جوهرها وصحة تربتها وصلابتها ، وقرب الخورنق والنجف منها . وقد كان فيها أديرة كثيرة فيها كثير من الرّهبان ، فلمّا تداعى الخراب اِليها لحقوا بغيرها . قال المسعودي «وهي في هذا الوقت ليس بها إِلاّ الصدى والبوم»(2) .

 

 

غساسنة الشام :

    وفي القرن الخامس الميلادي هاجرت جماعات مـن أطراف الجزيرة الى جهة شمالها الغربي بجوار حدود المملكة الرومية فأسّسوا دولة الغساسنة الّتي كانت تحت حماية الاُمراء الروميين تبعاً للقسطنطينية ، كما كان حكام الحيرة عمّالاً لملوك الفرس .

    وتحضّرت دولة الغساسنة نوعاً ما ، فهي كانت تجاور «دمشق» من ناحية ومدينة «بصرى» التأريخية من ناحية اُخرى ، فهي كانت تحت تأثير الحضارة الرومية . وبما أنّ الغساسنة كانوا في خلاف مع مناذرة الحيرة اللَخَميّين ومن ورائهم الفرس ، لذلك كانوا يوالون الرومانيين . وقد بلغ عدد


(1) وروي في الطبري عن الكلبي : اَنّ الحيرة بنيت مع الأنبار على عهد بختنصّر (نبوخذنصر) فلمّا هلك بختنصر تحول أهلها اِلى الأنبار فخربت الحيرة ، اِلى أنْ عمّرت الحيرة مرة أخرى باتخاذ عمرو بن عدي اللخمي اِياها منزلاً لنفسه ، فعمرت الحيرة خمسمائة وبضعاً وثلاثين سنة اِلى أن وضعت الكوفة ونزلها الاسلام (الطبري 2 : 43)

(2) مروج الذهب 2 : 81 ط 2 .

(178)

اُمرائهم بضعة عشر رجلاً ، واليك تفصيل خبرهم :

 

 

ملوك الشام من اليمن :

    قـال المسعودي : «وتفرّقت قبائل العرب لما كان بمأرب فسارت غسّان الى الشام(1) ، وهم من ولد مازن بن الأزد ، واِنّما غسّان ماء لم يزل عمرو بن عامر حين خرج من مأرب مقيماً على هذا الماء ، وهو مابين زُبيد ورمَعَ وادي الأشعريين بأرض اليمن .

    وكانت قضاعة بن مالك بن حمير بن سبأ أوّل من نزل الشام من عرب اليمن ، واتّصلوا بملوك الروم ودخلوا في النصرانية ، فملّكوهم على من بالشام من العرب . وأوّل من ملك منهم النعمان بن عمرو بن مالك ، ثم ملك بعده عمرو بن النعمان بن عمرو ، ثم ملك بعده الحواري بن النعمان .

    ثمّ وردت سليح من قضاعة أيضا الشام فغلبت على تنوخ من قضاعة وتنصّرت فملّكها الروم على العرب الّذين بالشـام ، وهم ولد سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة أيضاً .

    فلمّا سارت غسّان الى الشام غلبت على من بالشام من العرب فملكها الروم على العرب ، فكان أوّل ملك من ملوك غسّان بالشام : الحارث بن عمرو بن عامر بن حارثة ، ثم ملك بعده الحارث بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو بن عامر بن حارثة ، وملك بعده النعمان بن الحارث بن جبلة بن


(1) هذا ، وقد سبق آنفاً أن هجرتهم كانت في القرن الخامس الميلادي ، أي بعد سيل العرم بعديد من القرون ، فالتاريخ الأثري اي المستند على المكتشف من آثارهم لا يدل على أسبق من ذلك .

(179)

الحارث بن ثعلبة ، ثم ملك بعده المنذر بن الحارث بن جبلة بن ثعلبة بن جفنة بن عمرو ، ثمّ ملك بعده عوف بن المنذر ، ثمّ ملك بعده الحارث بن المنذر ، وكان هذا على عهد بعثة رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله ودعاه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الى الإسلام ورغّبه فيه ولم يسلم ، وملك بعده جبلة بن الأيهم بن جبلة بن الحارث ، وهو الّذي أسلم وارتد عن دينه خوف العار والقَوَد . فجميع مَن ملك مِن ملوك غسّان بالشام أحدَ عشرَ ملكاً ، وكانت ديار ملوك غسّان باليرموك والجولان وغيرهما من غوطة دمشق واعمالها ، ومنهم من نزل الأردن من أرض الشام(1) .

 

    وقال اليعقوبي : «كانت قضاعة أوّل من قدم الشام من العرب ، فصارت الى ملوك الروم ودخلوا في النصرانية فملّكوهم فكان أوّلهم : تنوخ ابن مالك بن فهم بن تيم اللّه بن الأسد بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة .

 

    ثم ورد بنو سليح بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة الى الشام فغلبوا على تنوخ من بني قضاعة ، ودخلوا في ذمة الروم وتنصّروا وأقاموا على ذلك . فلمّا تفرقت الأزد بسيل العرم وصار من صار منهم الى تهامة ، ومن صار الى يثرب ، ومن صار الى عمان ، صارت غسّان الى الشام فقدموا أرض البلقاء »(2) .

    وقال اليعقوبي : «فسأل بنو غسّان بني سليح أنْ يدخلوا معهم فيما دخلوا فيه من طاعة ملك الروم ، وأنْ يقيموا في بلادهم لهم مالهم وعليهم


(1) مروج الذهب 2 : 83 ـ 86 ط بيروت .

(2) اليعقوبي 1 : 206 ط بيروت .

(180)

ماعليهم . فكتب رئيس سليح وهو يومئذ «دهمان بن العِمْلَق» الى ملك الروم ، وهو يومئذ «نوشر» وكان منزله بانطاكية ، فأجابهم الى ذلك بشروط (منها دفع أتاوة يقبضها ملك الروم) فأقاموا بذلك أزمانا حتّى وقعت بين رجل من غسان يقال له «جذع» ورجل من أصحاب ملك الروم مشاجرة على الأتاوة حتّى ضرب الغسّاني الرومي بسيفه فقتله .

 

    فحمل عليهم صاحب الروم من قبل ملك الروم بجماعة من العرب من قضاعة ، فأقاموا مليّا يحاربونه ببصرى من أرض دمشق ، ثم صاروا الى «المخفق» فلمّا رأى ملـك الروم صبرهم على الحرب ومقاومتهم جيوشه كره اَنْ تكون ثلمة عليهم ، وطلب القوم الصلح على اَنْ لايكون عليهم ملك من غيرهم ، فأجابهم ملك الروم الى ذلك ، وكان رئيس غسّان يومئذ «جفنة بن علية بن عمرو بن عامر » ، فملّك عليهم ، وتنصّرت غسان ، واستقام الّذي بينهم وبين الروم وصارت اُمورهم واحدة ، فأقاموا بالشام مملكة من قبل صاحب الروم .

    وكان أوّل ملك جلّ قدرهُ وعلا ذكره من غسّان بعد جفنة بن علية : الحارث بن مالك بن الحارث بن غضب بن جشم بن الخزرج بن حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن ثعلبة بن حارثة . وملك بعده : الحارث الأكبر ابن كعب بن علية بن عمرو بن عامر . ثمّ ملك أخوه الحارث الأعرج بن كعب فنزل الجولان . ثمّ ملك أخوه الحارث الأصغر ، ثمّ ملك . جبلة بن المنذر . ثمّ ملك الحارث بن جبلة . ثمّ ملك الأيهم بن جبلة . ثم جبلة بن الأيهم»(1) .



(1) اليعقوبي 1 : 206 ، 207 ط بيروت .

(181)

    والحارث بن جبلة منهم هو الّذي وقعت بينه وبين المنذر بن امرى‏ء القيس اللخمي المعركة الهائلة في «قنسرين» فكان من جرائها قتل المنذر ودخول «قنسرين» في حوزة الحارث بن جبلة ، فأعجب الروم بشجاعته وهابوا سطوته فبالغوا في ترقيته وتقريبه والخلع عليه ، ومنحه الامبراطور جوستينان سنة 529 م لقب (البطريرك) . وغزا الفرس بلادهم سنة 614 م فاستولوا على اورشليم ودمشق الشام فانحط أمرهم(1) .

 

    وذكر المسعودي من أواخر ملوك غسّان : الحارث بن المنذر وقال : وكـان هذا على عهد بعثة رسول اللّه ، ودعاه النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم الى الإسلام ورغّبه فيه فلم يسـلم . وملك بعده جبلة بن الأيهم بن جبلة ، وهو الّذي أسلم وارتد عن الإسلام خوف القَوَد والعار(2) وذلك أنّ رجلاً فزاريا وطأ ازاره ، وكان الخليفة الثاني قد أحسن وفادته ورفع من شأنه ووضعه في مرتبة المهاجرين الأولين ، فلطم الفزاري على رأسه ، فشكاه الفزاري الى الخليفة فلمّا أحسّ بانّ الخليفة سيقتصّ منه للفزاريفرّ الى القسطنطينية .

 

    وروى اليعقوبي في حوادث السـنة الثالثة عشرة في بداية خلافة الخليفة الثاني : « أنّ جبلة بن الأيهم الغساني كان في ثلاثين الفاً من قومه مع الروم في وقعة اليرموك ، فلمّا انهزم الروم في اليرموك رجعوا الى مواضعهم ، فأرسل اِليه يزيد بـن أبي سفيان : أن اقطع على أرضك بالخراج والجزية ، فأبى وقال : أنا رجل من العرب ، وانّما يؤدي الجزية العلوج !(3) وأتى جبلة


(1) سيرة المصطفى : 17 .

(2) مروج الذهب 2 : 84 ، 85 ط بيروت .

(3) اليعقوبي 1 : 142 ط بيروت .

(182)

الى الخليفة فقـال له : خُذ منّي الصدقة ـ يعني الزكاة ـ كما تصنع بالعرب ؟ قال : بل الجزية ـ اِذ لم تسلم ـ والاّ فالحق بمن هو على دينك ، يريد الروم . فخرج جبلة في ثلاثين الفاً من قومه وهم نصارى حتّى لحق بأرض الروم . فندم عمر على ماكان منه في أمر جبلة وقومه »(1) .

 

 

ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام :

    بدأ اليعقوبي في أواخـر الجزء الأول من تاريخه فصلاً بهذا العنوان وقال فيبدايته «واِنّما أخّرنا خبر اِسماعيل وولده وختمنا بهم أخبار الاُمم ، لأن اللّهَ ـ عزّوجلّ ـ ختم بهم النبوة والملك ، واتصل خبرهم بخبر رسول اللّهِ صلى‏الله‏عليه‏و‏سلم »(2) وكذلك فعلنا نحن : وقد سبق نقل مقال المسعودي اِذ قال : الواضح من أَنساب اليمن وما تدين به كهلان وحمير أبناء قحطان إِلى هذا الوقت قولاً وعملاً ، وينقله الباقي عن الماضي والصغير عن الكبير ، والّذي وجدت عليه التواريخ القديمة للعرب وغيرها من الامم ، وعليه وجدت الأكثر من شيوخ ولد قحطان من حمير وكهلان بأرض اليمن والتهائم والأَنجاد ، وبلاد حضرموت والشحر والأحقاف ، وبلاد عمان وغيرها من الأمصار : أنّ الصحيح في نسب قحطان : أ نّه قحطان بن عابر بن شالخ بن قينان بن أرفخشد بن سام بن نوح ، وقد كان لعابر ثلاثة أولاد : فالغ وقحطان وملكان وولد لقحطان أحد وثلاثون ذكراً منهم يعرب بن قحطان ، وكان قحطان سريانيّ اللسان ، وقد ثبت اَنّ قحطان هو يقطن بالسريانية
ط النجف .


(1) اليعقوبي 1 : 137

(2) اليعقوبي 1: 221 ط بيروت.

(183)

واِنّما عرب فقيل : قحطـان وزعم الهيثم بـن عدي : اَن جُرهم بن عابر بن سبأ بن يقطن ، هو قحطان(1) .

 

    وتكلّم يعرب وجُرهم وعاد وثمود وعملاق ووبار وعبيل وجديس وعبد ضخم بالعربية فسار يعرب بن قحطان من بابل حتّى حلّ باليمن(2) . وسار عبد ضخم بن اِرم بن نوح بولده ومن تبعه فنزلوا «الطائف» وسار جرهم بن قحطان بولده ومن تبعه وطافوا البلاد حتى أتوا «مكّة» فنزلوها(3) .

 

    وقال عند ذكره أخبار مكّة وبناء البيت ومن تداوله من جرهم وغيرها : اِن جرهم بادروا نحو مكّة وعليهم الحارث بن مضاض بن عمرو ابن سعد بن الرقيب بن ظالم بن هيني بن نبت بن جرهم ، حتّى أتوا الوادي ونزلوا مكّة واستوطنوها مع اِسماعيل .

 

    وقال قبل هذا : اِنّ بني كركر وعليهم السميدع بن هوبر بن لاوي بن قيطور بن كركر بن حيدان ، عدمت الماء والمرعى واشتد بها الجهد ، فيممت نحو تهامة يطلبون الماء والمرعى والدار الخصبة ، فأشرف روّادهم وهم المتقدمون منهم لطلب الماء على الوادي فنظروا الطير ترتفع وتنخفض ، فهبطوا الوادي ونظروا اِلى العريش على الربوة الحمراء الّذي اتّخذته هاجر ليكون مسكناً لها وفيه هاجر واِسماعيل ، وقد زمّت حول الماء بالأحجار ومنعته من الجريان فسلّم الروّاد عليها واستأذنوها في نزولهم وشربهم من


(1) مروج الذهب 2 : 45 ونؤكّد هنا ما قدّمناه في عنوان : مبدأ العرب ، ص : 107 .

(2) مروج الذهب 2 : 110 .

(3) مروج الذهب 2 : 121 و 122 .

(184)

الماء ، فأنست اِليهم وأذِنت لهم في النزول . فتلقوا من وراءهم من أهليهم وأخبروهم خبر الماء ، فنزلوا الوادي مطمئنين مستبشرين بالماء ، وبما أضاء الوادي من نور النبوة وموضع البيت الحرام فرحين ، وتكلّم اِسماعيل بالعربية خلاف لغة أبيه .

 

    فقيل في بني كركر هؤلاء : اِنّهم من جُرهم ، وقيل اِنهم من العماليق ، وانّ جرهم تسامعت ببني كركر ونزولهم الوادي ومافيه من الخصب وإدرار الضرع فبادروا نحو مكّة(1) واسـتوطنوها مع اِسماعيل ، وتزوج اِسماعيل : سامة بنت مهلهل بن سعد بن عوف بن هيني بن نبت بن جرهم .

    وعاش اِسماعيل مائة وسـبعا وثلاثين سنة ، وولد له اثنا عشر ولداً ذكراً وهم : نابت ، وقيدار ، وأدبيل ، وميشام ، ومشمع ، ودوما ، ودوام ، ومشا ، وحدّاد ، وثيما ، ويطور ، ونافش ، وكل هؤلاء قد انسل .

    وقبض اِسماعيل وله مائة وسبع وثلاثون سنة ، فدفن في المسجد الحرام حيال الموضع الّذي فيه الحجر الأسود(2) .

    وقال اليعقوبي : اِنّ ولد جرهم بن عامر لمّا صار أخوتهم من بني قحطان بن عامر(3) اِلى اليمن فملّكوا ، صاروا هم اِلى أرض تهامة فجاوروا

(1) لا يخفى انّ هذا خلاف مامر من خبر القمي في تفسيره عن الصادق

(2) كذا في مروج الذهب 2 : 19 ـ 21 وسيأتي الصحيح عن اليعقوبي اَنه دفن في الحجر ، ولذلك سمّي حجر اِسماعيل ، لاحيال الحجر الأسود . ولعل الأسود زيادة تحريف من النساخ .

(3) كذا ، وقد مرّ تأكيد المسعودي في نسب قحطان : أ نّه قحطان بن عابر ، وأنّ جرهم هو ابن قحطان . وفي موضع آخر ان جرهم هو الجد الثامن للحارث بن مضاض الجرهمي الّذي نزل ببني جُرهم بمكّة . وهو الصحيح الّذي يدلّ عليه مامرّ من خبر علي بن اِبراهيم القميّ عن الصادق عليه‏السلام ، في تفسيره : 1 : 61 .

(185)

اِسماعيل بن اِبراهيم . فتزوج اِسماعيل : الحنفاء بنت الحارث بن مضاض الجرهمي ، فولدت له اثني عشر ذكراً» ثمّ ذكر أسماءهم فقال «وهذه الأسماء تختلف في الهجاء واللغة لأ نّها مترجمة من العبرانية» ثمّ قال : فلمّا كملت لإِسماعيل مائة وثلاثون سنة توفي فدفن في الحجر .

 

    فلمّا توفي اسماعيل وليَ البيت بعده نابت بن اِسماعيل . ثم افترق ولد اِسـماعيل فمنهم من افترق في البلاد يطلبون السعة وهم الكبار منهم ، وكان من بقي منهم في الحرم من ولد اِسـماعيل صغاراً فوليَ البيت المضاض بن عمرو الجرهمي جدّ ولد اِسماعيل . ولم يكن أحد يقوم بأمر الكعبة في اَيام جرهم غير ولد اِسماعيل وكانت جرهم في اَيّامها تطيعهم ، تعظيماً منهم لهم ومعرفة بقدرهم ، غيرَ انّ ولد اِسماعيل كانوا يسلمون ملك مكّة لجرهم للخؤولة .

    فقام بأمر الكعبة بعـد نابت أمين ثمّ يشجب بن أمين ثم الهميسع ثمّ اُدد ثمّ عدنان بن اُدد ثمّ معدّ بن عدنان ، ثمّ نزار بن معد ، ثم إياد(1) ثم خرجت ولايـة البيت من أيديهم الى خزاعة(2) ، وسنذكر خبرهُ فيما يأتي . هذا ماقاله اليعقوبي بشأن الجمع بين ولاية البيت وملك مكّة .

    وقـال المسعودي : لمّا قبض اِسماعيل قام بالبيت بعده نابت بن اِسماعيل ، ثم غلبت جرهم على ولد اِسماعيل من بعد نابت فقام بأمر البيت


(1) اليعقوبي 1 : 221 ـ 226 ط بيروت .

(2) اليعقوبي 1 : 238 ، ومروج الذهب 2 : 29 .

(186)

بعده اُناس من جُرهم : أوّلهم الحارث بن مضاض . وكان ينزل هناك في الموضع المعروف بقعيقعان في أعلى مكّة وكان كلّ من دخل مكّة بتجارة عشّرها عليه .

 

    وكـان السميدع بن هوبر بن لاوي بن قبطور بن كركر بن حيدان ينزل ببني كركر في أجياد من أسفل مكّة ، فأخذ يعشّر من دخل مكّة من ناحيته ، فنازع الحارث بن مضاض سلطانه .

    فخرج الحارث بن مضاض ملك جرهم تتقعقع معه الرماح والدّرق ، فسمّيَ الموضع بقعيقعان لِما ذكرنا ، وخرج السميدع ملك العماليق ومعه الجياد من الخيل ، فعرف الموضع بأجياد اِلى هذا الوقت . فكانت للعماليق وهم على جياد الخيل على جرهم ، فسمّي الموضع فاضحاً الى هذا الوقت لفضيحة جرهم .

    وصارت ولاية البيت وملك مكّة الى العماليق . ثمّ اصطلحوا ونحروا الجزر وطبخوا فسمّي الموضع بـ ( المطابخ ) اِلى الآن(1) .

    ثمّ كانت بينهم وقعة اُخرى كانت لجرهم على العماليق ، وأقاموا ولاة البيت نحو ثلاثمائة سنة ، آخر ملوكهم الحارث بن مضاض الأصغر بن عمرو ابن الحارث بن مضاض الأكبر ، وزادوا في بناء البيت ورفعوه على ماكان عليه من بناء اِبراهيم عليه‏السلام (2) .

 

    وقال اليعقوبي : اِنّ السميدع كان ملك العمالقة نازع المضاض سلطانه فلمّا ظهر عليه المضاض مضى السميدع والعمالقة اِلى الشام فكان هناك ملك


(1) ورواه ابن هشام في سيرته عن ابن اسحاق : 1 : 117 .

(2) مروج الذهب 2 : 22 ـ 23 ط بيروت .

(187)

العمالقة بالشام واستقام الأمر لمضاض حتّى توفي . ثمّ ملك بعده الحارث بن مضاض ، ثمَّ ملك عمرو بـن الحارث بن مضاض ، ثمَّ ملك المعتسم بن الظليم ، ثمَّ ملك الحواس بـن جحش بن مضاض ، ثمّ ملك عداد بن صداد ابن الجندل بن مضاض ، ثمّ ملك فينحاص بن عداد بن صداد ، ثمّ ملك الحارث بـن مضاض بن عمرو . وكان هذا آخر من ملك من جرهم . وطغت جرهم وبغت وفسقت في الحرم ، فسلّط اللّه عليهم الذّر فاُهلكوا به عن آخرهم وذلك في عصر اُدد بن الهميسع بن أمين من ذرية اِسماعيل ، وكـان ينكر على جرهم أفعالهم فلمّا هلكت عظم شأنه في قومه وجلّ قدره(1) .

 

    وقال المسعودي : وبغت جرهم في الحرم وطغت ، حتّى فسق رجل منهم في الحرم يسمّى اساف ، بامرأة تدعى نائلة ، فمسخهما اللّه عزّوجل حجرين صيّرا بعد ذلك وثنين وعبدا تقرباً بهما اِلى اللّه تعالى . فبعث اللّه على جرهم الرعاف والنمل وغير ذلك من الآفات ، فهلك كثير منهم . وكثر ولد اِسماعيل وصاروا ذوي قوة ومنعة فغلبوا على أخوالهم جُرهم وأخرجوهم من مكّة فلحقوا بجهينة في موضع يقال له : أضم ، فأتاهم في بعض الليالي السيل فذهب بهم . وصارت ولاية البيت في ولد اياد بن نزار ابن معد ثمّ الى خزاعة . ثم اِلى قصي(2) .

 



(1) اليعقوبي 1 : 222 ط بيروت .

(2) مروج الذهب 2 : 23 ـ 31 . وروى ابن هشام في سيرته عن ابن اِسحاق : أنّ جُرهماً بغوا بمكّة واستحلوا حلالاً من الحرمة ، فظلموا من دخلها من غير أهلها ، وأكلوا ماكان يهدى اِلى الكعبة من مال ، فلمّا رأى بنو كنانة وبنو خزاعة ذلك أجمعوا لحربهم واخراجهم من مكة ، فآذنوا بالحرب فاقتتلوا ، فغلبت كنانة وخزاعة على جُرهم فنفوهم من مكّة فخرج عمرو بن الحارث بن مضاض الجُرهمي بغزالي الكعبة وبحجر الركن فدفنها في زمزم (سيرة ابن هشام 1 : 119) . ودفن زمزم (سيرة ابن هشام : 1 : 118) . وانطلق هو ومن معه من جرهم الى اليمن ، فحزنوا على ما فارقوا من أمر مكّة حزناً شديداً (سيرة ابن هشام 1 : 120) .

(188)

    وقـد روى الكليني في (فروع الكافي) عن الصادق عليه‏السلام قال : إنّ جُرهم غلبت بمكّة على ولاية البيت ، فكان يلي ذلك منهم كابر عن كابر ، حتّى بغوا واستحلّوا حرمتها وأكلوا مال الكعبة وظلموا من دخلها ، فلمّا بغوا وعتوا واستحلوا فيها بعث اللّه عزّوجل عليهم الرعاف والنمل وأفناهم(1) .

 

    نقل المجلسي ذلك في (البحار) ثمّ نقل عن الفيروز آبادي أنّ النملة هي قروح في الجنب كالنمل وبثور تخرج في الجسد بالتهاب واحتراق ثمّ يرمّ مكانها يسيراً ثم يدبّ اِلى موضع آخر كالنمل(2) .

 

    وننتقل هنا الى ذكر خبر المدينة يثرب ، واِتيان تبّان أسعد أبي كرب اليمني اِليها وتهوده بها ومروره في رجوعه بمكّة ، ثمّ خبر أصحاب الاُخدود باليمن ، ثمّ دخول الأحباش النصارى اِلى اليمن وأصحاب الفيل منهم ، ثمّ دخول الفرس المجوس اِليها . ثمّ نرجع اِلى بقية أخبار مكّة والبيت الحرام وولاته ولاسيّما انتقال الأمر الى خزاعة ، واِنّما قدّمنا هنا ما تقدم منها على خبر تبّان أسعد وأصحاب الفيل .

عليه‏السلام ، وأنّ جرهم كانت نازلة بعرفات ، وأ نّها أوّل من التقى بهاجر وسكن معها حول زمزم .


فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-12.htm