فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
کلمة الناشر
تقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلامتقدیم - كيف ينبغي أن ندرس تأريخ الإسلام
الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية  قبيل ظهور الإسلام الفصل الاول - البيئة العربية والظروف العالمية قبيل ظهور الإسلام
الجاهلية فى القرآن الكريم
الجاهليّة في نهج البلاغة
معنى الجاهليّة
غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة
بناء الكعبة المعظّمة
شبه الجزيرة العربية مهد الحضارة الإسلامية
الكعبة المعظمة ومكة المكرمة
المدينة المنورة
العرب قبل الإسلامالعرب قبل الإسلام
أخلاق العرب قبل الإسلام
هل كانت للعرب حضارة قبل الإسلام ؟
الدين في جزيرة العرب
أزلام العرب
اليهود في يثرب والنصارى في نجران والشام
من سنن الجاهلية في الابل والغنم
حماس العرب قبل الاسلام
الخرافات عند العرب
الخرافات في عقائد العرب الجاهليين
المرأة في المجتمع الجاهلي
مبدأ العرب ، والعرب العاربة
العرب من ولد قحطان
ملوك اليمن
سيل العرم وتفرّق الأزدْ في البلدان
الحضارة في الامبراطوريتين الفارسية والرومية
دولة الفرس حين ظهور الاسلام
الحضارة الايرانية
اختصاص التعليم بالطبقة الممتازة
حروب اِيران والروم
اضطراب الوضع الديني
الحضارة الروميّة
ملوك الحيرة من اليمنملوك الحيرة من اليمن
سائر ملوك الحيرة ومصيرها
غساسنة الشام
ملوك الشام من اليمن
ولد اِسماعيل بن اِبراهيم عليه‏السلام
يثرب بين اليهود والأوس والخزرج
أصحاب الاخدود
أرياط أو أبرهة
أصحاب الفيل
دخولُ الفرسِ المجوس الى اليمن
أسواقُ العرب
أولاد معد بن عدنان
حفر بئر زمزم
الفصل الثاني الفصل الثاني
الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة الفصل الثالث - البعثة النبويّة المباركة
الفصل الرابع  - إعلان الدعوة الفصل الرابع - إعلان الدعوة
الفصل الخامس  - الإسراء والمعراج الفصل الخامس - الإسراء والمعراج
الفصل السادس  - الهجرة الاُولى الفصل السادس - الهجرة الاُولى
الفصل السابع  - الهجرة الى الطائف الفصل السابع - الهجرة الى الطائف
الفصل الثامن  - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة الفصل الثامن - بيعة العقبة وانتشار الإسلام في المدينة
الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة الفصل التاسع - هجرة المسلمين الى المدينة
الفصل العاشر  - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله الفصل العاشر - المؤامرة لقتل النبي صلى‏الله‏عليه‏و‏آله
موسوعة التاريخ الاسلامي، الجزء 1: العصر النبوي - العهد المكي
تحقيق و تأليف: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفکر الاسلامی
الطبعة: ربيع الثاني 1417 هـ.ق.
ISBN-10:‏ 964-5662-18-4
عدد صفحات: 863
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

غيرة وحميّة ، أم حميّة جاهليّة :

    كما حاولوا أنْ يوجّهوا الجاهليّة بتفسيرها بمعنى الغضب لا عدم العلم والمعرفة ، كذلك حاولوا تحريف الحميّة الجاهليّة المذكورة في القرآن الكريم من كونها صفة ذميمة إلى جعلها خصيصة ذات ميزة للعرب قبل الإسلام ، وذلك بحذف صفة الجاهليّة وإضافة لفظة «الغيرة» إلى «الحميّة» .

    والحقيقة هي أنّ الحميّة صفة ذميمة ، إذ هي تعني أنْ يكون النصر للقبيلة وذوي القرابة فقط ، وإنّ العون لا بدّ وأنْ يمحّض لهم ظالمين كانوا أو مظلومين فلا بدّ من الوقوف إلى جانب ابن القبيلة سواء كان الحقّ له أو عليه ، حتّى قال شاعرهم يمتدحهم بذلك :

(79)

 لا يسألون أخاهم حين يندبهم  في النائبات على ما قال برهانا

    وفي المقابل تتحمّل القبيلة عنه كلّ جناية وجريمة يرتكبها ، وتحميه من كلّ مَن أراده بسوء . وهذا هو التعصّب القبلي الذي لا يرحم ولا يلين . فالتعصب القبلي كان من مميّزات الإنسان العربي وخصائصه .

    ومن الطبيعي أنْ يكون شعور أفراد كلّ قبيلة بالنسبة لأبناء قبيلتهم قويّاً جدّاً ، وذلك بدافع من شعورهم بالحاجة إلى قبائلهم للدفاع عن أنفسهم .

    وهذا هو السرّ في شجاعتهم أيضا ، وذلك أ نّهم بحكم بيئتهم وحياتهم في الصحراء بلا حواجز وموانع طبيعيّة أو غيرها ، كانوا يشعرون بحاجتهم إلى حماية أنفسهم والدفاع عنها ، ولا يردّ عنه إلاّ يده وسيفه ثمّ أهله وعشيرته ، وهو يرى نفسه في كلّ حين عرضة للغزو والنهب والسّلب والغارات والثارات .

    إنّّ حياة البادية والغزو المفاجيء وعمليات الاغتيال ثأراً التي كانت تهدّدهم دائماً ، كلّ ذلك كان يستدعي سرعة الإقدام ومباشرة العمل فوراً ، فإذا اضيف إلى ذلك عدم شعورهم بالمسؤوليّة عمّا يفعلون ، فإنّ الإقدام بلا تروّ ولا تريّث لا بدّ وأنْ يصبح هو الصّفة المميّزة لهم والطّاغية على تصرّفاتهم . . ولذا فقد قلّ أنْ تجد فيهم حليماً .

    وأخيراً فقد نعى القرآن الكريم على الجاهليّة هذه الحميّة فعبّر عنها بالحمية الجاهليّة ، وهذا يعني أ نّها كانت من دون تثبّت في الفكر والرأي بل للجهل ، فكيف تكون ميزة ؟ !

    أجل إنّ الإسلام حاول أنْ يضع هذه الحميّة في خطّها الصحيح وأنْ يجعلها تنطلق من قواعد إنسانيّة وعواطف حقيقيّة وفضائل أخلاقيّة ،

(80)

وبالأخصّ من إحساس دينيّ صحيح ، وأنْ يستفيد منها في بناء الاُمّة على اُسس صحيحة وسليمة . فقد حاول أنْ يوجّه العصبيّة القبليّة وجهة بنّاءة ويقضي على كلّ عناصر الشر والانحراف فيها ، فدعى إلى برّ الوالدين وإلى صلة الرحم ، وجعل ذلك من الواجبات وذلك لربط الاُمّة المسلمة بعضها ببعض . وفي الوقت نفسه أدان كلّ تعصب لغير الحقّ وندّد به وعاقب عليه ، واعتبر ذلك من دعوات الجاهليّة المنتنة كما جاء في بعض نصوص الاحـاديث . وكذلك حاول أنْ يوجّه غيرتهم وحميّتهم وشدّتهم إلى حيث قال تعالى : « أشدّاء على الكفّار »(1) .

 

 

بناء الكعبة المعظّمة :

    يجدر بنا ونحن نحاول دراسة التأريخ الإسلامي أنْ نتعرّف على تأريخ بناء الكعبـة في مكة المكرمة ، وذلك يجرّنا إلى البدء بتأريخ بانيها إبراهيم عليه‏السلام ، فلنبدأ به :

    ومن اجمع مايتضمن قصة الخليل عليه‏السلام ما جاء في «روضة الكافي» بسنده عن عليّ بن إبراهيم القمّي ، عن زيد الكرخي قال :

    سمعت أبا عبد اللّه الصادق عليه‏السلام يقول : إنّ إبراهيم عليه‏السلام كان مولده بكوثاريا وكان أبوه من أهلها ، وكانت اُمّ إبراهيم واُمّ لوط عليهماالسلام ، سارة وورقة اختين ، وهما ابنتان للاحج ، وكان لاحج نبيّاً منذراً ، ولم يكن رسولاً .

    وكـان إبراهيم عليه‏السلام في شبيبته على الفطرة التي فطر الله عزّ وجلّ الخلق عليـها حتّى هداه الله تبارك وتعالى إلى دينه واجتباه وانّه تزوّج سارة ابنة(2) لاحج ، وهي ابنة خالته ، وكانت سارة صاحبة ماشية كثيرة


(1) الفتح : 29 .

(2) قد علّق العلاّمة المجلسي في الجزء 26 من مرآة العقول على ذلك بأنّه لا بدّ وأن تكون ابنة ابنة لاحج ، ولعلّ السقط من النسّاخ حيث تصوّر أنّها زائدة .

(81)

وأرض واسعة وحال حسنة ، وكانت قد ملّكت إبراهيم عليه‏السلام جميع ما كانت تملكه ، فقـام فيه وأصلحه وكثرت الماشية والزرع حتّى لم يكن بأرض كوثاريا رجل أحسن حالاً منه .

 

    وإنّ إبراهيم لمّا كسّر اصنام نمرود وأمر به نمرود فاُوثق ، وعمل له حايراً وجمع له فيه الحطب وألهب فيه النار ، ثمّ قذف إبراهيم عليه‏السلام في النار لتحرقه ، ثمّ اعتزلوها حتّى خمدت النار . ثمّ اشرفوا على الحاير فإذا إبراهيم عليه‏السلام سليماً مطلقاً من وثاقه . فاُخبر نمرود خبره ، فأمرهم أنْ ينفوا إبراهيم عليه‏السلام من بلاده ، وأنْ يمنعوه من الخروج بماشيته وماله فحاجّهم إبراهيم عليه‏السلام عند ذلك فقال : إن أخذتم ماشيتي ومالي فإنّ حقّي عليكم أنْ تردّوا عليّ ما ذهب من عمري في بلادكم ! واختصموا إلى قاضي نمرود فقضى على اصحاب نمرود أنْ يردّوا على إبراهيم عليه‏السلام ماله ! وأخبر بذلك نمرود ، فأمرهم أنْ يخلّوا سبيله وسبيل ماشيته وماله ويخرجوه وقال : إنّه إن بقي في بلادكم أفسد دينكم ( ! ) وأضرّ بآلهتكم . فأخرجوا إبراهيم ولوطاً عليهماالسلام معه من بلادهم إلى الشام .

    فخرج إبراهيم ـ ومعه لوط لا يفارقه ـ وسارة ، وقال لهم «إنّي ذاهب إلى ربّي سيهدين» يعني إلى بيت المقدس . فتحمّل إبراهيم بماشيته وماله ، وعمل تابوتاً وجعل فيه سارة وشدّ عليها الاغلاق غيرةً منه عليها . ومضى حتّى خرج من سلطان نمرود ، وصار إلى سلطان رجل من القبط يقال له : عزارة ، فمرّ بعاشر له فاعترضه العاشر ليعشّر ما معه ، فلما انتهى إلى العاشر ومعه التابوت قال العاشر لإبراهيم عليه‏السلام : إفتح هذا التابوت لنعشّر ما فيه ،

(82)

فقال له إبراهيم عليه‏السلام : قل ما شئت فيه من ذهب أو فضة حتّى نعطي عشره ولا نفتحه . فأبى العـاشر إلاّ فتحه ، وغضب إبراهيم عليه‏السلام على فتحه . فلما بدت له سارة ـ وكانت موصوفة بالحسن والجمال ـ قال له العاشر : ما هذه المرأة منك ؟ قـال إبراهيم عليه‏السلام : هي حرمتي وابنة خالتي . فقال له العاشر : فما دعاك إلى أنْ خبّيتها في هذا التابوت ؟ فقال إبراهيم عليه‏السلام : الغيرة عليها أنْ يراها أحد ! فقال له العاشر : لست أدعك تبرح حتّى اُعلم الملك حالها وحالك .

 

    فبعث رسولاً إلى الملك فأعلمه ، فبعث الملك رسولاً من قبله ليأتوه بالتابوت ، فأتوا ليذهبوا به فقال لهم إبراهيم عليه‏السلام : إنّي لست اُفارق التابوت حتّى يفـارق روحي جسدي ! فاخبروا الملك بذلك ، فأرسل الملك : أنْ احملوه والتابوت معه . فحملوا إبراهيم عليه‏السلام والتابوت وجميع ما كان معه حتّى اُدخل على الملك ، فقال له الملك : افتح التابوت ! فقال له إبراهيم عليه‏السلام : أيّها الملك إنّ فيه حرمتي وابنة خالتي وأنا مفتد فتحه بجميع ما معي .

    فغصب الملك إبراهيم عليه‏السلام على فتحه ، فلما رأى سارة لم يملك حلمه سفهه أنْ مدّ يده إليها ، فأعرض إبراهيم عليه‏السلام وجهه عنها وعنه ـ غيرة منه ـ وقال : اللّهم احبس يده عن حرمتي وابنة خالتي ! فلم تصل يده اليها ولم ترجع اليه !

    فقال له الملك : إنّ إلهك هو الذي فعل بي هذا ؟ فقال له : نعم إنّ إلهي غيور يكره الحرام ، وهو الذي حال بينك وبين ما أردته من الحرام .

    فقال له الملك : فادع إلهك يردّ عليّ يدي ، فإنْ أجابك فلن أعرض لها . فقال إبراهيم عليه‏السلام : إلهي ردّ إليه يده ليكفّ عن حرمتي ، قال : فردّ اللّه عزّ وجلّ إليه يده .

(83)

    فأقبل الملك نحوه ببصره ثمّ عاد بيده نحوها فأعرض إبراهيم عنه بوجهه غيرة منه ، وقال : اللّهم احبس يده عنها . قال : فيبست يده ولم تصل إليها .

    فقـال الملك لإبراهيم عليه‏السلام : إنّ إلهك لغيور ، وإنّك لغيور ، فادع إلهك يردّ إليّ يدي ، فإنّه إنْ فعل لم أعد ! فقال إبراهيم عليه‏السلام : أسأله ذلك على أ نّك إن عدت لم تسألني أنْ أسأله ! فقال له الملك : نعم ، فقال إبراهيم : نعم .

    فقال إبراهيم عليه‏السلام : اللّهم إن كان صادقاً فردّ يده عليه . فرجعت إليه يده . فلمّا رأى ذلك الملك من الغيرة ما رأى ، ورأى الآية في يده ، عظّم إبراهيم عليه‏السلام وهابه وأكرمه واتّقاه ، وقال له : قد أمنت من أنْ أعرض لها أو لشيء ممّا معك فانطلق حيث شئت ، ولكن لي إليك حاجة ! فقال إبراهيم عليه‏السلام : ما هي ؟ فقال له : اُحبّ أنْ تأذن لي أنْ اُخدمها قبطيّة عندي جميلة عاقلة تكون لها خادماً ، فأذِنَ إبراهيم عليه‏السلام فدعا بها فوهبها لسارة ، وهى هاجر اُمّ إسماعيل عليه‏السلام .

    فسار إبراهيم عليه‏السلام بجميع ما معه ، وخرج الملك معه يمشي خلف إبراهيم عليه‏السلام إعظاماً لإبراهيم وهَيْبةً له ، فأوحى اللّه تبارك وتعالى إلى إبراهيم عليه‏السلام : أنْ قف ولا تمشِ قدّام الجبّار المتسـلّط وهو يمشي خلفك ، ولكن اجعله أمامك وامشِ خلفه وعظّمه وهبه فإنّه مسلّط ، ولا بدّ من إمرةٍ في الأرض برّةٍ أو فاجرة ! فوقف إبراهيم عليه‏السلام وقال للملك : امضِ ، فإنّ إلهي أوحى إليّ الساعة : أنْ اُعظّمك وأهابك ، وأنْ اُقدّمك أمامي وأمشي خلفك إجلالاً لك ! فقال له الملك : أوحى إليك بهذا ؟ فقال إبراهيم عليه‏السلام : نعم . فقال له الملك : أشهد أنّ إلهك لرفيق حليم كريم ، وانّك ترغّبني في دينك ! وودّعه الملك .

(84)

    فسار إبراهيم عليه‏السلام حتّى نزل بأعلى الشامات وقد خلّف لوطاً عليه‏السلام في أدنى الشامات .

    ثمّ إنّ إبراهيم عليه‏السلام لمّا أبطأ عليه الولد قال لسارة : لو شئت لبعتني هاجر لعلّ اللّه أنْ يرزقنا منها ولداً فيكون لنا خلفا ؟ ! فابتاع إبراهيم عليه‏السلام هاجر من سارة فتزوّج بها ، فولدت إسماعيل عليه‏السلام (1) .

    وروى علي بن إبراهيم القمّي في تفسيره عن أبيه عن هشام عن أبي عبد اللّه الصادق عليه‏السلام قال :

 

    إنّ إبراهيم عليه‏السلام كان نازلاً في بادية الشام ، فلمّا ولد له من هاجر إسماعيل اغتمّت سارة من ذلك غمّاً شديداً لأ نّه لم يكن له منها ولد ، فكانت تؤذي إبراهيم في هاجر وتغمّه ، فشكى إبراهيم ذلك إلى اللّه عزّ وجلّ ، فأوحى اللّه إليه ، إنّما مثل المرأة مثل الضلع الأعوج ، إن تركتها استمتعت بها وإن أقمتها كسرتها . ثمّ أمره أنْ يُخرج إسماعيل واُمّه ، فقال : يا ربّ إلى أيّ مكان ؟ قال : إلى حَرَمي وأمني وأوّل بقعةٍ خلقتها من الأرض وهي مكّة . فأنزل اللّه عليه جبرئيل بالبراق فحمل هـاجر وإسماعيل . وكان إبراهيم لا يمرّ بموضعٍ حَسَن فيه شجر ونخل وزرع إلاّ قال : يا جبرئيل إلى ها هنا ؟ إلى ها هنا ؟ فيقول : لا ، امضِ ، امضِ ، حتّى أتى مكة ، فوضعه في موضع البيت .

    وقد كان إبراهيم عليه‏السلام عاهد سارة : أنْ لا ينزل حتّى يرجع إليها ، فلمّا نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجرة ، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها فاستظلّوا تحته ، فلمّا سترهم ووضعهم وأراد الانصراف منهم إلى سارة قالت له هاجر : يا إبراهيم لِمَ تَدَعُنا في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء


(1) روضة الكافي : 304 ـ 306 ط النجف الأشرف ، وانظر تفسير القمي 1 : 206 ، 207 ط النجف الأشرف .

(85)

ولا زرع ؟ !

 

    فقال إبراهيم : اللّه الذي أمرني أنْ أضعكم في هذا المكان حاضر عليكم . ثمّ انصرف عنهم فلمّا بلغ كُداء ـ وهو جبلٌ بذي طوى ـ التفت إليهم إبراهيم فقال : « ربّنا إنّي أسكنت من ذريّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلّهم يشكرون »(1) ثمّ مضى وبقيت هاجر .

    فلمّا ارتفع النهار عطش إسـماعيل وطلب الماء ، فقامت هاجر في الوادي في موضع المسعى ونادت : هل في الوادي من أنيس ؟ ! فغاب عنها إسماعيل ، فصعدت على الصفا ولمع لها السراب في الوادي وظنّت أ نّه ماء وسعت ، فلمّا بلغت المسعى غاب عنها ، ثمّ لمع لها السراب في ناحية الصفا فعادت حتّى بلغت الصفا ، حتّى فعلت ذلك سبع مرّات ، فلمّا كان في الشوط السابع وهي على المروة نظرت إلى إسماعيل وقد ظهر الماء من تحت رجله ، فعادت حتّى جمعت حوله رملاً فزمّته بما جعلته حوله فلذلك سمّيت زمزم .

 

    وكانت جُرْهُم نازلة بذي المجاز وعرفات ، فلمّا ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء فنظرت جُرهُم إلى تعكّف الطير على ذلك المكان فاتّبعوها حتّى نظروا إلى امرأة وصبيّ في ذلك الموضع قد استظلّوا بشجرة ، وقد ظهر الماء لهما . فقالوا لهاجر : من أنت وما شأنك وشأن هذا الصبيّ ؟ فقالت : أنا اُمّ ولد إبراهيم خليل الرحمن وهذا ابنه ، أمره الله أنْ ينزلنا ها هنا . فقالوا لها : أيّتها المباركة أفتأذني لنا أنْ نكون بالقرب منكما ؟

    فلمّا زارهم إبراهيم عليه‏السلام في اليـوم الثالث قالت هاجر : يا خليل الله إنّ ها هنا قوماً من جُرهُم يسألونك أنْ تأذن لهم حتّى يكونوا بالقرب منّا ،


(1) ابراهيم : 37 .

(86)

أفتأذن لهم في ذلك ؟ فقال إبراهيم : نعم . فأذنت ، فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم ، فأنست هاجر اُمّ إسماعيل بهم .

 

    فلمّا زارهم إبراهيم في المرّة الثالثة نظر إلى كثرة الناس حولهم فسرّ بهم سروراً شديدا . وكانت جُرهُم قد وهبوا لإسماعيل كلّ واحد منهم شاة وشاتين فكانت هاجر وإسماعيل يعيشان بها .

    فلمّا بلغ إسماعيل مبلغ الرجال أمر اللّه إبراهيم عليه‏السلام أنْ يبني البيت ، فقال : يا ربّ في أيّ بقعة ؟ قال : في البقعة التي أنزلت على آدم القبّة فأضاء لهـا الحرم فلم تزل البقعة التي أنزلتها على آدم قائمة حتّى كان طوفان نوح فلما غرقت الدنيا رفعت تلك القبة وغرقت الدنيا إلاّ موضع البيت . فبعث الله جبرئيل عليه‏السلام فخطّ له موضع البيت ، وأنزل اللّه عليه القواعد من الجنّة ، ونقل إسماعيل الحجر من ذي طوى ، وبنى إبراهيم البيت فرفعه إلى السماء تسعة إذرع . وكان الحجر الذي أنزله الله على آدم أشدّ بياضاً من الثلج ، فاستخرجه إبراهيم عليه‏السلام ووضعه في موضعه الذي هو فيه . وجعل له بابين : باباً إلى المشرق وباباً إلى المغرب يسمّى المستجار ، ثمّ ألقى عليه الشجر والاذخر(1) وعلّقت هاجر إلى بابه كساء كان معها فكانوا يكنّون تحته .

    فلما بناه وفرغ منه نزل عليهما جبرئيل عليه‏السلام يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجّة فقال : يا إبراهيم قم فارتوِ من الماء . لأ نّه لم يكن بمنى وعرفات مـاء ، فسمّيت التروية لذلك ، ثمّ أخرجه إلى منى فبات بها ، ففعل به ما فعل بآدم عليه‏السلام (2) .

 

    وروى علي بن إبراهيم القمّي أيضا عن أبيه عن معاوية بن عمار عن


(1) الاذخر : نبات طيب الرائحة .

(2) تفسير القمي 1 : 60 ـ 62 .

(87)

أبي عبد الله عليه‏السلام أ نّه قال : إنّ إبراهيم عليه‏السلام أتاه جبرئيل عند زوال الشمس من يوم التروية فقال : يا إبراهيم ارتو من الماء لك ولأهلك ـ ولم يكن بين مكة وعرفات ماء ـ فسمّيت التروية بذلك . فذهب به حتّى انتهى به إلى منى فصلّى به الظهر والعصر و العشائين والفجر ، حتّى إذا بزغت الشمس خرج إلى عرفـات فنزل بنَمِرَة ، وهي بطن عرفة . فلمّا زالت الشمس خرج واغتسل فصلّى الظهر والعصر بأذان واحد وإقامتين ، وصلّى في موضع المسجد الذي بعرفات ـ وقد كانت ثمّة أحجار بيض فاُدخلت في المسجد الذي بُني ـ ثمّ مضى به إلى الموقف فقال : يا إبراهيم اعترف بذنبك ، واعرف مناسكك . ولذلك سميت عرفة . فأقام به حتّى غربت الشمس ، ثمّ أفاض به فقـال : يا إبراهيم ازدلف إلى المشعر الحرام ـ فسمّيت المزدلفة ـ وأتى به المشعر الحرام ، فصلّى به المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين ، ثمّ بات بها فرأى في النوم أ نّه يذبح ابنه . . . حتّى إذا صلّى بها صلاة الصبح أراه الموقف .

 

    ثمّ أفاض إلى منى فأمره فرمى جمرة العقبة عندما ظهر له إبليس لعنه اللّه ، وأمر أهله فسارت إلى البيت ، واحتبس الغلام ، فانطلق به إلى موضع الجمرة الوسطى ، فاستشار ابنه وقال ـ كما حكى اللّه « يا بنيّ إنّي أرى في المنام أ نّي أذبحك فانظر ماذا ترى » فقال الغلام ـ كما حكى اللّه « يا أبَتِ افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء اللّه من الصابرين »(1) .

    وأقبل شيخ فقال : يا إبراهيم ما تريد من هذا الغلام ؟ قال : اُريد أنْ أذبحه ! فقال : سبحان اللّه ! تذبح غلاماً لم يعصِ اللّه طرفة عين !

 

    فقال له إبراهيم : ويلك إنّ الذي بلّغني هذا المبلغ هو الذي أمرني به !


(1) الصافّات : 102 .

(88)

    فقال : لا واللّه ما أمرك بهذا إلاّ الشيطان !

    فقال إبراهيم : لا واللّه لا اُكلّمك ، ثمّ عزم إبراهيم على الذبح .

    فقال : يا إبراهيم إنّك إمامٌ يُقتدى بك ، وإنّك إن ذبحته ذبح الناس أولادهم ! فلم يكلّمه . وأقبل إلى الغلام فاسـتشاره في الذبح ، فقال الغلام كـما حكى اللّه : امضِ كما أمرك اللّه به ، فلمّا أسلما جميعا لأمر اللّه قال الغلام : يا أبَتِ خمّر(1) وجهي وشدّ وثاقي !

    فقال إبراهيم : يا بنيّ ! الوثاق مع الذبح ؟ لا واللّه لا أجمعهما عليك اليوم ، فرمى له بقرطان الحمار(2) ثمّ أضجعه عليه وأخذ المدية فوضعها على حلقه ، ورفـع رأسه إلى السماء ثمّ انتحى عليه بالمدية فقلّب جبرئيل المدية على قفاها وأثار الغلام من تحته ، واجترّ الكبش من قبل ثبير الجبل الذي عن يمين مسجد منى وكان أملح أغبر أقرن يمشي في سواد ويأكل في سواد ، فوضعه مكان الغلام ، ونودي من (قبل) مسجد الخيف « أنْ يا إبراهيم قد صدّقت الرؤيا إنّا كذلك نجزي المحسنين إنّ هذا لهو البلاء المبين »(3) .

 

    ولحق ابليس باُمّ الغلام بحذاء البيت في وسط الوادي فقال لها : رأيت شيخاً ومعه وصيف قد أضجعه الشيخ وأخذ المدية ليذبحه !

 

    فقالت : كذبت ، إنّ إبراهيم أرحم الناس ، كيف يذبح ابنه !

    قال : فوربّ السّماء والأرض وربّ هذا البيت ، لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية !

    فقـالت : ولِمَ ؟ قال : زعم أنّ ربّه أمره بذلك . فوقع في نفسها أ نّه قد


(1) خمّر : استره بالخمار .

(2) قرطان الحمار : مايجعل على ظهره من الجُلّ والقماش .

(3) الصافّات : 104 ـ 106 .

(89)

اُمر في ابنها بأمر ، فقالت : فحقّ له أنْ يطيع ربّه . ولمّا قضت مناسكها أسرعت في الوادي راجعة إلى منى .(1) .

 

    وما جاء في خبر علي بن إبراهيم القمّي عن الإمام الصادق عليه‏السلام : أنّ الكعبة كانت قبل طوفان نوح قبّة ضربها آدم عليه‏السلام بموضع البيت ، يؤيده ما جاء في الخطبة المعروفة بالقاصعة للامام علي عليه‏السلام انّه قال :

 

    «ألا ترون أنّ اللّه سبحانه اختبر الأولين من لدن آدم ـ صلوات اللّه عليه ـ وإلى الآخرين من هذا العالم ، بأحجار لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع ، فجعلها بيته الحرام الذي جعله للناس قياماً . ثمّ وضعه بأوعر بقـاع الأرض حجراً وأقل نتائق الدنيا مدراً ، وأضيق بطون الأودية قطراً ، بين جبال خشنة ورمال دمثة ، وعيون وشلة وقرى منقطعة ، لا يزكو بها خفّ ولا حـافر ولا ظلف . ثمّ امر آدم وولده : أنْ يثنوا اعطافهم نحوه ، فصار مثابة لمنتجع اسفارهم وغاية لملتقى رحالهم ، تهوى إليه الأفئدة من مفاوز سحيقة . .»(2) .

    ولعلّ هذا هو معنى قوله تعالى « وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربّنا تقبّل منا انك أنت السميع العليم ربّنا واجعلنا مسلمَين لك ومن ذُريّتنا اُمةً مسلمةً لك وأرِنا مناسكنا وتب علينا انك أنت التواب الرحيم »(3) فانّ رفع القواعد يفيد انها كانت قد وضعت قبل ذلك وإنّ إبراهيم هو الذي رفعها وشيّد على أساسها وإن لم تكن بقيت بعد طوفان نوح ، حيث قرأنا في الخبر عن الإمام الصادق عليه‏السلام أنّ جبرئيل هو الذي دلّ إ براهيم عليه‏السلام على


(1) تفسير القمّي 2 : 224 ـ 226 .

(2) نهج البلاغة ، الخطبة : 192 ، صبحي الصالح .

(3) البقرة : 127 و 128 .

(90)

موضع البيت .

 

    وحيث لاحظ إ براهيم عليه‏السلام أنّ البيت قد وضع في بقعة يصعب فيها الحياة قال :

    « ربّنا إنّي أسكنت من ذريّتي بوادٍ غير ذي زرعٍ عند بيتك المحرّم ربّنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدةً من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون »(1) . واستجيبت دعوته فاصبحت الكعبة قبلة المسلمين ومهوى افئدة المؤمنين .

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_964-5662-18-4_ch01-01.htm