فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
انتقام ابن عديّ لأبيه
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
 (3) اليعقوبي 1 : 209 ، 210 ط بيروت .

(170)

    وملك (بعده ابنه) المنذر بن الأسود(1) .

    ثم ملك بعده عمرو بن المنذر(2) قال اليعقوبي : وهو ابن هند ، وكان يلقّب بمضرّط الحجارة (لشدّته على العرب) . وكان قد جعل الدهر يومين : يوماً يصيد فيه ويوماً يشرب ، فاذا جلس لشربه أخذ الناس بالوقوف على بابه حتى يرتفع مجلس شرابه . . فلم يزل طَرَفة بن العبد يهجوه ويهجو أخاه قابوساً ويذكرهما بالقبيح ويشبّب باخت عمرو ويذكرها بالعظيم . . ويساعده على هجائه المتلمّس . فقال لهما عمرو : قد طال ثواكما ، ولا مال قِبلي ، ولكن قد كتبت لكما الى عاملي بالبحرين يدفع لكل واحد منكما مائة ألف درهم !

 

    فأخذ كل واحد منهما صحيفة . واستراب المتلمّس بأمره ، فلما صارا عنـد نهر الحيرة لقيا غلاماً عبادياً(3) فقال له المتلمّس : أتُحسن أن تقرأ ؟


(1) مروج الذهب 2 : 74 و في اليعقوبي 1 : 210 : المنذر بن النعمان . من (515 م) معاصراً لقُباد الساساني وفي عهده كان الحارث الغساني قد أقام دولته في الشام للروم ، فاشتبك المنذر معه في حروب طاحنة أسـر فيها ابناً للحـارث فقتله سنة (544 م) وهو صاحب يوم حليمة المعروف بالقرب من قِنّسرين وفيها قتل (554 م) ، فملك أربعين عاماً تقريباً ، وقال المسعودي : ( 34 ) ، واليعقوبي : ( 30 ) .

(2) مروج الذهب 2 : 74 . من (554 ـ 569 م) وساءت العلاقة بينه وبين قُباد الساساني في أوائل ملكه (قبل 559 م) فعزله قباد وولّى مكانه الحارث بن عمرو أمير كندة ، ثم توفى قباد (نحو 559 م) وتملك خسرُو أنوشيروان فأعاد المنذر الى حكم الحيرة فحارب الحارث فهزمه وقتله . ولُقّب محرّق العرب لأنه حرّق قوماً من العرب من بني تميم في يوم أوارة باليمامة وفاءً بنذره ـ العصر الجاهلي ، لشوقي ضيف : 45 . وحيث عاد الى الحكم توهم اليعقوبي التعدد فقال : ثم ملك عمرو بن المنذر الثاني 1 : 210 ط بيروت .

(3) أي نصرانياً ، أهل عبادة ، وقراءة في الكتب .

(171)

قال : نعم . قال : اقرأ هذه الصحيفة : فاذا فيها : إذا أتاك المتلمّس فاقطع يديه ورجليه . فطرح الصحيفة وقـال لطرفة : في صحيفتك مثل هذا ! قال : لا يجترئ على قومي بهذا وأنا بذلك البلد أعزّ منه ! ومضى الى عامل البحرين بصحيفته دون أن يقرأها .فلما قرأ العامل صحيفته قطع يديه ورجليه وصلبه ! .

 

    ثم ملك أخوه قابوس بن المنذر(1) .

    قال المسعودي : وملك النعمان بن المنذر (الرابع) وهو الذي يقال له : أبيَت اللَّعن ، اثنتين وعشرين سنة(2) ولتكرار اسم المنذر فيهم سمّوا : المناذرة .

 

    قال اليعقوبي : وكان مع المنذر أهل بيت من امرئ القيس بن زيد ، وكان من أهل ذلك البيت عديّ بن زيد العبادي (النصراني) وكان خطيباً شاعراً قد كتب العربية والفارسية ، وكان المنذر قد جعل عندهم ابنه النعمان فأرضعوه وكان في حجورهم .

 

    وكتب كسرى الى المنذر بأن يبعث له بقوم من العرب يترجمون له الكتب . فبعث بعديّ بن زيد وأخوين له ، فكانوا في كتّابه يترجمون له .

    فلما مات المنذر قال كسرى لعديّ بن زيد : هل بقي من أهل هذا البيت من يصلح للملك ؟

    قال : نعم ، اِن للمنذر ثلاثة عشر ولداً كلهم يصلح لما يريد الملك !


(1) اليعقوبي 1 : 211 وهو الذي اشتبك مع المنذر بن الحارث التنوخي الغسّاني في معارك أهمها معركة عين أباغ سنة (570 م) هزم فيها من المنذر الغساني ـ العصر الجاهلي ، لشوقي ضيف : 41 .

(2) مروج الذهب 2 : 75 ، من (580 ـ 602) العصر الجاهلي لشوقي ضيف : 46 .

(172)

    فبعث فأقدمهم ومعهم النعمان الذي ربّاه أهل بيت عديّ بن زيد .

    فأنزلهم عديّ بـن زيد كل واحد على حِدته ، وكان يفضّل اخوة النعمان عليه في النزل ويريهم أنه لا يرجوه ، ويخلو بهم رجلاً رجلاً ويقول لهم : اِنْ سألكم الملك : هل تكفوني العرب ؟ فقولوا له : لن نكفيكهم ! الا النعمان فقد قال له : اِن سألك الملك عن اخوتك فقل : اِن عجزت عنهم فأنا عن العرب اعجز !

    فلما امر كسرى عدي بن زيد أن يدخلهم عليه ، جعل يدخلهم رجلاً رجلاً ، فاذا سألهم : هل تكفوني ما كنتم تكفون ؟ قالوا : لن نكفيك العرب ! الا النعمان فانه لما دخل عليه قـال له : هل تستطيع أن تكفيني العرب ؟ قال : نعم ! قال : فكيف تصنع باخوتك ؟ قال : اِن عجزت عنهم فأنا عن غيرهم أعجز ! . فملّكه وكساه وألبسه اللؤلؤ ! فخرج وقد مُلّك عليهم .

    وكان الأسود بن المنذر يحضنه أهل بيت أشراف من الحيرة يقال لهم بنومرينا ، وكـان منهم رجل شاعر مارد يقال له عدي بن أوس بن مرينا ، لمّا رأى ذلـك أمر قوماً من خاصة النعمان وأصحابه أن يذكروا عديّ بن زيد عنده ويقولوا : اِنه يزعم أن الملك (النعمان بن المنذر) عامله وأنه هو ولاّه ولولاه ماولّي ، وكلاماً نحو هذا !

    فلم يزالوا يتكلمون بذلك بحضرة النعمان حتى أحفظوه وأغضبوه على عدّي بن زيد . فكتب النعمان اليه : عزمت عليك الازرتني ! فاستأذن كسرى ، وقدم عليه ، فأمر النعمان بحبسه في حبس لا يصل اليه فيه أحد ! .

    فجعل عديّ يقول الشـعر في محبسه ويستعطف النعمان ويذكر له حرمته و يعظه بذكر الملـوك المتقدّمين ، فلم ينفعه ذلك . وجعل أعداؤه من آل مرينا يحمّلون عليه النعمان ويقولون له : إن أفلت قتلك وكان سبب

(173)

هلاكك ! .

 

    وكان لعديّ عند كسرى أخوان يقال لأحدهما ، اُبيّ ، والآخر : سُميّ ، و ابنه عمرو بن عدي ، فكتب اليهم شعراً . . فقام أخوه وابنه ومن معهما الى كسرى فكلّماه في أمره .

    فكتب كسرى الى النعمان يأمره بتخلية سبيله ، ووجّه في ذلك رسولاً . . . وابتدأ الرسول به . . . فبلغ النعمان مصير رسول كسرى الى عديّ ، فلما خرج من عنده وجّه اليه النعمان من قتله : وضع على وجهه وسادة حتى مـات : ثم قال للرسول : إنّ عديّاً قد مات . وأعطاه وأجازه وتوثق منه أن لا يخبر كسرى الاّ أنه وجده ميّتاً ! وكتب الى كسرى : أنه قدمات ! .

    انتقام ابن عديّ لأبيه :

    وقال : وكان عمرو بن عديّ يعمل لكسرى عمل أبيه في ترجمة الكتب . . . وطلب كسرى يوماً جارية وصف صفتها فلم توجد له ، فقال له عمرو بن عدي : أيها الملك ! عند عبدك النعمان بنات له وقرابات على اكثر مما يطلب الملك ، ولكنه يرغب بنفسه عن الملك ويزعم أنه خير منه ! .

    فوجّه كسرى الى النعمان يأمره أن يبعث اليه ابنته ليتزوّجها !

    فقال النعمان : أما في عِينِ السواد وفارس ما يبلغ الملك حاجته ؟ !

    فلما انصرف الرسول أخبر كسرى بقول النعمان .

    فقال كسرى : وما يعني بالعِين ؟

    فقال عمرو بن عدي : أراد البقر ! ذهاباً بابنته عن الملك !

    فغضب الملك وقـال : ربّ عبد قد صار الى اكبر من هذا ثم صار أمره الى تباب ! وأمسك عنه شهراً ، ثم كتب اليه بالقدوم عليه .

    وبلغت النعمان كلمته فعلم ما أراد ، فحمل سلاحه وما قوى عليه

(174)

ولحق بجبَلَي طيء ، وهو مصاهرهم على سعدى بنت حارثة منهم ، فسأل طيئاً أن يمنعوه من كسرى فقالوا : لا قوة لنا به ! فانصرف عنهم .

 

    وجعلت العرب تمتنع من قبوله . حتى نزل في بطن ذي قار في بني شيبان ، فلقي هانئ بن مسعود الشيباني ، فدفع اليه سلاحه وأودعه بنته وحرمته ومضى الى كسرى فنزل ببابه ، فأمر به فقُيّد ، ثم وجّه به الى «خانقين» وطُرح تحت الفيلة فداسته حتى قتلته فقُرّب للاُسود فاكلته ! .

    ووجّه كسرى الى هانى‏ء بن مسعود : أن ابعث اِليّ مال عبدي الذي عندك وسلاحه وبناته !(1)

    قال : وكان النعمان أودعه ابنته وأربعة آلاف درع . فأبى هانئ وقومُه أن يفعلوا ، فوجّه كسرى بالجيوش من العرب والعجم ، فالتقوا بذي قار ، فأتاهم حنظلة بن ثعلبة العجلي فقلّدوه أمرهم قالوا لهانئ : ذمّتك ذمّتنا ولا نخفر ذمّتنا ! فحاربوا الفرس ، فهزموهم ومن معهم من العرب ، فكان أول يوم انتصرت فيه العرب من العجم(2) .

 

    فيروى عن رسول الله أنه قال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نُصروا(3) .

 



(1) اليعقوبي 1 : 212 ـ 215 . ونقل الطبري 2 : 206 عن أبي عبيدة مَعمر بن المثنّى عن بعضهم : أن هانى‏ء بن مسعود لم يدرك هذا الأمر ، وانما هو هانئ بن قبيصة بن هانئ بن مسعود . وهو الثبت عندي . وكذلك ذكره المسعودي في التنبيه والإشراف : 207 .

(2) اليعقوبي 1 : 215 .

(3) اليعقوبي 1 : 212 والمسعودي في التنبيه والاشراف : 208 قال : قيل :إن ذلك كان قبل الهجرة ، وان اناساً من بكر بن وائل من البحرين واليمامة جاؤوا الموسم ، كانوا يريدون المضيّ الى بكر بن وائل مع بني شيبان بالعراق لنجدتهم ، فوقف عليهم النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله يعرض نفسه عليهم ، ودعاهم الى الايمان بالله . . فوعدوا النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله اِن نصرهم الله على الأعاجم آمنوا به وصدّقوا بنبوّته ! فدعا لهم النبيّ بالنصر . فلما بلغه ظهورهم على الأعاجم قال : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، وبي نصروا .

    وقال في مروج الذهب 1 : 307 : وكان حرب ذي قار في ملك خسرو پرويز ، وهو اليوم الذي قال فيه النبيّ صلى‏الله‏عليه‏و‏آله : هذا أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم ، ونُصرت عليهم بي . وكانت بعد بعثته لتمام أربعين سنة من مولده ، وفي رواية اُخرى : بعد وقعة بدر بأربعة أشهر .

    وروى القصة بالتفصيل الطبري 2 : 193 ـ 212 عن محمد بن هشام الكلبي عن كتاب حمّاد الراوية الكوفي ، ولكنه روى عن الكلبي قال : اني كنت استخرج أخبار العرب وأنساب آل نصر بين ربيعة ومبالغ أعمار من عمل منهم لآل كسرى وتاريخ سنيّهم ، من بيع الحيرة .

    وعزّز ذلك الطبري فقال : وكان أمر آل نصر بن ربيعة ومن كان من ولاة ملوك الفرس وعمالهم على ثغر العرب الذين هم ببادية العراق ، متعالماً (معلوماً) عند أهل الحيرة مثبتاً عندهم في أسفارهم و كنائسهم ـ الطبري 1 : 628 .

    وعلى صحة الحديث النبويّ لعلّ العلّة فيه هو أن بنات النعمان كنّ نصارى مترهّبات ، وكان خسرو پرويز كافراً مجوسيا زرادشتيا لا تحل له النصرانية . ويدل على ذلك خبران رواهما المسعودي في مروج الذهب قال :

    كانت حرقة بنت النعمان بـن المنذر اذا خرجت الى بِيعتها يُفرش لها طريقها بالحرير والديباج ، مغشى بالخزّ والوشي ، فتقبل في جواريها حتى تصل الى بيعتها وترجع الى منزلها .

    ولما وفد سعد بن أبي وقاص القادسية أميراً عليها قتل رستم وهزم اللّه الفرس ، أتت حرقة بنت النعمان في حفدة من قومها وجواريها وهنّ في زيّها عليهنّ المسوح والمقطعات السود ، مترهّبات ، يطلبن صلته ـ 2 : 79 .

    وقـال : وكانت هند بنت النعمان بن المنذر مترهبة في دير لها بالحيرة ، فركب المغيرة بن شعبة اليها وهو أمير الكوفة يومئذٍ . وهند قد عميت ، فلما جاء المغيرة الى الدير استأذن عليها ، فاتتها جاريتها فقالت لها : هذا المغيرة بن شعبة يستأذن عليك ؟ فقالت هند لجاريتها : القي اليه أثاثاً ، فألقت له وسادة من شعر ، ودخل المغيرة فقعد عليها وقال : أنا المغيرة : فقالت له : قد عرفتك عامل المدَرَة (الكوفة) فما جاء بك ؟ قال : أتيتك خاطباً اليك نفسك ! فقالت : أما والصليب لو أردتني لدين أو جمال ما رجعت الا بحاجتك ، ولكنّي اخبرك الذي أردت له ! قال : وماهو ؟ قالت : أردت أن تتزوّجني حتى تقوم في الموسم في العرب فتقول : تزوجت ابنة النعمان ! قال : ذلك أردت ! - مروج الذهب 3 : 25 ط بيروت .

    وعليه فهنّ نصارى مترهّبات لا يحلن لكافر مجوسيّ زرادشتي .

    وعلى أي حال فالعباديون النصارى وهم أخلاط من العرب وغيرهم ، والأحلاف من الأنباط من بقايا سكان العراق من الآراميين والأكديين كانوا يجاورون الاكثرية العرب في الحيرة ، وكانت فيهم جالية فارسية تمتهن الحرف والمهن ، وفيهم بعض اليهود ، فكانت الحيرة سوقاً تجارية وزراعية كبرى ، ومتأثرة بالثقافة الفارسية العامة في المنطقة ـ العصر الجاهلي : 47 .

(176)

(175)

(176)

موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

ملوك الحيرة من اليمن :

    بَعد قرنين من الميلاد وفي أوائل القرن الثالث ، هبط بعض الطوائف العربية مـن بني لَخْم اليمنيين في الأراضي المجاورة للفرات في العراق ، على عهد الفرس الساسانيين .

(166)

    وكان الفرس الساسانيون يحكمون العراق ، ولكن القرى والمزارع العراقية الساسانية كانت تتعرض من حين لآخر لغارات القبائل العربية البدوية من ناحية بادية الصحراء الحجازية ، فكانوا بحاجة الى عربٍ يملكونهم على ثغور العراق فيكفونهم غارات البدو ، فملكوا هؤلاء اللّخمييّن .

    وبنى هؤلاء اللخْميّون في هذه المنطقة عدداً من المدن أو القرى والقلاع أهمها الحيرة قرب الكوفة على حافة بادية الصحراء الحجازية ، ولفظ الحيرة تحرّف عن حِرتا السُريانية وتعني القبّة والحرم ، أو المعسكر والمخيّم(1) وساعد جوّ هذا البلد و مناخه وماؤه على عمرانه والحضارة فيه ، ومن مظاهر الحضارة فيه أنهم تعرّفوا على الخطّ والكتابة به ، ومنهم انتقل الى عرب الحجاز(2) .

    ومن تاريخهم المنقول نكتفي نحن هنا بما ذكره اليعقوبي والمسعودي ونعلّق عليه بما يلزم :

 

    نقل اليعقوبي عن أهل العلم بالرواية قالوا : لما تفرق أهل اليمن ، قدم مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، حتّى نزل أرض العراق في أيام ملوك الطوائف (الفُرس) فأصاب قوماً من العرب من مِعدّ وغيرهم بالجزيرة (الموصل) فملّكوه عليهم عشرين سنة .

    وتكهّن جذيمة الأبرش (التنوخي) ، وعمل صنمين سماهما (الضيزنان) واستهوى بهما أحياءً من العرب ، وصار بهم الى العراق ، فسار من ارض البصرة الى ارض الجزيرة (الموصل) حتّى صار الى ناحية على شط الفرات


(1) العصر الجاهلي ، لشوقي ضيف : 44 .

(2) فتوح البلدان : 457 ط اورپا .

(167)

بالقرب من الأنبار يقال لها : بقة .

 

    وكان يملك تلك الناحية امرأة يقال لها الزبّاء(1) .

    فلما صار جذيمة الى أرض الأنبار ، واجتمع له من أجناده ما اجتمع قال لهم : اني عزمت على أن أرسل الى الزبّاء (زنّوبة) فأتزوّجها فأجمع ملكها الى ملكي !

 

    فقال غلام له يقال له قصير : إنّ الزبّاء (زنّوبة) لو كانت ممن تقبل نكاح الرجال لسُبقت اليها ! .

    فكتب اليها . فكتبت اليه : أن أقبل اليّ أزوّجك نفسي ! فارتحل اليها . فلما دخل عليها . . قتلته فقطّعته «وكان يعاصر اردشير بن بابك وشاهپور ابن اردشير»(2) .

    فلما قتل جذيمة ملك مكانه ابن اخته : عمرو بن عدي (ومن هنا سـمّوا : بني عدي) بن نصر (ومن هنا سمّوا : بنى نصر) ابن ربيعة (فهم من بني ربيعـة) ابن عمرو بن الحارث بن مالك بن غنم بن نمارة بن لَخْم ومن هنا سموا : اللَخْمييّن ، ولتكرار اسم المنذر فيهم بعد هذا سمّوا بمناذرة العراق بازاء غساسنة الشام .

 

    قال المسعودي : وكان على الحيرة ابن عم جذيمة : عمرو بن عبد الحيّ التنوخي ، فلما صرف عمرو بن عدي وجوه جندخاله جذيمة التنوخي اِلى


(1) محرّفة كلمة : زنّوبة ملكة تدمر النبطية التي كانت تحكم الأنباط بالشام عن الرومان ، وطغت فتمرّدت عليهم ، فحاربوها حتى قضوا عليها عام (273 م) ـ العصر الجاهلي ، لشوقي ضيف : 32 .

(2) مروج الذهب 2 : 65 .

(168)

نفسه ومناهم بالمال والحال ، فانصرف اليه منهم بشر كثير ، التقى هو وعمرو ابن عبدالحي التنوخي بالقتال حتى خافوا الفناء ، فخضع التنوخي لابن عدي وتمّ الأمر له(1) .

 

    قال اليعقوبي : ثم ملك امرؤ القيس بن عمرو(2) .

 

    ثم ملك أخوه الحارث بن عمرو .

 

    ثم ملك عمرو بن امرى‏ء القيس .

    قال المسعودي : ثم ملك النعمان بن امرى‏ء القيس(3) .

    قال اليعقوبي : ثم ملك المنذر بن (النعمان بن) امرئ القيس .

 

    ثم ملك النعمان (ابن المنذر) وحكم ثماني وثلاثين سنة ، عاصر فيها من ملوك الفرس : يزدجر الأول(4) وبهرام گور . وكان من اشد ملوك العرب نكـاية في أعدائه . غزا الشام مراراً وأكثر من المصائب في أهلها وسبى وغنم . وجنّد الجند على نظام خاص عرف به ، فكان عنده من الجيش كتيبتان : اِحداهما مؤلفة من رجال الفرس اسمها «الشهباء» والأُخرى من


(1) مروج الذهب 2 : 71 فكان ملكه مائة سنة 2 : (66 و 74) ، وفي اليعقوبي 1 : 209 خمساً وخمسين سنة . بل نصبه شاهپور بن اردشير الساساني في (241 ـ 271 م) أي ثلاثين سنة فقط ـ العصر الجاهلي لشوقي ضيف : 44 .

(2) ملك (272 م) ، وكأنه غزا لبنان فهلك على شرقي جبل الدروز ودفن هناك سنة (328 م) كما في نقش النمارة على قبره في أطلال معهد روماني اكتشفه دوسو وماكلر عام (1901 م) كما في العصر الجاهلي : 35 ، فقد ملك (58) ، ويقاربه المسعودي 2 : 74 ستين سنة ، وفي اليعقوبي 1 : 209 ( 35 ) سنة .

(3) مروج الذهب 2 : 74 .

(4) من 399 ـ 420 م . العصر الجاهلي لشوقي ضيف : 44 .

(169)

عرب تنوخ اسمها «الدوسر» فكان يغزو بهما من لايدين له من العرب(1) . تتبّع أخباره بالتفصيل جرجي زيدان في كتابه «العرب قبل الاسلام» .

 

    قال اليعقوبي : وهو الّذي بنى «الخورنق»(2) فبينما هو جالس ينظر منه الى مابين يديه من الفرات وما عليه من النخل والأجنّة والأشجار اِذ ذكر الموت فقال : وما ينفع هذا مع نزول الموت وفراق الدنيا ؟ ! فتنسّك واعتزل الملك . واِياه عنى عديّ بن زيد العبادي حيث يقول :

 وتفكر ربّ الخورنق اِذ أشـ  ـرف يوماً وللهدى تفكير
 سرَّه حاله وكثرة ما يمـ  ـسك ، والبحر معرض والسدير
 فارعوى قلبه وقال : وما غبـ  ـطة حيّ الى الممات يصير(3)
    قال المسعودي : وملك (بعده ابنه) الأسود بن النعمان .

 


(1) للتفصيل انظر : العرب قبل الاسلام لجرجي زيدان .

(2) وكان سبب بنائه الخورنق : انّ يزدجرد بن بهرام شاه بن شاهپور ذي الأكتاف ، ولد له ابنه بهرام ، فسأل عن منزل برّي مري صحيح من الأدواء والأسقام فدلّ على ظهر الحيرة ، فأمر يزدجرد النعمان هذا ببناء مسكن له ولابنه بهرام ، فامر النعمان رجلاً يقال له سنّمار أنْ يبني له ذلك فبناه ، فلمّا فرغ من بنائه تعجّبوا من حسنه واتقان عمله فوفّوه أجره ، فقال : لو علمت انّكم تصفون بي ما اَنا اَهله وتوفونني أجري لكنت بنيته بناء يدور مع الشمس حيثما دارت ! فغضب النعمان وقال : كنت قادراً على اَن تبني ماهو افضل منه ولم تبنه كذلك ؟ ! ثم اَمر به فطرح من اَعلى الجوسق من رأس الخورنق ، فجرى ذلك مثلاً في العرب يقال : جزاه جزاء سنّمار (الطبري 2 : 65) ،(الاغاني 2 : 144 ـ 146 ط دار الكتب) . . والجوسق معرب كلمة : كوشك ، وهو الغرفة العالية الخاصّة في أعلى القصر . والخورنق كذلك معرّب كلمة : خورنگاه أي المطعم .

 
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-11.htm