فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أ ـ العرب البائدة
ب ـ عاد قوم هود عليه‏السلام
ج ـ ثمود قوم صالح عليه‏السلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

العرب قبل الإسلام :

    أ ـ العرب البائدة :

    لا ريب في أنّ جزيرة العرب كـانت موطن قبائل كثيرة من العرب منذ القدم ، وقد باد بعضهم على اثر حوادث خاصة سماوية وارضية ، وذلك لاعراضهم عن ذكر اللّه كما قال تعالى في قوم سبأ : « فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم . . . ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلاّ الكفور . . . وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقّناهم كلّ ممزّق . . . ولقد صدق عليهم ابليس ظنّه فاتّبعوه »(1) ولذلك سمّي هولاء بالبائدة .

    ولعلّ منهم قوم عاد المُعاد ذكرهم في القرآن الكريم أكثر من عشرين مرّة وقوم ثمود المكرر ذكرهم في القرآن الكريم اكثر من خمس وعشرين مرّة .

 

    ب ـ عاد قوم هود عليه‏السلام :

    أمّا عاد فإنّهم قومٌ من العرب من بشر ما قبل التأريخ كانوا يسكنون الجزيرة انقطعت أخبارهم وانمحت آثارهم ، ولا يحفظ التأريخ من حياتهم إلاّ أقاصيص لا يُطمأنّ إليها ، وليس في التوراة الموجودة ذكر لهم .

    والذي يذكره القرآن الكريم من قصّتهم هو : أنّ عاداً كانوا يسكنون وادي أو صحراء الأحقاف(2) وهو واد بين عمان وأرض مهرة إلى حضرموت والأحقاف هي الرمال الملتوية . وأ نّهم من ذرّية من حملهم اللّه مع نوح عليه‏السلام وكانوا ذوي خلقة قوية عظيمة وطوالاً(3) وكان لهم تقدّم ورقيّ


(1) سبأ : 16 ـ 20 .

(2) الأحقاف : 21 .

(3) الأعراف : 69 ، والسجدة : 15 ، والشعراء : 130 .

(98)

في المدنية والحضارة ، ولهم بلاد عامرة وأرض خصبة ذات جنّات ونخيل وزروع ومقام كريم وبعث اللّه فيهم أخاهم هوداً يدعوهم إلى الحقّ ويرشدهم إلى أنْ يعبدوا اللّه ويرفضوا عبادة الاوثان ويعملوا بالعدل والرحمة(1) ، فبالغ في وعظهم وبث النصيحة فيهم وأنار الطريق وأوضح السبيل ، وقطع عليهم العذر ، فقابلوه بالاباء والامتناع ، وواجهوه بالجحد والانكار ، ولم يؤمن به إلاّ شرذمة منهم قليلون ، وأصرّ جمهورهم على البغي والعناد ، ورموه بالسفه والجنون ، والحوا عليه بان ينزل عليهم العذاب الذي كان ينذرهم ويتوعدهم به ، فأرسل اللّه عليهم العذاب وأرسل إليهم الريح العقيم ما تذر من شيء أتت عليه الاّ جعلته كالرميم(2) كانت تنزع الناس كأ نّهم أعجاز نخلٍ منقعر(3) ، ريحاً صرصراً في أيّام نحسات سبع ليال وثمانية أيام حسوماً فترى القوم فيها صرعى كأ نّهم أعجاز نخل خاوية(4) تدمّر كلّ شيء بأمر ربّها فأصبحوا لا يرى إلاّ مساكنهم(5) . فأهلكهم اللّه جميعا إلاّ هوداً والذين آمنوا معه(6) ولعلّه لهذا يسـمّى عاداً المهلكة بعادٍ الاُولى ، والثانية هي الباقية منهم(7) .

 

    ج ـ ثمود قوم صالح عليه‏السلام :

 

    وأمّا ثمود فهم قومٌ من العرب العاربة كانوا يسكنون وادي القرى بين


(1) الشعراء : 130 .

(2) الذاريات : 43 .

(3) القمر : 20 .

(4) الحاقّة : 7 .

(5) الأحقاف : 25 .

(6) هود : 58 .

(7) النجم : 5 .

(99)

المدينة والشام ، وهم من بشر ما قبل التأريخ أيضا لا يضبط التأريخ إلاّ شيئاً يسيراً مـن أخبارهم ، ولقد عفت الدهور آثارهم ، ولا اعتماد على ما يذكر من جزئيات قصصهم .

 

    والذي يقصّه كتاب اللّه من أخبارهم هو : أ نّهم كانوا اُمّة من العرب يدلّ عليه اسم نبيّهم صالح عليه‏السلام وهو منهم(1) جاءوا بعد قوم عاد ، وكانت لهم حضارة ومدنية ، يعمرون الارض ويتّخذون من سهولها قصوراً ويتّخذون من الجبال بيوتاً آمنين(2) ، ويفجّرون العيون ويحرثون ويغرسون جنّات النخيل(3) ، وكان في مدينتهم شعوب وقبائل يتحكّم فيهم شيوخهم وسادتهم ، وفيهم تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون(4) فلمّا أسرفوا في أمرهم أرسل اللّه إليهم صالحاً النبي عليه‏السلام ، وكان من بيت الشرف والفخار معروفاً بالعقل والكفاءة(5) فدعاهم إلى توحيد اللّه سبحانه وأنْ يتركوا عبادة الاصنام وأنْ يسيروا في مجتمعهم بالعدل والاحسان وأنْ لا يطغوا ولايسرفوا(6) فقـام بالدعوة إلى دين اللّه بالحكمة والموعظة الحسنة وصبر على الأذى في جنب اللّه ، فلم يؤمن به إلاّ جماعة قليلة من الضعفاء(7) .

    أمّا الطغاة والمستكبرون وعامة من تبعهم فقد اصرّوا على كفرهم واستذلّوا الذين آمنوا به ورموه بالسفاهة والسحر(8) وطلبوا منه البيّنة على


(1) هود : 61 .

(2) الأعراف : 74 .

(3) الشعراء : 148 .

(4) النمل : 48 .

(5) هود : 62 ، والنمل : 49 .

(6) هود والشمس .

(7) الاعراف : 75 .

(8) الاعراف : 66 ، والشعراء : 153 ، والنمل : 47 .

(100)

كلامه وسألوه آية معجزة تدلّ على صدقه في دعوى الرسالة ، واقترحوا له أنْ يخرج لهم من صخر الجبل ناقة ، فأتاهم بناقة على ما وصفوها له ، وقال لهم : إنّ اللّه يأمركم أنْ تشربوا من عين مائكم يوماً وتكفّوا عنها يوماً فتشربها الناقة ، فلها شرب يوم ولكم شرب يوم معلوم ، وأنْ تذروها تأكل في أرض اللّه ولا تمسّوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب(1) وكان الأمر على ذلك حيناً . ثمّ إنّهم مكروا وطغوا وبعثوا أشقاهم لقتل الناقة فعقرها . وقالوا لصالح : إئتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين . قال صالح عليه‏السلام : تمتّعوا في داركم ثلاثة أيّام ذلك وعد غير مكذوب(2) .

 

    ثمّ مكرت شعوب المدينة وأرهاطها بصالح « تقاسموا بالله لَنُبَيّتَنّه وأهله ثمّ لنقُولَنّ لوليّه مـا شهدنا مهلك أهله و إنّا لصادقون »(3) « فأخذَتْهُم الصاعقة وهم ينظرون »(4) « فأصبحوا في دارهم جاثمين »(5) « وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتّقون »(6) .

 

    وفي «الكافي» بسنده عن أبي بصير قال : قلت لأبي عبد اللّه الصادق عليه‏السلام : « كذّبت ثمـود بالنُذُر فقالوا أبشـرا منّا واحـداً نتّبعه إنّا إذاً لفي ضلالٍ وسُعُر »(7) . قال : بعث اللّه إليهم صالحاً فلم يجيبوه وعتوا عليه وكانت صخرة يعظّمونها ويعبدونها ويذبحون عندها في رأس كلّ سنة ويجتمعون عندها . فقالوا : إن كنت تزعم نبيّاً رسولاً فادعُ لنا إلهك حتّى


(1) الاعراف : 72 ، والشعراء : 156 ، وهود : 64 .

(2) هود : 65 .

(3) النمل : 49 .

(4) الذاريات : 44 .

(5) الأعراف : 78 .

(6) النمل : 53 .

(7) القمر : 23 ، 24 .

(101)

يخرج لنا من هذه الصخرة الصمّاء ناقة عشراء (أي ذات حمل في الشهر العاشر) فأخرجها اللّه كما طلبوا منه (و) أوحى اللّه تبارك وتعالى إليه : أنْ يا صالح قُل لهم : إنّ اللّه قد جعل لهذه الناقة شرب يوم ولكم شرب يوم .

 

    فكانت الناقة إذا كان يومها شربت الماء ذلك اليوم ، فيحبسونها فلا يبقى صغير ولا كبير إلاّ شرب من لبنها يومهم ذلك ، فإذا كان الليل وأصبحوا غدوا إلى مائهم فشربوا منه ذلـك اليوم ولم تشرب الناقة ذلك اليوم فمكثوا بذلك ما شاء اللّه .

    ثمّ إنّهم عتوا على اللّه ومشى بعـضهم إلى بعض قال : اعقروا هذه الناقة واستريحوا منها ، لا نرضى أنْ يكون لنا شـرب يوم ولها شرب يوم . ثمّ قالوا : مَن الذي يلي قتلها ونجعل له جعلا ما أحب ؟ ! فجاءهم رجـل أحمر أزرق ولد زنا لا يعرف له أب ، يقال له : قدّار ، شقي من الأشقياء مشؤم عليهم فجعلوا له جعلاً .

    فلما توجّهت الناقة إلى الماء الذي كانت ترده تركها حتّى شربت وأقبلت راجعة فقعد لها في طريقها فضربها بالسيف فلم يعمل شيئاً فضربها ضربةً اُخرى فقتلها ، وخرّت على الأرض على جنبها وهرب فصيلها حتّى صعد إلى الجبل ، فرغا ثلاث مرّات إلى السـماء وجاء قوم صالح فلم يبق منهم أحـد إلاّ شركه في ضربته واقتسموا لحمها فيما بينهم فلم يبق منهم صغير ولا كبير إلاّ أكل منها .

    فلما رأى صالح أقبل إليهم وقال : يا قوم ما دعاكم إلى ما صنعتم ؟ أعصيتم أمر ربّكم ؟ فأوحى اللّه تبارك وتعالى إلى صالح عليه‏السلام : أنّ قومك قد طغوا وبغوا وقتلوا ناقـة بعثها اللّه إليهم حجّة عليهم ، ولم يكن لهم فيها ضرر ، وكان لهم أعظم المنفعة ، فقل لهم : إنّي مرسلٌ إليهم عذابي إلى ثلاثة

(102)

أيّام فإن هم تابوا قبلت توبتهم وصددت عنهم ، و إن هم لم يتوبوا ولم يرجعوا بعثت إليهم عذابي في اليوم الثالث .

 

    فأتاهم صالح وقال : يا قوم إنّي رسول ربّكم إليكم وهو يقول لكم : إن تبتم ورجعتم واستغفرتم غفرت لكم وتبت عليكم .

    فلما قـال لهم ذلك كانوا أعتى وأخبث « وقالوا يا صالح ائتنـا بما تعِدُنا إن كنت من المرسلين »(1) قال : يا قوم إنّكم تصبحون غداً ووجوهكم مصفرّة ، واليوم الثاني وجوهكم محمرّة ، واليوم الثالث وجوهكم مسودّة .

    فلمّا كان أوّل يوم أصبحوا ووجوههم مصفرّة فمشى بعضهم إلى بعض وقالوا قد جاءكم ما قال صالح . فقال العتاة منهم : لا نسمع قول صالح ولا نقبل قوله وإن كان عظيماً . فلمّا كان اليوم الثاني أصبحت وجوههم محمرّة ، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا : يا قوم قد جاءكم ما قال لكم صالح فقال العتاة منهم : لو أهلَكَنا جميعاً ما سمعنا قول صالح ولا تركنا آلهتنا التي كان آباؤنا يعبدونها ، ولم يتوبوا ولم يرجعوا ، فلمّا كان اليوم الثالث أصبحوا ووجوههم مسودّة فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا يا قوم أتاكم ما قال لكم صالح .

    فقال العتاة منهم : قد أتانا ما قال لنا صالح . فلمّا كان نصف الليل أتاهم جبرئيل فصرخ بهم صرخة خرقت أسماعهم وفلقت قلوبهم وصدعت أكبادهم ، فماتوا جميعاً في طرفة عين صغيرهم وكبيرهم ، ولم يبق لهم ناعقة ولا راغية ولا شيء إلاّ أهلكه اللّه ، وأصبحوا في ديارهم ومضاجعهم موتى ، وأرسل اللّه إليهم مع الصيحة النار من السماء فأحرقهم أجمعين(2) .



(1) الأعراف : 77 .

(2) الميزان 10 : 314 ، 316 .

(103)

    2 ـ القحطانيّون : هم ابناء يعرب بن قحطان الذين كانوا يسكنون اليمن وجنوب جزيرة العرب ، ويسـمّون بالعرب العاربة أيضا . واليمنيّون اليوم بصورة عامة والأوس والخزرج هم من نسل قحطان . وقد سبق أنّ قوم سبأ أيضا كانوا من نسل قحطان ، وكانت لهم حكومات ومساعٍ عمرانية وحضارية أثرية ولهم خط يسمّى بالخطّ المسند . وكلّ ما يقال عن حضارة العرب قبل الإسلام فإنّما هو من هؤلاء في اليمن .

 

    3ـ العدنانيون : وهم ابناء إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه‏السلام الذي قد تبين لنا أ نّه اُمِر بأن يذهب بابنه إسماعيل واُمّه هاجر إلى أرض مكّة ، فسار بهم إبراهيم عليه‏السلام من أرض فلسطين إلى بطن وادٍ منخفض بلا ماء ولا كلأ باسم مكّة ، فأجرى اللّه لهم ماء زمزم . وكبر إسماعيل فتزوّج من قبيلة جرهم الذين استأذنوا إبراهيم أنْ يسكنوا مكة فأذِن لهم ، فكان لإسماعيل نسـل كثير ، ومن أحفاده عدنان ، وقد تفرّعت منه فروع عديدة أشهرها قبيلة قريش ومنهم بنو هاشم .

 

أخلاق العرب قبل الإسلام :

    ونعني بالأخلاق هنا تلك الآداب الإجتماعيّة التي كانت رائجة بينهم قبل الإسلام . وبصورة عامّة نستطيع أنْ نلخّص الخصال المحمودة العامة للعرب في بضعة سطور فنقول :

    إنّ عرب الجاهليّة ـ ولا سيّما العرب المستعربة من نسل إسماعيل عليه‏السلام ـ كانوا بالطبع أسخياء يكرمون من استضافهم ، ولا يخونون أماناتهم إلاّ قليلاً ، ويَرَوْنَ نقض العهد ذنباً لا يُغتفر ، وكانوا صريحين في أقوالهم ، أقوياء في

(104)

حفظهم ، أقـوياء في فنون من الشعر والخطابة ، يُضرَب بهم المثل في شجاعتهم وجرأتهم ، مَهَرَة في ركض الخيل والرمي ، يرون الفرار من الزحف عاراً لا يُغتسل .

 

    وفي مقابل هذه الصفات كانوا قد تلوّثوا من مساوى‏ء الأخلاق بما يذهب بكل كمال من هذه الخصال ولولا أنْ تداركهم رحمة من ربّهم بأن بعث فيهم رسولاً من انفسهم يزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، لما كنّا نعايش اليوم نسلا من عدنان ، بل كانوا قد التحقوا بالعرب البائدة ، وكانت تتجدّد قصّة اُخرى عن هؤلاء البائدين .

    إنّ شيوع الجهل والخرافات والفساد فيهم كان قد قرّب حياتهم من حياة الحيوانات ، بحيث ينقل لنا التأريخ قصصاً متعددة عن حروب امتدّت خمسين سنة بل مائة ، ولم تبدأ إلاّ على مواضع حقيرة لا يعبأ بها .

    إنّ عدم وجود حكومة متنفّذة بينهم تضرب على أيدي الطغاة والبغاة من ناحية ، ومن ناحية اُخرى سوء الوضع الجغرافي للجزيرة من حيث الماء والكلأ ، كانا عاملين جعلا أكثر العرب من البدو الرحّل يجوبون الصحاري برواحـلهم كلّ عام سعياً وراء الماء والكلأ ، وإذا رأوا أثراً منهما نصبوا خيامهم حولها ، وإذا علموا ـ أو أخبرهم رائدهم ـ بمكان أنفع ممّا هم فيه بدأوا الرحلة من جديد .

    إنّ الجهل والفقر وفقدان النظام كان قد خيّم على بيئة الجزيرة العربية بصورة ظاهرة بحيث أصبحت لهم تلك العادات القبيحة اموراً اعتيادية ، فكثرت فيهم الغارات ، واسر بعضهم ، وتداول فيهم الربا والخمر والميسر .

    انّهم كـانوا يثنون على المروّة ويمجّدون بالشجاعة ، لكنّ مفهوم الشجاعة لديهم كان عبارة عن قتل أكبر عدد ممكن وسفك الدّماء أكثر

(105)

فأكثر . وكذلك الغيرة كانت لديهم بمعنى وأد البنات في القبور و هنّ أحياء . ويرون الوفاء اَنْ ينصروا عشيرتهم وحلفاءهم في كلّ شيء سواء كانوا على حقٍّ أم باطل .

 

 لا يسألون أخاهم حين يندبهم  في النائبات على ما قال برهانا

 

 

هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟

    لا شكّ أ نّه كـانت هناك في جزيرة العرب بعض الحضارات ، إلاّ أ نّها لم تكن في كلّ الجزيرة بل عدّة نقاط منها ، كحضارة قوم سبأ أصحاب سدّ مأرب في اليمن ، فإنّها حضارة لا تُنكر ، ففضلاً عمّا ذكر عنها في التوراة الحاضرة وما نقل عن «هرودوت» و«ارتميدور» المؤرخَين اليونانيَّين قبل الميلاد ، نرى المؤرخ الشهير المسعودي يقول في وصفها :

    «ذكر أصحاب التأريخ القديم : أنّ أرض سبأ كانت من أخصب أرض اليمن وأثراها وأغدقها ، وأكثرها جناناً وغيطاناً وأفسحها مروجاً ، مع بنيان حسن وشجر مصفوف ، ومساكب للماء متكاثفة وأنهار متفرّقة . وكانت مسيرة أكثر من شهر للراكب المجدّ على هذه الحالة ، وفي العرض مثل ذلك ، وإنّ الراكب والمارّ كان يسير في تلك الجنان من أوّلها إلى أنْ ينتهي إلى آخرها لا تواجهه الشمس ولا تعارضه لاستتار الأرض بالعمارة الشجريّة . واستيلائها عليها وإحاطتها بها . وكان أهلها في أطيب عيش وأرفهه ، وأهنأ حـال وأرغد قرىً ، وفي نهاية الخصب وطيب الهواء وصفاء الفضاء وتدفّق الماء ، وقوّة الشوكة واجتماع الكلمة ونهاية المملكة ، وكانت بلادهم في الأرض مثلاً ، وكانوا على طريقة حسنة من اتّباع شريف الأخلاق ، وطلب

(106)

الأفضال بحسب الإمكان وما توجبه القدرة من الحال ، فمكثوا على ذلك ما شاء اللّه من الأعصار ، لا يعاندهم ملك إلاّ قصموه ، ولا يوافيهم جبّار في جيش إلاّ كسروه ، فذلّت لهم البلاد ، وأذعن لطاعتهم العباد ، فصاروا تاج الأرض»(1) .

 

    إلاّ أنّ وجود هذه المستندات لا تدلّنا على حضارة تسود كلّ أقطار الجـزيرة العربيّة ، ولا سيّما منطقة الحجاز التي لم تكن تتمتّع بهذه الحضارة بل لم تشمّ شيئاً من نسيمها ، وهذا هو الذي جعلها مصونة عن تصرّف المتصرّفين بالبلاد ، فلم يتوجّه إليها نَهَمُ الروم والفرس اللذين كانا يقتسمان العالم آنذاك . والمقطوع به هو أ نّه لم يَبْقَ من هذه الحضارة حين ظهور الإسلام شيءٌ يُذْكر .

 

    ونحن هنا نأتي بذكر قصّة أسعد بن زرارة الخزرجي ، التي تبيّن لنا نقاطاً كثيرةً من حياة الناس في الحجاز : روى الشيخ الطبرسي في كتابه «إعلام الورى بأعلام الهدى» عن علي بن إبراهيم أ نّه قال :

    «كان بين الأوس والخزرج حرب قد بغوا فيها دهوراً طويلة ، وكانوا لا يضعون السلاح لا بالليل ولا بالنهار ، وكان آخر حرب بينهم يوم بغاث وكانت للأوس على الخزرج ، فخرج أسعد بن زرارة وذكوان إلى مكّة في عمرة رجب يسـألون الحلف على الأوس ، وكان أسعد بن زرارة صديقاً لعتبة بن ربيعة ، فنزل عليه فقال له : إنّه كان بيننا وبين قومنا حرب وقد جئناكم نطلب الحلف عليهم .

    فقال عتبة : بعدت دارنا عن داركم ولنا شغل لا نتفرّغ معه لشيء !

    قال : وما شغلكم وأنتم في حرمكم وأمنكم ؟


(1) مروج الذهب 2 : 181 .

(107)

    قال عتبة : خرج فينا رجـل يدّعي أ نّه رسول اللّه ، سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا .

    فقال له أسعد : من هو منكم ؟

    قال : ابن عبد اللّه بن عبد المطّلب من أوسطنا شرفاً وأعظمنا بيتاً .

    وكـان أسعد وذكوان وجميع الأوس والخزرج يسمعون من اليهود الذين كانوا بينهم ـ النظير وقريظة وقينقاع ـ : إنّ هذا أوان نبيّ يخرج بمكّة يكون مهاجره بالمدينة ، لنقتلنّكم به يا معشر العرب .

    فلمّا سمع أسعد ما سمع من عتبة وقع في قلبه ما كان سمعه من اليهود ، وقال : فأين هو ؟

    وكان هذا في وقت محاصرة بني هاشم في الشعب فقال عتبة : إنّهم لا يخرجون من شعبهم إلاّ في الموسم ، وها هو جالس في الحجر ، فلا تسمع منه ولا تكلّمه فإنّه ساحر يسحرك بكلامه .

    فقال أسعد : فكيف أصنع وأنا معتمر لا بدّ لي أنْ أطوف بالبيت ؟

    فقال : ضع في اُذنيك القطن . فحشا أسعد في اُذنيه القطن ودخل المسجد ورسول اللّه جالس في الحجر مع قومٍ من بني هاشم ، فطاف أسعد بالبيت ونظر إلى رسول اللّه نظرةً وجازه ، فلمّا كان في الشوط الثاني قال في نفسه : ما أجد أجهل منّي ! أيكون مثل هذا الحديث بمكّة فلا نعرفه حتّى أرجع إلى قومي فاُخبرهم ؟ ! فأخذ القطن من اُذنَيه ورمى به وقال لرسول اللّه : أنعم صباحاً !

    فرفع رسول اللّه رأسه إليه وقال : قد ابدلنا اللّه به ما هو أحسن من هذا ، تحيّة أهل الجنة : السلام عليكم .

    فقال اسعد : إنّ عهدك بهذا لقريب ! إلامَ تدعو ؟ يا محمّد !

(108)

    قال : إلى شهادة أنْ لا إله إلاّ اللّه وأ نّي رسول اللّه ، وأدعوكم « أنْ لا تشركوا بـه شيئاً وبالوالدين إحساناً ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحـن نرزقكم وإيّاهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطـن ولا تقتلوا النفس التي حـرّم اللّه إلاّ بالحـقّ ذلكم وصّاكم به لعلّكم تعقلـون ولا تقربوا مال اليتيم إلاّ بالتي هي أحسن حتّى يبلغ اشدّه وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلّف نفساً إلاّ وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قُربى وبعهد اللّه أوفوا ذلكم وصّاكم به لعلّكم تذكّرون »(1) .

    فلمّا سمع أسعد هذا قال : أشهد أنْ لا إله إلاّ اللّه وحده لا شريك له وأ نّك رسول اللّه .

 

    كانت هاتان الآيتان من سورة الأنعام تتضمنان الدّاء والدّواء لاُمّة متحاربة جاهلة ، ولذلك خلّفت أثراً عميقاً في قلب أسعد وذكوان الخزرجيَّين فأسـلما فوراً «ثمّ قـالا : يا رسول اللّه ! ابعث معنا رجلاً يعلّمنا القرآن ويدعو الناس إلى أمرك . فأمر رسول اللّه صلى‏الله‏عليه‏و‏آله مصعب بن عمير بالخروج معهما ، فخرج هو معهما إلى المدينة حتّى قدموا على قومهم»(2) .

     إنّ النظر في مفاد هاتَين الآيتَين يغنينا عن أي بحث آخر عن أوضاع العرب قبل الإسـلام ، فإنّ هاتين الآيتين تبيّنان ما كان يسود حياة العرب في الجاهليّة من الأمراض الخلقيّة المزمنة ، و إنّ مضمون هاتين الآيتين شاهد على ابتلاء العرب بجميع هذه الأوصاف الرذيلة ، ولهذا تلاهما رسول اللّه على أسعد في أول لقائه به وبذلك عرّفه برسالته .

 

 


(1) الانعام : 151 ، 152 .

(2) إعلام الورى : 56 ، طبعة النجف .

(109)

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-04.htm