فهرس الکتاب
Skip Navigation Links.
النجاة في القيامة في تحقيق أمر الإمامة
تصحيح و تعليق: محمد هادي اليوسفي الغروي

الناشر: مجمع الفكر الإسلامي
الطبعة: 1413 هـ ق.
عدد صفحات: 264
فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>

الباب الأول في الشرائط المعتبرة في الإمامة


1 - في كون الإمام معصوما

2 - في أن الإمام يجب أن يكون أفضل من رعيته

3 - في أن الإمام يجب أن يكون عالما بكل الدين

4 - في السبب الذي يتعين به الإمام

وفيه أبحاث:


البحث الأول
في كون الإمام معصوما


قالت الإمامية والإسماعيلية: أن العصمة شرط في الإمامة، وإن اختلفوا في علة وجوبها، فإن الإسماعيلية بنوا وجوبها على أنه لما كان الإمام معلما للمكلفين ما يحتاجون إليه من العلوم وجب أن لا يخطئ، وقالت الإمامية: إنما وجبت في حقه لكونه لطفا، فلو لم يكن معصوما لم يكن لطف إذ لا إمام غيره.

وقال الباقون من الأمة: إنها ليست بشرط.

وقبل إثبات هذا المطلوب لا بد من بيان معنى العصمة:

فنقول: العصمة ملكة نفسانية يمتنع معها المكلف من فعل المعصية. إذا عرفت هذا فنقول: لنا في وجوب كون الإمام معصوما وجوه:

الأول: لو لم يكن الإمام معصوما للزم التسلسل في وجود الأئمة، والثاني


الصفحة 56
باطل فالمقدم مثله.

بيان الشرطية: أن علة حاجة الخلق إلى الإمام إنما هي جواز الخطأ عليهم، بدليل أنا متى تصورنا جواز الخطأ عليهم استلزم ذلك التصور حاجتهم إلى الإمام من غير توقف على تصور أمر آخر، وذلك يوجب كون جواز الخطأ علة حاجتهم إلى الإمام، فلو ثبت جواز الخطأ عليه لكانت حاجته إلى إمام آخر حاصلة، لقيام علة الحاجة فيه، ولزم التسلسل. وأما بيان بطلان التالي فظاهر.

لا يقال: لا نسلم أنه لو لم يكن معصوما لافتقر إلى إمام آخر، بل يكون خوفه من قيام الأمة عليه وعزله لو ارتكب خطأ يقوم في حقه مقام الإمام في حق غيره، وحينئذ لا حاجة إلى إمام آخر.

سلمناه لكن ذلك معارض بأمرين:

أحدهما: أن علة الحاجة إلى وجود الإمام هي بعينها علة الحاجة إلى الأمراء والقضاة، وبالاتفاق لا تجب عصمتهم، فلا تجب عصمة الإمام.

الثاني: مفهوم الإمامة مركب من قيدين: أحدهما: نفوذ حكم الإمام على الغير، والثاني: عدم نفوذ حكم غيره عليه، فلو وجبت العصمة لكان وجوبها إما للقيد الأول، أو للثاني، أولهما، والتالي بالأقسام الثلاثة باطل. لما أن الأمير الذي في الصقع البعيد عن الإمام بحيث لا يصله حكم الإمام يكون كل واحد من تلك الأقسام متحققا فيه، مع أنه لا تجب عصمته بالاتفاق.

الثالث(1): أنا سنبين أن إمامة الأئمة الثلاثة كانت صحيحة، مع أنهم ما كانوا معصومين، وحينئذ يتبين عدم وجوب اشتراط عصمة الإمام.

 

____________

(1) سيظهر من خلال أجوبة المؤلف على هذه المناقشات أنها أربعة، أولها ما ذكره بعد قوله:


الصفحة 57
لأنا نجيب عن الأول: من وجهين:

لا يقال.

 

أحدهما: أن الأمة غير معصومة فكان الخطأ عليهم جائزا، فبتقدير أن يرتكب الإمام الكبائر جاز حينئذ أن يتابعوه على ذلك، وعند متابعته لا يكون له منهم خشية إنكار عليه، فتحقق حاجته إلى إمام آخر، ويعود المحذور المذكور.

الثاني: أن كل من تصفح أحوال العالم وعوائدهم اضطر إلى الحكم بأن الرعية في غالب الأوقات لا يتمكنون من عزل الملوك الظالمين فجاز حينئذ أن يتغلب عليهم ولا يكون له منهم خوف.

وعن الثاني: أن الفرق بين الأمراء والقضاة وبين الإمام ظاهر، فإنا إنما لم نوجب عصمة من عداه لأنهم عند أن يرتكبوا ما لا يجوز كان الإمام هو الآخذ على أيديهم والرادع لهم عما ارتكبوه من ذلك، وهذا الحكم غير موجود في حقه من جهتهم، لجواز اتفاقهم على الخطأ على ما بيناه أولا.

وعن الثالث، من وجوه:

أحدها: لا نسلم أن الإمامة مركبة من القيدين المذكورين(1)، وبيانه: أن القيد الأول وجودي والثاني عدمي ولا يتركب منهما حقيقة محصلة بل ماهية الإمامة ما ذكرناه أولا(2)، وهذان القيدان لازمان لها.

الثاني: لا نسلم الحصر في الأقسام المذكورة، على أنا قد بينا سبب وجوب العصمة وذلك يستلزم عدم الحصر فيما ذكراه من الأقسام الثلاثة، سلمنا الحصر لكن لم لا يجوز أن يكون وجوبها لأجل نفوذ حكمه على كل من عداه من المسلمين، والأمير المفروض في السؤال غير نافذ الحكم على كل المسلمين، فلم

____________

(1) الأول: نفوذ حكمه على غيره. والثاني: عدم نفوذ حكم غيره فيه.


الصفحة 58
تكن علة وجوب العصمة متحققة في حقه فلم تجب عصمته.

(2) الإمامة: رئاسة عامة في أمور الدين والدنيا.

 

وعن الرابع: أنا سنبين إن شاء الله تعالى أن إمامة المذكورين لم تكن حقا وبالله التوفيق.

البرهان الثاني: الإمام تجب متابعته بمجرد قوله، وكل من كان كذلك كان واجب العصمة، فالإمام واجب العصمة. أما أنه تجب متابعته فلوجهين:

أما أولا: فبالاتفاق لأنه لا نزاع في وجوب متابعته على العامي في الفتوى والحكم، ومتابعة من ينصبه لهما، وأن العالم والعامي يجب عليهما متابعته في سياسته، وعدله وتوليته، وأمره ونهيه، وتنفيذه إلى الغزوات، وإقامة الحدود والتعزيرات. وأما أن ذلك بمجرد قوله فلأنه لو كان لأمر آخر ما كان فعلنا متابعة له، لأنا لا نوصف بمتابعة اليهود مثلا في اعتقاد نبوة موسى (عليه السلام)، وذلك ظاهر.

وأما ثانيا: فلأنه لو جاز خلافه لجاز إما في كل الأحكام أو في بعضها، والأول محال، لأن الأحكام الحقة لا يجوز خلافها، والثاني أيضا باطل، لأنا على تقدير أنا خالفناه في حكم جاز أن يكون ذلك الحكم في نفسه حقا، وحينئذ يكون قد خالفنا الحق وإنه غير جائز. وبتقدير تسليمه فالمقصود حاصل لأن مقصودنا ليس إلا وجوب اتباعه في بعض الأحكام.

وأما الكبرى: فلأنه لو لم يكن معصوما لجاز أن يخطئ الحق ويرتكب خلافه ونحن لا نعرفه، فبتقدير ذلك منه وقد وجب اتباعه وجب علينا حينئذ ارتكاب ما نهينا عنه، هذا خلف.

لا يقال: لا نسلم أن الإمام تجب متابعته، قوله: " لو جاز خلافه لجاز إما في كل الأحكام أو في بعضها " قلنا: لم لا يجوز أن يكون في بعضها؟ قوله: " يجوز أن يكون ذلك في نفسه حقا فنكون قد خالفنا الحق " قلنا: لا نسلم، وهذا بناء على


الصفحة 59
أن الحق في جهة، وذلك ممنوع، فلم لا يجوز أن يكون كل مجتهد مصيبا؟! وحينئذ يجوز أن يخالفه العلماء ويكونوا مصيبين وإن كان هو أيضا مصيبا.

سلمنا أنه تجب متابعته بمجرد قوله فلم قلتم إن كل من كان كذلك وجب أن يكون معصوما؟

قوله: " لو جاز عليه الخطأ فبتقدير أن يأتي به نكون مأمورين باتباعه فيه فنكون مأمورين بفعل الخطأ وإنه غير جائز ".

قلت: هذا معارض بأمور:

أحدها: أنه تجب على الرعية متابعة القاضي والأمير بمجرد قولهما، مع أنه لا تجب عصمتهما.

وليس لقائل أن يقول: أن الإمام من وراء القاضي والأمير فيكون آخذا على أيديهما ومقوما لزيغهما.

لأنا نقول: هذا متصور في أمير قريب الدار من الإمام بحيث يمكنه تدارك ما يهم من سفك الدماء وإباحة الفرج الحرام، فما القول في أمير يبعد عن الإمام بألف فرسخ(1) فإنه يجب على الرعية الانقياد لقبول قوله، مع أن الإمام غير منتفع به في حق مثل هذا الأمير عند تفريطه. وهب أن الإمام يدارك ذلك في ثاني الحال ولكن كيف ما كان فإنه يجب على الرعية(2) الانقياد للأمير الظالم في تلك الحال، وأيضا فأي نفع للمقتول ظلما والموطوءة حراما في تدارك الإمام بعد ذلك.

وثانيها: أن المفتي من الشيعة يجب متابعة قوله مع أنه ليس بمعصوم.

 

____________

(1) فرسخ: معرب عن الفارسية: فراسنگ، بعد ما بين الحجرين المنصوبين في الطريق علامة. والفرسخ يعادل: خمس كيلومترات ونصف كيلومتر تقريبا.


الصفحة 60
وثالثها: يجب على الحاكم الحكم بشهادة من ظاهره العدالة مع أنه لا تجب عصمة الشاهد.

(2) في النسختين: للرعية.

 

ورابعها: أنه يلزم العبد طاعة سيده فيما لا يعلمه محرما، وكذلك الابن لوالده، مع أنه لا تجب عصمة السيد والوالد.

وخامسها: أن المأموم يتبع الإمام في الصلاة وإن جوز أن يكون فعل الإمام محظورا بأن قصد بركوعه وسجوده عبادة صنم، فضلا عن وجوب عصمته.

والجواب عن الأول: أنه ثبت في أصول الفقه أن الحق في جهة، وحينئذ يجوز أن تكون تلك الجهة جهة الإمام. فلو جوزنا خلافه لجاز أن يقع ذلك خلاف الحق، وحينئذ يعود المحال! سلمناه، لكن خطأ في أمر منصوص عليه جائز، وحينئذ يعود الإلزام.

وعن المعارضات:

أما عن الأولى: فهو أنا لا نسلم أن متابعة الأمير والقاضي بمجرد قولهما، بل لقيام قولهما مقام قول الإمام ولأمره لنا باتباع أقوالهما، ولهذا فإنه لو خالفت أوامرهما شيئا من الشريعة وجب على الخلق مراجعة الإمام.

قوله: " هذا إنما يتصور في أمير قريب الدار من الإمام أما في البعيد بحيث لا يتمكن تلافي ما يفعله " إلى آخره.

قلت: الأمير المفروض إما أن يمكن للإمام تدارك كل الأحكام عنه، أو لا يمكن تدارك شئ منها، أو يمكن تدارك بعضها دون البعض، وعلى التقديرات الثلاثة فاشتراط عصمة الإمام إنما هو للقدر الممكن من تدارك الأحكام، وسواء كان امتناع التدارك لبعد المسافة أو لعدم الاطلاع فإن كل ذلك لا يقدح في اشتراط وجوب العصمة، لأنه لا يلزم من اشتراط العصمة اطلاع المعصوم على كل الكائنات، ولا اقتداره على ما يخرج عن طاقة البشر.


الصفحة 61
وبه خرج الجواب عن الثانية وعن الثالثة: فإن قبول فعل الشاهد ليس بمجرد قول، بل لأن قوله أفاد ظنا أمرنا بوجوب العمل به، حتى [ أنه ] لو لم يفد قوله الظن لم يجب بمجرد قوله.

وعن الرابعة: أن متابعة الإمام في الصلاة ليست أيضا بمجرد قوله، بل لقيامه مقام الإمام الحق، حتى لو اختل أمر إمامته وجبت مراجعة الإمام الأكبر.

وعن الخامسة: أن حكم الأب والسيد في حق الولد والعبد حكم الأمير في رعيته، وقد مر الجواب عنه وهو جواب المعارضة الأولى، وبالله التوفيق.

البرهان الثالث: أنه لو جاز الخطأ على الإمام فبتقدير أن ترجح المفاسد التي تحصل من نصبه على المصالح يجب عزله وتولية غيره بالإجماع، لكن عزله محال، لأن العازل له إما آحاد الأمة أو مجموعها، والقسمان باطلان، فيمتنع وجوب عزله.

[ و ] إنما قلنا أنه يستحيل أن يكون العازل له آحاد الأمة لوجوه ثلاثة:

أحدها: لو صح من أحدهم عزله كما صح عزل آحادهم لم يتميز حاله عن حال كل واحد منهم، فحينئذ لا يكون هو أولى بالإمامة من أحدهم.

الثاني: أن كل من شاهد أحوال الملوك والرعايا وتصفح كثيرا من جزئيات العالم، علم بالضرورة بحسب مقتضى العادة أن كل واحد من آحاد الرعية لا يتمكن من عزل ملك بلدته فضلا عن ملك الأرض بجملتها.

الثالث: أنه يلزم أن يكون كل واحد من الرعية لطفا في حق الإمام الذي هو لطف في حق كل واحد منهم، فيلزم الدور.

وإنما قلنا: أنه لا يجوز أن يكون العازل له مجموع الأمة لوجوه:

أحدها: أن رعية الإمام هو مجموع أهل الأرض، لكن اجتماع أهل الأرض


الصفحة 62
على الشئ الواحد محال في العرف والعادة، ولو سلمنا في صورة لكن لا نسلمه في كل صورة، فإن اجتماعهم على إزالة ملك الأرض الذي قد خضعت له الرقاب ورغبت فيه طوائف من الأصدقاء وأحاطت به الغلمان، أصعب وأعز من اجتماعهم على دفع منكر لا مخافة في دفعه.

الثاني: أنه وإن أمكن ذلك في حق الإمام على سبيل الندور في بعض المعاصي، لكن لا يكفي ذلك في منع الإمام عن جميع المعاصي واجتماعهم على دفعه عند كل معصية(1) محال.

الثالث: أنا نعلم أن كل واحد من الرعية يخالف غيره لا يوافقه على المخالفة على الإمام قتله، فيكون خلافه سببا لقتله(2) وإذا كان ذلك حاصلا لكل واحد من آحاد الأمة لم يتحقق المجموع على الاتفاق، وبالله التوفيق.

احتج الخصم بأنه لو وجب نصب الإمام المعصوم على الله لفعله، ولو فعله لكان ظاهرا، لأنا نعلم بالضرورة أن هذا المقصود لا يحصل إلا إذا كان ظاهرا متمكنا من الترغيب والترهيب، فأما إذا كان مستخفيا عن الخلق لم يحصل منه البتة شئ من المنافع.

والجواب: أن اللطف الحاصل لانبساط يده ذو أجزاء ثلاثة، جزء يجب على الله فعله، وهو إيجاد الإمام المعصوم بجميع شرائط الإمامة، والثاني يجب على الإمام نفسه، وهو تحمل أعباء الإمامة والقيام بأمورها، والثالث يجب على سائر المكلفين، وهو تمكينه والانقياد تحت أوامر أقلامه.

ثم إن الماهية المركبة لا تحصل إلا بتمام أجزائها، والجزء الفائت من اللطف

____________

(1) في الأصلين: مصيبة، وهو غير مصيب.


الصفحة 63
ها هنا إنما هو المتعلق بالمكلفين، فإنهم لما خوفوا الإمام لا جرم كان مستترا منهم، ولم يلزم من ذلك عدم وجوده، فإن الجزء المتعلق بالله تعالى أو الجزء المتعلق به نفسه موجودان.

(2) كذا في الأصلين.

 

سلمناه، لكن لا نسلم أنه ليس بظاهر، وقد بينا أنه يظهر لأوليائه والانتفاع به قائم.

لا يقال: الله تعالى قادر على أن ينصره بجيش معصوم يزيلون الخوف عنه، سلمناه، لكن لم لم يخلق الله تعالى في نفسه من القدرة والعلم ما يطلع بها على بواطن الخلق، ويقوى على دفع شرورهم عن نفسه؟!

لأنا نجيب عن ذلك بأنه معارض: بخوف الرسول (صلى الله عليه وآله) من المشركين واستتاره منهم، فإنه أمر متفق على وقوعه مع أنه لم ينصره في حال خوفه بجيش معصوم، ولم يطلعه في تلك الحال على ما في بواطنهم، وعلى ما يتخلص به من شرورهم. أقصى ما في هذا الباب أن يفرقوا بين الاستتارين بقصر المدة هناك وطولها ها هنا، لكن هذا لا يصلح فرقا، لجواز أن يكون قد علم [ أن ] فرصة التمكين التام غير ممكنة في هذه المدة، أو لعذر آخر لا يطلع عليه، وبالله التوفيق.

فهرس الکتاب   << الصفحة السابقة الصفحة التالية >>
URL http://alyousofi.ir/ar/book_7_ch1.htm